تلامذة "هتلر".. وخَدَمة البيادة!

10:42 07 سبتمبر 2015
الكاتب :  

يشتهر بين الأدباء كاتب نمساوي من أصل يهودي؛ اسمه ستيفان زفايج (1881 – 1942م)، وهو أديب مرموق يعد من أبرز كتّاب أوروبا في بدايات القرن العشرين، له مجموعة من الروايات المهمة، وقد عرف بترجماته الطويلة لعدد من مشاهير الأدباء أمثال: تولستوي، وديستوفسكي، وبلزاك، ورومان رولان. ‏

والأهم من ذلك أنه حارب الاستبداد والنازية التي أشعلت الحرب العالمية الثانية؛ مما اضطره للهرب والانتقال إلى بريطانيا ثم أمريكا الجنوبية، حيث دفعه اليأس بعد انتصارات هتلر المتوالية أن ينتحر في البرازيل مع زوجته وكلبه قبل أن تنتهي الحرب، والطريف أنه يصف نفسه بأنه "يهودي بالصدفة".

هذا نموذج للكاتب الذي يملك ضميراً حياً - وإن لم يحالفه التوفيق في القدرة على التحمل - واجه بكل قوة فكرة النازية البشعة التي تقوم على أساس العنصرية والتطهير؛ أي فكرة أفضلية مجموعة من الناس على بقية المجموعات لسبب وآخر، والعمل على تصفيتها وإزاحتها بالقوة والدم كما فعل هتلر، الذي أعلن أن ألمانيا فوق الجميع، وشن حرباً على جيرانه تحولت إلى حرب عالمية استمرت خمس سنوات وانتهت بهزيمته وتقسيم ألمانيا بين المنتصرين!

هناك مفكرون أحرار وكتَّاب شرفاء في أرجاء العالم حاربوا الاستبداد والنازية أيضاً، منهم في مصر العقاد الذي هرب إلى السودان عندما تقدم روميل نحو الإسكندرية!

المفارقة أن لدينا تلامذة لهتلر لم يعوا الدرس، ولكنهم يجددون نزعة العنصرية والتصفية والتطهير ضد الأغلبية المصرية المسلمة، فيطالبون بحرقها وتصفيتها وتطهير وادي النيل منها، ظناً منهم أن ذلك يخدم الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، ويقربهم منه، ويرفع مكانتهم لديه على حساب دماء المصريين الشرفاء الأبرياء.

ليس أحمد موسى أول تلامذة هتلر، ولا آخرهم جمال الغيطاني، أحمد موسى بوق أمني تاريخي منذ أيام المخلوع مبارك، وما يقوله عن القتل والحرق والتطهير أمر مألوف لديه، وهو لا يمتلك ثقافة معتبرة ولا فكراً ذا قيمة، ويقال: إنه كان في البداية أمين شرطة وترقى حتى التحق بجريدة "الأهرام" صحفياً في قسم الحوادث وأخبار وزارة الداخلية، وهو لا يعرف معنى الحرية ولا الديمقراطية ولا كرامة الإنسان.

أما جمال الغيطاني فهو يكتب القصة والرواية والرحلة والمقالة اليومية والأسبوعية، أي إنه محسوب على الذين يدافعون عن الحرية والكرامة والديمقراطية، ولكنه للأسف لا يمتلك فكراً ولا رؤية، فكره سطحي ورؤيته هشة، ولا تساعده شهادة الإعدادية الصناعية التي يحملها على الفكر الرصين والرؤية العميقة، ولم يسعفه انتماؤه مبكراً إلى التنظيمات الشيوعية مع مجموعة عبدالرحمن الأبنودي، ويحيى الطاهر عبدالله، وأمل دنقل، وسيد حجاب، وصبري حافظ وغيرهم في تنمية قدراته الفكرية والأدبية.

أجل! ارتقت به الشيوعية إلى وظائف الصحافة والأدب، وهو لا يحسن إقامة جملة صحيحة كما يقول عنه رفيقه صبري حافظ الذي صار أستاذاً جامعياً يعيش في لندن.

أذكر أنني قرأت له في الستينيات ما سماه رواية اسمها "أوراق شاب عاش بعد ألف عام"، كانت الفكرة سطحية مع أنها من الخارج تبدو جديدة، كالعادة خططت في حينه تحت الأخطاء الإملائية والنحوية والتركيبية، فبدت الصفحات جميعاً ملونة بقلمي الأحمر في إشارة واضحة إلى انقطاع العلاقة بين الكاتب واللغة العربية، صحيح أنه حاول أن يتدارك كثيراً من هذه الأخطاء في كتاباته اللاحقة، ولكن الركاكة مع العديد من الأخطاء مازالت تؤكد ضعف أداته اللغوية والأدبية، ولا تعجب إذا وضعه صبيانه وأتباعه من جنود الدعاية في موضع سيد الكتابة وكاهنها الأعظم ووصفوه بالكاتب الاستثنائي! فقد نجح من خلال إشرافه على صفحة "الأخبار" الأدبية، وجريدة "أخبار الأدب" في تشكيل فريق دعائي قوى للغاية يروج له دائماً.

عندما يقول الغيطاني لـ"البوابة نيوز" (26/ 9/ 2014م): إنه يطالب قائد الانقلاب بحق الشعب من "مليارديرات مبارك"، وأن يعامل الإخوان معاملة ألمانيا لليهود، فهذا انحراف فكري خطير وسلوك خلقي شرير، فالإخوان وأقاربهم وأنصارهم والمتعاطفون معهم يمثلون نصف الشعب المصري تقريباً، وحرق نصف الشعب المصري جريمة لا يمكن قبولها أو قبول المحرضين عليها، ويجب تقديمه وأمثاله إلى القضاء المحلي والدولي.

ثم إن مطالبته باسترداد مال الدولة من رجال مبارك تأخرت كثيراً، وقد نسي أن يطالب بمليارات مبارك نفسه ومليارات أسرته التي ترقد في بنوك الخارج، كما نسي أنه كان يؤله مبارك ويجعل منه بطلاً خارقاً – ومقالاته حافلة في هذا المجال – ولم يقصر مبارك في رد الجميل للغيطاني فمنحه وأسرته وظائف وغنائم في الصحافة والثقافة والإعلانات والسفريات والجوائز والمؤتمرات والنشر والإعلام والرعاية الصحية في الداخل والخارج (الانقلاب يفعل مثل ذلك وأكثر).

يصف الغيطاني معتصمي رابعة بالقتلة الذين تاريخهم في سفك الدماء طويل، وكانوا ممن لهم مراجعات مع الأمن أيام النظام السابق (حديثه إلى ليليان داود في قناة "أون تي في" 20/ 6/ 2013م)، ولم يكتفِ بذلك، بل طالب بفض الاعتصام بالقوة قائلاً: "إن اعتصام الإخوان برابعة العدوية يعد بمثابة "بؤرة فساد" لابد من التخلص منها فوراً، وأعتبره "تمرداً مسلحاً" على الدولة بكل كياناتها ومواطنيها، مشيراً إلى أن السياسة الداخلية المتبعة حالياً من مسؤولي وزارة الداخلية أو الجيش مثيرة للإحباط الشعبي، نظراً لتراجعها المستمر عن قرارها بفض الاعتصام نهائياً" ("البوابة نيوز"، الأربعاء7/ 8/ 2013م).

الرغبة النازية الدموية لدى الغيطاني تجعله أديباً خفيف الوزن خلقياً، وفنياً، كما وصفه رفيقه السابق صبري حافظ، وتمثل وصمة عار لا تُمحى في تاريخه الأدبي إن كان له تاريخ أدبي، وتجعله مجرد أداة في نظام الحكم العسكري الفاشي، وواحداً من جوقة فاشية تهتف لهذا النظام الدموي في قهره الشعب وسلبه حريته وكرامته، فهو مثل الشيخ ميزو الشيوعي العضو بحزب توتو (مجموعة الانتصار) الذي يدعو إلى قتل الإخوان، ويوسف زيدان مغتصب وظيفة مدرس في إحدى الكليات بغير حق، أخرجه منها القضاء، وعُيّن بعدها بطريقة غامضة في وظيفة عالية الراتب للغاية في مكتبة الإسكندرية، الذي يدعو إلى قتل أمناء الشرطة المعتصمين في مديرية الأمن بالشرقية مثلما تم في فض رابعة، ومثل الشيوعية بهيجة حسين التي تسمي المعتصمين في رابعة بالبلطجية (عشرات الآلاف من أنبل الناس وأشرفهم وأغلبهم أساتذة وأطباء ومهندسون وعلماء ومعلمون ومحامون وعمال وفلاحون.. هؤلاء بلطجية يا بهيجة؟!).

هل يمكن أن نقارن تلامذة هتلر عندنا مع بعض كتَّاب العالم الذين وقفوا ضد الاستبداد والنازية كما فعل ستيفان زفايج، وضد الجنرالات والمغامرين كما فعل كتَّاب أمريكا اللاتينية؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

(عرفت عند كتابة هذه السطور أن الغيطاني نُقل إلى المستشفى العسكري وهو في غيبوبة، أدعو له بالإفاقة والشفاء، لعله يراجع نفسه ويتوب إلى الله تعالى).

عدد المشاهدات 3224

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top