نفثة قلم

07:17 21 سبتمبر 2015
الكاتب :  

يظهر أنّ قلمي أصيب بالغثيان والقهر؛ رغم انخفاض الضغط الجوي عليه، فقد كانت الطائرة تحلق على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، وربما لارتفاع الضغط النفسي الذي يعانيه من صحبتي الطويلة، ومن ضغط أصابعي، فقذف حممه على أصابعي وعلى الكتاب الذي بيدي، وكاد أن يتمادى ليوسع عدوانه حتى خشيت على ملابسي لولا أن تداركني الله برحمته، ورفعت يدي عنه ليستريح وحاولت أن أزيل آثار عدوانه عن الكتاب وأن أخفي جريمته فلم أفلح.

وأعترف أنه على إيذائه فهو خير من حامله، لأنه عندما وجد الظلم والخذلان ثار، وفعل ما استطاع ليشعرني بحاله، وبالقدر الذي أغضبني احترمته، فلم يعد قادراً على السكوت على الظلم والهوان.

استعنت بعد ذلك بصديق (مضيف) فأسعفني بقلم "مُدَجّن" يظهر أنه من "فصيلتي"، يكتب لو شئت ذهباً، ولو شئت أن يكتب ملياراً لكتب، ولكن لن يقرأها بنك أو صراف، ولا يغضب حتى لو خنقته يطيعك، وربما يشكرك، ويجود بحبره ليجعل للكلمة ظلالاً تحسبها جميلة وهي على خلاف ذلك، وهو شريك في التزوير فهو المطيع المنتمي.. خفيف الحمل جميل المظهر لكنه ليس بأصالة ذلك "العفريت" الثائر.

يا سيدي يا أبا محمد (د. عبدالحميد القضاة) رجوت نصرتي لقراءة كتابك فخذلتك، فقد شوَّه قلمي كتابك ظناً منه أن "الربيع العربي" لا يزال صاعداً متألقاً، "فهتف مرتين بلا سقف"، حاولت أن أغيب آثار عدوانه بالأوراق والمحارم وحتى بيدي ولم أفلح.. وكتابك يتألم لما أصابه.

ولو واصلت مصارعة القلم "الأزعر" لأصبح كتابك "الكتاب الأسود بحق"، ثم لأصبح بعد الثورة العرمرمية أثراً بعد حين، وذهب جهدك وتصحيحاتي وفذلكاتي سُدىً.

وقال لي بانفعال شديد نثراً يشبه الشعر، ويشفع له صدقه:

لقد قال الخــبيرُ اقرأ        وقال أعـــــــــملْ وقال انــــــصبْ

يسمح بأنْ أن تيــأسْ        ولــــــم يأمُـــــــــرْك أن تكتــــــب

إلى أينَ تـُـجرجِرُنـي        إلى بكين، إلى جاكرتا أو أقــرب؟

أتأخذني إلى الشرقِ؟        وتـــــــلك القدس في المــــــغرب؟

فقد حرقوا مصلاكــم        وحــــــتى اليـــــوم لم تــــــغضب

وقد جـــــفت مآقينـــا        فـــــلم نقـــــــرأ ولم نــــــــــــكتب

صـــــحيحٌ أنني قلـــمٌ        أطيلُ الصـــــــمت لا أصـــــــخب؟

فقلـت وأدمعي جفــت        وحـــبري الـــــيوم لا يكتــــــــب!!

سوى غضبٍ ســأنُفُثه        علــــيكم يا بني يَـــــــــــــــــعْرب

استمعت إليك أُداري تقصيري فجوابه لي عندما عنفته قال: "هو من عند أنفسكم"، وصدق وهو المعتدي، وقلت: يا أخي، يا أبا محمد، عذراً ثم عذراً على ما جرى لكتابك.

لأن السواد ليس جميلاً إلاَّ في بعض الـــــــحالات

 في كـــــــــــــــــــــــــــسوة الكعبة الــــــــمشرفة

وفـــــــــــــــــي السيارات الرسمية اللون الملوكي

وفي بعض العيون التي في طـــــــــــــــرفها حور

وأما عندنا – نحن البدو – ففي القهوة السمــــــرا

وفــــي أيام الظالمين القادمة إن شـــــــــــــــاء الله

وعلى كل حال يا أبا محمد، "إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً"، ثم حقك فيما أصاب كتابك على فراشك وكفيل الوفاء على ما أصاب الكتاب من تريد، وكفيل الدفا أخي وشقيقك أبو حَسّان ليحميني.. والله المستعان.

عدد المشاهدات 3232

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top