"هابي بيرث داي" هيكل!

13:42 30 سبتمبر 2015
الكاتب :  

قبل أيام احتفل تلاميذ الأستاذ محمد حسنين هيكل بعيد ميلاده الثالث والتسعين، حيث تجمع التلاميذ حول "الأستاذ" كما يحبون أن يسموه، وتناقشوا معه في قضايا الوضع الراهن في البلاد، فكان حديثه بالنسبة إليهم مفاجئاً وصاعقاً.

صحف التلاميذ؛ التي صارت مثل "البرافدا" ("الأهرام" سابقاً) و"إزفستيا" ("الأخبار" سابقاً) احتفت بالأستاذ، وأفردت له مساحات شاسعة، وتحدثت عن أسرار الوهج والبقاء بالنسبة له، فقد ملأ الدنيا وشغل الناس، بما يملكه من مقومات مهنية وملكات فطرية، جعلته في بؤرة الأضواء، طوال السبعين عاماً الماضية.

ويدافع التلاميذ المقربون عن فكرة ارتباط نجوميته بالبكباشي الأرعن باستمرار وجوده الصحفي والفكري عقب رحيل صاحبه المهزوم دائماً، وتجاوز كرسي رئاسة التحرير إلى مرحلة أشد لمعاناً وبريقاً.

توالت ملاحم التقديس لهيكل فقيل: هيكل مِلك وطن، مِلك ناس هذا الوطن، هيكل من جواهر التاج، نحِّ جانباً المرجفين، والحاقدين، من الإخوان والتابعين ومن لفّ لفهم(!) يكرهون أنفسهم، هؤلاء جميعاً يذوب حقدهم في نهر الأستاذ ذوبان الملح لا يغيّرون طبيعة النهر(!) هيكل نهر الصحافة الجاري يغتسل في حضرته المحبون، ويرتوون.

تجاوز الأمر حد التقديس والمكايدة إلى تشبيه هيكل بأبي بكر الصديق مع الفارق! هكذا قالت ردّاحة ردحت لمن يعارضون الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وكانت طيبة مؤدبة في عهد ما قبل الانقلاب، ولكن هواها الهيكلي جعلها تنسى أن تذكر أن الصديق رضوان الله عليه كان يصلي ويصوم ويؤمن بالبعث والنشور والجنة والنار، ولم يأكل لحم الخنزير ولم يعرف أنواع الشمبانيا والفودكا، وكان يجلس في السوق ليبيع الأقمشة والحرير، وهو ما دعا عبدالرحمن بن عوف وجماعة من الصحابة أن يذكّروه أنه صار أجيراً عند المسلمين حين بايعوه أميراً عليهم، ومنعوه من التجارة، مقابل راتب سنوي، وكسوة للصيف وأخرى للشتاء يستبدلهما كل عام، وعبد يخدمه يعود لبيت المال بعد وفاته، ديمقراطية إسلامية سبقت ديمقراطية العيون الزرق!

تلامذة هيكل يؤلمهم أن السادات نحى أستاذهم عن قيادة "الأهرام"؛ كي لا يكون الكاتب الأوحد للزعيم الأوحد، واستعادوا ما قاله في فبراير من عام 1974م فرانسوا ميتران، قبل أن يصبح رئيساً لفرنسا، عندما سمع نبأ إعفاء أستاذهم وصديقه، فقال بعفوية: لا يمكن.. يبدو أن انقلاباً حصل في القاهرة، كان هيكل قبلها بأقل من أربع وعشرين ساعة يصطحب ميتران إلى الرئيس أنور السادات ليتناول الثلاثة طعام الغداء وسط أجواء بدت طبيعية جداً، ولا تنبئ بأي عاصفة، ناهيك عن انقلاب سياسي، وكان إعفاء هيكل في منظورهم عن رئاسة تحرير "الأهرام" لا يقل أثره عن آثار الانقلابات السياسية في تلك المرحلة.

بالطبع لا ينزعج دراويش هيكل من الانقلاب العسكري الدموي الفاشي الذي أطاح بأول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر منذ قلب العسكر النظام الملكي في يوليو عام 1952م، وتم خطف الرئيس الشرعي، وتحويل البلاد إلى قشلاق يمتد من أسوان إلى الإسكندرية، فقد شارك التلاميذ في التمهيد لهذا الانقلاب، وتنادوا إليه، ووفروا له الغطاء الإعلامي والسياسي بمعرفة أستاذهم المتوهج المستمر!

ولا شك أن أستاذهم كما قلت في مرات سابقة يمتلك أدوات الحرفة جيداً، ولديه قدرة جيدة على الصياغة والتعبير والعرض، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بوجوده بجوار السلطة، في العصر الملكي كان يحيّي الملك فاروق في عيد ميلاده بقطع أدبية بليغة، وفي عهد الطاغية الأرحل، كان هيكل صوته الأوحد الذي حقق به الزعامة التي قادت إلى الهزيمة النكراء عام 1967م، ولم يتكلم عن الهزيمة وأسبابها خاصة دولة المخابرات وزوار الفجر إلا عام 1968م، بعد أن أضاء له صاحبه الضوء الأخضر ليتخلص من منافسيه على السلطة!

حاول هيكل أن يؤدي الدور نفسه مع السادات؛ فأيده في الإطاحة بالتنظيم الطليعي الذي أسسه الطاغية الأرحل ليكون يده اليمني ضد تهديد قادة العسكر وتململ الشعب المقهور، وتصور أن تأييده للسادات سيجعله صاحب حظوة وكلمة لا ترد، ولكن الفلاح الذكي صبر عليه حتى أنجز حرب رمضان ووضعه في حجمه الطبيعي.

ويبدو أن مبارك تأثر بالسادات، فتركه يلعب في الخارج ويستعيد حكايات وقصصا عن الماضي مع صاحبه البكباشي الأرعن، ويثأر لنفسه من السادات وآل أمين الذين دخلوا السجن أو تاهوا في المنافي بإيعاز منه وعادوا إلى الحرية والوطن بعد حرب العبور.

ولا شك أنه لم يجد مع الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي – فك الله أسره – مناخاً يشبه المناخ الناصري، فعمل على توطيد وجوده بين العسكر، وقدم نصائحه ليتم الانقلاب في صورة اعتقد أنها ستنهي تطلع الشعب المصري المسلم إلى الحرية، ولكن نصائحه لم تحقق نتائج جيدة، فراح يفاجئ تلاميذه بلغة لم تكن متوقعة!

قال هيكل لدراويشه في عيد ميلاده: إن الرئيس الضرورة مصدوم من المشكلات والتحديات التي تواجه البلد، ويشعر بالمرارة بعد اطلاعه عليها، مشيراً إلى أنه مستعد لأن يسمع وينصت ويتفهم، لكن الأزمة غياب منهج للتفكير، ونسي عرّاب الانقلاب العسكري الدموي الفاشي أنه أعفى الرئيس الضرورة من برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي يقدمه كل مرشح لتولي الرئاسة أو النيابة عن الشعب، لأنه كان يعلم جيداً أن هذا لا يليق بقادة الانقلابات العسكرية الذين يصبح كلامهم برامج وسلوكهم مناهج، ألم يكن الأمر كذلك قبل ستين عاماً مع البكباشي الأرعن؟

يخبر هيكل دراويشه الذين غنوا له "هابي بيرث داي هيكل"، أن الرئيس كان عنده تصورات حالمة، لكنه لم يكن يعرف طبيعة الملفات، ويجب أن يتجاوز تلك الصدمة، وأضاف: مصر في هذه اللحظة تائهة وسط العالم والإقليم، موضحاً أننا نحتاج إلى من يصف لنا ما يجرى حولنا، في سورية والعراق والسودان، وشدد هيكل على أن الوضع الحالي قد يؤدي إلى الانفجار والبلاد لا يمكنها تحمل تلك الكارثة، وحذر من عواقب تفكيك الجبهة الداخلية.

 يبدو أن الأستاذ يرى شيئاً لا يراه دراويشه، وكعادته يتنصل من كل شيء عندما يرى السفينة تبحر في الظلمات وسط الأمواج الهائجة، ويقنعنا أنه لم يكن يرى العواصف والأنواء التي صنعها أو نفخ فيها بروحه كما يقول أيمن نور!

هيكل لم يكن يوماً منحازاً إلى حرية الشعب المسكين، هيكل كان دائماً منحازاً إلى الحكام والطغاة في مصر وخارجها، هيكل لم يكن يوماً منحازاً إلى الإسلام أو محايداً في الحرب عليه، كنت أتمنى في عيد ميلاده أن يراجع نفسه، ولكنه آثر أن يسمع الطبل خانة يقرعون الطبول ويدقون الصنوج: "هابي بيرث داي هيكل"!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

عدد المشاهدات 2169

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top