الإخوان.. بين صيد "القراميط" والحمار الفدائي!

09:09 12 نوفمبر 2015
الكاتب :  

في الوقت الذي كان فيه النظام العسكري الدموي المصري يدور حول العالم بحثاً عن شراء شرعية مفقودة، واعتراف دولي ثمنه غالٍ، وتوقّف في لندن ليدفع مبلغاً كبيراً ثمناً لصفقة سلاح تعزّز قدراته لقمع المصريين وقتلهم وملاحقتهم ومطاردتهم والتوغل في أعماق خصوصياتهم، أقول في ذلك الوقت: كان المصريون يتفكّهون بالمصائب التي حطت عليهم ولا يستطيعون لها دفعاً، ولا تسعفهم إدارة بيروقراطية فاشلة تبحث عن النهب المنظم ولا تنجز شيئاً مفيداً لعامة الشعب الظالم المظلوم!

كانت الأمطار والعواصف والسيول قد أغرقت عدداً من المحافظات من بينها الإسكندرية للمرة الثانية، حيث رأى الناس صوراً ومناظر تقشعر لها الأبدان، أو تجعل أفواههم تفتر عن بسمات مريرة، وضحكات مجروحة.

وقفت جماعة من المصريين تشاهد بعض الشباب الذين يتسابقون لصيد "القراميط" من مياه الأمطار في الشارع الغارق، كان بعضهم قد اشتراها حية وأطلقوها في الماء، وراحوا يستخدمون قصبات الصيد لاصطيادها مرة أخرى، ومنح الفائز جوائز طريفة، وفي خلال ذلك يتضاحكون بسبب شر البلية، ونسوا أن يغنوا "تسلم الأيادي" أو "بشرة خير" التي كان ينشدها شعب البيادة ودماء المسلمين الأبرياء تغرق ميادين رابعة العدوية والنهضة ورمسيس وغيرها بفعل قتلة الانقلاب العسكري الغادر، لم ينبس المصريون - وهم في الغرق يصطادون القراميط ويمزحون - ببنت شفة تجاه "الدكر" الذي وعدهم بأن مصر "قد الدنيا"، وأنهم غداً سيرون كيف ستكون مصر "وبكرة تشوفوا مصر"!

نقلت الصور منظراً لعربة كارو يجرها حمار وهي غارقة في مياه الشارع، ولا يظهر من "الحمار الفدائي" غير رقبته، ويقف العربجي وبجواره آخر فوق سطح العربة الغارق، ويلهب رأس "الحمار الفدائي" الذي يجري بأقصى سرعة في غمرات الماء لينقذ نفسه والعربة وراكبيْها!

كان الناس يضحكون على الجانبين، ويقومون بتصوير "الحمار الفدائي" الذي ألقيت على كتفيه مهمة القيام بأعباء الخروج من غمر الماء إلى أرض غير مغمورة وسط السيل الهادر، شبّه الناس الحمار الفدائي بالشعب المصري الذي لم يجد من يحنو عليه، غير السوط وخوض الغمرات المهلكة ومعاناة السوط أو الكرباج في كل الأحوال.

على الجانب الآخر في عاصمة الضباب لندن كان الانقلاب العسكري الدموي الفاشي يتحدث عن عنف الإخوان وإرهابهم، ويسوغ قتلهم وسجنهم ومطاردتهم وإقصاءهم، ويدعي أن الشعب هو الذي قرر معاقبتهم! أي شعب؟ ثم يستبعد في حواره مع القناة العربية لتلفزيون "بي بي سي" أي إمكانية للمصالحة معهم؛ لأن الأمر أصبح "مجابهة"، وليس "مصالحة"! وكان من قبل يصرح للقناة ذاتها بالإنجليزية أنه لا يستبعد تلك المصالحة، شريطة موافقة الرأي العام عليها! ونسي أن الإخوان جزء من الشعب الذي يرفض حكم البيادة وممارساتها الدموية المعادية للحرية والكرامة والعدالة، كما نسي أنه انقلب على نظام ديمقراطي حمله إلى سدة وزارة الدفاع، ومنحه درجتين في الرتبة العسكرية ليسبق من هم أقدم منه، فإذا به يعوّق هذا النظام ويلقي بإرادة الشعب التي عبر عنها انتخابياً في صناديق الزبالة، ليغرق بعدئذ في شبر ماء كما يقول التعبير العامي!

إن الحديث عن الرأي العام الذي يقرر مصير الإخوان يبدو شيئاً طريفاً، في الوقت الذي لا يسمح فيه النظام لمظاهرة تعارض النظام أو تعبر عن رغبتها في إزاحته، وإلا لو فعل فسوف يرى حقيقته، وهي حقيقة لا يعبر عنها مخرج "الفوتو شوب"، كما لا يعبر عنها تصويت على الانتخابات الهزلية التي كانت في يومها الأول لا تزيد عن 5%!

بينما كانت السيول تعلن عن اقتحام البيوت والشوارع في القرى والمدن، ويتصاعد عدد الضحايا في محافظة البحيرة وغيرها، كانت الأجهزة الانقلابية مشغولة ضد أبناء الشعب المصري، وليس الإخوان، وهم يعتصمون في عاصمة الضباب بداوننج ستريت ليمنعوا قائد الانقلاب من دخول مقر الوزارة البريطانية أو البرلمان، وقد بالغت الأذرع الإعلامية للانقلاب وهي تتكلم عن الحافلتين اللتين جهزتهما الكنيسة ليحملا المؤيدين من روما وفرنسا، وإظهار أن الشعب المصري سعيد بضربه بالسياط! والمفارقة أن الأخبار تواترت بأن السفارة المصرية دفعت أموالاً لعدد من العمال المصريين العاملين في مقاهي شارع العرب الشهير في لندن "إجور رود" من أجل أن يتظاهروا في المكان ذاته لتأييد قائد الانقلاب، وفي الوقت نفسه تتوقف محطات الصرف الصحي عن العمل ولا تجد دعماً مالياً.

من المؤكد أن بريطانيا العظمي التي تفاخر بالقيم الديمقراطية، وعبرت عن رفضها للانقلابات العسكرية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورفضت استقبال الحكام الانقلابيين تقفز فوق هذه القيم، وتعبر عن موقف انتهازي تجاري رخيص من أجل أن تدخل خزانتها العامة بعض المليارات من الدولارات أو اليورو، فالأعراب الذين يدعمون الانقلاب ويغذونه بـ"الرز "على استعداد لفعل أي شيء من أجل قهر الشعب المصري واستعباده، وتقديم أنفسهم على أنهم السادة، ورمز التقدم، وتعويض الفارق الزمني بين السبعة آلاف سنة، والخمسة عقود!

وإمعاناً في الانتهازية والابتزاز لا يخجل رئيس الوزراء البريطاني وقائد الانقلاب في ضيافته فيعلن وقف رحلات الطيران البريطاني إلى سيناء بسبب تحطم الطائرة الروسية، وهو ما عدّته "هاآرتس" العبرية إهانة قوية وعلنية للجنرال، وتبع ذلك إعلان عدد من شركات الطيران الأوربية ومعها روسيا الدموية عدم سفر طيرانها إلى مصر، مما يقلص حركة السياحة المصرية المتداعية من قبل.

وكانت أم الفضائح في عاصمة الضباب هي مطالبة قائد الانقلاب لرئيس الوزراء البريطاني وحلف "الناتو" التدخل العسكري في ليبيا حتى لا تقع في قبضة جماعات إسلامية، وهي دعوة للتدخل في بلد عربي شقيق يعمل فيه نحو مليونين من المصريين، وتعمل الأمم المتحدة على جمع الأطراف السياسية الليبية للتفاهم والتوافق في الصخيرات بالمغرب الشقيق، وحل مشكلة انقلاب الخائن حفتر بما يجنب البلاد حرباً لا تبقي ولا تذر؟ هل وصلت كراهية الحركة الإسلامية حد التضحية بمصالح مصر والمصريين والدعوة للتدخل الأجنبي في بلد عربي شقيق؟

إن الفشل الذريع الذي "ينجزه" الانقلاب المشؤوم يومياً على المستويات كافة يجعلنا نتساءل: هل مكتوب على شعبنا أن يعيش حياته بين صيد القراميط والحمار الفدائي؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

عدد المشاهدات 1599

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top