وزير "الفلنكات" في مهرجان "الفنكوش"!

11:19 30 ديسمبر 2015
الكاتب :  

لم تعد مشكلة النقل والمواصلات والمرور في بلادنا التعيسة هامشية أو يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، أعداد الضحايا يومياً تفوق أعداد أمثالهم في أي بلد من بلدان العالم، وتتجاوز خسائر الجيوش في الحروب المهلكة.

وزير النقل الانقلابي الحالي يصنع من حوله ضجيجاً عالياً بدءاً من رفع ثمن التذاكر في المترو والقطارات، والإعلان عن خدمة الــV.I.P؛ أي الطبقة المترفة، إلى الحديث عن تعاقدات مع شركات عالمية لإدارة بعض المرافق البحرية وغيرها.

الرجل القادم من المؤسسة العسكرية - فيما يبدو - يتكلم كثيراً عن التطوير والتكنولوجيا والمحكمة الخاصة لنظر قضايا التحرش داخل القطارات والمترو، واستطلاع آراء المواطنين حول «رفع أسعار تذاكر المترو»، وتسويغ ذلك بوصول مديونيات وزارة النقل التي وصلت إلى 35 مليار جنيه، ثم لقاءاته مع المسؤولين الأجانب حول ما يسمى أنظمة النقل الذكية، وتنفيذ منظومة حديثة لرقابة الطرق إلكترونياً بإقامة شبكة الكاميرات المتطورة، وربطها مع مراكز للسيطرة لرصد المخالفات بدقة شديدة، والتنسيق مع الدوريات الراكبة ورجال المرور لضبط المخالفين فوراً، فضلاً عن حديثه حول الخطط القصيرة المدى والمتوسطة والطويلة المدى لتطوير مرفق السكك الحديدية, مشيراً إلى أن الوزارة تسير بشكل سريع للانتهاء من هذه الخطط خلال 4 سنوات, ليتحول للمنافسة المحلية (؟), وذلك في وجود التحديات التي تواجهها الوزارة، وإصابة السكة الحديد بشيخوخة وترهل شديدين في السنوات الماضية، والحاجة إلى ما بين 7 - 9 مليارات جنيه سنوياً لا تتحصل الهيئة منها إلا قليلاً؛ مما جعلها تعتمد على الضرائب والقروض فقط.

أكد الوزير وجود 808 جرارات نصفها معطلة تماماً، والنصف الآخر يحتاج أعمال صيانة وإحلال وتجديد؛ لأنها تعمل منذ أكثر من 30 عاماً، وتعرض بعضها لأعمال سرقة وتخريب, وأشار إلى أنه يوجد لدى المرفق أكثر من 3 آلاف عربة تحتاج 1500 منها لإحلال وتجديد عاجل، بينما يحتاج النصف الآخر للصيانة، مع وجود خطوط بمسافة 9500 كيلومتر منها 1500 كيلومتر تحتاج إلى إحلال عاجل، وهو ما يتطلب إيقاف خطوط عن العمل وإبطاء أخرى, كما تم تجهيز مسافة 400 كيلو فقط بنظام الإشارات الآلية، فضلاً عن المشكلات التي تواجه الورش والتدريب والعمالة والموارد البشرية.

كأنّ الوزير وهو يرصد الواقع المزري للنقل بالسكة الحديد يمهد للإعلان عن فشله مسبقاً وإبراء ذمته من التقاعس عن إنقاذ هذا المرفق المهم والخطير في حياة الناس خاصة الطبقة المطحونة، ولم يشر إلى شبكة المواصلات الممتازة التي وعد بها الجنرال ولم تتحقق في مهرجان "الفنكوش"!

احتفى الوزير بالطبقة الثرية فخصص لهم قطارات مرفهة، أما الفقراء، فقد ألغى خطوطاً ريفية عديدة؛ بحجة أنها لا تأتي للهيئة بعائد لقلة الركاب، ونسي أنه يقدم هدية ثمينة للصوص الصغار والكبار حين يرون قضباناً مهجورة لا تسير عليها القطارات ولا يحرسها أحد، وأظن أن تفكيكها، والظفر بـ"فلنكاتها" من أيسر الأمور، ولا أدري هل يعتقد السيد الوزير أنه وفَّر شيئاً من الخسائر؟ وهل يستطيع حماية العربات المتوقفة التي سيتم نهبها بالجملة والقطاعي بدءاً من الكراسي حتى الأبواب والشبابيك.. وما أكثر اللصوص وما أذكاهم!

تصورت مثلاً أن ينقل سيادته هذه الخطوط إلى مناطق أخرى لتعميرها وتخفيف الزحام، سيناء مثلاً تحتاج إلى مجموعة من الخطوط بين الوادي وشرم الشيخ وطابا وغزة، وكان هناك في زمن السلطان العثماني خط يتواصل من مصر مع سكة حديد الحجاز يمر بفلسطين والشام حتى إسطنبول، أدرك أن معاليه يصعب عليه أن يتكلم مجرد كلام عن إنشاء خطوط في سيناء الحزينة، فالأمر مرهون بإرادة العدو النازي اليهودي في فلسطين وليس بيد الأشاوس والنشامى، كما أدرك أن الفشل "الفنكوشي" الذريع الذي يعيشه الانقلاب العسكري الدموي الفاشي لا يسمح بترف الكلام في تعمير سيناء المحرم يهودياً.

بيد أني أوجه نظر معاليه إلى أن هناك مناطق مكتظة بالسكان في الدلتا، وتضمن تشغيل القطارات على مدار الساعة، وكان هناك مثلاً مشروع في التسعينيات لإنشاء خط حديدي في المسافة بين طنطا ودسوق مروراً بمركز بسيون، هناك طلاب وموظفون ومسافرون من كل الطبقات يتحركون يومياً على هذه المسافة التي كانت قديماً تضم خطاً لسكة حديد الدلتا، ينقل الركاب والحيوانات والبضائع، ويوفر كثيراً من الحوادث المفزعة والدماء التي صارت رخيصة، هل فكر معاليه في نقل الخطوط التي ألغاها إلى هذه المنطقة بدلاً من تركها للصوص الأذكياء؟

أما الطرق المرصوفة فقد صار السير فيها تعذيباً لا مثيل له في أي دولة في العالم المتقدم والمتأخر لأسباب يعرفها معاليه، وفي مقدمتها سيارات النقل الثقيل والمقطورة التي تسابق السيارات الصغيرة والنقل الخفيف والتوك توك والجرارات وعربات الحديد التي تجرها الحمير على الطرق السريعة.. الطرق المرصوفة الرئيسة والفرعية صارت أضيق وأضعف من احتمال العدد الضخم من المركبات، أضف إلى ذلك سوء هذه الطرق من حفر ونتوءات وقنوات بسبب انعدام الضمير لدى شركات الرصف، وأود من معاليه أن يقرأ – لو كان يقرأ – كتاب "فساد رصف الطرق" من تأليف المهندس أسامة فتحي، الصادر عن دار الكتب العلمية بالقاهرة، عام 2015م، ليرى من خلاله مأساة تدمير الطرق وقتل الأنفس بسبب هذا التدمير، وإن لم يستطيع معاليه أن يحصل على هذا الكتاب، فإنني أضع أمامه الرابط التالي ليقرأ ملخصاً وافياً له:

http://www.ahram.org.eg/News/131756/44/459984

ليت الوزير الهمام قبل أن يتحدث عن المراقبة الإلكترونية للطرق يصلحها ويوسعها أولاً، ويزيل المطبات التي تتسبب في قتل خلق الله، وسأضرب له مثلاً بطريق قصير هو طريق دمنهور دسوق، ويبلغ نحو 18 كم، ويوجد به اثنان وأربعون مطباً، لا يتوافر في واحد منها شروط المطب القانوني، بل هي سدود عالية مدمرة تشبه سد النهضة الإثيوبي الذي سيقتل المصريين عطشاً.

لديّ اقتراح لا أعرف هل يملك معاليه الشجاعة ليطالب به أو لا؟ وهو الإتاوات القانونية التي يفرضها رجال المرور على السيارات بوحشية وظلم فاحش، هذه الإتاوات يمكنها إصلاح الطرق وتوسيعها والتخلص من لصوص الطريق الذين أقاموا عليه مباني ضيقت الطريق أكثر مما هي ضيقة، وإذا استطاع معاليه أن ينتزع قراراً بإيقاف المقطورة، وتشغيل الشحن بالسكة الحديد والنقل النهري، فسيكون وزيراً ناجحاً في زمن "الفنكوش"، هل يستطيع أن يتصدى لحيتان النقل الثقيل، ويفعل بهم ما تفعله الدول المتحضرة بدلاً من اعتصار الفقراء والغلابة؟ أشك في ذلك!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

عدد المشاهدات 2274

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top