طباعة

    "العوالم" والسياسة!

12:09 30 يناير 2016
الكاتب :  

يندهش كثير من الناس لقيام بعض من يسمونهم بالفنانين بتأييد الانقلاب العسكري الدموي الفاشي والدفاع عنه، وتأييد سفك دماء الأبرياء من المطالبين بالحرية والكرامة، ولعن ثورة يناير وإهانة الإسلام والإسلاميين.

الناس في القرى والأرياف يعرفونهم بالعوالم، وهي تسمية تشير إلى مجموعة من الأشخاص يقومون بالرقص والغناء والطبل والزمر والتمثيل الفكاهي، ويقومون بإحياء الأفراح ومناسبات الختان وغيرها، دون أن يحمل أداؤهم مضموناً ذا قيمة.

غاية العوالم البحث عن لقمة العيش، ولا تعنيهم نظرة المجتمع الدونية إليهم، فهم متسقون مع أنفسهم في كل الأحوال، وشيئاً فشيئاً أخذوا صفة الفنانين لترفعهم في أعين الناس، وإن كانوا في الحقيقة لا علاقة لهم بالفن الحقيقي ولا محتواه، ويذكر التاريخ القريب أن هدى شعراوي التي يربطونها بما يسمى تحرير المرأة رفضت أن يتزوج ابنها من واحدة من هؤلاء، فكانت هنالك قضايا ومتاعب وخاصة بعد أن أنجبت هذه المرأة طفلاً، وظلت المأساة زمناً طويلاً في المحاكم، وسجلها التاريخ لتكون شاهداً على نظرة المجتمع لهذه الفئة من ناحية، ولتعلن للناس أن من يتحدثون عن تحرير المرأة وحقوقها في واد آخر من ناحية أخرى! قلة قليلة ممن ينتسبون إلى ما يسمى الفن هم الذين يعرفون معناه الحقيقي، أما الأغلبية فهم يقدمون ما يسميه المصريون بالهلس، وهي كلمة تشير إلى انعدام القيمة والهزل والهذر وسوء الأدب.

هناك ما يسمى بالملهاة أو الكوميديا وهي فن له أصوله ولا علاقة له بالهلس، قدمه نجيب الريحاني (بالمناسبة تبرأت منه أمه حين عرفت أنه يعمل بالتمثيل!) وترك أعمالاً أثرت في المجتمع وكشفت كثيراً من عيوبه، وقام إسماعيل ياسين بإضحاك الشعب على مدى سبعين عاماً دون إسفاف.. وقدم آخرون أعمالاً مهمة في مجال الدراما دون هبوط أو ابتذال، وانحازوا إلى الشعب في أعمالهم كما نرى في أعمال عاطف الطيب.

للأسف فإن هناك من ينتسب إلى الفن وهو عدو للشعب والدين والأخلاق، ووجد في نفسه الجرأة بل الوقاحة ليقف إلى جانب الطغاة والقتلة وأعداء الشعوب، وهؤلاء كانوا يتحركون بدافعين الأول: هو استمرار السبوبة، أي تدفق المال والامتيازات في جيوبهم وخزائنهم دون أن يدفعوا قرشاً واحداً للشعب أو يسهموا في مشروع لصالح الفقراء والمرضي والضعفاء.

الآخر: ضمان الشهرة والتلميع وعدم الغدر بهم من جانب الأنظمة المستبدة، فهذه الأنظمة ترصد تحركاتهم وسلوكياتهم المشينة وتسجلها وتحتفظ بها لوقت الحاجة، ثم إن هناك من الأنظمة من يستخدمهم فيما يسمى عمليات "أمن السيطرة"، وهي عمليات تحت مستوى الأخلاق الهدف منها ضرب الخصوم أو أطراف يخشى تمردها، وقد ذكرت اعتماد خورشيد شيئاً من ذلك في كتابها الشهير!

ثم إن الأنظمة المستبدة في الوقت نفسه تملك وسائل التلميع والشهرة على الشاشات والموجات والصفحات، والمنتسبون إلى الفن يحرصون على أن يكونوا في بؤرة الاهتمام الشعبي، ولا يفرطون في ذلك، لأنهم في أغلبهم مرضى بالشهرة وحب الظهور!

وقد كان البكباشي المهزوم دائماً، مؤسس الحكم العسكري الفاشي في مصر؛ أول من انتبه إلى توظيف المنتسبين إلى أهل الفن قبل ستين عاماً في إلهاء الشعب عن قضايا الحرية والكرامة الإنسانية ومواجهة العدو النازي اليهودي ومشكلات الحياة اليومية والحضارية من تربية وتعليم وصحة واقتصاد وتخطيط وعمران وصناعة وزراعة وإنتاج وتصدير وبناء قوة عسكرية ونووية وتكنولوجيا واكتفاء ذاتي في مجالات الضرورات وغيرها، بل إنه جعلهم بديلاً عن الجيش المدرب والتخطيط المحكم في القيام بالحرب عبر ميكروفونات الإذاعة وشاشات التلفزة، ورأيناه مثلاً يجعل من عبدالحليم حافظ جنرالاً إستراتيجياً عظيماً يفوق أيزنهاور في المجال العسكري، وكانت أغنياته بديلاً عن الانتصار في الميادين العسكرية، واسمع له بعض الأغاني الحربية الصاعقة: "إنذار"، "راية العرب"، "بالدم"، "بركان الغضب"، "ابنك يقولك يا بطل"، "اضرب"، ومن كلماتها:

"لأجل الربيع، لأجل الرضيع، لأجل الحياة، ولأجل صناع الحياة، اضرب".

وبينما العدو يجهز لمعاركه العدوانية ويخطط لها في صمت ويظهر بمظهر الحمل الوديع يحارب البكباشي الملهم بأغنيات يصوغها المرتزقة ويؤديها جنرالات الغناء رجالاً ونساء ممن يصدحن بالألحان التي ترضي عواطف الشعب المحروم من الحرية والكرامة وحق المشاركة والاختيار، فكانت الهزائم تترى كأنه متفق عليها مع العدو الذي لا يخسر من جنوده وعتاده إلا قليلاً وتخسر بلادي كثيراً: أرضاً وعرضاً وسلاحاً وجنوداً لا ثمن لهم ولا قيمة.

دخل العوالم إلى عالم السياسة من أوسع الأبواب في ظل النظام العسكري الفاشي المهزوم أمام أصغر دول العالم، فقد وجدوا أنفسهم جنرالات وقادة وعلماء دين ومخططين إستراتيجيين، ووسع لهم النظام في إعلامه بحيث صاروا قدوة ومثلاً أعلى، يتابعهم الناس ويتأثرون بهم وبأقوالهم وبسلوكياتهم حتى لو كانت ضد الدين والأخلاق والمجتمع.

لقد صارت أخبار العوالم فقرة رئيسة في الصحف والتلفزة والإذاعة، إنهم يُكرّمون في شتى المناسبات ولهم أعياد ومناسبات، وعندما يتزوج بعضهم أو يطلق أو يعتمر أو يحج أو يموت تصب أخباره في مجال الدعاية والشهرة والمجد، وعندما يرتكب أحدهم جريمة أو يحدث فضيحة وما أكثر جرائمهم وفضائحهم فلا تذكره الوسائل الإعلامية بالاسم أو تذكر الحروف الأولى من اسمه حصانة له وهيبة، أما العلماء الحقيقيون، أما الباحثون والمنتجون الحقيقيون، فلا يعبأ بهم أحد، ولا يذكرهم أحد، وإذا وقع أحدهم في مكروه فالتشهير به من أوليات الإعلام الفاشي!

يجب ألا يندهش الناس من تصريحات بعض العوالم السياسية التي تؤيد القتل والترويع ومداهمة الأبرياء والشرفاء والحكم بإعدام الباحثين عن الحرية والكرامة؛ لأنهم باعوا أنفسهم للشيطان ويشعرون أنهم لا يمثلون عناصر طبيعية في مجتمع طبيعي.

إن عقد النقص تحركهم، فينحازون إلى القوة الغشوم التي تحميهم وتوفر لهم الأمان في مجتمع يرفضهم وينبذهم ويصفهم أحيانا بالطبالين، بل يشبه المنحرفين والمنافقين والكذابين بالطبالين! ماذا تنتظرون ممن غنى "تسلم الأيادي" وأنهار الدم البريئة تجري في رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس ومسجد الفتح والقائد إبراهيم وشوارع مصر وقراها على أيدي المجرمين الظالمين؟ وماذا تنتظرون من طبال يهتف: "بشرة خير"، وآخر: "إحنا شعب وانتو شعب"؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، الله عليك بالظالمين وأعوانهم!

عدد المشاهدات 1561
د. حلمي القاعود

أحدث موضوعات  د. حلمي القاعود