طباعة

    خُدّام الاستبداد يُكرّمون أعداء الحرية!

07:44 04 فبراير 2016
الكاتب :  

تحت رعاية حلمي النمنم، وزير الثقافة، ود. أمل الصبان، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وبالتعاون مع "مركز الأهرام للنشر"، وبحضور الأستاذ أحمد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "الأهرام"، والأستاذ السيد يسين، ود. رفعت السعيد, أُقيمت في السادسة من مساء الأربعاء الماضي ندوة لمناقشة كتاب «عن الثقافة والحرية» للدكتور جابر عصفور (الصادر عن المركز)، والذي يتناول الروابط المشتركة بين الثقافة كمكون مجتمعي والسلطة بمعناها السياسي، وضرورة إحياء الأفكار الليبرالية والمدنية لمواجهة الأفكار التقليدية الجامدة.

كان هذا الجزء الرئيس من خبر مطول نشرته جريدة "الأهرام" في 19 من يناير 2016م, وقد أثار انتباهي لأنه يتعلق بموضوع الساعة الذي يرتبط بالحرية وحقوق الإنسان التعيس في مصر المحروسة، ولأن السادة الذين شاركوا في الحفل يشكلون المشهد الثقافي في ذروته وخاصة المحتفى به، فقد عنّ لي أن أسأل هؤلاء السادة عن دورهم في الدفاع عن الحرية في حدها الأدنى على الأقل - أعني حرية التعبير وحق التفكير - فكثير منهم يطالبنا بثقافة السؤال، وضرورة استخدام العقل في مساءلة القضايا والأحداث والشخصيات، ويعيبون على المنتمين إلى الإسلام – حسب زعمهم - عدم استخدامهم للعقل في فهم الظواهر الفكرية والإنسانية.

أعلم أن كتاب د. عصفور يصب جلّ اهتمامه على الفكر الإسلامي، ويتهمه بالسلبية في مجال الحرية، ويضعه تحت صفات غير مريحة من قبيل التقليد والظلامية والنقل دون العقل.. والرجل بوصفه يسارياً من حقه أن يختار المربع الذي يقف فيه، ولكن ليس من حقه أن يفرض علينا أن نقف في مربعه، فحق الاختيار الفكري مكفول للجميع دون إكراه، ودون تجاوز لحقائق التاريخ فضلاً عن ثوابت الإسلام.

أقول هذا لأني أرى صديقي اللدود المحتفى به يمثل نموذجاً صارخاً للتناقض الفكري، فبينما يبحث عن الحرية ويلح عليها إلحاحاً يجعل الناس تعتقد أنه ضد كل ما يعوق الحرية في ذروة تجلياتها حيث لا قيود ولا سدود، فقد عمل مع أشد أعداء الحرية وحشية؛ عبد الناصر، والسادات، ومبارك، والمجلس العسكري، والانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وتصور أنه يستطيع أن يغيّر من داخل النظام كما يزعم، ولكنه للأسف الشديد كان سيفاً مصلتاً على حرية التعبير الإسلامي، ومارس قمعاً استئصالياً غير مسبوق ضد الفكرة الإسلامية، وكان ولاؤه في كل الأحوال للفكر اليساري الإرهابي المعادي للإسلام وحضارته وثقافته.. وعلى مستوى الممارسة العملية، فقد خوّض في دماء شهداء ثورة يناير ليحلف اليمين في التشكيل الوزاري الذي قام به أحمد شفيق وأسقطته الثورة، ثم إنه بعد الانقلاب العسكري الدموي الفاشي ذهب لينضم إلى أعداء الحرية الذين قتلوا أكثر من ثلاثة آلاف مسلم بريء في رابعة العدوية والنهضة في يوم واحد، وصار نجماً من نجوم النظام القمعي العتيد!

ومن المفارقات أنه عاد مؤخراً ليدافع عما يسمى حرية التعبير وتأييد من يسبون الإسلام وعلماءه ومن يكتبون "البورنو"، ولم يلتفت بكلمة أو حرف لعشرات الألوف من أصحاب الرأي والفكر الذين قتلهم أو غيبهم النظام العسكري القمعي وراء الأسوار، ولو من باب التعامل مع حقوق الحيوان وليس الإنسان!

لقد صدّع الرجل رؤوسنا بالحديث عن الدولة المدنية، والحكم المدني، ولكنه ينحاز بكل جرأة إلى الحكم العسكري الدموي الفاشي دون أن يجد أدنى غضاضة!

مشكلة اليساريين في بلادنا أنهم ارتضوا أن يكونوا أداة في يد القمع العسكري منذ انقلاب يوليو 1952م، ولم يلتفتوا إلى ما فعله جمال عبدالناصر مع قادتهم في السجون من تعذيب وتنكيل، فقد خرجوا ليسبحوا بحمده، ويؤلهوه، ويغفروا له وحشيته نظير أنه استجاب لخروشوف، وحررهم من المعتقلات، ومنحهم قيادة المشهد الثقافي والإعلامي، وهو المشهد الذي منحهم حجماً أكبر من حجمهم الطبيعي، فتفرغوا للحرب على الإسلام والمسلمين، والتغلغل في المرافق التعليمية والفكرية والتربوية والصحفية والإعلامية والسينمائية وغيرها، وعضّوا عليها بالنواجذ، ولم يغفروا للسادات أنه حاول إزاحة بعضهم من بعض المرافق، وشنّوا عليه – ومازالوا – حرباً شعواء، وقد تزعموا ما سمي بانتفاضة يناير 1977م أملاً في إسقاطه، والمجيء بالرفاق الذين يمنحونهم المكانة التي كانت في عهد البكباشي، وهو ما حدث أيضاً في عهد د. مرسي؛ لأنهم لا يسمحون لأحد من خارج اليسار أو المرتزقة أن يشارك في "الوليمة" المجانية التي تنتج شيكات ومكافآت ومنافع وفوائد بلا حدود، وتُبْقي على فكرهم التخريبي مزدهراً، وخاصة في عصر الانهيارات الثقافية والفكرية والنفسية!

ثم إن المسلم لا ثمن له لدى اليساريين والماديين عموماً، إنه في مفاهيمهم متخلف ينبغي التخلص منه ومن فكره بأيسر السبل، وصار أمراً عادياً أن تسمع مصطلحات وتعبيرات من قبيل "الفاشية المتمسحة في الدين الحنيف"، و"سرقة الثورة على أيدي المتأسلمين"، و"عام مرسي في الحكم عام النكسة"، و"مصائب الإرهاب والإسلام السياسي وأحلام الخلافة".

 في العام الماضي 2015م شن اليساريون حملة ضارية في معرض الكتاب لمنع الكتب الإسلامية، لدرجة دفعت بعض دور النشر خوفاً وهلعاً أن تمتنع عن عرض الكتب الإسلامية التي يسمونها "كتب الإخوان"، وهو منهج ماكر خبيث اخترعه أعداء الإسلام لمحاربة المسلمين، فالمطالبة بالحرية مؤامرة إخوانية، وطلب الديمقراطية حيلة إخوانية، ومواجهة الفساد والاستبداد إرهاب إخواني، والحديث عن حقوق الناس تطرف إرهابي.. ولعل تصريح رئيس هيئة الكتاب في 24/ 1/ 2016م عن حيرته إزاء مطالب الاستئصاليين من خدام الاستبداد بمنع الكتب الإسلامية تعطينا دلالة عن التوحش اليساري في عدائه للإسلام، يقول رئيس هيئة الكتاب: "لا أملك آلية لمنع كتب الإخوان في معرض الكتاب والمراهنة على الشعب، ما دام ليس هناك حكم قضائي بذلك"، موضحاً أنه يثق في اختيارات وذوق الشعب المصري الواعي.

أضف إلى ذلك أن اليساريين لم ينبسوا بكلمة واحدة عن إغلاق العسكر للعديد من دور النشر الإسلامية بدعوى تمويلها للإرهاب، بل كان بعضهم يحرض على ذلك في خسة غير مسبوقة، وقد اكتشفت لجان التحفظ أن هذه الدور مدينة وليست دائنة!

سوف أشتري درعاً فخمة على حسابي وأقدمها هدية لصديقي اللدود جابر عصفور لو أنه دافع عن الحرية بحق، ولم يكتفِ بالدفاع عن بطلة رواية "أنا حرة" وحدها!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأتباعهم. 

عدد المشاهدات 1651
د. حلمي القاعود

أحدث موضوعات  د. حلمي القاعود