يصلي في السجن ويدعو

13:31 02 أبريل 2016
الكاتب :  

أذكر في صباي قبل خمسين عاماً أو يزيد قصة طريفة لها دلالتها المعنوية والقيمية، سرق أحدهم معزة أو عنزاً من أحد الجيران، وتصادف حادث السرقة مع زفاف أحد أبناء اللص، وأقيمت الوليمة وأكل الناس وشبعوا، وبعد أيام قلائل شب حريق هائل في دار العريس وأبيه، وفوجئ الناس بأحد الجيران يصيح وسط الناس الذين حضروا للإطفاء:

- كفاية يا محمد.. كفاية يا محمد!

ذهل الناس من هذا الصياح الذي تكرر، وسألوا من يكون محمداً؟ وماذا يقصد الصائح بكلمة كفاية!

عرف الناس أن المقصود بمحمد: صاحب العنز المسروقة، وأن الاتهام يتجه مباشرة إلى أصحاب الفرح الذين شبت النار في بيتهم، وأن صاحب العنز المسروقة رجل طيب، لا يملك إلا الدعاء في كل صلاة على من سرقها وحرمه منها، وهو في حاجة إلى ثمنها، وآمن القوم أن الحريق انتقام إلهي من اللص وابنه!

في تفسيرهم لما يحدث في مصر من فضائح سياسية وأمنية قال أهل البلد البسطاء:

- إن "مرسي" يجلس في سجنه يصلي، ويدعو على الانقلابيين الذين ظلموه، وينتقم الله له ممن غدروا به وآذوه، ونكلوا بالأحرار شر تنكيل!

الرئيس الشرعي المختطف محمد مرسي أمضى ألف يوم في غيابات الجب، ينكل به الجنرال، الذي وثق فيه مرسي، وصعّده رتبتين، واستأمنه على الجيش والبلاد، فإذا به يضعه وراء القضبان، ويتفنن في إيذائه، ومرمطته يومياً في المحاكم، ويقدمه إلى محاكمات متعددة، بتهم ظالمة وملفقة، ويطلق عليه كلاب الحراسة ونعال البيادة في الفضائيات، والصحف، والمنتديات، والمنشورات تشوه صورة الرجل، وتشهر به وبغيره من المسلمين، لدرجة أن بعضهم وصل به الانحطاط والسفالة إلى الادعاء أن العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد مرسي قدم طلباً إلى المسؤولين يطلب فيها أن يوفروا له عنزتين ليكونا معه في زنزانته!

لم يقل لنا هذا الشخص الذي نسيت اسمه: لماذا طلب الرئيس المختطف هاتين العنزين؟ وماذا سيفعل بهما وهو أسير لا يرى النور خارج الجدران العالية؟ ولكنه اللدد والتسافل والخسة التي تتملك من لا يملكون الشرف ولا المروءة ولا النخوة، فيستأسدون على الأسرى والذين لا يملكون من أمرهم شيئاً!

الرئيس مرسي بعد ألف يوم ما زال شامخاً أبياً رائعاً، لم يستسلم، ولم يتنازل، ولم يتخل عن شعبه وحريته، وقال قولته الخالدة التي سمعها العالم: الحرية ثمنها حياتي!

لقد زعم الانقلابيون أنهم سينقذون الشعب من الانقسام والانهيار، وأنهم سيمنعون مصر من العودة إلى العصور الوسطى (بالمفهوم الأوروبي الكنسي)، وأعلنوا أنهم شعب، وطلاب الحرية والكرامة والشورى شعب آخر، فإلى أي مدى وصل الانقلابيون في جريمتهم النكراء؟

سفكوا دماء الآلاف في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح والقائد إبراهيم وأكتوبر وكرداسة وناهيا ودلجا والبسارطة والشوارع والميادين والقرى والنجوع.

غيّبوا وراء الأسوار المظلمة أكثر من ستين ألفاً من أشرف الناس وأنبلهم بدعاوى بائسة وكاذبة، ولأول مرة في تاريخ مصر تنضم المرأة المصرية المسلمة إلى قائمة الضحايا والمعتقلات والمغتصبات على يد الوحشية الدموية الانقلابية، وما زال عدد الأسرى يزداد مع اقتحامات الانكشارية كل ليلة للبيوت الآمنة الوادعة التي تؤمن بالإسلام!

صادروا الحريات والأموال الحلال، وطاردوا الأبرياء في الداخل والخارج، وأغلقوا القنوات والصحف ودور النشر التي تنتمي إلى الإسلام والحرية والشورى، وتركوا المجال لكلاب الحراسة ونعال البيادة كي ينهشوا لحوم الأبرياء والأحرار والشرفاء!

زيّفوا ودلّسوا وضلّلوا وزوّروا، وقالوا لنا كما قال فرعون لقومه الفاسقين: أنا ربكم الأعلى!

محمد مرسي في غيابات الجب منذ ألف يوم لا يملك من أمره شيئاً، يصلي ويدعو ويستجاب له، هكذا يفسر استجابةَ الدعاء، الوجدانُ الشعبي الذي خدعته الأكاذيب قبل قرابة ثلاثة أعوام فخرج يهتف لـ"الدكر"، واليوم يبكي الغافلون والمغيبون والمخدوعون على حالهم المتردية في كل شيء؛ اقتصاداً ودولاراً وتعليماً وصحة وأمناً وسياحة وزراعة وصناعة وتصديراً..!

لو أن الانقلابيين صبروا على الرئيس المسلم، ولا أقول: ساعدوه، لكانت مصر تجاوزت كثيراً من العقبات والفضائح، ولكان وزراء ومحافظون نابهون وممتازون من عينة باسم عودة، ويحيى حامد، وسعد الحسيني، وزملاؤهم حققوا إنجازات يفخر بها الوطن والأمة، وكانت مصر الآن ترتب لانتخابات رئاسية جديدة يتقدم إليها من يجد في نفسه الكفاءة، ويتم تداول السلطة بطريقة متحضرة، ولكن القوم أبوا إلا أن تكون شريعة النبوت والعداء للإسلام هي الدستور والقانون والقضاء والمنهج!

فضائح بلادي تجعل كل من يملك ذرة من إخلاص أو ضمير يتوارى خجلاً مما يجري ويحدث حين يضاء اللون الأخضر للصوص كي يستمروا في نهبهم وعبثهم واستهانتهم بالضعفاء والفقراء والقانون، هل رأيتم ما جرى للرجل الذي يراقب الفساد؟ أقصد هشام جنينة الذي لم يصبروا عليه كي يكمل أربعة شهور تبقت في مدة تكليفه، وذبحوه في منتصف الليل ببيان يخرج لسانه للشعب الذي يبحث عن الطهارة، ويغني لشعب البيادة واللصوص أعذب الألحان.

انظروا مثلاً ما جرى في مجال واحد من مجالات الأمن أثر على مصر سياحياً واقتصادياً وسياسياً وسيادياً؛ أعني أمن المطارات أو أمن الأجانب، سقطت الطائرة الروسية بعد دقائق من إقلاعها في شرم الشيخ، وقُتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، وخُطفت الطائرة المصرية في رحلة داخلية من برج العرب إلى القاهرة، وهبطت في قبرص!

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

عدد المشاهدات 1711

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top