الشيخ منير الغضبان.. عالم رباني فقدناه

13:08 07 يونيو 2014
الكاتب :   الطاهر إبراهيم
ما كنت لأجرؤ على افتتاح نعي الشيخ منير الغضبان بهذه الآية الكريمة، لأنها تزكية رفيعة لا يزكى بها إلا من كانت أعماله أثناء حياته تقرب من أعمال الكرام البررة، وقد عرفت الشيخ منير من مسافة قريبة منه، فما الذي دعاني إلى هذه التزكية؟

يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

ما كنت لأجرؤ على افتتاح نعي الشيخ منير الغضبان بهذه الآية الكريمة، لأنها تزكية رفيعة لا يزكى بها إلا من كانت أعماله أثناء حياته تقرب من أعمال الكرام البررة، وقد عرفت الشيخ منير من مسافة قريبة منه، فما الذي دعاني إلى هذه التزكية؟

كنت أضع نصب عيني القول المأثور: "آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة"، كنت أرى الكثيرين من القيادات الإسلامية يتهافتون على تقديم أنفسهم إلى الصفوف الأولى متخطين أهل الكفاءة، بينما كان الشيخ منير يقف حيث هو، فإن قدمه أحد تقدم، وإلا بقي في الصفوف الخلفية، يوم اختاره التنظيم العالمي للإخوان المسلمين عام 1984م مراقباً عاماً للإخوان السوريين على إثر خلاف داخل قيادات التنظيم، دون أن يتطلع للمنصب، وضع نصب عينيه أن يجمع صفوف الإخوان خلال مدة سنة وإلا سيعتزل، وهكذا مضت المدة ولم يستطع تحقيق ما نذر نفسه له فاستقال.

لا ندعي زوراً على المشايخ والعلماء عندما نؤكد أن معظمهم كان يحب أن يحاط بالتلاميذ في كل حركاته وسكناته، بما أسميه أنا صناعة "المشيخة"، غير أن الشيخ عاش عمره لم يكن له تلاميذ يحيطون به، إلا أن يكون ذلك عن بعد عنه من خلال كتبه الكثيرة التي أغنى بها المكتبة الإسلامية بالكتب التي تبحث في السيرة النبوية سرداً وفقهاً.

لم تكن حياته حياة الدراويش، لكنه ما كان يهتم أن يتخذ لنفسه سمة كأن يضع على رأسه عمامة تقول: إن صاحبها من المشايخ، فمن هو الشيخ منير الغضبان يرحمه الله تعالى؟

ولد الشيخ عام 1942م في مدينة التل من أعمال دمشق، بل كادت تلتصق بها، من طفولته كان مهتماً بسيرة محمد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، اشتغل بالتدريس في المدارس الابتدائية،  وقد حظي بكره البعثيين من أبناء بلدته، فقد أبعدوه عن بلدته إلى قرى الحسكة ثم أعيد إلى قرية مسيحية من قرى الجولان، وهو كان مختصاً بتدريس الشريعة، رفع شكوى إلى وزير التربية حسن الخطيب، فاستدعاه لمقابلته، كان لطيفاً معه، فاستمع إليه، وفي نهاية المقابلة قال له بلطف: يا أستاذ، سورية لك فاتركها لنا؛ لأنه عرف أن البعثيين لن يتركوه ينعم بالهدوء.

هاجر بدينه في سبعينيات القرن العشرين إلى السعودية، عين في إدارة تعليم البنات، حتى كانت محنة الإسلاميين في سورية في بداية عام 1979م، اتصل بإخوان حلب، حيث بدأت المساعي لإعادة اللحمة إلى الإخوان في سورية بفروعها الثلاثة: إخوان حلب وإخوان دمشق والطليعة المقاتلة التي كان يرأسها عدنان عقلة، تم الاتفاق على توحيد الجماعة بحيث تتألف القيادة من أربعة من كل فرع، ومع أنه من أعمال دمشق فقد اختير عضواً في القيادة عن إخوان حلب، كان ذلك في بداية عام 1981م، ترك العمل في السعودية وانتقل إلى عمان.

بقي عضواً في قيادة الإخوان المسلمين حتى نهاية عام 1985م، حين انشقت مجموعة برئاسة الأستاذ عدنان سعد الدين رحمه الله احتجاجاً على انتخاب الشيخ عبدالفتاح أبوغدة مراقباً عاماً للإخوان المسلمين، حيث صادق التنظيم العالمي للإخوان على انتخابه بعد أن أشرف التنظيم على الانتخابات، استأذن الشيخ منير من الشيخ عبدالفتاح أبوغدة، حاول أن يعود إلى السعودية وقد تم له ذلك وعين أكاديمياً في جامعة أم القرى في مكة المكرمة.

استمر الشيخ منير عضواً بمجلس شورى الإخوان وعضواً في مجلس شورى التنظيم العالمي من عام 1986م حتى عام 2010م، حيث أعيدت اللحمة إلى جماعة الإخوان منذ عام 1993م.

استأنف الشيخ منير كتابة مؤلفاته في السيرة النبوية منذ عام 1986م، إذ بدأ يشعر بالاستقرار، أخرج الكثير من المؤلفات، كان منها في السيرة النبوية: "فقه السيرة النبوية، المنهج التربوي للسيرة النبوية (التربية الجهادية)، المنهج الحركي للسيرة النبوية"، إضافة إلى كتب: "هند بنت عتبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص".

كان الشيخ منير يرحمه الله مدرسة في التربية يتحرك بها: في أهل بيته، ومع أصدقائه، وفي جماعة الإخوان المسلمين، وقد تعلمت منه الكثير، كان رغم التزامه بالكثير من العمل، يشعر أن عمله قليل، سافرت معه كثيراً في سيارتي، وحين تعرضنا لأزمة على الحدود بين دولتين عربيتين، وتم احتجازنا لساعات، قلت له: يا شيخ، ادع الله بصالح عملك كي يفرج علينا، فنظر إليَّ نظرة صفراء وقال: وهل عندي عمل صالح؟ عندها استصغرت نفسي كثيراً.

وعذراً فلا أستطيع بهذه العجالة أن أحيط ولو بجزء يسير من حياته، فقد بقي يعمل مع جماعة الإخوان المسلمين حتى أشهر قليلة من وفاته، وحين قامت الثورة السورية كان يأمل بالعودة إلى دمشق وسورية، وحين تأخرت دمشق بالثورة، ثم بدأت فيها العمليات الكبيرة للمجاهدين قال لي: متذكراً قصيدة شوقي التي مطلعها سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق، قال: وعز الشرق أوله دمشق.

قد لا يكتمل ما ذكرته عنه، إن لم أعرج على فضل زوجته أم عتبة التي تحمل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية، كان لها فضل كبير أنها استطاعت أن تؤمّن له بيتاً مستقراً، بحيث تفرغ هو لبحوثه وكتاباته.

كان يدعو الله أن يرزقه الشهادة، كان يظن أنه يغيظ النظام السوري بمواقفه منه، وسواء أكان مرض الكبد نتج عن علة بنيوية، أو أن النظام أرسل من يضع له أسباب المرض، فإني أرجو الله أن يكون قد بلغ منازل الشهداء.

ولد الشيخ منير الغضبان في مدينة التل عام 1942م، له ولدان: عامر وعتبة، وله أربع بنات، وكلهم متزوجون.

رحم الله الشيخ منير الغضبان رحمة واسعة وأخلفه في أهله وفي المسلمين بخير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عدد المشاهدات 2264

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top