رؤية اقتصادية: تصرف عقلاني أم منفعة ذاتية؟!

10:18 05 مارس 2017
الكاتب :  

غالباً ما يُفترض أن أفعال الناس تهدف، بشكل لا يكاد يتبدل، إلى تلبية مصالحهم الخاصة، يقودنا مثل هذا الافتراض إلى تغيير تصوراتنا سواء عن الشخصيات العامة أو عن الأشخاص الذين نعرفهم جيداً في حياتنا اليومية.

يقول ديفيد جونستون في كتابه "مختصر تاريخ العدالة": عندما نلاحظ تصرفاً معيناً ليس من السهولة العثور على تفسير واضح له، نعتقد في كثير من الأحيان أن التمحيص الدقيق سوف يكشف عن دوافع اهتمام بالمصالح الذاتية تكمن وراء ذلك.

نحن نعتبر ذلك من الأمور المحتمة أن يتصرف السياسيون والمشاهير بدافع الرغبة في تحقيق مكاسب شخصية ربما تتمثل في كسب الثروة أو إحراز الشهرة أو الأمرين معاً، ونحن ننظر بتشكك وريبة إلى ادعاءات هؤلاء بأن ما يحفزهم بالأساس هو اهتمام بالمصلحة العامة، أو سعيهم إلى أهداف أخرى لا ترتبط بأي منفعة ذاتية.

لقد عبر الفلاسفة وعلماء الاجتماع في كثير من مقولاتهم عن افتراض وجود مصلحة ذاتية، يقول توماس هوبز في عمله الذي حظي بشهرة واسعة في مجال الفلسفة السياسية (ليفياثان): إن القصد من وراء الأفعال الخيرة التي يقوم بها كل إنسان طواعية لا بد أن يكون نوعاً من المنفعة التي تعود عليه هو بالذات، وبعد قرن وربع قرن من ذلك كتب آدم سميث، في الكتاب الذي يعتبر – إلى حد كبير – الحجر الأساس في مجمل تاريخ علم الاقتصاد:

ليس من قبيل الإحسان من جانب القصاب، ولا من يعصر الشراب، ولا حتى الخباز، أن يتوقع أحدنا تناول وجبة عشائه، ولكن ذلك يعود إلى حرصهم على مصالحهم الخاصة، إننا نؤمن في قرارة أنفسنا بأن ذلك لا يأتي بدافع من إنسانيتهم، ولكن بسبب حبهم لأنفسهم، ونحن لا نعبر لهم عن احتياجاتنا، بل نتكلم عن مكاسبهم.

وقد مضى كتاب متأخرون على هذا النهج من التفكير، في كتابات ريتشارد ألكسندر، على سبيل المثال، عن البيولوجيا التطورية، كان يؤكد أننا لن نفهم السلوك على حقيقته أبداً ما لم نفهم أن المجتمعات هي "تجمعات من الأفراد الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم الذاتية"، وهو قول يُردد صدى رأي سبق أن أدلى به ريتشارد داوكنز، ضمن ميدان الدراسة نفسه، حيث قال: "نحن نولد بطبيعتنا أنانيين".

أما في الأزمنة الحديثة، فقد جرى وبشكل جذري تشذيب الافتراض الذي ينطوي على القول بوجود مصلحة ذاتية من قبل كتاب كانوا قد لاحظوا أن مصالح الإنسان ربما اشتملت على أهداف تقع خارج نطاق منفع الفردية.

تعتبر هذه الملاحظة التي خرجوا بها من العناصر الأساسية لنظرية "الاختيار العقلاني"، وهي عبارة عن منظومة واسعة من الأفكار التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وكان لها تأثير بالغ على العديد من العلوم الاجتماعية.

تبعاً لهذه النظرية، يمكن تفسير السلوك الفردي بأفضل صوره، وذلك اعتماداً على ثلاثة عوامل: أهداف الفرد التي تُحدد شخصياً، أياً كانت هذه الأهداف، ومن ضمنها الطريقة التي يقيم بها الفرد مدى أهمية أهدافه أو يرتبها بحسب علاقة بعضها ببعض؛ ومجموعة البدائل المتاحة للفرد؛ وتركيبة الأسباب التي وراء الموقف الذي يواجهه الفرد.

إذن يُعرف التصرف العقلاني لفرد معين في أي موقف من المواقف التي يمر بها بأنه ذلك العمل الذي يمكن أن يحقق الأغراض التي يسعى إليها الفرد بأمثل الطرق، أياً كانت تلك الأغراض.

إذن من الحقائق التي ربما كانت مثيرة للإحراج إلى حد ما، وفق مُعطيات النموذج المعياري، أن يتصرف الناس في بعض الأحيان بهدف تقديم المنفعة للآخرين في مقابل تحمل نوع من التكاليف أو الخسائر التي تتمثل في الحد من قدراتهم على تحقيق أهدافهم الشخصية، وهم يفعلون ذلك بطريقة تبدو عقلانية من الناحية البدهية.

وهنا مثال: في مسح أجري بشأن إعطاء ما يُسمى بالإكرامية أو "البقشيش" في المطاعم، سُئل بعض الناس سؤالين، ونقدم هذين السؤالين أدناه مع الإجابات الأكثر تكراراً:

السؤال الأول: إذا كانت الخدمة مقبولة فما هو مقدار البقشيش الذي تعتقد أن أغلب الناس سوف يتركونه بعد طلب وجبة تكلف 10 دولارات في مطعم يترددون عليه باستمرار؟

أكثر الإجابات: 1.28 دولار.

السؤال الثاني: إذا كانت الخدمة مقبولة فما هو مقدار البقشيش الذي تعتقد أن أغلب الناس سوف يتركونه بعد طلب وجبة تكلف 10 دولارات في مطعم أثناء رحلة يقومون بها إلى مدينة أخرى لا يتوقعون زيارتها مرة ثانية؟

أكثر الإجابات: 1.27 دولار.

كان يبدو أن الأشخاص الذين أجابوا عن هذين السؤالين يعتقدون أن سلوك الناس في إعطاء البقشيش لا يتأثر في الواقع باحتمالات أن يؤدي ذلك إلى نتائج تتخذ شكلاً إما خدمة مراعية للزبائن على نحو استثنائي أو تصرف أهوج من نادل يسعى إلى التعبير عن غضبه وربما يتسبب بالإحراج، كانت إجاباتهم تميل إلى أن تدعم وجهة نظر بدهية مفادها أن سلوك إعطاء البقشيش تحكمه رغبة في تقديم تعويض مُنصف مقابل خدمات جيدة، من دون اعتبار لأي نوع من النفع الذي ربما يتحقق في المستقبل للشخص الذي يترك (أو يمتنع عن ترك) البقشيش.

ختاماً أقول: من الواضح إذن أن البشر يتصرفون بطريقة يهدفون منها إلى حد بعيد لأن يناصروا الآخرين (أي من خلال سلوك يعود بالنفع على الآخرين، وفي بعض الأحيان يحصل ذلك مقابل تكبد نوع من الخسارة من جانب الذين يفعلون ذلك) بشكل أكبر مما يتيح لنا النموذج المعياري أن نتوقع.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عدد المشاهدات 533

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top