ثقافة الجهد والإنتاج

14:20 06 مايو 2017
الكاتب :  

مضى القرن العشرون وما زال يطرح الملف الثقافي وقضية العقل العربي وأدبيات هائلة حول هذين الموضوعين: الهوية الثقافية، مسائل الثقافة، إشكاليات الفكر، أزمات الثقافة، الغزو الثقافي، والتثاقف.. وتطول قائمة القضايا والمفاهيم والطروحات.

إنّ ثقافة الصورة، في قوة تأثيرها وانتشارها تمثّل فرصة غير مسبوقة في تاريخ البشرية للإعلام والتوعية والتثقيف، إنها فرصة للتوعية والتربية والتنشئة.

فقد دخلت التكتلات الصناعية الكبرى إلى مجال الإعلام وثقافة الصورة وفرضت سيطرتها عليه من خلال مداخل متعددة: قنوات التلفزيون الرئيسية ذات السياسة الإعلامية الموّجهة نحو ثقافة الاستهلاك، وشركات المعلوماتية ذات الطابع التجاري الربحي، وشركات التليفزيون التي تموّل إنتاج مسلسلات تليفزيونية خاصة، والشركات الكبرى المهتمة بنشرات الأخبار، وشركات البث المعنية بالتغطية الإعلامية للأحداث التي تتصف بالإثارة والإبهار وشد انتباه المشاهدين.

يقول مصطفى حجازي في كتابه "حصار الثقافة": إنّ المقاربة البحثية لبرامج القنوات الدولية التي تتخصص في الأخبار، وتلك التي تتخصص في التسلية والترويج، تبيّن أن هناك مكونات أساسية، أصبحت تشكّل ملامح البرامج ومحتوياتها.

نشرة الأخبار، على سبيل المثال، أصبحت مقنّنة في عناصرها في العديد من المحطات: أخبار الأحداث، الإعلانات، سوق المال، والطقس، الرياضة.

إننا بصدد تكثيف المعلومات، وإحاطتها بأكبر قدر من الزخم في المحتوى وضغط الزمن إلى أقصى الحدود الممكنة، سواء في الأخبار أو الإعلانات.

لقد أصبحت أخبار الأسهم وأسواق المال مكوّناً أساسياً من مكونات نشرات الأخبار عالمياً، كما محلياً، تحمل الشاشات في بنية أخبارها مشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعوداً وهبوطاً كما تحمل حركة وكلاء البورصة ومشاهدة آلات عدّ النقود.

والسؤال الملحّ: لماذا هذا التركيز على أخبار أسواق المال؟! مع العلم أن الخبراء والمتعاملين في هذه الأسواق لهم شاشاتهم الدائمة التي توافيهم بتحركات السوق المالية الكونية، فهل المقصود التثقيف المالي؟ أم أن المقصود هو جعل المال والسوق المالية مرجعية أساسية عند المشاهد سواء أكان يملك أم لا يملك؟!

ثم، ألا يفتح هذا الأمر الباب لتحويل الناس إلى قنّاصين للفرص: هوس الأسهم والاستثمارات المالية؟ أو لا يفتح شهية تجربة الحظ الذاتي في الدخول إلى حلبة رأس المال الطيار، وإحلال الحس المالي محل العلم والجهد والعمل والإنتاج.

الغائب الأكبر في كل ذلك هو ثقافة الجهد والإعداد والتدريب والإنتاج، أمام إغراءات الربح السريع.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عدد المشاهدات 1092

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top