السلطانة حليمة.. وتجارة الهلس!

09:27 05 أكتوبر 2017
الكاتب :  

 

 هل تقبلين مهراً معجلاً من أرطغرل بن سليمان شاه قيمته عشرة دراهم، وعشرون خروفاً؟

قالت السلطانة حليمة: نعم أقبل.

وبعد سؤال وجواب يتكرر مع الشاب أرطغرل (العقاب الكاسر) يتم إعلان أجمل عقد قران وأبسطه، وتتصاعد الدعوات للعروسين، ليعيشا في سعادة ووئام، ويطول بهما العمر على وسادة واحدة، وينجبا من البنين والأحفاد ما يعز الإسلام والمسلمين، ويعلي من شأن قبيلة القايي، ثم يجري زفاف بقرع الدروع بالسيوف مع كلمات تفيض رقة وسمواً وطهارة، وفرحاً من السلطانة التي اقترنت بمحارب من أجل الإسلام، استطاع أن يكسر شوكة فرسان المعبد، ويهزم الصليبيين، وبهجة من المحارب أرطغرل الذي ظفر بغزالة تملك الجمال والإيمان وكانت تترقبه وهو يحارب وينتصر للدين الحنيف.

كان هذا بعض مشهد في المسلسل التركي الذي جذب ملايين المشاهدين ببساطته وعمقه وعبقريته وترفّعه عن الابتذال والهبوط.

لم تذع قنوات العربان هذا المسلسل، في الوقت الذي تحتفي فيه بمسلسلات أخرى عن حريم السلطان والعشق ومهند تشوّه التاريخ الإسلامي، وتقدم صوراً تناغي وتراً حساساً لدى خصوم الإسلام والمتربصين به، وتجذب المراهقين والمراهقات.

كانت قناة “قطر” الرسمية وحدها تذيع المسلسل مدبلجاً، وكانت الدبلجة ليست على مستوى الأداء الفني والأدبي الذي تمثله الرواية التاريخية، ولكن قنوات الثورة أذاعت المسلسل، واحتفت به من خلال ترجمة مباشرة، لم تكن دقيقة لغوياً، ولكنها كانت معبرة بطريقة ما عما يقوله الممثلون الذين يشاركون في العمل التلقائي الجميل.

قنوات العربان الكثيرة التي تبث غثاء العالم، لم تحتمل بث مسلسل يعبر عن أمجاد المسلمين في جزء مهم من العالم، ويتحدث بمعجم إسلامي، ويستدعي روح الإسلام وتاريخه وقصصه في سياق الحوار والأفكار التي يفيض بها المسلسل.

لم أفرغ لمشاهدة مسلسل في غمرة مشاغلي ومتاعبي الصحية، ولكني رأيت حلقة واحدة من أرطغرل جذبتني بأدائها الهادئ التلقائي، فتابعت بقية الحلقات التي بدت فطرية وإنسانية في تجسيد الصراع بين الخير والشر، بين الحرية والاستبداد، بين القوة المبصرة والقوة العمياء، بين الفكرة المؤمنة والسطوة الكافرة.. أضف إلى ذلك نعومة الإخراج، وخضرة المشاهد، وجمال الموسيقى، وروعة المعارك.

رجال المسلسل ونساؤه بسطاء ولكنهم محترمون وأقوياء الإيمان والانتماء، يعبرون عن مبادئهم دون ضجيج أو صراخ أو افتعال، فيضحكون ويتألمون، ويصبرون، ويثابرون في مواجهة العناء والمؤامرات والعدو الماكر الخبيث المدجج بالسلاح والقوة والحصون، يتدربون ويتعلمون ويخططون، ثم يقاتلون في استبسال وشراسة، ونساؤهم يملكن المشاعر الفياضة والعواطف الغنية، وعند الضرورة يمتلكن بأس المحاربين والمجاهدين.. مجتمع أرطغرل ليس مجتمع ملائكة، ولكن أهله يعالجون الأخطاء ويواجهون المخاطر بما ينبغي.

تجار الهلس

في قنوات بلاد العربان الشهيرة والمغمورة، قدموا دراما صنعها تجار الهلس، إن لم تسخر من الإسلام والمسلمين وتهجوهم، فهي تقدم نماذج بشرية مشوهة وتائهة وضائعة وفاقدة للذاكرة، وإلى جوارها نماذج من الجلادين يغسلون سمعتهم السيئة ويقدمونهم في صورة متحضرة لا وجود لها على أرض الواقع، فضلاً عن صور شاذة ومبتذلة لرجال ونساء لا يعانون الواقع ومتاعبه وتحولاته، ولا يعيشون مرارة الظلم والحرمان والبؤس التي فرضها الفراعنة المعاصرون.

حين تقارن بين أرطغرل، وبضاعة الهلس العربية، يهولك في هذه البضاعة ذلك السيل العرم من البذاءة والفحش في الحوار والتعبير والعلاقات بين الشخصيات التي يفترض أنها تقدم جانباً تربوياً مهماً بديلاً بعد أن اختفى دور المدرسة والجامعة والبيت.. كما يثير غضبك اتساع مساحة العنف والشر التي لا مسوغ لها في الدراما أو الواقع، والتطبيع مع هذه المساحة بوصفها أمراً مقبولاً، يُسقط القانون والضمير والأخلاق والنظام والأعراف والنظام الاجتماعي بقبضات البلطجة والإدمان والأسلحة البيضاء والفحش والبذاءة والسفالة، وكأنها أمر مقدور لا فكاك منه.. لقد استعادوا مصطلح الهلس بمفهومه اللغوي الصحيح وهو الهذيان والهذر، هَلَسَهُ الدَّاءُ أَو الحزن: ذهبَ برُشده فأَخذ يَهْذِي. هلَّسَ يهلِّس، تهليساً، فهو مُهَلِّس، والمفعول مُهَلَّس.

هَلَّسَ: مبالغة في هَلَسَ. هلَّس الشَّخصُ: هزَل، ضعُف ونحُف. هلَّس الشَّخصُ: هُلِس؛ ذهب عقلُه فأخذ يهذي. هُلِسَ: أَكل ولا يُرى أَثرُ الأَكل في جسمه مصدر هلَسَ.

 الهلس (طب) مرض السُّلّ في الرِّئتين. قال الكميت: يُعالِجْنَ أَدْواءَ السُّلالِ الهَوالِسا. هلّسه إدمان المخدّرات، أفقده رشدَه وحمله على الهذيان.

ولا أظن ما تقدمه مسلسلات الدراما وبرامج المقالب والعوالم والطبالين والزمارين والمهرجين؛ إلا هذا الهلس بكل معانيه اللغوية التي وردت في معاجم اللغة العربية، حتى ما يخص الجانب الطبي، فهي بمعنى ما سُلٌّ ينخر في صدور المشاهدين العرب وقلوبهم، ويغيّبهم عن الواقع المهين الذي تعيشه الأمة قهراً وحزناً وبؤساً وضياعاً وفقداناً للحرية والكرامة!

تخريب متعمد

ماذا قدم لنا تجار الهلس في رمضان وغير رمضان إلا موضوعات غريبة وعجيبة لا تعالج مشكلات حادة أو متجذرة في المجتمع؟ لقد استنسخوا مثلاً موضوعات العفاريت في السينما المصرية التي ظهرت قبل نصف قرن أو يزيد، وأعادوها بطريقة سمجة وسخيفة ومملة، لا تحمل خفة الدم ولا العفوية التي كان يملكها إسماعيل يس، أو فريد الأطرش، أو عبدالفتاح القصري (رحمهم الله جميعاً)، والأكثر بؤساً أنهم ربطوها بمماحكات سياسية هامشية فما أضافت وما أمتعت وما أثبتت جدارة بحال من الأحوال.

ماذا يعني أن تفرض على الأمة نفراً من الناس تسميهم بقوة الذراع فنانين أو مبدعين، وهم لا ينتمون إلى الفن الحقيقي بصلة أو الإبداع الأصيل بآصرة، ثم تمنحهم عشرات الآلاف من الدولارات ليشاركوا في مقالب سخيفة معلوم سلفاً أنها تمثيل في تمثيل، ثم يخرج المهرج أو الأراجوز على الناس، وقد خلع سرواله؟ أو تظهر واحدة من العوالم والغوازي وهي تشرشح وتردح بأحط الألفاظ ؟ ثم ينتهي كل ذلك بالضحك المصطنع وشرب الماء؟

إن برامج لا تستضيف العلماء ولا أهل العمل والإنتاج الزراعي والصناعي والفكري والأدبي الاقتصادي ونحوهم، وتكتفي بتجار الهلس وصبيانهم، لهي برامج تخريب متعمد وتدمير فاجر، والدنيا تعلم أن هناك دولاً غنية بعضها يزعم كذباً وزوراً تطبيق الإسلام؛ تنفق المليارات على هذا التخريب وذلك التدمير لإلهاء الناس عن الحق والواجب والمستقبل، والفارق بين هذه الدول ودول أخرى غير إسلامية أن الأخيرة تملك طاقات فنية حقيقية تبث من خلالها ما تريده في إطار إستراتيجية ذكية واعية بما يخدم خططها وتدبيراتها، أما دول حنا للسيف فتدمر نفسها بأيديها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الله مولانا.. اللهم فرج كرب المظلومين.. اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

عدد المشاهدات 918

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top