عذر المفلس

11:53 25 مارس 2018
الكاتب :  

نكتة عراقية قديمة تحكي أن مبشراً نصرانياً عاش في إحدى قرى البصرة يبشر بالمسيحية مدة عشر سنوات، وبعد تلك المدة زاره أحد كبار مسؤولي الكنيسة للتأكد من نتائج عملية التبشير، فجُمع له أهل القرية وحكى لهم قصة ميلاد السيد المسيح عليه السلام فانبهر العراقيون من أحداث القصة وقالوا بصوت واحد إعجاباً: اللهم صل على محمد وآل محمد..! فقررت الكنيسة سحب المبشر من البصرة وإلغاء فكرة التنصير.

تذكرت هذه النكتة وأنا أقرأ مقالة في القبس قبل يومين لزعيم الثقافة، حيث ظل يكتب عن العمل الخيري مدة عشرين عاماً تشويهاً وتضليلاً وتخذيلاً، في محاولة لتنفير الناس من التبرع للجمعيات واللجان الخيرية، ولم يترك شاردة ولا واردة عن العمل الخيري إلا وتعرّض لها بالنقد والتشويه، ولا يمر مقال إلا ويُعرِّض من خلاله بالعمل الخيري، وكم من مقال ربط فيه بين العمل الخيري والإرهاب، ولكن ماذا كانت المفاجأة؟!

بعد كل هذا الجهد والوقت، تعلن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل عن تضاعف إيرادات الجمعيات واللجان الخيرية في السنوات الثلاث الأخيرة من 12 مليون دينار إلى 40 مليون دينار!

كان هذا التصريح صفعة لكل من حاول تشويه هذا العمل الخيّر، لأن الناس لا يصدقون ما يقرأون بل يصدقون ما يرون، ولكي يغلق الباب على أعداء العمل الخيري المتصيدين في الماء العكر، التزمت الجمعيات واللجان بتوجيهات البنك المركزي وضوابط المنظمات الدولية التي وضعتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن هذه الضوابط التوقف عن التبرع النقدي وجعل التبرعات عن طريق البنوك، و"الكي – نت"! لكن ذلك لم يشفع لهم عند هؤلاء الخصوم الذين استمروا في كتاباتهم علّ وعسى!

الغريب أنه بعد هذه الصفعة يكابر مدعي الثقافة ويكتب مقالاً يبرر فيه فشله بأنه نجاح، إذ استطاع أن يحقق تناقصاً واضحاً في حجم التبرعات للجان الخيرية، وانحسار التأييد لهذه الجمعيات، ومع هذا كانت النتيجة بعد عشرين عاماً من التشويه المستمر للعمل الخيري زيادة التبرعات أكثر من ثلاثة أضعاف!

أهمس في أذن زميلي لأبين له أحد أسباب نفور الناس من كتاباته وضعف مصداقيته عندهم، إنه النفس الطائفي الذي يكتنف مقالاته، فالتبرع في الكويت لم يكن محصوراً في جمعية الإصلاح وإحياء التراث وعبدالله النوري، بل هناك جمعيات أخرى تجمع التبرعات، وملزمة حسب نظامها الأساسي بتحويل جزء من إيراداتها إلى الخارج، ويعلم جيداً أن هذه التبرعات لم تطلها يد وزارة الشؤون ولم تخضع لرقابة وزارة الأوقاف، كل ذلك على مرأى ومسمع وعلم الأجهزة الحكومية والجهات التشريعية والرقابية في الدولة! وكم كان جميلاً لو حازت تلك الجمعيات جزءاً مكافئاً من انتقاده وتشويهه للجمعيات الأخرى التي نعتها في مقالته الأخيرة بأنها داعمة للإرهاب وترسل الشباب إلى الجهاد في الدول الأخرى، وهو يعلم أنها جمعيات لم تتورط بخلايا إرهابية لا في العبدلي ولا في الوفرة!

 

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

عدد المشاهدات 745

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top