طباعة

مصر قبل وبعد الحداثة (الحلقة الأخيرة)..
    الأجانب والفنادق والشرطة

11:56 14 أغسطس 2018
الكاتب :  

 

 

- مصر كانت مركزاً للتجارة أيام المماليك ثم مركزاً للنشاط الاقتصادي الأجنبي بعد اتفاقية لندن 1840م 

- بعد الحداثة تمتع الأجانب بالحماية القنصلية التي حصلوا عليها بالرشى والتحايل ثم أساؤوا استخدامها 

- قبل الحداثة كان دور الشرطة معاقبة صاحب الجريمة وبعدها تحولت عذاباً وذعراً للشعب 

- البلاد التي أسهمت في شرف رحلة الحج حظيت بمصادر عن تاريخها لم تحظ به غيرها

 

نختم في هذا المقال السلسلة التي افتتحناها عن أوضاع مصر قبل وبعد الحداثة، حيث رصدنا ذلك من خلال رحلتي حج قام بهما أجنبيان استطاعا الوصول إلى البيت الحرام وسجَّلا رحلتيهما، بين الرحلتين مائتا عام فارقة في تاريخ مصر، إذ كانت الثانية في منتصف القرن التاسع عشر بعد استقرار حكم أسرة محمد علي الذي أدخل الحداثة والعلمنة والتغريب، وعلى غير ما يتوقع الكثيرون، فإن هذا لم يعد على مصر بالخير، بل إن حالها بعد الحداثة كان أسوأ وأردأ من حالها قبل الحداثة.

في هذه السطور القادمة، نرى كيف تطورت أوضاع الأجانب، والوكالات والفنادق، وأحوال الشرطة.

أوضاع الأجانب:

في كلا العهدين، كانت مصر زاخرة بالأجانب؛ فقد كانت مركزاً للتجارة بين الشرق والغرب في أيام المماليك، ثم كانت مركزاً للنشاط الاقتصادي الأجنبي الذي وجد في مصر فرصة سانحة بعد اتفاقية لندن عام 1840م، لكن النفوذ الأجنبي في عهد «بيرتون» كان عظيماً جداً، إذ كان الأجانب عملياً دولة داخل الدولة أو على الحقيقة فوق الدولة.

يذكر «بتس» أن اللغات المستخدمة في القاهرة لا تقل عن اثنتين وسبعين لغة، ومما يلزم الأجانب –اليونانيون على سبيل المثال- ألا يرتدوا شيئاً من اللون الأخضر في ملابسهم، فإن فعلوا هاجمتهم العامة فمزقت ما كان لونه أخضر في ملابسهم، وذلك لخصوصية هذا اللون إذ يرتديه المسلمون وحدهم، ولا يرتدي العمامة الخضراء إلا من هم من سلالة النبي.

ولا تشير رحلة «بتس» إلى عداء أو تحفز تجاه الأجانب، على عكس الحال بعد قرنين، فقد كان المصريون يتوجسون من كل أوروبي ولا يثقون فيهم ويحتقرونهم، بل يعتبرون أن من يعلن إسلامه منهم إنما يفعل ذلك لؤماً وحيلة ليتمكن من التجسس عليهم وجمع المعلومات والإحصاءات عن بلادهم، ولهذا فإن «بيرتون» نفسه اجتهد ألا يُكشف أصله الأوروبي، وادعى أصلاً فارسياً وهندياً وأفغانياً لكي يُطْمَأَنَّ إليه، وفي زمن «بيرتون» كان قد غلب الأجانب على بعض الأحياء التي صارت أجنبية وصارت تغص بالسكارى، وكان الأجانب يتمتعون بالحماية القنصلية التي يُمكن الحصول عليها بالرشى وبعض التحايل ثم يُساء استخدامها؛ فتغتصب بها الحقوق ولا يمكن للقضاء المصري أو لأي جهة استعادة الحق من متمتع بالحماية الأجنبية، ذلك أن «شعار الحماة الطبيعيين للحاصلين على الحماية هو انتهاك القانون لإرضاء غرور موظف إنجليزي تافه».

وكان الفرنسيون أقرب الأوروبيين إلى المصريين، بينما الإنجليز واليونانيون والنمساويون والمالطيون هم أكثر الشعوب المكروهة والمحتقرة في مصر، وإن غُلّف هذا كله بقشرة من المجاملات.

وبالرغم من الحظر الصارم للسلاح، فقد كان «بيرتون» يحمل دائماً سلاحه سواء أكان خنجراً أم مسدساً، وكان متمتعاً بالحماية البريطانية، فمع أن الأجانب يتمتعون بامتيازات قانونية واسعة إلا أنه باستطاعتهم أيضاً مخالفة القانون القائم، وقد ذكر أن الحكومة تحرم على الأجانب سبّ أهل البلاد، ومع هذا قرر أنه يستطيع استعمال العنف، بل وذكر أنه كان يمكن لليوناني أن يسبّ بأشنع الألفاظ عجوزاً مصرياً إذا لمسه بعكازه لمسة غير مقصودة، وفسَّر هذا بأن «الخميرة القديمة» لا تزال كامنة في اللاشعور، إذ المصريون يعلمون نفوذ الأجانب والأجانب لا يقصرون في استعماله وإساءة استعماله.

سابعاً: الخانات/ الوكالات/ الفنادق:

وهي الأماكن المعدة لنزول المسافرين والتجار في القاهرة قبل أن يتحولوا عنها إلى غيرها في طريق سفرهم وتجارتهم، وفي كلتا الرحلتيْن يبدو الإهمال واضحاً في هذا المرفق، فيتحدث «بيتس» عن «غرف عارية ليس بها أقل أنواع الأثاث أو بها أدنى أنواعه»، وينبغي إلى المسافر أن يدفع خمسين باراً أول دخوله ثم باراً واحدة كل أسبوع فيقيم ما شاء أن يقيم.

ومثله يتحدث «بيرتون» عن مثل هذا من ضعف التأثيث أو انعدامه، وسوء نظافة الغرف، إلا أن الأسعار صارت مرتفعة للغاية، ودخلت فيها الأنواع المقنعة من الرشى، فقد كان مضطراً أن يدفع أجرة شهر «حلاوة المفتاح»، وأجرة شهر آخر للإقامة، ومبلغاً ثالثاً لمن يكنس المكان ويمسحه، لكن الخانات دائماً تغص بالتجار والمسافرين، وفيها كل ما يحب أن يراه الرسامون من مشاهد تستثير عيونهم وريشتهم.

ومما يلفت النظر أن «بتس» يتحدث عن المساجد الداخلية في الخانات لأنها تُغلق بالليل لمن يصلي المغرب والعشاء، بينما لا يأتي «بيرتون» على ذكر مسجد في الخان مع اهتمامه بالتفاصيل، ولا ندري هل هذا من جراء إهمال المساجد فلم تعد تُبنى في الخانات أم هو مما سها عنه «بيرتون»، لا سيما والخانات كانت تغلق ليلاً في أيامه، فالداعي للمسجد الداخلي ما زال موجوداً.

ثامناً: الشرطة:

حضرت الشرطة حضوراً خفيفاً في رحلة «بتس»، في موطن رقابة قانونية عادلة على من يغشون السلع أو يبيعون خبزاً ناقص الوزن، فهم يعاقبون صاحب الجريمة بالضرب بالفلقة ويصادرون خبزه، وتكون العقوبة من القسوة بحيث إذا لمحهم صاحب الجريمة ولى هارباً تاركاً خبزه.

بينما كان للشرطة حضورها الطاغي الوافر في رحلة «بيرتون»، وهو أمر لا يُستغرب في مجتمع تحول إلى «الدولة الحديثة» وكُسِرت فيه الروابط القبلية والمجتمعات الوسيطة ومُنِع حمل السلاح على الناس؛ لقد كانت الشرطة –بتعبير «بيرتون»- تمثل عذاباً في مصر لما تتسم به من التطفل، وتضاعفت عقوبات الجرائم عما كانت عليه أيام المماليك خصوصاً الاعتراضات السياسية ولو كانت بسيطة.

ووصف «بيرتون» مشهداً لشرطي يسوق فلاحاً لقسم الشرطة وهو يتوسل إليه ويترجاه، والنساء تهتف خلفه «يا خراشي، يا حسرتي، يا ندامتي»، وإذا أرادت السلطة جمع الناس للتجنيد؛ فإن الشرطة تهاجم التجمعات في المساجد والأسواق فتغلق عليهم الأبواب ثم تسوقهم للتجنيد، ولذلك فإن أجواء الحرب كانت تثير الذعر في الناس وتجعلهم يخشون التجمع حتى من نوى منهم الحج لئلا يقعوا في «فخ» الشرطة، وتبلغ القسوة أن السلطة في عهد محمد علي كانت تمنع النساء من الولولة والندب خلف الرجال المختطفين للتجنيد.

وروى «بيرتون» كيف يمكن للشرطة الليلية أن تعتقل بالشبهة والمزاج من يسير لا يحمل فانوساً مهما كانت معاذيره، وكان الضرب على القفا سلوكاً اعتيادياً يتلقاه كل من دخل قسم الشرطة ولو كان بريئاً، والناس لدى الشرطة درجات؛ فمن كان أوروبياً لا يُحبس، ومن كان أجنبياً –كالهندي أو الفارسي- متمتعاً بحماية قنصلية أحسنت معاملته، بينما المصري هو المُهان المهضومة حقوقه، ومع هذه القسوة فإن تساهل الشرطة كان ممنوحاً للعاهرات المتهتكات، اللواتي كن يدفعن للدولة ضرائب عالية إلى عهد قريب.

خاتمة:

هكذا مثلت رحلات الحج سجلاً تاريخياً للمجتمعات المسلمة، فلولا أن هؤلاء الرحالة قصدوا الحج ما كانت رحلاتهم قد حظيت بمثل ما حظيت به من الاهتمام، لقد نالوا قبساً من شرف المكان وشرف الشعيرة إذ توجهوا إليها، وإن اختلفت أغراضهم، وقد قال علماؤنا: اصحب أهل التقوى تنل من شرفهم فإن كلباً صحب أهل الكهف فذُكِر في كتاب الله معهم!

وعلى الجهة الأخرى، فقد حظيت البلاد التي أسهمت في شرف رحلة الحج بمصادر عن تاريخها لم تحظ به تلك البلاد التي لم يسعفها حظها بهذا الشرف، وبهذا رفع الحج أقدار بلاد بقدر ما أسهمت في التوصيل إليه.

وتظل رحلة الحج تؤتي ثمارها في كل حين بإذن ربها، وتظل باباً مفتوحاً للشرف ينهل منه من أراد نصيباً، فخلود الأثر والذكر بقدر الاقتراب من الشرف الخالد! وهكذا كتب الله لمكة والمدينة شرفاً خالداً تمتازان به على سائر البلاد، حتى تقوم الساعة!

  • عنوان تمهيدي: مصر قبل وبعد الحداثة (الحلقة الأخيرة)..
عدد المشاهدات 1581
محمد إلهامي

أحدث موضوعات  محمد إلهامي