آن الأوان
هل مازال التعلق بالشام قائماً؟!

02:09 28 أغسطس 2018
الكاتب :  

بعد انطلاق الثورة المدنية السلمية في الشام، ومواجهتها من قبل النظام البعثي بالسلاح القاتل والمدمر، واضطرار خروج الآلاف من النساء وكبار السن والأطفال إلى البلاد المجاورة، تشكلت جبهات قتالية جهادية كثيرة في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأذكر في أول زيارة إغاثية للاجئين السوريين في الأردن، كنا ندعو لهم بالاستقرار والأمن والأمان، وعودتهم قريباً إلى البلاد، كانوا يتكلمون بكل تفاؤل بأنهم سيعودون بالكثير خلال أسبوعين، ومر العام الأول، ورمضان الأول، والعيد الأول دون أي تقدم يذكر، وازداد عدد المهجرين إلى الأردن بمئات الآلاف، وتجاوز عددهم في تركيا المليونين، ونظمت الهجرات المبرمجة إلى أوروبا لحوالي المليونين، ودخل النزال الجيشُ الإيراني، ثم الطيرانُ الروسي، وعلى استحياء السلاح الأمريكي، ومليشيات حزب الله، ومرتزقة أوروبا الشرقية، إضافة إلى "داعش" والجيش النظامي البعثي واختراقات أمنية لا حدود لها، حتى بات الشعب السوري الأعزل مطوقاً من كل هؤلاء؛ فتم قتل ملايين الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد من كل أولئك، وقصفوا الأحياء السكنية والتجارية والصناعية، ودمروا البنية التحتية، ومازال الوضع كما هو سياسياً، مع تراجع شعبي عسكري وأمني، وانسحاب تدريجي لقوى الدعم، وصمت الدول الكبرى أمام كل هذه المجازر.

واستحضرت في هذا العيد، وقد تجرعنا خلال 8 سنوات الألم والقهر، قصيدة الشاعر نزار قباني وكأنه يعيش الحدث معنا، التي قال فيها:

يا عيد عذراً فأهل الحيِّ قد راحوا *** واستوطن الأرض أغراب وأشباحُ

يا عيد ماتت أزاهير الرُّبى كمداً *** وأوُصِدَ الباب ما للباب مفتاحُ

أين المراجيح في ساحات حارتنا *** وضجَّة العيد والتَّكبير صدَّاحُ؟

الله أكبر تعلو كل مئذنة *** وغمرة الحبِّ للعينين تجتاحُ

أين الطُّقوس التي كنَّا نمارسها *** يا روعة العيد والحنَّاء فوَّاحُ؟

وكلنا نصنع الحلوى بلا مللٍ *** وفرن منزلنا في الليل مصباحُ

وبيت والدنا بالحبِّ يجمعنا *** ووجه والدتي في العيد وضَّاحُ

أين الذين تراب الأرض يعشقهم *** فحيثما حطَّت الأقدام أفراحُ؟

أين الذين إذا ما الدَّهر آلمنا *** نبكي على صدرهم نغفو ونرتاحُ؟

هل تذكرون صلاة العيد تؤنسنا *** وبعضهم نائم والبعض لمَّاحُ؟

وبعدها يذهب الإخوان وجهتهم *** نحو المقابر زوَّاراً وما ناحُوا

لكن أفئدة بالحزن مظلمة *** وأدمع العين بالأسرار قد باحُوا

كنا نخطِّط للأطفال حلمهم *** ونبذل الجُّهد هم للمجد أرواحُ

تآمر الغرب والأعراب واجتمعوا *** فالكل في مركبي رأس وملَّاحُ

وأين أسيافنا والجَّيش عنترة *** وأين حاتمنا هل كلهم راحُوا؟

يا عيد عذراً فلن نعطيك فرحتنا *** مادام عمَّت بلاد الشَّام أتراح

لكن القاعدة عندي أنه لا يأس مع الحياة، ولا قنوط من رحمة الله، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، والتفاؤل هو ديدني، فقد رأيت أهل الشام قد انتشروا في أوروبا ونشروا معهم الأخلاق العربية الأصيلة، من الأدب والكرم وحسن التعامل مع الآخرين، وأنشؤوا المساجد وحلقات القرآن الكريم، وفتحوا المطاعم والمحلات، وأثبتوا وجودهم كفئة منتجة لا تمد يدها لأحد، وقد سبقهم آلاف المهاجرين إبان مجزرة حماة الشهيرة عام 1982م، وكلهم ينتظرون تلك اللحظة التي يعودون فيها إلى بلادهم، ولم ييأسوا من ذلك الأمل، ولم يتفرنجوا أو يتغربوا، كما لم يستسلموا على الجانب السياسي رغم حجم الاختراقات الكثيرة؛ مسلمين ومسيحيين، رجالاً ونساء، واحتفظوا بلهجتهم الشامية الجميلة، لاقتراب موعد العودة إلى الوطن بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز.

جاء عيد وذهب عيد، وما زال الشام بيد من هم لغيرهم عبيد، ولكن المرابطين لم يخشوا من التهديد والوعيد، ولم ييأس المهاجرون من العودة من جديد، وما زالوا يخططون لعودة وطنهم البعيد، ويرثون الذكريات جيلاً بعد جيل لغد مجيد.

وأسأل الله أن يعجل عودة المهاجرين بأسرع وقت، ليعيشوا في وطنهم بأمن وأمان، بعيداً عن ظلم العسكر والبعث ومن والاهم، وهنيئاً لأهل الشام دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا في شامنا"، وأن "فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام"، وأمر الناس "عليكم بالشام" عندما تخرج النار من حضرموت قبل يوم القيامة، فأبشروا بالخير الذي لا نعلمه.

  • عنوان تمهيدي: آن الأوان
عدد المشاهدات 1091

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top