حصاد السنين
أسهل الطرق لتنقيح الدستور

18:27 23 ديسمبر 2018
الكاتب :  

ما يحدث اليوم في الساحة الإعلامية المحلية بعد صدور حكم المحكمة الدستورية هو فرز طبيعي للتوجهات السياسية داخل المجتمع الكويتي ، فهذا المجتمع الصغير مجتمع حي ، متحرك ، غير جامد بأفكار أبنائه ومفكريه وسياسييه ، ويحتضن مواقف متناقضة من الديمقراطية ضمن هذه الأفكار ، فمن مؤيد للممارسة الديمقراطية السليمة الى راغب بمشاهدة النظام يحكم السلطات الثلاث ولا عزاء للتيارات السياسية ولا للإرادة الشعبية !
لذلك شاهدنا في الأيام القليلة الماضية كل هذه التيارات المتباينة تكشر عن أنيابها ، فمعظم التيارات والقوى السياسية رأت في حكم الدستورية مخالفة صريحة لحكم المادتين 6 و 50 من الدستور ، فالأولى تدعو الى ان تكون الأمة مصدر السلطات والأخرى تدعو الى الفصل بين السلطات ، بينما الحكم فيه تعدي واضح على اختصاصات السلطة التشريعية ممثلة الأمة ! وهذا الرأي يرى غرابة في هذا الحكم الذي يقرر عدم دستورية مادة تم اعتمادها قبل 55 عاماً من قبل الجهة التي اعتمدت دستور الكويت وأصدرته ! لذلك لا يتردد أصحاب هذا التوجه من القول بوجود دوافع سياسية وراء هذا الحكم ! ناهيك عن التكييف النفسي للقضية برمتها ، فكيف لشخص أن يتم سجنه بسبب انه شارك في كسر مقبض الباب وفي ضياع مطرقة ؟! ثم اذا ما تم انتخابه في مجلس الأمة يتم عزله بسبب الحكم الذي صدر عليه لأنه تجاوز ثلاث سنوات فأصبح في حكم الجناية التي تكفي لاعتبار النائب فاقداً لأحد شروط العضوية !
الفريق الآخر أستغل صدور هذا الحكم ليكشف عن كم الكره الذي في صدره للممارسة الديمقراطية، واسترجع شريط كل المطبات لهذه الممارسة ليعبر عن رغبته بوأدها بحجة نوايا الفريق الآخر الإرهابية كما ورد في افتتاحية احدى الصحف التي ذكرت المخططات الإرهابية لبعض النواب ! ويبدو أن صراعاً قديماً بين القوى السياسية وبعض رموز النظام كان حاضراً بقوة بعد صدور الحكم وأخذ شكل التشفي والثأر !مما يفسر لنا ظاهرة فتح البعض للملفات القديمة
اليوم نحن أمام تحدي يواجه الأمة ، فإما أن يتم القبول بالأمر الواقع وعليه سيتم فتح الباب لتنقيح الدستور متى ما أرادت السلطة ذلك ومن خلال أحكام المحكمة الدستورية ، وهنا لا نستبعد أن يأتي يوم يتم فيه تفريغ الدستور من محتواه ، وتكون ديمقراطيتنا عرجاء برجل واحدة أو تكون ممارستنا للحياة البرلمانية عوراء بعين واحدة كما هو الحال في دول العالم الثالث !
اليوم وبعد صدور أحكام الدستورية تعالت بعض الأصوات تطالب بإقصاء تيارات سياسية بعينها ، وكأنها تستبق نتائج القبول بهذه الأحكام ، حيث من الممكن أن تنفرد السلطة التنفيذية بكل السلطات ، و يتم تقييد الحريات العامة وينتشر القمع وفرض الرأي الواحد ، وعندها لا نستبعد أن يتسيد الرويبضة وتكون الجولة للأقزام بينما سيتواجد الأحرار في المهجر أو في أقبية السجون ، وستمارس الأغلبية هواية الصمت والقهر ، ومن يدري فقد يأتي يوم تتم محاسبتهم على صمتهم !! ، وستكون الكلمة لبعض الإعلاميين الذين يتقاضون تمويلاً ورواتب من بعض الدول الصديقة والشقيقة، فبدلاً من محاسبتهم على أفعالهم الشنيعة نجد البعض يطالب بمحاسبة تيارات سياسية كل ذنبها أنها أرادت ان تمارس الإصلاح من خلال القنوات الدستورية المتاحة قبل أن تطولها يد الأحكام الدستورية!

ينشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

  • عنوان تمهيدي: حصاد السنين
عدد المشاهدات 2197

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top