الإعجاز الإعلامي العجيب في قصة هُدد سليمان عليه السلام

11:30 08 سبتمبر 2019
الكاتب :   د. علي محمَّد الصَّلابي (*)

تتجلى آيات الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته التي سخرها للإنسان لتلبي حاجاته ومتطلباته، ولتكون له عوناً ونصيراً على أعدائه، فلو تأملنا اهتمام القرآن الكريم بالطيور، وتطرقنا تحديداً إلى قصة الهدهد مع نبي الله سليمان عليه السلام؛ لوجدنا إعجازاً واضحاً وجلياً، وخصوصاً استخدام هذا المخلوق في مجال الاتصالات السلمية، لسرعته وذكائه وطريقته المذهلة في تنقلاته. 

ولقد بينت الدراسات الحديثة أن الهدهد أكفأ من الحمام في استخدامات النقل والاتصال، فهو أسرع طيراناً، ولا يحتاج للجماعة في طيرانه، وقوة دفاعه عن نفسه أكفأ، وتحمله للجوع والعطش أكثر، فضلاً عن ذكائه ومكره المشهور بهما، لذلك -والله أعلم- كان الاختيار الأفضل للهدهد من بين بقية الطيور، فهو يحمل خصائص فريدة من نوعها.
قال الله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)‏ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)} (النمل).
لعل ما ذكرناه من الآيات الكريمة من سورة «النمل» تحكي لنا قصة هدهد سليمان عليه السلام، وتروي لنا العجيب من خبره مع هذا النبي العظيم، وابتداء لا بد أن ندرك أن هذا الهدهد لم يكن هدهداً من عامة الهداهد، وإنما هو هدهد من نوع خاص، ويتجلى الإعجاز الإعلامي في النواحي التالية:

1 - استخدام المقدمة المشوقة:
حيث نرى الهدهد في هذه القصة استخدم أسلوب التشويق في بداية القصة، حينما قال: «فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ».
- فالهدهد أحاط؛ أي رأى وشاهد وسمع وفهم وحلل، فهو قد أحاط الموقف علماً، ولذلك قال أحطت.
- وهو يعلم ويجزم أن سليمان لم يحط به: «بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ».
إن الهدهد يعرف حزم الملك وشدته، ولذلك بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له، وأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ».
- وهو قد تحرى ودقق وبحث وعرف أن القرية اسمها «سبأ»، وهي في بلاد اليمن.
- وقد جاء منها بنبأ يذاع لأول مرة عند سليمان، فكلمة «جِئْتُكَ» تدل على إحضار بيانات وعلم من مكان خارج عن المكان الذي أنت فيه الآن.
إذن، فالهدهد استخدم أسلوب التشويق؛ لأنه يعرف أنه جاء بسبق صحفي يذاع لأول مرة خاصة لنبي الله سليمان عليه السلام، وهو واثق من نفسه ومن النبأ الذي جاء به، فيصفه بأنه نبأ يقين، وقد عاجَلَ الهدهدُ سليمانَ بهذه المقدمة المشوقة؛ لكي يمتص غضبه بسبب غيابه، ويستثيره، فقول سليمان الذي توعده بالعذاب الشديد أو الذبح استثنى مجيء الهدهد بسلطان مبين.

2 - التناسب:
يؤكد علماء الصحافة أن كل خبر صحفي ينبغي أن يتكون من عنوان ومقدمة وجسم للخبر وخاتمة، وعندما ننظر إلى قصة الهدهد مع نبي الله سليمان، نجد أن الهدهد يبتكر شيئاً جديداً في عالم الصحافة؛ حيث نراه يقسّم جسم الخبر المؤكد الذي جاء به إلى نبي الله سليمان عليه السلام إلى نوعين:
الأول: معلومات يراها الإعلامي، وترصد حواسه أشياء معلنة يراها بعينه ويسمعها بأذنيه ويمسكها بيديه، وهي:
أ- إني وجدت امرأة تملكهم، عرف أنها امرأة، فالهدهد له عقل ويعرف الفرق بين الذكر والأنثى.
ب- تملكهم؛ عرف العلاقة الإدارية بينها وبين قومها، فهي لا ترأسهم ولا تقودهم ولا تؤمهم فحسب، وهي ليست فقط ملكتهم، ولكنها تملكهم.
جـ- وأوتيت من كل شيء؛ ومعنى هذا أن الهدهد اطلع على ملكها وقيّمه، كما أن لديه خبرة في الأشياء عرف بها كيف يقيم هذا الملك.
د- ولها عرش عظيم، هو يقيّم عرَضها ويقدر أنه عظيم، فمن الذي علمه هذا؟ لا شك أنه الله رب العالمين، ولا جدال أن كل هذه الأمور الأربعة محسوسة ومدركة بالحواس الخمس أو ببعضها.
الثاني: أنباء عن أشياء مخفية عن الحواس، فهي أشياء في عقل أو قلب بعض الناس، فلا تُدرك بالحواس الخمس، وإنما بالعقل، منها:
أ- «وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ».
وأنت لا تستطيع من رؤيتك لقوم يسجدون أن تعرف أهم يسجدون لله، أم للشمس، أم نفاقاً؟ فذلك في نيتهم التي لا يمكن الاطلاع عليها من الظاهر، ولكن الهدهد عرف ما في عقولهم.
ب- «فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ»، فهي أخبار لا تُدرك بالحواس، ولكن بالاطلاع على مخبوء العقل.
جـ- «لَا يَهْتَدُونَ»، وهذه معناها أن الهدهد يعرف الهدى من الضلال، وهكذا نرى أن الهدهد في قصته الخبرية استخدم الألفاظ المناسبة التي تدل على المعنى المراد.

3 - التنوع في طريقة عرض الأبطال والأحداث:
وهذه سمة مهمة في قصة سليمان مع الهدهد، فنحن نرى تنوعاً وتعدداً في أبطال القصة، فمرة نجد نبي الله سليمان يتفقد الطير فلا يجد الهدهد، ومرة نجد الهدهد يقف بين يدي نبي الله سليمان متحدياً «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، ومرة ثالثة نجد ملكة سبأ وقد عبدت الشمس من دون الله مع قومها، وهكذا التنوع في طريقة عرض الأبطال والأحداث.

4 - التدرج في الاتهام:
فعند التأمل الدقيق لهذه القصة، نجد أن نبي الله سليمان تدرج في الاتهام، فنحن نراه اتهم نفسه أولاً: «مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ»، ثم اتهم الهدهد: «أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ»، ثم تدرج في العقوبة من الأشد على الأخف، فمن العذاب الشديد إلى الذبح، ثم إلى العفو الشامل، لو يأتي بسلطان مبين، ولا شك أن هذا التدرج من علامات الإيمان، حيث لا يترك الإنسان احتمالاً لإدانة نفسه قبل إدانة غيره، وألا يترك نفسه للانفعال الشديد، ولكنه يهدأ حتى يصل إلى العفو.

5 - براعة الدفاع عن النفس:
وقد تمثل في قول الهدهد معتذراً لنبي الله سليمان عليه السلام: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ»، فهنا نجد الهدهد بدأ بمقدمة يسميها علماء الصحافة والإعلام المقدمة القنبلة؛ حيث نراها تطغى على مسألة غيابه، وتضمن إصغاء نبي الله سليمان له.

6 - حُسن اختيار الألفاظ:
حيث تم اختيار الألفاظ في قصة هدهد سليمان عليه السلام بطريقة رائعة تدل على فهم عميق، فكانت الألفاظ تحمل معنى واحداً، هو المعنى الذي قصده وأراده القائم بالاتصال، ومن أمثلة ذلك: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ»؛ فالإحاطة هنا شاملة لجميع جوانب الحدث أو الخبر الذي جاء به دون أن يترك ثغرة فيه، وكذلك عند اختياره لجملة «بِنَبَإٍ يَقِينٍ»؛ فلقد ذكر الهدهد لفظ «نبأ» بدلاً من «خبر»؛ لأن النبأ أصدق من الخبر، ولأنه يروي الأحداث المهمة والعظيمة التي تهم المستمع، وكذلك يدل استخدام النبأ اليقين على شدة تيقن الهدهد من صحة الأخبار والمعلومات والمتابعات الإخبارية، وتتجلى براعة الهدهد أيضاً في استخدامه للفظ «الْخَبْءَ» في حديثه، حيث أظهر قدرة وعظمة الله، وكذلك اختياره للفظ السجود في قوله: «يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ»، فهذا دليل على أن العبادة لا تتم إلا بالسجود لله الخالق الوهاب، فالسجود أصل العبادة.

7 - براعة تصوير الأحداث:
فالمتأمل لهذه الآيات القرآنية التي تتحدث عن قصة هدهد سليمان يكتشف براعة في تصوير الأحداث وكأنه يراها حية أمامه، فنبي الله سليمان عليه السلام يبحث عن الهدهد في مشهد رائع، والهدهد يأتي من سبأ بنبأ يقين في مشهد يشعر وكأن الأحداث تجري حية أمام عينيه، فهو يحس بانفعال الهدهد، وحزنه على قوم سبأ الذين يسجدون للشمس من دون الله، وهو أيضاً يحس بنبي الله سليمان وهو يتفقد أحوال رعيته ويبحث عن الهدهد.

8 - الإيجاز:
وهذه سمة مهمة في قصة هدهد سليمان عليه السلام، توضح الإعجاز الإعلامي في القرآن الكريم الذي يتجلى لنا في استخدام أقل الكلمات للتعبير عن أكبر عدد من الأفكار، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: «وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ».

9 - انتقاء الأحداث:
وتتجلى لنا سمة انتقاء الأحداث، وهي إعجاز إعلامي رائع في قول الهدهد: «وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ»، قال سليمان: وما ذاك الخبر؟ قال: «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ»، فقد تم انتقاء الحدث، فلم يذكر لنا سؤال سليمان وجيء بجواب الهدهد مباشرة.
ولعل تلك المميزات هي التي أهّلته ليكون بتلك المنزلة والثقة التي أوليت له من قبل سيدنا سليمان عليه السلام، على أن ذلك قد يوحي بأن ذلك الهدهد كان من نوع خاص، وتم تربيته وتدريبه بعناية فائقة.

_______________

المرجعان

1- د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، بيروت. لبنان، 2013م، ص 166-170.
2- د. محمد وهدان، الإعجاز الإعلامي في القصص القرآني: دراسة تطبيقية على سورة النمل، أزمنة للنشر والتوزيع، عمَّان. الأردن، 2006 ، ص 89-93.


(*) كاتب إسلامي ليبي.

عدد المشاهدات 1363

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top