التمكين الاقتصادي من منظور الاقتصاد الإسلامي (1 - 2)

16:00 07 يناير 2020
الكاتب :   د. أشرف دوابه (*)

 

ترجع جذور مصطلح التمكين لعقد الستينيات من القرن الماضي، حيث ارتبط ظهوره بالحركات الاجتماعية المنادية بالحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين، ومنذ ذلك الحين استخدم هذا المصطلح ليحمل معاني متعددة وفق مجالات متعددة اجتماعية واقتصادية وسياسية.

وفي التسعينيات تبنت المؤسسات الدولية مصطلح تمكين المرأة، وحلَّ مصطلح التمكين، لا سيما التمكين الاقتصادي، محلَّ مصطلحات النهوض والرفاهية، ومكافحة الفقر والمشاركة المجتمعية.

مصطلح «التمكين» في اللغة العربية هو مصدر للفعل «مكن»، وقد ورد الجذر «مكّن» بمعان متعددة، منها مكّن الشيء؛ أي تم تقويته وتمتينه وترسيخه ليصبح ماكناً، وأمكّنه منه؛ أي جعل له عليه سلطاناً وقدرة، واستمكن منه؛ أي قدر عليه وظفر به، ومصطلح التمكين (Empowerment) في اللغة الإنجليزية مستمد من الكلمة اللاتينية "Potere"؛ وتعني أن يصبح الإنسان قادراً، والفعل "Empower" يعني إعطاء القوة القانونية أو السلطة الرسمية أو الاستطاعة، أما "ment" فهي نتاج لعملية التقوية أو التمكين.

وتبدو القوة "Power" هي الكلمة المحورية والمركزية في مفهوم التمكين، وتعرف الموسوعة الحرة "التمكين" بأنه "زيادة قوة الأفراد السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ وهو ما يعني غالباً أن الشخص المتمكن يطور الثقة في قدراته"، والتمكين الاقتصادي يعني أخذ الفرد فرصته في التنمية، فمن خلاله ينتقل الفرد من وضع الحاجة والمساعدة إلى وضع الاستقلال والتنمية.

ويمكن القول: إن التمكين الاقتصادي هو إكساب الأفراد المعارف والقيم والمهارات التي تؤهّلهم للعمل، مع السعي لتوفير فرص التمويل والتسويق اللازمة لممارسة أعمالهم، بما يحقق حد الكفاية لهم، وهو بذلك يخرج الفرد من دائرة الحاجة والاعتماد على الغير إلى دائرة الكفاية والاعتماد على النفس، ومن دائرة العالة على المجتمع إلى دائرة المساهمة في التنمية.

وقد شهد عهد الرسالة نماذج حية من التمكين الاقتصادي، فأوّل عملٍ قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد بناء المسجد تشريع نظام المؤاخاة، التي تمّ إعلانها في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أعطت المؤاخاة للمتآخيَيْن الحقّ في التوارث دون أن يكون بينهما صلة من قرابة أو رحم، كما في قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ‏) (النساء: 33)، واستمرّ العمل بقضيّة التوارث زمناً، حتى تمكن المهاجرون اقتصادياً، فنسخ الله تعالى العمل بهذا الحكم، وأرجع نظام الإرث إلى ما كان عليه، وذلك في قوله تعالى: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ) (الأنفال: 75).

ويعد نموذج المؤاخاة بين عبدالرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، رضي الله عنهما، نموذجاً كتبه التاريخ بأسطر من نور للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، فقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالاً، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئاً مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيراً حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ، وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ»، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟»، قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».

ومن النماذج الأخرى للتمكين الاقتصادي أن كثيراً من الأنصار عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم الأراضي الزراعيّة بينهم وبين إخوانهم من المهاجرين، ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن تقوم هذه المواساة دونما إضرار بأملاكهم، فأشار عليهم بأن يحتفظوا بأراضيهم مع إشراك إخوانهم المهاجرين في الحصاد، وقد أورث صنيعهم هذا مشاعر الإعجاب في نفوس المهاجرين، حتى إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما رأينا قوماً قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير منهم، لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كلّه.

وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفضل للأنصار، فمدحهم بقوله: «لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِياً أَوْ شِعْباً لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ» (رواه البخاري)، وبيّن حبه لهم بقوله: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق؛ فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (رواه البخاري)، ودعا لأولادهم وذرياتهم بالصلاح فقال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار، ولذراري الأنصار» (رواه أحمد)، وآثر الجلوس بينهم طيلة حياته فقال: «ولَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ» (رواه البخاري).

وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه صورة حية أخرى للتمكين الاقتصادي لبناء الإنسان الصالح وحماية المجتمع، فحينما سأل أحد ولاته: «ماذا تفعل لو جاءك سارق، فقال الوالي: أقطع يده، قال عمر: وإذن فإن جاءني منهم جائع أو متعطل، فسوف أقطع يدك، إن الله سبحانه وتعالى استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها، يا هذا، إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية».

 

خواطر اقتصادية من الهدي النبوي

عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الكسبِ أطيَبُ؟ قال: «عملُ الرَّجلِ بيدِه وكلُّ بيعٍ مبرورٍ» (رواه البزار وصححه الحاكم).

مصطلحات الحديث:

الكسب: طلب الرزق.

أطيب: أحل أكلاً وأفضل عملاً وأكثر بركة.

مبرور: لم يخالطه شيء من المأثم.

الدروس الاقتصادية في الحديث:

1- الحديث ذكر الرجل ومثله المرأة.

2- العائد لا يكون إلا بجهد وعمل وسعي.

3- العائد قد يكون في صورة أجر على عمل للنفس أو للغير، وقد يكون في صورة ربح من خلال البيع، وقد تضمن الحديث بذلك مصادر العائد اقتصادياً.

4- عمل اليد مقدم على البيع المبرور، وهذا يعكس قيمة ما يبذله الفرد من جهد للحصول على كسبه من خلال يده التي تمتهن عملاً سواء أكان صناعياً أو زراعياً أو تجارياً تجيده، وفي الحديث: «ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده» (رواه البخاري)، وتتوقف قيمة النشاط المفضل على حاجة الأمة إليه.

5- التجارة من أطيب المكاسب إذا سلمت من المحرمات؛ كالربا والغرر والمقامرة والغش والتدليس والخديعة، ونحو ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والبيع المبرور الخالي من تلك المحرمات مبادلة تحقق قيمة العدل والمنفعة التبادلية في المجتمع، ومن خلاله يتحقق السعر العادل دون طغيان أو خسران.

6- عمل الرجل بيده والبيع المبرور كلاهما جناحا العائد المتحقق في الاقتصاد، وبهما تتحقق البركة الاقتصادية في حياة صاحبها، وبذلك يجمع صاحبهما بين الكسب المادي مع الكسب المعنوي، وينتفع بهما رزقاً مباركاً طيباً.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

ورئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي

 

عدد المشاهدات 3190

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top