الفوائد والعبر والتربوية من طبقات الشافعية..
الإمام أبو الحسن الدارَقُطْني

16:55 07 يناير 2020
الكاتب :   د. يوسف السند (*)

 

علي بن عمر بن أحمد بن مَهديّ بن مسعود بن النُّعمان بن دينار بن عبدالله، الإمام الجليل أبو الحسن الدارَقُطْني البغدادي الحافظ، المشهور الاسم، صاحب المصنّفات، إمام زمانه وسيِّد أهل عصره، وشيخ أهل الحديث، مولده في سنة ست وثلاثمائة.

سمع من أبي القاسم البَغَوي، وأبي بكر بن أبي داود، وابن صاعِد، ومحمد بن هارون الحضرَمِي، وعلي بن مُبشِّر الواسطي، وأبي عمر محمد بن يوسف القاضي.

ورحل في الكهولة إلى الشام ومصر، فسمع القاضي أبا الطاهر الذهلي.

روى عنه الشيخ أبو حامد الإسفرايني الفقيه، وأبو عبدالله الحاكم، وعبدالغني بن سعيد المصري، وتمّام الرازي، وأبو بكر البرقاني، وأبو ذر عبد بن أحمد، وأبو نُعيم الأصبهاني.

قال الحاكم: «صار الدارَقُطْنيّ أَوْحدَ عَصره في الحِفظ والفهم والورع، وإماماً في القُراء والنحويين، وفي سنة سبع وستين أقمتُ ببغداد أربعة أشهر، كثُرَ اجتماعنا بالليل والنهار، فصادفته فوق ما وُصِف لي، وسألته عن العِلل والشيوخ، قال: وأشهد أنه لم يُخَلِّ على أديم الأرض مِثلَه».

وقال الخطيب: «الدارقطني فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر، ومعرفة علل الحديث، وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث، منها القراءات، فإن له فيها مُصنَّفاً مُختَصراً، جمع الأصول في أبواب عقدها في أول الكتاب، وسمعْتُ مَن يعتني بالقراءات يقول: لم يُسبَق أبو الحسَن إلى طريقته التي سلكها، في عَقْد الأبواب المقدَّمة في أول القراءات، وصارَ القُرّاء بعده يسلكون ذلك، ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء؛ فإن كتابه «السنن» يدل على ذلك، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وقيل على غيره، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة».

وقال رَجاء بن محمد المُعدِّل: «قلتُ للدارقطني: رأيتَ مثلَ نفسِك؟ فقال: قال الله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) (النجم: 32)، فألحَحْت عليه، فقال: لم أرَ أحداً جمعَ ما جَمعتُ».

وقال أبو الطيب القاضي: «الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث».

وقال الأزهري: «كان الدارقطني ذكيّاً، إذا ذُكِرَ شيء من العلم أيّ نوعٍ كان، وُجِد عنده منه نصيبٌ وافر».

وقال الحافظ عبدالغني بن سعيد: «أحسنُ الناس كلاماً على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: علي بن المديني، في وقته، وموسى بن هارون، في وقته، وعلي بن عمر الدارقطني، في وقته».

توفي الدارقطني يومَ الخميس لثمانٍ خلونَ من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة(1).

العبر والفوائد التربوية:

- اهتمام علمائنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحلة وكتابة وتدقيقاً وتحقيقاً لدليل على أهمية هذا العلم في صياغة عقيدة المسلم وفهمه للشريعة والدين بشكل عام؛ فلا يستغني مسلم عن العلم بكتاب الله تعالى ما لم يتعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- سماع العالم لثلة من العلماء المبرزين لدليل على حرصه وتحمله وصبره على طلب العلم وكتابته وتقييده وتحصيله؛ «ومن يتصبر يصبره الله».

- تنوع التحصيل المعرفي وتعدده مظهر من مظاهر الإبداع العلمي والألمعية والتميز لدى علمائنا؛ فنجد نبوغاً في عدة علوم وتميزاً كالحديث والقراءات والفقه والأدب والشعر كما هو لدى إمامنا الجليل الدارقطني.

- الابتعاد عن تزكية النفس ومدحها سمت علمائنا الكرام وأئمتنا المبجلين خوفاً من مخالفة أمر الله تعالى.

- كان علماؤنا يواصلون ليلهم ونهارهم في طلب العلم ومدارسته ومذاكرته؛ ولذلك أثمرت جهودهم، وتُوج سعيهم بعلم طيب نافع عم البلاد والعباد كالغيث النافع المدرار الذي يخرج الله الكلأ والعشب والنبات.

 (*) إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الهامش:

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج3،

تحقيق: محمود محمد الطناحي، وعبدالفتاح محمد الحلو.

  • عنوان تمهيدي: الفوائد والعبر والتربوية من طبقات الشافعية..
عدد المشاهدات 2222

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top