جاء في كتاب "الاقتصاد المجنون" قول كريس هارمن: إن قليلاً من الذين يؤيدون النظام العالمي القائم كانوا يتوقعون أن تتحسن الأمور وتتحسن أحوال الفقراء بالتوظيف الكامل، والإنفاق أكثر على الرعاية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء، ولكنهم اليوم يقولون: إن هذه الأفكار أصبحت موضة قديمة.

وبالطبع، فإن الفقر والمرض والجوع والألم واليأس والإحباط لا تُعد أشياء جديدة على المجتمع البشري، بل وجدت على مدى معظم تاريخه المسجل، ولكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف، لأنه يوجد جنباً إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقراء إلى الأبد.

وللأسف فإن الجوع يتواجد جنباً إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية، والدليل على ذلك جبال الأغذية.

قبل خمسين عاماً كان الخمس الأغنى 20% من سكان العالم يمتلك 30% من الدخل، واليوم يمتلكون 60% من هذا الدخل، في نفس الوقت، فإن الخمس الأفقر 20% من البشر يقتسمون 4% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

لقد حذر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأن السبب الرئيس في زيادة الصراعات الداخلية في العالم هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض، ويلاحظ أن الدول، صغيرة وكبيرة، تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب.

إذ وسط هذا البؤس وتلك القذرات، انتعشت مئات الشرور، فقد عادت للظهور أمراض قاتلة وانتشر إدمان المخدرات، حيث يعتبر بعض الناس ذلك هو الطريق الوحيد للهروب، ولو مؤقتاً، من معاناتهم، وارتفعت معدلات الانتحار وتزايدت الجريمة حيث إن أقلية من الفقراء يرون فيها الطريق الوحيد للحصول على الثروة التي تتيح تقليد الحياة الفاخرة للأغنياء التي تتباهى بها أمامهم وكالات الإعلام، وفق كل ذلك جاء التأثير الفظيع للحرب.

إنَّ لغزاً كبيراً يواجهنا ولم نستطع بَعْدُ فهمه، فبينما يتم إنتاج ثروات أكبر مما كان يُنتج من قبل في التاريخ، وتوجد اختراعات تزيد من إنتاج أشياء متنوعة، شاملة أغذية أساسية حرمت منها أجيال من البشرية، كما استطاع البشر اقتحام الفضاء الخارجي واكتشفوا أعماق المحيطات واستطاعوا استخدام الماكينات للقيام بالأعباء الضخمة، وكذا إرسال المعلومات من جانب من العالم إلى الجانب الآخر في جزء من الثانية.

ومع ذلك، وبدلاً من ضمان تخفيف أعباء البشرية، تصبح هذه الأعباء أشد حدة، وبدلاً من أن يتطلع الناس إلى حياة أكثر رغداً وراحة، غالباً ما يعيشون في خوف من أن تزداد الأمور سوءاً، وبدلاً من أن يختفي البؤس نجده يتزايد.

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء
الإثنين, 10 أبريل 2017 12:53

دليل إرشادي اقتصادي

كتاب دروس مبسطة في الاقتصاد لمؤلفه روبرت ميرفي هو دليل إرشادي لطريقة جديدة للنظر إلى العالم، وقد أثبت علم الاقتصاد أنه جدير بأن يتعلمه الجميع، والشخص واسع المعرفة ليس من يقتصر على دراسة الجبر وفلسفة دانتي وأشعاره، والبناء الضوئي فحسب، بل من تكون لديه القدرة أيضاً على تفسير السبب وراء ارتفاع الأسعار.

بَيْدَ أن المنظور الاقتصادي ليس مفيداً في كل الحالات، فدروس كتاب ميرفي لن تفيد كثيراً في مباراة كرة القدم أو حفلة تخرج، أما في حياتك، فستواجه مواقف عديدة غاية في الأهمية لا بد لقراراتك فيها أن تكون مبنية على معرفة اقتصادية سليمة، ليس من الضروري أن يصبح الجميع علماء اقتصاد، لكن من المهم أن يتعلموا كيف يفكرون بعقلية اقتصادية.

يقول ميرفي: في هذا الكتاب نتبنى رأياً مفاده أن الاقتصاد يشكل علماً مستقلاً، تماماً مثلما هو مؤكد أن الكيمياء والأحياء فرعان مستقلان من فروع المعرفة، سوف أتناول دروس كتابي على أساس علمي، لكن انتبه! عندما نقول: إن الاقتصاد علم، فنحن لا نعني أننا سنجري تجارب لاختبار قوانين الاقتصاد، مثلما يبحث عالم فيزياء نووية نتائج تحطيم أنوية الذرات باستخدام مسرِّع جسيمات، فهناك فروق مهمة بين العلوم الاجتماعية كالاقتصاد، والعلوم الطبيعية التجريبية كالفيزياء.

إن من المفاهيم المغلوطة الشائعة اعتقاد الناس أن علم الاقتصاد هو دراسة المال، بالطبع لدى علم الاقتصاد الكثير مما يقال عن المال، لكن عكس هذا المفهوم المغلوط الشائع، فإن الاقتصاد أشمل من مجرد دراسة المال فحسب، فهو يشمل دراسة عمليات التبادل التجارية، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الاقتصاد يتناول حالة شخص واحد منعزل يتخذ إجراءات معينة تهدف إلى تحسين وضعه، عادة ما يطلق على ذلك اقتصاد كروزو.

يقول ميرفي: إياك أيضاً أن تظن أن علم الاقتصاد يتعامل مع اقتصاد افتراضي لا يعنيه إلا اقتناء الممتلكات المادية أو كسب المال، ذاك أحد المفاهيم المغلوطة الشائعة عن جوهر علم الاقتصاد.

إن علم الاقتصاد كما هو بين طيات هذا الكتاب لا ينصح العمال بقبول أي وظيفة ما دامت تدر أكبر دخل ممكن، ولا ينصح الشركات بالتفكير في الجوانب المالية فقط عند إدارة استثماراتهم.

ولذا يؤكد ميرفي أن أحد أسباب دراسة الاقتصاد هو أنه ببساطة علم شيِّق، وهناك سبب آخر وهو أنه سيساعدك على اتخاذ القرارات في حياتك الشخصية والمهنية، ولهذا السبب وجب على الشباب الراشدين تعلم مبادئ علم الاقتصاد.

(*) المستشار الاقتصادي - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء
السبت, 01 أبريل 2017 15:05

حديث البيروقراطيين عن الفقر

هناك على الأقل 3 طرق للتحدث عن الفقر، هي حديث البيروقراطيين، وحديث علماء الأخلاق، وحديث الأكاديميين.

إنَّ دلالات لفظ الفقر في حديث البيروقراطيين تتركز في:

1- سكان دخلهم منخفض.

2- فقر مطلق.

3- فقر نسبي.

وهي الدلالات الثلاث الأكثر شيوعًا واستخدامًا، وعادة ما يكون المعيار الموضوعي هو الدخل؛ لتحديد من يدخل في كل فئة من هذه الفئات الثلاث، وتطبق المعايير على الأفراد أو الأُسَر بطرق متعددة.

إن استعمال الدخل كمعيار في منظور البيروقراطيين علاوة على ذلك، قد يؤدي إلى طرح احتمال قدرة الفقراء على الاستهلاك.

وطبقًا للمعنى المعجمي، فكلمة فقر تعني حالة قلة أو ندرة الممتلكات إن وجدت أو انعدامها تمامًا، ومن ثَمَّ نلاحظ أن الاستخدام البيروقراطي لكلمة فقر أكثر دقة؛ لأن مرجع تقويمه هو الدخل وليس الممتلكات أو الثروة.

ويقبل هذا المعنى المناقشة في ضوء نظرية رأس المال البشري، فالفقير يوصم بالفقر على أساس إتاحة وتوافر بعض المزايا الأخرى المهمة، مثل: الصحة والتعليم؛ مما يطرح حلولا بديلة خلاف إعادة توزيع الدخول، مثل: برامج الرعاية الاجتماعية.

ومن جانب آخر ينصب الفقر في حديث علماء الأخلاق على:

1- المتوكل على الله أو الفقير إلى الله.

2- المعدم.

3- المحروم.

4- الكادح.

5- مستحق العون.

6- الفقير باختياره.

إن كثيرًا من هذه المصطلحات، وليست كلها تحمِّل مسؤولية الفقر للفقير ذاته، وتنطوي على أحكام أخلاقية عندما توضع في مكانها الصحيح، قد يكون لها مغزًى سياسي أو عقدي.

وتعد كلمتا معدم ومحتاج وإن افتقرتا إلى الدقة أكثر شمولاً من معنى الفقر عند البيروقراطيين.

فلفظ المعدم يشير إلى الفقر المطلق، بينما الحرمان بشكل عام يشير إلى صفة الحاجة غير المشبعة.

والفقير الكادح غالبًا ما يوصف أيضًا بأنه مستحق للمساعدة؛ حيث إنه يعيش حياة نقية فيها جد وأمانة.

أما معاني الفقر في لغة الأكاديميين فتتمثل في:

1- الفقر الهيكلي.

2- العزل والإبعاد.

3- التهميش.

4- الاستغلال.

وينطوي كل من هذه المصطلحات والنظريات المرتبطة به على أن الفقراء ضحايا لقوى خارجة عن نطاق سيطرتهم، كما ينطوي كل مصطلح على مجموعة متنوِّعة من الحلول، ولا نستطيع هنا أن نذكر الأدبيات الكثيرة الخاصة بكل من هذه المصطلحات، ولا حتى الدخول في جدلية أكاديمية.

بصفة عامة يمكن القول: إن الفقر ينتج عن الأوضاع الهيكلية في النظام الاقتصادي الاجتماعي، التي تساعده مثلاً على وجود تجاوزات واسعة في سوق العمل، أو ينشأ عنها حالة إزاحة واسعة النطاق لصغار المزارعين من أراضيهم، وبمعنى أعم يتأصل عدم المساواة في هيكلة النظام؛ مما يستدعي برامج إعادة تأهيل وتوظيف وتدريب.

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء

في البداية، لا بد من القول: إنَّ التنمية كمفهوم لم يوضع أساساً إلا ليتجاوب مع حاجات السكان في أيّ بلد، فكيف إذا كان هذا البلد يعاني من الانفجار الاستهلاكي.

إنَّ الانفجار الاستهلاكي يرتبط بعدة عوامل مؤثرة، منها:

1- الانفجار السكاني، إذ إنَّ في زيادة الأفواه التي ينبغي أن نغذيها والأجساد التي ينبغي أن نكسوها والخدمات التي ينبغي على الدولة أن تقدمها، من رفع درجة الاستهلاك وزيادة مستوياته.

2- الدعاية والإعلانات التجارية، وانتشار الأسواق الكبرى والمحلات التجارية التي تجذب الناس، فلا يخرج منها الإنسان إلا وقد اشترى بالإضافة إلى ما يحتاجه كماليات وأغراضاً أخرى قد لا يكون بحاجة إليها.

3- التسهيلات المصرفية، لشراء المواد الاستهلاكية، وتقسيط المشتريات.

بَيْدَ أنه يجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة تتمثل في أنّ الاستهلاك المرتبط بالإنتاج المحلي هو جيّد، لأنه ينشط الدورة الاقتصادية الوطنية، أما الاستهلاك الكبير لمواد وأغراض ومعدات وحاجيات معظمها مستوردة، هو خروج للأموال من البلد لصالح الاقتصاد الأجنبي.

لقد تحول الإنسان المعاصر - للأسف - إلى مستهلك وصار رفع مستوى المعيشة هدف الحياة الأكبر، وأصبحت الحياة تتمحور حول مزيد من العمل من أجل مزيد من الإنتاج من أجل مزيد من الاستهلاك من أجل مزيد من المتعة.

إنَّ جنون الاستهلاك والتبذير غير المنضبط والإسراف الشديد في المنتجات، أدى إلى تسارع نضوب موارد المعادن والطاقة المتجددة، وإلى جشع التجار في رفع الأسعار.

وقد أكّدت أكثر من دراسة أن الأسر بشكل عام تنفق 60% من دخلها على الغذاء، بل إنَّ قرابة 88% من الأسر تنفق أكثر من حاجاتها الاستهلاكية.

وأثبتت الدراسات أن نسبة كبيرة من الأسر تلجأ إلى الاستدانة والاقتراض بفوائد مرتفعة لتلبية حاجاتها.

وهكذا أصبح المستهلك المدمن على الشراء فأراً لتجارب المصانع التجارية ذات الأهداف الاقتصادية البحتة، بل لقد أصبحت تلك المصانع تنتج آلاف السلع الكرتونية التي لا يتجاوز عمرها الافتراضي بضع سنوات قليلة، مما يجعلها لا تعدو كونها قبراً متناقلاً يدفع ثمنه الفرد برضا تام.

ما سبق الإشارة إليه بعض أسباب تقف خلف عدم التزام المحلات التجارية بتسعيرة واحدة.

وعليه يبقى دور التاجر أوضح في تنامي ظاهرة تفاوت أسعار السلعة الواحدة من محل لآخر، وغياب الوعي الاستهلاكي لدى المستهلك أسهم في هذه القضية، وغياب الرقابة ضاعف في حجم تلك الظاهرة.

لذا، فقد توالت الضربات المالية على ميزانية الأسرة، ذلك أنَّ مما زاد من حجم الأعباء الاقتصادية على الأسرة الارتفاع العام في المستوى العام للأسعار لكثير من السلع مما شكّل ضغطاً على ميزانية الأسرة.

وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية المتأزمة، أصبح المواطن في حيرة من أمره، بل إن هذه الأوضاع تعني أننا سنواجه أزمات اقتصادية حقيقية لها أضرارها الاقتصادية والاجتماعية على المدى القصير.

وهنا يمكن أن نتساءل: كيف نستطيع معالجة ذلك وما الحلول الناجعة التي يمكن اقتراحها؟!

نقول بإيجاز: إنه يمكننا عمل الآتي:

أولاً: لا بد على الجهات الرسمية ذات الاختصاص أن تدرس العوامل والمتغيرات التي تؤثر في سلوك المستهلك، وكذلك التعرف على ظروف الطلب الاستهلاكي والعوامل المؤثرة فيه والفئات القائمة بعملية الشراء.

ثانياً: لا بد من أن تتضافر جهود الجهات المختلفة وخاصة المعنية بالرقابة والتفتيش والقياس والمواصفات لمعالجة أيّ إشكالية قد تظهر في المجتمع.

ثالثاً: إنّ التوعية والتخطيط السليم يسهمان من خلال دوائر الإعلام والتوجيه في الحد من ظاهرة الانفجار الاستهلاكي والارتفاع غير المبرّر للأسعار.

رابعاً: على التجار ورجال الأعمال القيام بواجبهم نحو وطنهم وعدم استغلال حاجة الناس دون استنزاف لموارد المواطنين المالية وتوفير المتطلبات الأساسية بأسعار معقولة مقبولة.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء
الصفحة 1 من 4
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top