إنّ الشريعة السمحة تؤكد أن الزكاة والصدقات لا تتم إلا إذا جُرّدت من مظاهر التعالي والرياء، وقد مدح رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي يخفي صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وحتى جعله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وعّد سبحانه وتعالى الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس تباهياً من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

كل هذا حفظاً لكرامة فقراء المؤمنين وحفاظاً على مشاعرهم، وحرصاً على سد حاجتهم ورغبة في توفير الأمن لهم.

ولأهمية شعيرة الزكاة، فقلّما تذكر إقامة الصلاة في القرآن إلا ويُذكر معها إيتاء الزكاة يقول عز وجل: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة..).

إن المال محبوب بالطبع، بَيْدَ أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله تعالى وعن التأهب للآخرة، فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج جزء منه محدّد من يده ليصير ذلك الإخراج كسراً من شدة الميل إلى المال، وتنبيهاً للإنسان على أن سعادته لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال، وإنما تحصل عند إنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى، وهو المراد بقوله سبحانه: (خذ من أموالهم صدقة تطهِّرهم وتزكيهم بها..).

يقول أحمد الحبابي في كتابه "الإسلام المقارن": إنّ إخراج الزكاة شكر لنعمة الغنى الذي أنعم الله به على المزكي، إذ الشكر - كما قيل - صرف العبد جميع ما أنعم الله به من النعم واستعمالها          فيما وضعت له.

إنّ شكر نعمة الله سبحانه يكون بأمور منها امتثال أمر الله في المال بإخراج جزء منه إلى الفقراء والمساكين رحمةً بهم وتعطفاً عليهم، ومن لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها.

وما ضاع الفقراء وجاعوا وما قضت عليهم الأمراض والأوباء إلا بمنع الأغنياء زكوات أموالهم عنهم، كما ورد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: ما جاع فقير إلا بما منع غني.

ثم إنّ الزكاة تُدخل نشاطاً فكرياً وعقلياً على المُعطي والمعطى، وبالتالي يحصل لهما قوة بدنية وحصانة شخصية بها يزول الفقر والمرض والجوع.

وحينما كان الأغنياء يؤدون زكاة أموالهم عن اقتناع وإيمان كانوا يُحسُّون بأنهم يؤدون فريضة الأمن والاستقرار،  إذ صار الناس بين غنيّ غير محتاج وفقير أخذ حقه من مال الغني ولم يبق له عذر في السرقة، فإذا سرق فإنما هو جَشِعٌ غير قنوع، من حق الدولة إذاك أن تؤدّبه بقطع يده التي مدها للسرقة.

ومن أجل هذا سادت الحياة الهادئة المطمئنة وصار المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يقف كالبنيان يسند بعضه بعضاً ويؤازر بعضه بعضاً وصار الناس عباداً لله إخواناً.

نشر في آراء
الثلاثاء, 06 يونيو 2017 14:18

اقتصاد رمضاني

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!   

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا    ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم. قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76 - 83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

 للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء

الحكمة في فرض شهر رمضان أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع، لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء، فما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال.

وقد قيل شعراً:

تجوّع فإن الجـوعَ يُورث أهله     عواقب خير عمّها الدهرُ دائمُ

ولا تكُ ذا بطن رغيب وشهوة     فـتصبح في الدنيا وقلبُك هائمُ

مَرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقِه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "رياض السامعين": الله الله عباد الله، صوموا جوارحكم عن المنكرات، واستعملوها في الطاعات، تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات، والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسماوات.

وشهـر الـصـوم شاهـده عـلينا      بأعمال القبائح والذنوبِ

فـيا رباه عـفـواً مـنك وألطف       بفضلك للمجير والكئيب

وهذا الصوم لا تجعله صوماً     يُصيِّرنا إلى نـار اللهيب

وقد قيل: ليس في العبادات أفضل من الصيام، لأنه باب العبادة، وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب العظيم وليس في الذنوب إلا عظيم، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم، وقد قالوا: لا تنظر إلى صِغر ذنبك ولكن انظر إلى من عصيت!

أتى شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران شهر البر والإحسان، شهر مغفرة الديّان، شهر العتق من النيران.

قـل لأهـل الذنـوبِ والآثـام         قابلوا بالمتابِ شهر الصيام

إنه في الشهور شهرٌ جـليلٌ       واجــبٌ حــقه وكـيدُ الزِّمام

شهر فيه جزيل الثواب، وهو شهر المتاب، لياليه أنور من الأيام، وأيامه مطهرة من دنس الآثام، وصيامه أفضل الصيام، وقيامه أجل القيام.

قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "بستان الواعظين" عن شهر رمضان: شهرٌ فضّل الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شهرٌ جعله الله مصباح العام، وواسطة النظام، وأشرف قواعد الإسلام، المشرق بنور الصلاة والصيام والقيام.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

نشر في آراء
السبت, 27 مايو 2017 13:11

أخلاق الصوم وآدابه

لقد نظمت الشريعة الإسلامية الفقه في المعاملات والعقود، فوضعت له منهجاً عاماً يسلكه الأفراد في معاملاتهم المختلفة لبناء أخلاقهم من خلال قضاء حاجاتهم وتحقيق أغراضهم. وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق اقتضى أن يكون الأساس في عقود المعاملات هو مصالح المجتمع ومقاصد الأفراد.

فلا عجب أن يكون من أخلاق الإسلام: غرس التعاون والإخاء والمحبة والتكافل والرحمة والعدل وما يؤدي إلى إزالة الفوارق الشاسعة بين الأفراد  فلا إسراف ولا ترف ولا تبذير، بحيث يبلغ الغني حد النعيم والرخاء المنهي عنه، وينزل بالفقير الجوع والمسغبة، فما جاع فقير إلا بما متع أو منع غني وكل سرف فبإزائه حق مضيع.

والله تعالى جل شأنه أكّد على القوام العدل بقوله ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً))، وقال سبحانه محذِّراً من التبذير ((ولا تبذِّر تبذيراً، إن المبذرِّين كانوا إخوان الشياطين)) وقال سبحانه في شأن الترف هادم المجتمعات ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)).

لذا، فإن من الأخلاق الاجتماعية التي تنميّها فريضة الصوم الصبر وقوة العزيمة وأسمى أنواع الأمانات، وكلها من مبادئ الأخلاق في العقود والمعاملات، فالصبر يغرس في النفس احتمال الجوع والعطش وهما من ضروريات حياتها وبقائها، والصبر على الضروريات من أشد ما تكابره النفس وتعانيه، وبهذا يكون الصبر عليها أقوى وأشدّ.

والصبر الذي يغرسه الصوم له دور فعّال في مجال العقود والمعاملات، فهو سلاح قوي يقاوم الشطط في الأسواق ويحارب شهوات النفس في حبها للمال وجمعه بشتى الوسائل ويوزن التصرفات المالية على أساس من الحكمة والاتزان ووضع الأمور في نصابها الصحيح. وإذا كان أحد المتعاقدين صابراً يضبط نفسه فإن النجاح والتوفيق يكون حليف المتعاقدين في العقود والتصرفات والمعاملات.

وكذلك الصوم يربّي في النفس أسمى أنواع الأمانات وما أحوجنا في العقود والمعاملات إلى هذا النوع السامي من الأمانة التي يغرسها الصيام في النفس، بحيث يتعامل الناس فيما بينهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل وتحت مراقبته، فلا تظالم ولا أكل لأموال الناس بالباطل   ولا هوى أو رياء أو مظاهر كاذبة.

إنّ الأخلاق التي تنميّها العبادات في النفس ليس المقصود منها أن تكون أخلاقاً أنانية ذاتية للشخص نفسه فحسب، ولكن المقصود منها هو أن تكون أخلاقاً اجتماعية يتعامل بها مع الناس.  لهذا كان المقصود من العبادات والغاية منها هو تربية الأخلاق في النفس وتنميتها لكي تحسن المعاملات والعقود التي تجري مع الناس تبعاً لسنة الحياة وناموس الطبيعة الإنسانية الاجتماعية.

 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشر في آراء
الصفحة 1 من 6
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top