د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يصر الاحتلال الروسي مع النظام الاستبدادي في دمشق وأتباعه على تزييف الواقع واستخدام المصطلحات الكاذبة للتعبير عن استبدادهم وقتلهم للشعب السوري وتشريده في أرجاء الأرض. فهم مثلاً يعدّون ثورة الشعب السوري منذ2011م على الاستبداد والقهر وطلب الحرية والكرامة والعدل، صراعاً بين الحكومة الشرعية والإرهابيين وما يسمى الجماعات المتطرفة، ويزعمون أن هذه الجماعات لو وصلت إلى الحكم ستقضي على الوجود المسيحي في سورية والبلدان المجاورة، وبناء عليه يرون أن المسيحيين دعموا النظام في دمشق خوفاً على وجودهم.. ويرتب الروس والنظام وأتباعه على هذه الرؤية الفاسدة، أن التدخل الروسي كان "حربا مقدسة"- أي صليبية ضد الإرهاب، أي ضد الإسلام، وليس لحماية المسيحيين فقط كما عبر الأنبا "كيريل" رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو، وهو يودع الفوج الأول من الغزاة الروس الذين احتلوا سورية مع آخرين بعد أن دعاهم النظام في دمشق، وأضاف القوم إلى ذلك أنهم يحمون المسلمين المعتدلين ممن يؤمنون بالتعايش السلمي بين كافة الديانات!  

بيد أن الناطق الرسمي الروسي باسم قاعدة حميميم المحتلة في غرب سورية واسمه الكسندر إبفانوف صرح أخيرا في 23/7/2019 وفقا لموقع "القوات اللبنانية" (المعبرة عن المارون)؛ أن القوات الجوية الروسية تشن “هجمات مركزة ومكثفة على مقاطعة إدلب ردا على قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة”.

وقال، إن “دخولنا إلى سوريا هو لحماية المسيحيين فقط(؟؟!)، لكن رغم كل هذا القصف تستمر المجموعات الإرهابية بالاعتداء على محردة، يجب أن نجد حلاً سريعاً لهذا الأمر”.

لم يمر تصريح ألكسندر إيفانوف مرور الكرام، ولم يتقبله المسيحيون، حين رأوا فيه فتنة بينهم وبين المواطنين المسلمين الذين يعيشون في كنفهم، فقد استنكرت “منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام” تصريحات الضابط الروسي، مؤكدة أن القوات الروسية لم تكتف “بعمليات القصف والتدمير والتهجير الممنهج للسوريين طيلة السنوات الماضية دعماً لنظام الأسد، المتهم بانتهاكات إنسانية وباستخدام أسلحة محظورة عالميا، بل دأبت على زرع الفتنة بين أبناء الشعب السوري باستمرار، عبر ادعاءاتها حماية المسيحيين في الشرق حينا والمسيحيين في سوريا حينا آخر، تبريراً لعمليات القصف”.

وأوضحت المنظمة أن تصريحات إيفانوف “تحمّل السوريين المسيحيين الأرثوذكس وزر عمليات القصف الأخيرة في إدلب”. واستنكرت المنظمة “هذه الادعاءات الكاذبة”، مضيفة: “نوضح للرأي العام السوري أن روسيا تتدخل في سوريا لدعم بقاء نظام الأسد في السلطة فقط، وهو نظام انتهك حقوق المسيحيين السياسية والمدنية طيلة عقود، وتسبب بتهجيرهم" وحذرت المنظمة من أن “هذه التصريحات الأسدية/الروسية تعرض حياة المسيحيين للخطر المباشر، بوصفهم فاعلين في التسبب بالعنف على إخوتهم وأبناء بلدهم، في حين أنهم لم يكونوا يوما كذلك”.

وطالب البيان كلا من "القوات الروسية والأسدية بإبعاد الراجمات المختبئة خلف منازل المدنيين في محردة حفاظا على حياتهم، ونرفض حماية نظام الأسد المفرط في الإجرام وحليفته روسيا”.

قبل هذا التصريح بأيام أقام الروس وصديقهم الأسد مجزرة بشعة في بلدتي معرة النعمان وسراقب راح ضحيتها عشرات المدنيين، وأخذ وزير الدفاع الروسي يتنصل من المجزرة، ومن قتل أهلها البسطاء الأبرياء، ولكن ألكسندر من حيث أراد الفتنة أثبت الجريمة على قوات الاحتلال الروسي، وأن قواته ارتكبتها حسب زعمه لحماية المسيحيين في محردة! وبقي تصريحه محاولة رخيصة لبث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع الكراهية والبغضاء في نفوسهم.   

الادعاء بحماية المسيحيين حجة استعمارية قديمة رددتها حكومات الاستعمار الغربي، وخاصة بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا.. والمسيحيون لم يطلبوا من أية قوة استعمارية حمايتهم، لأنهم يعيشون مثل غيرهم من المسلمين في أمن واطمئنان، بل يحظون في بعض الأحيان بامتيازات لا يحظى بها المسلمون أنفسهم، وخاصة في المجال الاقتصادي والمهني. ويكافحون الطغيان والاستبداد مع المسلمين. هذه حجة مكشوفة ومفضوحة ولا تنطلي على عقل سليم، لأن المسيحيين عانوا من الاستعمار ووكلائه من أهل البلاد على مر العصور، بل إن المسيحيين الذين انضموا للاستعمار كانوا خونة، ولم يعبروا عن الطائفة.

ونحن لا ندرى معنى مصطلح المسلمين المعتدلين أو غير المعتدلين، لأن هذا المصطلح لا نظير له بين اليهود والنصارى، فهل يقصدون بالمسلم المعتدل ذلك الذي يتخلى عن حريته ويرحب بالاحتلال، ويقبل بثقافة غير ثقافته الإسلامية؟ إما أن يكون الشخص مسلما أو غير مسلم. فالمسلم له خصائص ومعالم وملامح دينية وسلوكية وقيمية، إذا انحرف عنها كان له حسابه عند الله، أو ولي أمره. اما المعتدل وغير المعتدل، فاختراع استعماري، يماثل اختراعهم الشرير: الإرهاب الإسلامي، بينما لا يستطيع أحد أن يتحدث عن الإرهاب المسيحي، والإرهاب اليهودي، والإرهاب البوذي، والإرهاب الهندوسي، والإرهاب الشيوعي...

إن شيطنة المسلمين وزرع الفتنة بينهم وبين أهل الوطن من غير المسلمين لعبة قديمة طالما لجأ إليها المحتلون الغزاة ليسوّغوا جرائمهم، وهيمنتهم، ونهبهم للشعوب الإسلامية الضعيفة.. وما روسيا الاتحادية إلا كيان استعماري غربي فيه وحشية الاستعمار وعدوانيته وهمجيته، وما زال التاريخ يحفظ مجازر روسيا الوحشية في أفغانستان والشيشان والقرم والدول الإسلامية الأخرى في وسط آسيا، وأخيرا كان الإرهاب الروسي الوحشي في سوريا حيث قصف بطائراته الأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت السكنية، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء البسطاء الذين لم يفكروا يوما في حمل السلاح أو مواجهة نظام البراميل الإرهابي والكيماوي المجرم.

إن روسيا تسعى اليوم بكل قوة لوراثة النظام الاستعماري الغربي أو مشاركته على الأقل في قهر الشعوب الإسلامية، واستغلال موقعها الاستراتيجي، ونهب ثرواتها وابتلاع دخولها في صفقات سلاح بائسة أو مشروعات لا عائد من ورائها، وفوق ذلك تعمل من خلال روح صليبية همجية لدق الأسافين بين أبناء الشعب المسلم الواحد، وزرع الفتن والإحن، وسحب زعامة الأرثوذكس من المنطقة العربية.

لقد ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن مجموعات روسية من رجال الدين، وجماعات إغاثية، وموظفين حكوميين، يعملون بهدوء لتعزيز علاقاتهم مع المكونات المسيحية في سوريا! وقالت الصحيفة، إن القادة الروس يستغلون المناسبات الدينية المسيحية ضمن خطة أقرها الكرملين، لتعميق الروابط الاستراتيجية مع المسيحيين السوريين.. كما تلعب روسيا على نقطة إعادة إعمار الكنائس التي دمرتها الحرب، وتركز روسيا نشاطها على بلدة معلولا، البلدة المحفورة داخل الصخور في الجبال الواقعة شمال شرق دمشق، التي اعتاد الحجاج المسيحيون الحج إليها من جميع أنحاء العالم لزيارة "دير مار تقلا". وقيل إن هناك مخططا لإقامة فندق في معلولاً حيث تعد آخر المدن في العالم التي لا تزال تجيد اللغة الآرامية التي ينسب إلى السيد المسيح عليه السلام التحدث بها.

وإذا عرفنا أن رأس النظام السوري وصف قائد الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين أنه "المدافع الوحيد عن الحضارة المسيحية الذي يمكن الاعتماد عليه"، فلنا أن نفهم المخطط الروسي لفصل الطائفة المسيحية عن محيطها الطبيعي، فضلاً عن تمزيق الوطن الذي كان في يوم ما عاصمة للعالم، لأنه كان عاصمة الخلافة الإسلامية.

  إن جرائم روسيا في سورية مضافة إلى جرائم العالم الغربي، والمعسكر الطائفي، وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، مما حتم أن يفيق العرب والمسلمون، ويستيقظوا لمواجهة أخطر حملة في التاريخ لإزاحتهم من الوجود، وهم يملكون القدرة على المواجهة حين يحتكمون إلى كتاب ربهم، ويقيمون منهجه في العدل والشورى والعمل المتقن وتطهير أنفسهم من الفرقة والتواكل والاعتماد على غير الله.

***

أينما ولّيت وجهك في عواصم العرب والمسلمين تجد حضوراً اقتصادياً مكثفاً لدولة الصين الشيوعية، بدءاً من المشروعات الكبرى لشق الطرق واستثمار المزارع والمصانع وإدارة المؤسسات التدريبية والتعليمية المختلفة، إلى التوريدات والمحلات التي تكتظ بالسلع والبضائع الصينية التي تلبي حاجات الناس في المجالات كافة، ما يحتاجه المطبخ والمدرسة والجامعة والمصنع والمزرعة..

يأتي المندوبون من بكين والمدن الأخرى إلى عواصم العرب والمسلمين ويعودون محملين بعقود مالية ضخمة، ويذهب الأذكياء والفهلوية من تجار العرب فيتعاقدون على ملء السفن بالبضائع الرخيصة البسيطة التي يكسب تجار الصين من ورائها عشرات الملايين، كما يتوجه إلي عاصمتهم مئات الآلاف من المرضى الذي يزرعون الكبد أو القلب أو يعالجون من أمراض مزمنة!

مئات الملايين من الدولارات التي يملكها العرب والمسلمون تدخل بطريقة شبه يومية إلى جيوب الحكومة الصينية وتجارها، ومع ذلك لا تخدم الصين قضية عربية أو إسلامية واحدة، لأن أصحاب الملايين العرب والمسلمين لا يتحدثون عن قضاياهم ومصالحهم العامة، إنها علاقة بين تاجر ذكي ومليونير ذاهل! التاجر يخدع المليونير بالكلام ويضحك عليه ويستنزف ما يملك! والمليونير مشغول بحياته اللاهية البائسة، لا يتذكر ما يفرضه الدين وما توجبه الأخلاق، وما تحتمه الأخوة والمروءة والإنسانية.

تعلن الصين الشيوعية أنّ "الإسلام مرض أيديولوجي"، وتقود حرباً غير متكافئة ضد أقلية الأويجور المسلمة لتمحو إسلامهم، وتمزق وجودهم في مناطقهم فتفرقهم في مناطق أخرى لينسوا إسلامهم وعقيدتهم وحضارتهم.

لقد هدمت الصين كثيراً من المساجد وحرّمت على مسلمي الأويجور ملابسهم التقليدية التي يؤدون بها الصلاة بالإضافة إلى تحريم الحجاب والنقاب، كما حرّمت عليهم اقتناء القرآن الكريم، وأفادت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن مصادر أويجورية بالمنفى أن السلطات الصينية أمرت أقلية الأويجور بتسليم جميع المصاحف وسجاجيد الصلاة أو غيرها من المتعلقات الدينية، وإلا سيواجهون "عقوبة"، لقد منعتهم السلطة الشيوعية من دفن موتاهم بالطريقة الإسلامية، وفرضت عليهم إحراق جثثهم على الطريقة الصينية!

وأخيراً كانت الطامة الكبرى باحتجاز نحو مليون مسلم أويجوري فيما يسمى مراكز "مكافحة الإرهاب"، بالإضافة إلى إجبار مليونين آخرين من مسلمي الأويجور على حضور معسكرات ما يسمى إعادة التأهيل للتلقين السياسي والثقافي، وتعلّم لغة الماندرين الصينية وتلاوة مدائح للحزب "الشيوعي الصيني"، ولم يسلم الأطفال من طغيان الحزب الشيوعي الصيني، الذي أقام أيضاً معسكرات ومدارس يُفصل فيها الأطفال المسلمون الأويجور، عن عائلاتهم ولغتهم ودينهم وثقافتهم، كما أشارت إلى ذلك لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة.

إن حملات القمع التي تشنها الحكومة الصينية الشيوعية ضد مسلمي الأويجور ما زالت متواصلة مع استنكار الأمم المتحدة وبعض الدول وأصحاب الضمير في العالم، وكثيراً ما خرجت من وراء سور الصين مآسٍ عديدة، وجرائم وحشية ضد المسلمين في شينجيانج (تركستان الشرقية) وغيرها، وعلى سبيل المثال:

يحكي تور جونجان (44 عاماً) إلى أنه "كان يملك محلاً للمجوهرات، وكان يسافر بانتظام بين تركيا والصين على مرِّ أربع سنوات، وفي إحدى هذه الرحلات في منتصف العام 2017م، ألقي القبض على أفراد عائلته دون أي تفسير وجُمِّدت حساباته البنكية".

يقول جونجان: "ليس لديّ ما أخسره بعد أن اعتقلوا زوجتي بلا سبب، ولا أعرف مكان طفلي الصغيرين التوءم وولدي المراهق".

ويضيف: "كل ما نريده هو السلام والأمن والديمقراطية والحرية، يُقدِّم أمثالي ممَّن يعيشون خارج الصين وفقدوا التواصل بأفراد أسرهم، تضحياتٍ هائلة من أجل السلام".

لقد أعربت الأمم المتحدة أكثر من مرة عن قلقها بعد ورود تقارير عن اعتقالات جماعية للأويجور، ودعت لإطلاق سراحهم وإخراجهم من معسكرات ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، تعترف بكين باعتقال بعض المسلمين ولكنها تزعم أنهم متشددون يدعون للانفصال عن الصين وإثارة الاضطرابات، ولكن المعتقلين كثرة كاثرة من الأئمة وعلماء الدين والموظفين والمعلمين والتجار والنساء والشباب، وجريمتهم أنهم يرفضون الإلحاد، ويمتنعون عن الاستسلام لإرادة الحزب الشيوعي.

لقد كان الأويجور في أوائل القرن العشرين يتمتعون بالاستقلال، ولكن بكين الشيوعية أخضعت مناطقهم بالكامل لسيطرتها عام 1949م.

واليوم يهدف الشيوعيون إلى مسح ذاكرتهم وهويتهم وتاريخهم تماماً حتى لا يرفعوا صوت الأذان في بلادهم المحتلة.

إن الصين الشيوعية تعتمد في حملة القمع والإذابة على الحجة البليدة الرخيصة التي ترفعها دول وحكومات قمعية في أرض الإسلام وخارجها، وهي الإرهاب لتقضي على المسلمين الأبرياء، وتستأصل الإسلام من جذوره في نفوسهم وأفئدتهم.

من المفارقات العجيبة والغريبة أن سفراء 22 دولة غير إسلامية لدى الأمم المتحدة منها أستراليا وكندا وبريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا، قاموا بالتوقيع على رسالة لمسؤولي حقوق الإنسان في المنظمة الدولية، تدين ممارسات حكومة بكين الشيوعية ضد مسلمي الأويجور في تركستان الشرقية، بينما قامت 11 دول عربية -ضمن 37 دولة أخرى- بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه مسلمي الأويجور، وتشيد بما وصفته إنجازات الصين في مجال حقوق الإنسان، وتزعم الرسالة النكدة أن الصين الشيوعية الظالمة تواجه تحدياً خطيراً يتمثل في القضاء على الإرهاب والتطرف في الإقليم.

وتجاهلت الدول العربية الإحدى عشرة ومعها بقية الدول السبع والثلاثين، ما يعانيه المسلمون الأويجور في تركستان من قمع واضطهاد وقهر تحدثت به الركبان، وأشارت إليه لجان الأمم المتحدة، بل وتشيد بما تسميه إنجازات صينية في مجال حقوق الإنسان!

لماذا يا دول العرب الإحدى عشرة تخذلون أشقاءكم، وتؤذونهم بدعم جلاديهم، بينما دول غير إسلامية تقف إلى جانبهم وتدعمهم؟!

لماذا نسيتم تعاليم الإسلام في نصرة المظلوم؟ لماذا لا تقفون مع الحق والجانب الضعيف المظلوم؟ هل قرأتم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضُهُ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَتُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ" (أخرجه البخاري وأبو داود والبيهقي).

لماذا لم تسكت الدول العربية إذا لم تكن تود نصرة الأشقاء المسلمين؟ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (رواه البخاري، ومسلم).

لم تعد حكاية مسمار جحا المسماة بالإرهاب تنطلي على أصحاب العقول، لأن الإرهابيين في معظم الأحيان لا يصيبهم أذى ولا عقاب، الأذى ينزل بالأبرياء والمظلومين.. هل نذكر لكم آلاف الضحايا الذين قتلوا بأشد أنواع الأسلحة فتكاً تحت لافتة مكافحة الإرهاب في بلاد العرب والمسلمين؟

للأسف لم يقتصر الأمر على الحكومات، ولكنه انتقل إل بعض القوى العلمانية والملحدين وخصوم الإسلام، الذين يرددون كلاماً رخيصاً يدعي أن الإرهابيين والمتشددين تسللوا إلى قلب الأويجور فحرضوهم على الثورة! كيف يثورون وهم في المعتقلات والسجون وتحت القمع الدموي الذي لا يرحم؟

إني أناشد التجار والأفراد والشركات والمؤسسات الذين يملكون ضميراً إنسانياً حياً أن يقاطعوا الصين اقتصادياً، حتى تفيء إلى الصواب، وترفع يدها عن الأشقاء المسلمين في تركستان الشرقية.

أما الحكومات فأمرها إلى الله، لأن الشعوب العربية لم تعد تملك إزاءها شيئاً بعد أن قويت قبضتها، وصارت حساسيتها مفرطة ضد كل ماله علاقة بالإسلام، ونطلب من الله الرحمة واللطف.

عندما أجهش الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي على شاشة التلفزيون وهو ينعى الرئيس الشهيد محمد مرسي، كانت الأبواق المأجورة المعادية للإسلام والأخلاق والحرية تتجاوز التقاليد الإسلامية والأعراف الشعبية التي تفرضها حالات الموت، فراحت تسبّ الشهيد، وتنال منه، وتكذب على الله والناس، وتنفذ تعليمات بائسة بالتشويش على مشاعر الأمة التي اهتزت في كل مكان لاستشهاد الرئيس، لدرجة أن إحدى المذيعات قرأت الخبر الذي أرسل إليها حول الحادث، واختتمت بجملة خارج السياق: "تم الإرسال من جهاز سامسونج"! في إشارة لا تخفى على الجهة التي أرسلته!

أياً كان الخلاف السياسي أو الاجتماعي أو العقدي بين الناس في المجتمع المسلم، فهو يتوقف عند جلال الموت، أياً كان الميت وأياً كان انتماؤه.

أحزنني أن القوم يعيّرون المسلمين ويتهمونهم دائماً في حملات محمومة أنهم لا يعزّون الكفار والنصارى واليهود، ويرتبون على ذلك أحكاماً جائرة وظالمة، وهو كلام له غرض وهوى، فإذا افترضنا جدلاً أن محمد مرسي واحد من هؤلاء فلماذا لا يسمحون بالتعزية فيه، والمشاركة في تشييع جنازته أو الصمت على الأقل احتراماً لجلال الموت؟

والأغرب أن وكالات الأنباء حملت خبر اعتراض نائبة في برلمان عربي على "قراءة الفاتحة والترحم على مرسي"، وطالبت النائبة العلمانية بعدم "أخونة" البرلمان، ودعت إلى تصنيف من دعا إلى قراءة الفاتحة وكتلته حركة إرهابية، قراءة الفاتحة "أخونة" و"إرهاب"؟ أي خلل أصاب العقل العربي؟ وأيّ غلّ يحكم خصوم الإسلام؟

الأعجب من هذا أن يتصدى للحديث عن رحيل الرئيس الشهيد واحد من علماء السلطان الذي لم يتورع في نفاقه الفج عن وصف بعض المسؤولين بالأنبياء، فيقول عن مرسي رحمه الله: "لا شماتة في الموت، مفيش شماتة بس في ارتياح وراحة قلب"!

ما راحة القلب التي يقصدها عالم السلطان المنافق؟ هل كان الرجل يقتل الأبرياء؟ هل كان يحشر عشرات الآلاف في السجون؟ هل كان يحارب كل من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ويطارده؟ هل كان يخص نفسه أو أناساً بعطايا الدولة وأموالها؟

لقد ظل في مسكنه الخاص طوال فترة رئاسته، ولم ينتقل إلى القصر، وكان يمضي بسيطاً بين الناس، ولم يتقاض مليماً واحداً من منصبه الرئاسي، وكان معاونوه من المتخصصين الذين يستدعيهم لدراسة بعض القضايا أو التشاور في بعض الأمور لا يشربون في القصر الجمهوري غير الشاي فقط، وتصدق بعرضه فلم يحاسب السفلة والأوغاد الذين كانوا ينالون منه في الإعلام والصحافة، ولم ينم ذات ليلة إلا بعد أن أصدر قراراً بقانون ليمنع حبس صحفي سافل أساء إليه إساءة بالغة!

من أي شيء يستريح قلب عالم السلطة وفقيه الشرطة الذي طوع الإسلام لإرادة المستبدين وأعداء الحرية والإسلام؟

لقد عومل الرئيس الشهيد معاملة لا تليق بإنسان فضلاً عن رئيس انتخبه الشعب في أول انتخابات نزيهة عرفتها مصر وآخرها أيضاً، واحتُجز، كما قالت المفوضية العليا لحقوف الإنسان، في حبس انفرادي لفترات طويلة، وهناك مخاوف بشأن ظروف احتجازه، وقال المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل: أي وفاة مفاجئة في أثناء الاعتقال يجب أن يتبعها تحقيق سريع وحيادي وشامل وشفاف من جانب هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة.

لقد وصفت جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة!) التي ينتمي إليها مرسي الوفاة بأنها «جريمة مكتملة الأركان» وطالبت بإجراء تحقيق دولي، والسؤال هو: هل يستجيب أحد لإجراء هذا التحقيق؟ لقد أعلنت إدارة ترمب أنها علمت بوفاة مرسي، وليس لديها أي تعليق، أي إنها توافق ضمناً على إغلاق ملفه! فأمريكا والغرب واليهود يريدون طيّ ملف الإسلام وكل ما يمت إليه بصلة، ولا يجدون حرجاً في استئصال الحرية في كل بلاد المسلمين؛ لأن الحرية أو الشورى أو العدالة تزعجهم وتسبب لهم حرجاً وصداعاً يتطلب المواجهة، وهم ممتنّون لمن يوفر عليهم هذ المواجهة!

صرح المحامي عبدالمنعم عبدالمقصود، الموكل عن مرسي: «الرئيس مرسي منذ فترة مريض وتقدمنا كثيراً بطلبات لعلاجه بعضها تم الاستجابة له وبعضها لا».

لقد تمنى الناس أن يعامل مرسي في معتقله مثل أي محكوم، ولكن محكومي المخدرات كانوا أسعد حظاً منه، فهم يستطيعون رؤية ذويهم كل أسبوع، ويمكنهم الحصول على ما يريدون من أطعمة وأغراض بطريقة رسمية أو غير رسمية، أما مرسي فقد ظل منفرداً في محبسه، ولم يلتق بأحد طوال سنوات ست إلا مرتين أو ثلاثاً، حيث رأي بعض أفراد أسرته.

في موضوع يحمل عنوان "مبارك يستمتع بتقاعده بعد 30 سنة من الدكتاتورية.. ومرسي الديمقراطي يموت سجيناً"، قارنت مجلة "إيكونوميست" بين الرئيس المنتخب بطريقة ديمقراطية ومبارك الذي ظل بالقوة على سدة الحكم ثلاثين عاماً، وذكرت أن القضية ضد محمد مرسي التي مضى عليها ستة أعوام أخذت منذ وقت طويل منحى يشبه العالم الكابوسي للروائي فرانز كافكا، ففي كل أسبوع كان على الرئيس الأول المنتخب ديمقراطياً الذي أطيح به بانقلاب عام 2019 الظهور أمام المحكمة لمواجهة اتهام أو آخر، فقد اتهم بالتجسس وسرقة مواش والتعذيب، ولم يعد المصريون يهتمون بقضيته، إلا أن عجلة العدالة المصرية المعيبة ظلت مستمرة ثم توقفت فجأة، فقبل الساعة السادسة مساء في 17 يونيو أعلن "التلفزيون الرسمي" وفاته من نوبة قلبية أثناء المحكمة، وكان عمره 67 عاماً.

وتشير المجلة إلى سلفه مبارك، الرجل الذي أساء حكم مصر حين واجه المحاكمة بعد الثورة، لكنه لم يعتقل في سجن طرة ولا في سجن عسكري بل كان يقيم في مستشفى فاخر، ويزوره كل من يريد ويحصل على كل ما يريد.

تقول "الإيكونوميست": مرسي في سنواته الأخيرة وحيداً في السجن؛ مقطع أخير تراجيدي في الثورة المصرية، وهامش في بلد عاش سنوات طويلة تحت حكم الدكتاتورية.

المفارقة أن الرئيس الشهيد ردد قبل انتقاله إلى بارئه بدقائق أنه متمسك ببلاده حتى وإن جارت عليه، مؤكداً عدم البوح بأسرار بلاده حتى مماته، وتلا البيت الشهير:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة            وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام!

المفارقة الأخرى أن المسلمين في أرجاء العالم صلوا عليه صلاة الغائب، عدا وطنه الذي جار عليه وعلى الإسلام، وبعض الدول العربية التي تخشى الضغوط والعقاب، فقد أصدر النظام في مصر قراراً بحظر صلاة الغائب في أي مسجد، ومنعتها بعض الدول العربية لعدم الإحراج، ومع ذلك فقد تمت الصلاة عليه في المسجد الأقصى الأسير، الذي عرف صورة مرسي أول رئيس عربي ترفع عليه، وعلى امتداد المعمورة كان المسلمون يؤدون الصلاة على روح الشهيد، الذي ارتقى في حرب ضروس شنها أعداء الحرية والإسلام، بعد أن حرم من الدفن في قريته حسب وصيته، ولم يشيعه إلا أولاده والمحامي الموكل عنه!

رحم الله الشهيد الذي قال: "لا تقتلوا أسود بلادكم فتقتلكم كلاب أعدائكم"!

وليتنا نفيء إلى الحق ونفهم أن أعداء الحرية والإسلام لن يبقوا على الموالين لهم ولا المعارضين.

السبت, 08 يونيو 2019 14:44

وداع أرطغرل.. واستقبال عثمان

بالحلقة الخمسين بعد المائة التي أذيعت أواخر مايو 2019م، انتهى مسلسل "قيامة أرطغرل" الذي ملأ الفضائيات وشغل الناس على مدى خمس سنوات، وشاهده نحو ثلاثة مليارات نسمة في خمس وثمانين دولة على امتداد العالم، وحمل رسائل مهمة إلى العالم الإسلامي وغير الإسلامي.

في البداية طالع المشاهدون المسلسل وهم يظنونه مسلسلاً تاريخياً عادياً سيملّونه بعد حلقتين أو ثلاث، ولكنهم استمرّوا معه خمسة مواسم، يشاهدون في كل موسم ثلاثين حلقة، كل حلقة في ساعتين أو أكثر، ويصمدون أمام الشاشات أو "اليوتيوب" ليتابعوا الأحداث الشائقة، والأداء المبهر، واللغة الجديدة التي افتقدوها في مسلسلات الأشاوس والنشامى حيث تمتلئ بالغثّ والمبتذل، والشتائم والسطحية والعري، والنماذج الشائهة، والتقليد الأعمى لمسلسلات الغرب.. ثم وهو الأخطر تشويه الإسلام وتنفير المشاهدين منه، وتقديمه في صورة مقزّزة ومتوحشة ومعادية للإنسانية والفطرة البشرية!

أيضاً فقد درج العلمانيون الأتراك على تقديم مسلسلات لا علاقة لها بتركيا العثمانية الإسلامية، إنها تقدم تركيا التغريب ورفض الإسلام واللغة العربية والاندماج في المجتمع الغربي بسلبياته وموبقاته، دون التفات إلى إيجابياته ومحاسنه.

وللأسف فقد قدموا التاريخ العثماني مشوّهاً، وبائساً، ومتخلّفاً كما حدث بالنسبة لمسلسل السلطان سليمان القانوني الذي عرض تحت اسم "القرن العظيم"، وعرفه العرب باسم "حريم السلطان"، فقد صوّروا السلطان سليمان في صورة الخليفة المشغول بالنساء، والغارق في الملذات والشهوات، وذهب خيال كاتبة المسلسل العلمانية إلى تشويه الرجل الذي قاد أقوى دولة في زمنها، وتسيّد العالم أرضاً وبحراً، فتحول لدى العلمانيين إلى صورة مبتذلة يحتفي بها الإعلام العربي الفاسد الموجه، وصار العرب وغيرهم ينشغلون بتاريخ مزيف صنعه معادون للإسلام، موالون للغرب.

لقد ذكّر أردوغان ذات يوم حكام أوروبا وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي في مناسبة اجتماع لهم؛ بقيمة السلطان سليمان القانوني، حين أهداهم رسالة استغاثة وطلب العون بعثها ملك فرنسا فرنسيس الأول للسلطان سليمان عندما وقع أسيراً في يد الإسبان، فطمأنه السلطان ووعده بنجدته وخاطبه قائلاً: "أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين، أنا متوّج الملوك، ظلّ الله في الأرضيين، أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر.."، ولكن الكاتبة العلمانية التي كتبت حريم السلطان لم تعلم بذلك وجعلت سليمان القانوني زير نساء!

لقد استاء الأتراك الطيبون من تشويه سلطانهم القوي العادل الذي لقب بـ"القانوني"، وقدموا عشرات الشكاوى لمن يعنيهم الأمر، وعبّر أردوغان عن غضبه من المسلسل وصانعيه، ولكن الرد العملي كان تقديم التاريخ العثماني في صورته الحقيقية الأصيلة، التي شوهها المغرضون والمعادون للوحدة الإسلامية.. فرأينا مجموعة من المسلسلات الطويلة المهمة التي صاغت التاريخ العثماني في عصور مختلفة: "أرطغرل"، "السلطان عبدالحميد"، "كوت العمارة".. من خلال قصص فنية شائقة، وإخراج متقن، وتمثيل فائق، وتصوير رائع.

حظي مسلسل "قيامة أرطغرل" باهتمام كبير لأنه وجه رسالة متعددة الأغراض إلى الداخل التركي والعالم الإسلامي، لعل أهمها: مقاومة الغزاة المعتدين مهما كانت قوتهم إيماناً بالحق وطلباً للشهادة، تطهير الصفوف من الخونة والمنافقين، الوقوف بجانب المظلومين وإقامة العدل، العمل على وحدة المسلمين والتعاون فيما بينهم.. وكل ذلك في إطار القيم الإسلامية التي ترفض الظلم والبغي والعدوان، ولا تفرط في الحقوق والواجبات، وتسعى لتقديم الرحمة والعطف، ومنح المخالفين بل الأعداء فرصة التحول إلى الصواب من خلال التعرف على الإسلام وقواعده وقيمه من خلال الوفاء بالعهود والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، وعدم التمييز بين رعاياهم أياً كانت معتقداتهم ومذاهبهم، وكان هناك دائماً عالم الدين الذي يشرح قواعد الإسلام والسيرة النبوية ويحث على بناء العقل الوجداني بالعلم والمعرفة وتقوية الشعور بحب الله والإخلاص والشهادة، ويأتي في سياق فني يلتحم بالعمل الفني دون افتعال أو تكلف.

مع أن أرطغرل كان بطل المسلسل، فإنه يمكن القول: إن فريق التمثيل حقق نوعاً من البطولة الجماعية التي تصور مجتمعاً إسلامياً متكاملاً يتحرك فيه بشر يصيبون ويخطئون، ويحظى المصيب بالتقدير، والمخطئ بالتصويب، والنفوس البشرية في المسلسل ليست ملائكية، أو محصنة، ولكنها تبدع وتقوى غالباً، وتضعف وتتهاوى أحياناً فيقومها المجتمع أو يقف إلى جانبها حتى تعود سيرتها الأولى.

إن المجتمع الذي تمثله القبيلة التي ينتسب إليها أرطغرل (القايي)، يتشارك المسرات والأحزان، ويرتفع بجهاده، ويسقط بفعل العدوان عليه والغدر به من جانب الخونة أو المعتدين، ولكنه ينهض مرة أخرى، ويقاوم، ويستعيد مكانته من جديد.

لقد عالج المسلسل الخيانات -وما أكثرها في زماننا بين العرب والمسلمين- وتخطيط الأعداء من الصليبيين والمغول، وشراء الخونة والجواسيس من أقرب المقربين إلى القادة، وهؤلاء كانوا يتسببون عادة في انهيارات وانكسارات تعصف بالمسلمين، وتقهرهم، ومع أن المخ المعادي كان يعمل ويخطط بذكاء وينفق الذهب بسخاء على العملاء، فإن أرطغرل وصحبه كانوا يواجهون مخططات الأعداء بالعمل والعقل والتدبير المحكم لاصطياد الخونة وكشفهم ومعاقبتهم.

بعض السذج يرون أن معاقبة الخونة تحريض من المسلسل على الشقاق وهز أركان المجتمع، وهدم الدولة!

كانت المرأة في مجتمع "القايي" مثالاً للمرأة الفاعلة المنتجة المقاتلة التي تشارك بالرأي والفكر، بل القيادة في بعض الأحيان، وهي قيادة تتسم بالحكمة والحنكة والصواب.

وهي في كل ذلك محتشمة غير مبتذلة، وللأسف فإن بعض ضيقي الأفق يتهمون المرأة في المسلسل بالسفور والتبرج وعدم الالتزام، ويرتبون على ذلك تحريم مشاهدته، وقد توالت فتاوى عديدة ذات هوى لتحريم المسلسل، معتمدة على أسانيد واهية، كأن يتهمونه بالدعوة إلى الصوفية الباطنية، أو اختلاق وقائع لم تحدث، وهذه أحكام مغرضة تداري العجز الذي تعيشه بعض الجهات التي أخفقت في تقديم أعمال محترمة تشد الجماهير، وتغزوها بالفكر الناضج والتصورات الظافرة.

أياً كانت المآخذ الفنية القليلة على المسلسل، فهي لا تقلل من قيمته التي تجعله تحفة فنية ناعمة صارت -كما وصفها بعضهم- حديث العرب والعجم، وأثرت في كثير من غير المسلمين وجعلتهم يغيرون الصورة السلبية المرسومة في أذهانهم عن الإسلام.

ويكفي المسلسل إيجابية أن المشاهد شنفت أذنيه وأمتعت عينيه آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ومنظر الصلوات الفردية وصلاة الجماعة وخطبة الجمعة، وتلاوة القرآن في أكثر من مكان بتلقائية وعفوية، وهو ما تخلو منه مسلسلات بني جلدتنا الهابطة.. بل إن ختام المسلسل عرف تلاوة جميلة لجزء من سورة الفتح يعبر عن انتصار المسلمين حين يعتصمون بحبل الله، ويعملون بدأب وإصرار حد الشهادة لنصرة الدين الحنيف، وإقامة دولة العدل ونصرة المظلوم.

لقد ودع المشاهدون أرطغرل ليستقبلوا بعد شهور مسلسلاً مكملاً، هو "قيامة عثمان"، ابن أرطغرل حيث تنهض دولة بني عثمان قوية شابة في السنة ذاتها التي سقطت فيها بغداد تحت أقدام المغول (656هـ)، ويمارس التاريخ لعبته في الوقوف إلى جانب من يأخذون بالأسباب مع الإيمان، والتخلي عن أهل الأنانية، والتفرق والتشرذم، والولاء لغير الله!

لقد استحق كاتب المسلسل ومخرجه إشادة من المشاهدين والنقاد ومحبي الإسلام، وهو الذي بذل جهداً كبيراً في تقديم عمل يشهد له يوم القيامة، خدمة للإسلام والمسلمين.

الصفحة 1 من 17
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top