د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 19 مارس 2016 09:26

بركاتك يا مرسي!

تذكرون يا قراء قصة صحفي جريدة "الدستور" الذي شتم الرئيس المختطف محمد مرسي وسبّه وهو في منصبه، ورأت النيابة أن تحبسه احتياطياً، وقامت قيامة نقابة الصحفيين وأهل اليسار وأشباههم لإطلاق سراحه، ورأي الرئيس أن يتسامح في حقه ليفرج عن الشتّام السبّاب، فاتصل بوزير العدل ليطلب من النيابة أن تخلي سبيله كي لا يبيت في السجن، ولكن وزير العدل المستشار أحمد مكي رأى أن ذلك لا يجوز، وأن الحل هو إصدار قانون بقرار جمهوري يمنع حبس الصحفيين احتياطياً، وصدر القرار، ولم يبت الصحفي الشتام السباب في محبسه، وخرج إلى الهواء الطلق دون أن يوجه كلمة شكر إلى الرئيس المتسامح إلى آخر حدود العالم!

اليوم تقول مذيعة في التلفزيون كلمة خارجة عن النص الانقلابي؛ فتُمنع من دخول مبنى التلفزيون إلا للتحقيقات التي ينتظر أن تعصف بها وبالمقربين منها إلى الأبد!

هذا هو الفرق بين نظام يؤمن بحرية التعبير إلى آخر مدى، ونظام لا يسمح بكلمة تتجاوز حدود النص المكتوب في تلمود الانقلاب!

في زمن الخديعة والغش، والمكر والخيانة، والكذب والهوان، والقمع والقهر لا يملك المرء إلا أن يرفع يديه إلى السماء لتنفذ عدلها ورحمتها بالعباد.

ليلة اختطاف الثورة المصرية وسرقة الحرية وتغييب رئيس الدولة وإلغاء دستورها وإعلان الحرب على الإسلام واستباحة دماء المسلمين في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح وأكتوبر وكرداسة وناهيا والشوارع والمدن والقرى؛ مارَسَ المنافقون من اليسار والناصريين والليبراليين والمرتزقة وعملاء كل العصور أدوارهم الرخيصة، وتحولوا إلى مسامير في بيادة الاستبداد، ورحبوا بشطب الديمقراطية، والتشهير بالإسلام والمسلمين.. على سبيل المثال:

ظهر حمدي الفخراني يحمل حذاء على شاشة التلفزيون يوجهه إلى الرئيس مرسي، بعد إلقاء آخر خطاب له قبل ليلة اختطاف الثورة، كان الرجل منتشياً ببشائر الانقلاب العسكري، مبتهجاً أن الحكم العسكري سيمنحه دوراً مرموقاً من خلال منصب أو مكانة تجعله زعيماً بارزاً في دولة الناصريين الموعودة، ولكن شاء ربك أن تحل عليه بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، ويدخل السجن بتهمة مخلة بالشرف، تفرد لها صحف الانقلاب صفحات ممتدة، وشاشاته ساعات طويلة.. واللهم لا شماتة!

مخرج "الفوتوشوب" خالد يوسف، الناصري الكبير، الذي حول بضعة آلاف في ميدان التحرير إلى ثلاثين مليوناً ليسوغ الانقلاب العسكري، كان ينتظر موقعاً مهماً في جمهورية الخوف، فسمحوا له أن يكون عضواً في لجنة صياغة دستور زليخة، وبعدها لم يهتموا به، فترشّح لانتخابات برلمان مرجان، ولحقته بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، فظهرت فضائح السيديهات بيد الإعلامي الأمني الشقيق التي عرضها على الملأ في مشهد لا يُمحى من ذاكرة الشعب، وطُرح الأمر على القضاء، الذي مازال يتداول وقائع الفضائح وأحداثها، واللهم لا شماتة!

المستشار الزند كان حاداً في عدوانه على الرئيس مرسي، وصدرت عنه تصريحات عديدة عنيفة، وفتح نادي القضاة لأعداء الثورة في مشهد بارز، وطالب فيه بتدخل الرئيس أوباما لينقذ مصر من الحكم الديمقراطي الذي لا يعجبه، ولم يقل له الرئيس المختطف: إنك قاض وتعمل بالسياسة وذلك لا يجوز، كان الرئيس مرسي متسامحاً إلى آخر حدود الدنيا، ولكن سيادة المستشار لم يكن كذلك بدليل زلة لسانه التي وقعت عند حديثه عن حبس النبي – صلى الله عليه وسلم – في سياق غضبه من أجل ما رآه إساءة من بعض الصحفيين له ولبعض أقاربه.

الزند كان يقاوم الإصلاحات التي وضعها الرئيس مرسي ليحقق العدالة بين المصريين، فأعلن أن تعيين أبناء القضاة حق مقدس، وأن القضاة سادة وغيرهم العبيد، ولم يخافت بكراهيته للإسلاميين، وقال: لو كنا نعلم أن صناديق الانتخابات ستأتي بهم إلى مجلسي الشعب والشورى، ما أشرف القضاة على الانتخابات، ثم كان تصريحه العنصري الفاشي الذي يجعله غير صالح للجلوس على منصة القضاء وهو أنه يجب قتل عشرة آلاف من الإسلاميين مقابل كل فرد من غيرهم، فأي قاض هذا الذي تحركه عاطفة الانتقام والثأر والغل والكراهية، وهو المطالب أن يحكم بين الناس بالعدل؟ إن هذا التصريح وحده كفيل بمحاسبته أمام التفتيش القضائي والنظر في صلاحيته، ولكن الرجل كان يشعر أنه زعيم سياسي يقود جمهورية مستقلة عن جمهورية مصر العربية، وهذه الجمهورية المستقلة فوق الجمهورية الأم تفرض عليها إرادتها وآراءها.

هل رأيتم صيغة الرفض لإقالته من جانب نادي القضاة؟

أعلن نادي القضاة أن مجلس الإدارة في حالة انعقاد دائم لبحث قرار إعفاء الزند!

النادي الموقر لم يعلن ذلك عندما تم إعفاء الوزير السابق محفوظ صابر بعد تصريحه العنصري عن ابن الزبال الذي لا يحق له أن يلتحق بالقضاء ولو كان فائقاً!

يتراجع النادي بعد رؤية العين الحمراء قائلاً: لن نقود حملة تصعيدية، ونطالب المستشار الزند بالعودة للمنصة، نحن إذاً أمام حالة من القبلية الفئوية قائمة على العنصرية تتعصب للمنتمين إليها بالرفض أو القبول، ولسنا أمام قانون يتم تطبيقه على الناس جميعاً، وليس من بينهم نبي الله وحبيبه، المعصوم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.

وللأسف تبارى بعض أبناء القبيلة في الإعلان عن رفضهم لإقالة الزند. مثلاً السيدة تهاني الجبالي، الناصرية الطليعية وصديقة سوزان مبارك تصرح أن إقالة "الزند" قرار سياسي خاطئ لرجل ترك بصمة تاريخية، وأنه كتب اسمه بحروف من نور في تاريخ مصر والقضاء المصري، وأن هناك خططاً ممنهجة لإقصاء الرموز الوطنية من المشهد!

انضم إلى القبيلة دفاعاً عن الزند نفر من العمائم الأمنية وبعض صحفيي البيادة الذين زعم بعضهم أن الزند وقف بوجه الإخوان وصد هجمتهم ضد القضاء(!)، وأن مشهد إقالته تنقصه الدقة واللياقة، ونسي نعل البيادة أنه قيل للزند: استقل لتخرج بلياقة، ولكنه رفض وتصور نفسه زعيماً فوق السلطة التي عينته وزيراً! في كل الأحوال فقد لحقته بركات مرسي، فأقيل في يوم زينته واستعراض قوته، واللهم لا شماتة!

لا شك أن الرئيس مرسي الذي طالب الشعب بالحفاظ على الثورة، وأن ثمنها حياته، ستحل بركاته بإذنه تعالى على من سرقوا الثورة، وينتقمون بوحشية ممن شاركوا فيها، والسؤال الآن: هل سيقدَّم الزند إلى المحكمة لتحاسبه على ازدراء الأديان؟ صحيح أنه اعتذر، لكن هل يقبل اعتذاره لو كان أعلن أنه سيحبس المسيح أو تواضروس؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

في عهد البكباشي الأرحل كان المعتقل يضم أعداداً كبيرة من المثقفين والسياسيين في طليعتهم الإخوان والشيوعيون، لم يكونوا بمثل العدد الضخم الآن الذي يتزايد مع فجر كل يوم حتى جاوز ستين ألفاً من العلماء والمعلمين والتكنوقراط والطلاب وسواهم.

كان التعذيب هو السمة السائدة، وهو الوحشية التي تنافس فيها قادة عسكريون: شمس بدران، وحمزة البسيوني، وصفوت الروبي وغيرهم..

ذات يوم فوجئ المعتقلون بباب الزنزانة يفتح، ويتقدم جلاد ليسأل: من أكبركم علماً؟ ظن المعتقلون أن السؤال مقدمة لعملية تفاوض من أجل تحسين أوضاعهم أو الإفراج عنهم أو أمر يفيدهم بصفة عامة، فقالوا للجلاد: أكبرنا علماً د. لويس عوض! فأمره الجلاد أن ينهض سريعاً لتنظيف دورة المياه!

لويس مهما كان رأينا في فكره يحمل درجة الدكتوراه، وكان يدرّس اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة، كما كان يكتب في الصحف ويؤلف الكتب، ويمثل نوعاً من صفوة البلد، ولكن الحكم العسكري لا يعترف بالعلم ولا العلماء، بل يعدّ المعرفة خطراً داهماً عليه، ولا يبالي بسحقهم وإذلالهم؛ لذا لم يتخذ مثلاً خطوة ملموسة على مدى ستين عاماً أو يزيد في محو الأمية، مع تضخم الجهاز القومي لمحو الأمية بالموظفين والعاملين والمستشارين والميزانيات، في الوقت نفسه فإن دولاً شرقية وغربية قضت على هذه الآفة في زمن قصير، وتفرغت لما بعدها.

النظام العسكري حقق إنجازاً رهيباً في اضمحلال مستوى التعليم بمصر، فقد أطاح بالأزهر بالقانون (103 لسنة 1961)، وحوّله إلى كائن مهيض الجناح لا يستطيع طلابه أن ينهضوا بالعلوم الشرعية والعربية، ولا يستوعبوا العلوم التطبيقية والرياضية، وسلّط عليه أشباه المثقفين والمأجورين لمهاجمته وإهانته ومطالبته بتغيير الإسلام تحت مسمى تغيير الخطاب الديني ليرضى أعداء الإسلام عن الحكام.

أما التعليم العام والجامعي، فحدث ولا حرج.. يكفي أن طلاب الثانوية العامة لا يعرفون الطريق إلى مدارسهم، وطلاب الجامعات في أغلبهم مسطحون فارغون لا يعبؤون بعلم ولا مستقبل! ويرون أن أمين الشرطة شبه الأمي أفضل حالاً من خريج كلية الطب والصيدلة والهندسة والسياسة والاقتصاد والإعلام الذي نجح في الثانوية العامة بمجموع يكاد يقترب مائة في المائة.. بل إن أمين الشرطة يتفوق على أساتذتهم في العائد والدخل والمرتب والسطوة!

اليوم يقال لنا: إن زيارة قائد الانقلاب إلى اليابان وكوريا من أجل نقل خبرتهم في مجال التعليم والمعرفة.. وهو كلام لا نظن أنه جاد أو يمكن أن يتحقق في ظل النظام العسكري الدموي الفاشي الذي لا يعنيه أمر المصريين من قريب أو بعيد، ولا تهمه حياة المصري بوصفه كائناً حيّاً له كرامته وحرمة وجود، ويمكن ببساطة تصفيته واتهامه بتهم ملفقة تسوّغ قتله وتشييعه إلى العالم الآخر.

يعلم القاصي والداني أن اليابان وكوريا كانتا تنظران إلى مصر في منتصف القرن العشرين نظرة انبهار بمستواها الحضاري والعلمي، وكانت الوفود تأتي منهما لتنقل الخبرة أو التجربة المصرية، ولكن الحال اليوم تبدّلت وتغيّرت، بعد أن صرنا في الحضيض على مستوى العالم.

لقد تم ضرب اليابان في الحرب العالمية الثانية وهزيمتها هزيمة ساحقة بعد هيروشيما ونجازاكي، ولكن اليابان نهضت بعد عشرين عاماً، وبدأت تفرض النصر العلمي والتكنولوجي والاقتصادي على من أذلوها، وصار المنتصرون عليها يرجونها لتخفيض قيمة الين الياباني من أجل استمرار حركة الاقتصاد بصورة مرضية في بلادهم!

القوم في اليابان وكوريا صنعوا نهضتهم من خلال منهج بسيط وسهل وغير مكلف، وهو التشاور الوطني، أي التفاهم بين فرقاء الوطن وفقاً لأسس يتفقون عليها، أو ما يطلق عليه الديمقراطية دون أن يسطو فريق على الحكم بقوة الذراع أو النبوت، وبعد ذلك اتفقوا على ترسيخ هويتهم القومية من خلال التعليم، وهو العنصر الذي لا يحبه الأشاوس والنشامى من حكامنا في مصر والعالم العربي.

لقد وجد أهل اليابان أنهم لن ينهضوا إلا من خلال التعليم والمعرفة بطريقة جادة وحازمة ومنضبطة، ورأوا أن العنصر الأساسي هو المعلم، فقاموا بعملية فرز دقيق للمعلمين الموجودين على رأس العمل، فاختاروا أصحاب الكفاءة، ونحّوا السادة التنابلة وأشباههم، وأعطوا للمعلم مرتب الوزير وسلطة النائب العام، سوف يسخر كتاب البيادة ويضحكون ملء أشداقهم، ويتساءلون: كيف يمنح المعلم مرتب الوزير وسلطة النائب العام؟ وأقول لهم: هذا هو ما حدث بالفعل، وكان عائده تعليماً رائعاً فائقاً جعل رئيساً أمريكياً اسمه رونالد ريجان يأسى على مستوى التعليم في بلاده مقارنة باليابان ويعلن: نحن أمة في خطر، في تقرير شغل أمريكا زمناً طويلاً!

اتخذ المجلس القومي للتعليم قراراً خطيراً يؤكد اعتزازه بالهوية اليابانية بجعل مقرر اللغة يزيد في المرحلة الثانوية إلى الضعف، يعلم القراء أن اللغة هناك تتكون من مفردات على هيئة صور، وكان طالب الثانوي يحفظ نحو ألفي وخمسمائة مفردة أو صورة، وبعد الهزيمة رأي بعض أعضاء المجلس القومي للتعليم أن يخففوا عن الطلاب عدد المفردات الصور، ولكن الأغلبية رأت زيادة العدد إلى الضعف – أي خمسة آلاف مفردة /صورة، من يحسن اللغة العربية من حكامنا؟

المعلم الكفء الذي يتقاضى مرتب الوزير أتاحت له سلطة النائب العام أن يحول أي منحرف خلقياً أو إدارياً أو مالياً في دائرة التعليم إلى القضاء، وانتظم مسار التعليم في اليابان وحقق المعجزات على المستويات كافة، فهل لدى أنظمتنا العربية استعداد للقبول بالتجربة اليابانية، أو إننا مولعون بالتجربة الدنمركية لصاحبها عادل إمام؟

أنقل لكم ما قاله د. عبدالمنعم تليمة، أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة؛ الذي سافر إلى اليابان وعمل ببعض جامعاتها، يقول: "كنت أعمل أستاذاً للغة العربية وآدابها في اليابان خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وحصلت على راتب أعلى من راتب رئيس الوزراء الياباني، فخفت أن يكون هناك خطأ وأن يطالبوني برد هذه المبالغ بعد ذلك، فعاودت الاتصال بمسؤول الماليات بالجامعة لأطمئن، فأخبرني أن قانون الرواتب في اليابان موحد على الجميع، وأن درجتي العلمية أعلى من درجة رئيس الوزراء الذي معه دكتوراه فقط، وأن سنوات خبرتي أكثر من سنوات خبرته، إضافة إلى نسبة تميز مهن التعليم، لذا أستحق راتباً أعلى من راتب رئيس الوزراء بالقانون.

هل يمكن أن نرى نظاماً يعطي المعلم في التعليم العام والجامعي في بلادنا العربية ما يعطيه نظام التعليم في اليابان؟ لا أظن، فالقوم عندنا لا يعترفون إلا بالعصا الغليظة لتطوير شعوبهم ونقلهم إلى حضارة العصر الحجري، ويكفي أن ميزانية بناء السجون والإنفاق عليها تفوق ميزانية بناء المدارس والجامعات!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 05 مارس 2016 13:51

حكاية رواية وحكم محكمة

جاء في الأخبار أن عدداً من الأدباء والمثقفين دعوا جميع زملائهم إلى المشاركة في الوقفة الاحتجاجية التي دعوا إليها مساء الثلاثاء 23/ 2/ 2016م، لحرق أعمالهم وكل ما يتعلق بإبداعهم أمام دار القضاء العالي، وتأتي هذه الدعوة اعتراضاً على الحكم القضائي الذي صدر بحق الصحفي أحمد ناجي بالحبس سنتين وغرامة 10 آلاف جنيه لآخر بسبب رواية «استخدام الحياة» التي نشر جزءاً منها بصحيفة "أخبار الأدب" الحكومية التي يعمل بها، تضمن وصفاً إباحياً (بورنو) لعلاقة جنسية بين رجل وفتاة بشكل سافر وصادم وبذيء.

ورأى هؤلاء الأدباء والمثقفون أن الحكم القضائي بمنزلة تعدٍّ على الدستور المصري الذي يمنع عقوبة الحبس في جرائم النشر، وقال الخبر: إن دعوة «احرق عملك الإبداعي» التي يتم الحشد لها، لقيت قبولاً واسعاً بين الأدباء والمثقفين، هناك أخبار أخرى تحدثت عن تضامن جهات عديدة مع الكاتب المذكور، وهناك من دعا إلى تشكيل وفد لمقابلة النائب العام لإخراج المحبوس من السجن، وانتشرت مقالات في الصحف ولقاءات إعلامية تستنكر حبس الكاتب الإباحي بوصف ذلك اعتداء على الحرية، ومحاكمة للخيال والإبداع!

قرأت المنشور من كتابة "البورنو" التي يسمونها رواية، فلم أجد أدباً ولا لغة ولا صياغة فنية، ولا بلاغة في التعبير، ما وجدته كان وصفاً رديئاً ركيكاً هابطاً لعلاقة حميمة؛ قال أحد شهود الكاتب: إنه لا يستطيع أن يقرأها أمام القاضي ولا أمام أحد من أسرته!

في السينما الغربية على سبيل المثال ينتجون أفلاماً إباحية (بورنو) لا يمكن عرضها على عموم الناس بل يضعون مواصفات معينة لعرضها، ويتفقون ضمنياً أنها خارج نطاق ما يسمى الفن وحرية التعبير، مراعاة لآداب المجتمع وقيمه ومواضعاته، وفي تراثنا العربي مؤلفات عديدة تتناول العلاقة الحميمة وتؤصل لها في سياق علمي أو أدبي غير مثير، وكان الأزهر في زمنه الزاهر يضعها ضمن مقرراته لطلاب المرحلة الابتدائية (الإعدادية الآن) وما بعدها دون أن تحدث صدى أو جلبة، وهو ما يختلف تماماً عما يريد الشيوعيون والعلمانيون فرضه على ثقافتنا وواقعنا الراهن.

في سياق عملية تدمير البلاد والعباد التي يقوم الصهاينة والصليبيون بالتخطيط لها وتوجيهها تتم عملية إلهاء واضحة عن القضايا الكبرى التي تتعلق بالحريات العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والشورى والعمل والإنتاج، وتتخذ من مثل هذه الموضوعات التي يصوغها خدام الأنظمة العسكرية الفاشية أو الباحثين عن الشهرة وسيلة لينشغل الناس عن الغلاء والقرارات الاقتصادية المؤلمة التي تعصف بالفقراء، والأحكام السياسية الظالمة التي تتضمن الإعدامات الجماعية التي طالت الأطفال، والسجن المؤبد للشرفاء والنبلاء من المطالبين بالحرية والحكم الرشيد.

للأسف، فإن خدام الفاشية والباحثين عن الشهرة يتصدرون المشهد الثقافي والأدبي، ويتيح لهم النظام العسكري الفاشي أن يطلوا على الناس صباح مساء في الإعلام والصحافة والمنتديات، لإحداث الصخب، والترويج لطغيانه وحكمه الدكتاتوري، وتبرير جرائم القتل والاعتقال ومصادرة الحريات والأموال والممتلكات، فضلاً عن محاربة الإسلام وقيمه وتراثه، والوقوف ضد الشعب المظلوم.

خدام الأنظمة الفاشية لا يعنيهم أمر الأمة ولا الشعب ولا الحرية، هم معنيون بإشباع حاجاتهم البيولوجية والاستمتاع بالمال الحرام، وإزجاء الفراغ في المقاهي والخمارات، ثم الخروج ببيانات الشجب والاستنكار والدعوة لتجديد الخطاب الديني وهجاء مادة ازدراء الأديان!

كانت المحكمة قد حكمت ببراءة الصحفي المذكور عقب إدلاء ثلاثة من الكتاب اليساريين بشهادتهم لصالحه، ولكن النيابة استأنفت على الحكم؛ لأن ما كتبه إباحية صريحة (بورنو)، فحكمت في الاستئناف بالحبس سنتين، وهنا قامت القيامة، وكان حرق الكتب عنواناً لها، والمفارقة أن الشيوعيين وأشباههم مازالوا يكيدون للإسلام والمسلمين من خلال ما روي عن حرق كتب ابن رشد في الأندلس، بل يصرون على إسناد حرق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بعد فتح مصر، وفي عصرنا الانقلابي ينسبون حرق مكتبة هيكل للإسلاميين مع أن الجناة لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ويتجاهلون حرق مكتبة د. محمد عباس!

فليحرقوا كتبهم رمزياً أو كلياً، لن يخسر القارئ شيئاً؛ لأن كتاباتهم رديئة ولا تحمل قيمة إنسانية أو أدبية أو فنية، إنهم "هالوك" أفسد الأدب والفكر والحياة، لا يملكون ثقافة حقيقية، ولا فكراً ناضجاً، ولا مواهب متميزة، اللهم إلا مواهب الدجل والشعوذة الثقافية والسطو على منابر النشر وخزانة وزارة الثقافة بالقانون أو الفهلوة السمجة! ومع ذلك لا نؤيد حرق الكتب ولو كانت سطحية أو تافهة؛ لأن الكتاب بالنسبة للقارئ الحقيقي رمز للثقافة والمعرفة أياً كانت قيمته.

خدام الأنظمة هؤلاء لا يؤمنون بحرية الفكر وحق التعبير لغيرهم، وقد رأينا مؤخراً وزير حظيرتهم الثقافية، يأمر بإرسال كتب سيد قطب إلى المفرمة، ويصرح بذلك علناً، فلم ينبسوا بكلمة، بل رأيناهم يحرضون على إحراق الكتب الإسلامية وسحبها من المكتبات والمعارض، بل يباركون ما قامت به موظفة اسمها بثينة كشك حين أحرقت كتباً إسلامية وغير إسلامية في مشهد احتفالي بفناء إحدى مدارس الجيزة!

إن الحظيرة الثقافية تدلس وتضلل حين يرتكب أفرادها جرائم أدبية وخلقية، وحين يزدرون الإسلام لأنهم لا يستطيعون أن يزدروا ديناً غيره ولو بالإشارة أو المجاز، ثم إنهم حين يقعون في الخطيئة يزعمون أن المحكمة تحاكم الخيال والإبداع؟

إسلام البحيري – وهو لا يحفظ القرآن ولا الحديث ولم يدرس الإسلام دراسة علمية – سار على نهج سيد القمني، وزعم أنه يجدد الخطاب الديني، وسب علماء الإسلام وأئمته وفقهاءه!

فاطمة ناعوت وصفت أضاحي العيد بأهول مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونيف بسبب كابوس (تقصد الوحي) باغت أحد الصالحين (تقصد سيدنا إبراهيم) بشأن ولده الصالح (سيدنا إسماعيل)، وبرغم أن الكابوس قد مرّ بسلام على الرجل الصالح وولده وآله إلا أن كائنات لا حول لها ولا قوة تدفع كل عام أرواحها وتُنحر أعناقها وتُهرق دماؤها دون جريرة ولا ذنب ثمناً لهذا الكابوس القدسي (؟).. لكنها شهوة النحر والسلخ والشي ورائحة الضأن بشحمه ودهنه جعلت الإنسان يُلبس الشهيةَ ثوب القداسة وقدسية النص الذي لم يُقل! "الهانم" ترفض الوحي وتسخر منه، ثم تدعي أن كلامها مزاح ودعابة.

أبو إسلام أحمد عبدالله يقضي خمس سنوات سجناً، بتهمة ازدراء المسيحية، وإهانة الإنجيل ولم يبك عليه أحد من متنوّري الحظيرة ولا غيرهم!

القضية ليست الإباحية، ولا حرية التعبير الأدبي، إنها جريمة في حق شعب يريد الحرية والحياة والتعبير عن إسلامه.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!  

في الأسابيع الماضية وفدت على مصر مجموعة من الشخصيات الصليبية والصهيونية، واجتمعت مع قيادات الانقلاب في أعلى مستوياتها، وخرجت بعد الاجتماعات تصريحات وعبارات ذات مغزى تبعث على التشاؤم والمستقبل الملغوم المليء بالضباب والغيوم.

من أبرز الوافدين توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وهو صليبي استعماري شرير، واليهودية المتعصبة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الابن، ثم وفد من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

لم تتضح تماماً مهمة توني بلير، ولم تظهر خريطة تحركاته على الشاشة الإعلامية، ولكن ما يعرف عن بلير هو العمل في الظلام ضد الشعب المصري والأمة العربية، ومعروف أنه مستشار الانقلاب ورسوله إلى العواصم المؤثرة كي ترضى عن الانقلابيين وتتعامل معهم بغض النظر عن المقولات التي تتحدث عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في الحرية والكرامة، فضلاً عن دوره الإجرامي في غزو العراق واستباحته ونهبه، وسبق له وهو عرّاب اللجنة الرباعية التابعة للأمم المتحدة بخصوص القضية الفلسطينية، أن ظل يعقد اجتماعات ويدلي بتصريحات انتهت إلى لا شيء، ولم يبق للفلسطينيين الذين أملوا فيه إلا قبض الريح والوطن المستباح!

مادلين أولبرايت لم تحمل للمنطقة إلا الشر المستطير، ولا تجد غضاضة في تلقين العرب والمسلمين – أقصد حكامهم – دروساً مهمة في ضرورة السمع والطاعة لسيد البيت الأبيض والرضا بالأمر الواقع، والانشغال بأطايب الطعام وشرب المياه المعدنية المستوردة، وقتل شعوبهم بحجة الإرهاب.

وقد لقيت أولبرايت حفاوة كبيرة من النظام الانقلابي، فقد استقبلها قائد الانقلاب، ومعها وفد من المجلس الأطلنطي الأمريكي، ضم ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، وفرانسيس ريتشاردوني، سفير الولايات المتحدة الأسبق بالقاهرة، وحضر اللقاء فايزة أبو النجا، مستشارة ما يسمى شؤون الأمن القومي.

ويلاحظ أن أعضاء الوفد معنيون بقضايا مصر والعرب، ولهم مشاركات ملموسة في كثير من الأحداث الشريرة التي أصابت المصريين والعرب، ولكنهم لا يعدونها سلبية بالنسبة لهم، بقدر ما يرونها نجاحاً لسياستهم في إخضاع تلك الأمة التعيسة، وتطبيعها على قبول الإذلال الصليبي الصهيوني والاستسلام له.

أكد قائد الانقلاب في اللقاء مع وفد أولبرايت، أن التحديات الراهنة (؟) تُحتم على مصر والولايات المتحدة الدفع بعلاقاتهما الإستراتيجية إلى آفاق أوسع؛ بما ينعكس بالإيجاب ليس على البلدين الصديقين فحسب، وإنما أيضاً على الساحتين الإقليمية والدولية، مشيراً إلى متانة العلاقات المصرية الأمريكية الممتدة عبر عقود، وتقوم على أسس راسخة من الاحترام المتبادل (؟) والمصالح المشتركة والتعاون المثمر في العديد من المجالات؛ وهو ما يعني أن كل ما ذكرته أبواق الانقلاب عن تبني الولايات المتحدة للمعارضين المصريين ومعاداة الانقلاب لا أساس له من الصحة في ظل علاقة السمن والعسل بين واشنطن وسلطة العسكر.

أما اللوبي اليهودي الصهيوني صاحب الكلمة الأولى في واشنطن؛ فقد أعرب قادته كما ذكر تسفيكا كلاين، في أثناء لقائهم بالسفاح نتنياهو بالقدس المحتلة عن غبطتهم؛ لأن قائد الانقلاب أبلغهم في اجتماعه بهم في القاهرة، أن نتنياهو قائد ذو قدرات قيادية عظيمة، وهذه القدرات لا تؤهله فقط لقيادة دولته وشعبه، بل إنها كفيلة بأن تضمن تطور المنطقة وتقدم العالم بأسره!

بالطبع لم يتم الكشف عن السبب الحقيقي لزيارة اللوبي اليهودي التي جاءت دون حديث مسبق وتم التحدث عنها من قبل وسائل الإعلام الأجنبية، ليخرج بعدها المتحدث باسم قائد الانقلاب ليقول: إن الزيارة تأتي في إطار الاستماع والمشاورات مع كافة التيارات والمنظمات العالمية بمختلف طوائفها، وقال المتحدث الرسمي باسم قائد الانقلاب: إنه تم البحث مع المنظمة اليهودية في كيفية القضاء على الإرهاب؛ أي الإسلام وفقاً للأدبيات الصليبية اليهودية! وهو ما أشارت إليه مصادر صحفية لم ترد ذكر اسمها، حيث أوضحت أن قائد الانقلاب تناول في حديثه مع المنظمة اليهودية أهمية الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية للوقوف بجانبه في الحرب على التيارات الإسلامية التي زعم للمنظمة اليهودية أن الإرهاب لا يخرج إلا من هذه التيارات التي تعتز بما كل ما هو إسلامي.

وأضافت هذه المصادر أن قائد الانقلاب تناول معهم إنجازاته في الحرب على كل ما هو إسلامي لتصويب ما يسمى الخطاب الديني بما يفيد نظامه والأمن العالمي من وجهة نظر المنظمات اليهودية، مطالباً إياهم بدعمه في خلق متغيرات جديدة للقضاء على التطرف الديني الذي يزعمه بين المسلمين وتنقية المفاهيم الإسلامية بما يخدم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تناول بحسب هذه المصادر أيضاً خارطة الشرق الأوسط الجديد مع المنظمة اليهودية بعد القضاء على التيارات الإسلامية في سورية والعراق وليبيا ومصر، لرسم صورة جديدة في الشرق الأوسط تتفق وأمن الكيان الصهيوني وسياسة واشنطن، والتوصل لحل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يخدم أمن كيان الاحتلال ويمنع من ظهور انتفاضة فلسطينية جديدة، بالإضافة إلى أهمية القضاء على التيارات الإسلامية بزعم مكافحة الإرهاب، والقضاء على مصادر تمويله وأهمية رقابة الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي لنشر أفكار إسلامية.

إن تسليم الإرادة العربية والمصرية للصليبيين والصهاينة أمر مشين وقبيح ومدمّر وعبرت عنه أولبرايت لجريدة "المصري اليوم" ١٥/ ٢/ ٢٠١٦م قائلة: «المشاورات التي تم إجراؤها على مدار اليومين الماضيين، ستساعدنا في تطوير أفكار جديدة حول كيفية تمكين المجتمع الدولي لمساعدة شعوب المنطقة في صياغة مستقبل أفضل»، وأضافت أولبرايت: «لأنه جزء من مبادرة مهمة إعداد إستراتيجية الشرق الأوسط، قررت وستيف هادلي أنه من المهم زيارة مصر للتعرف على التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة من خلال الاستماع إلى مختلف الأصوات المصرية (دون الصوت الإسلامي المقموع بالطبع!)».

تتجاهل السيدة أولبرايت أنها تعرف كل شيء وهي في واشنطن، وتتناسى أن الشعوب هي التي تقرر مستقبلها، ولكنها جاءت مع بقية الذئاب الصليبية والصهيونية لتخطط مع الوكلاء المحليين في السلطة وخارجها لكيفية استئصال الإسلام وقتل المسلمين تحت الراية الدموية الكاذبة المسماة بمكافحة الإرهاب.. ولكن الله غالب على أمره!

(عقب الانتهاء من هذه السطور بدأ ذبح المسلمين في ليبيا بقيادة حفتر مع قصف أمريكي، وظهور قوات فرنسية وأمريكية بالقرب من بنغازي بحجة القضاء على "داعش" الذي لم يصب بطلقة واحدة، واسألوا قذاف الدم حبيب السلطة الانقلابية!).

الله مولانا، اللهم فرّجْ كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top