د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 11 أبريل 2017 09:50

العمل الإسلامي..وتزكية الأنفس

لم يكن عبثاً أن يكتب علماء الأمة سلفاً وخلفاً، هذا الكم الكبير، من الأسفار التي تُعنى بقضية تزكية الأنفس، وفقه القلوب، وعلم السلوك، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، والاعتناء بمنظومة الأخلاق، التي يجب على المسلم أن يمتثلها في سلوكه، ويلتزم بها ظاهراً وباطناً.

بل كان هذا الأمر نابعاً من ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، إنه معقد الأمل في الفلاح، وللمسلم خير زاد، وللداعية أعظم سلاح، ولأنه لا نجاة في الدنيا والآخرة إلا به.

لذا تجد الإمام ابن حزم كتب في هذا، ومثله الإمام ابن تيمية، وكذا الإمام ابن القيم في سفره النفيس «مدارج السالكين»، وهو كتاب موسوعي، في مجال التزكية، فريد في منهجه، عظيم في اختياراته، دقيق في توصيفاته، يمتاز بالتدقيق والتحقيق، والعناية بمنهج السلف الصالح، في هذا الميدان الخصب، والباب الرحب، وقد قام الأستاذ العزي باختصاره، والكتاب مطبوع متداول، ولعل كتاب الإمام الغزالي «إحياء علوم الدين» من أنفس الكتب التي اهتمت بهذا الجانب، وبغض النظر عن مادحيه وناقديه، فإنه يبقى علامة فارقة في عالم ما نذكر، وحتى يخرج الناس من دائرة الجدل في معادلة المدح والذم للكتاب، قامت جماعات من العلماء بأخذ زبدة ما في الكتاب من معاني الخير، ضمن نظرية تختلف من مدرسة إلى أخرى، إثباتاً لهذا المعنى الذي ندندن حوله.

فالإمام ابن الجوزي اختصره، وجاء من بعده الإمام ابن قدامة ليختصر المختصر، بكتاب نفيس يستحق أن يكون منهاجاً في الباب، وأن يعتمد كتاب درس في هذا الموضوع، وسمى كتابه «مختصر منهاج القاصدين»، وهو كتاب مطبوع متداول، ومن الجهود القيمة في استخلاص النافع المركز من «الإحياء» اختصار العلامة جمال الدين القاسمي، الموسوم بـ«سمير المؤمنين».

وهكذا من جيل إلى جيل، يُعتنى بالكتاب، حتى بالغ من بالغ بقوله: من لم يقرأ «الإحياء» فليس من الأحياء، إشارة إلى معنى أهمية تزكية الأنفس، في حياة المسلمين عامة، وطلاب العلم والدعاة والعاملين للإسلام خاصة، فممن نهض بخدمة الكتاب الشيخ سعيد حوى؛ حيث أخذ عصارة ما في الكتاب من خير، وما شعر بأنه يغطي هذا الجانب للعاملين للإسلام، وأضاف له بعض الإضافات، التي تضفي عليه صفة المعاصرة، جمعاً بينها وبين ما في كتب التراث من نوادر الكلم الطيب في هذا الباب، وسمى كتابه هذا «المستخلص في تزكية الأنفس».

أهمية التزكية في حياة الدعاة:

تزكية الأنفس لها أهمية بالغة في حياة المسلم عامة، والدعاة إلى الله تعالى، والعاملين للإسلام خاصة، ذلك أنها من سبل النجاة التي لا يمكن تحصيل الفلاح إلا بها، وتجعل المسلم على جادة الصواب، وتسوقه نحو سبل الفوز، وتبعده عن طرق الغواية، وترشده إلى ما فيه صلاحه، وتحذره من أسباب الضياع، فالذين يقولون ما لا يفعلون، هم من أهل النار، وأهل الأهواء هالكون، ومن فاتهم التحقق بمقام الإخلاص، لا يقبل منهم صغير ولا كبير من الأعمال، ومن في قلبه مرض، يكون على خطر عظيم، وهكذا، لذا كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لأجله بعث أن يزكي الأنفس، حتى تستقيم على منهاج الإيمان الحق.

قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ {151}) (البقرة)، ثمَّ قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {164) (آل عمران)، وقال عزَّ وجلَّ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {2}) (الجمعة).

وكان من ثمار تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن وجد ذلك الجيل الرباني الفريد، جيل الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم جميعاً – الذين حازوا رتب التقدم في الخير، وارتقوا في مراتب البناء، حتى خلصت نفوسهم من حظوظ نفوسهم، بما لا مثيل له من جيل من أجيال الحياة، ويا له من جيل متكامل الجوانب، عظيم المعارف والمسالك، استطاع أن يغير وجه الدنيا، ويرسم ملامح تاريخ خالد، ويستشرف مستقبلاً زاهراً.

ومن خصائص هذا الجيل أنه يحمل إيماناً عميقاً، وعلماً واسعاً، وفهماً دقيقاً، وتربية ربانية، يعجز المرء في وصف حالها، فالمعاني الربانية التزكوية، ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بحال، لأصحاب المشروع الإسلامي، والذين يتصدرون لخدمة هذا الدين.

كان عبدالله بن المبارك يقول: «من حمل القرآن ثمَّ مال بقلبه إلى الدنيا فقد اتخذ آيات الله هزواً، وإذا عصى حامل القرآن ربَّه ناداه القرآن في جوفه: والله ما لهذا حُمِلت، أين مواعظي وزواجري؟ وكل حرف مني يناديك ويقول: لا تعصِ ربَّك».

وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أب وعصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام ماء للوضوء، ثمَّ جاءه قبل أن يؤذن للصبح فوجده نائماً، والماء بحاله فأيقظه.

وقال: لم جئت يا أبا عصمة؟ فقال: جئت أطلب الحديث.

قال: كيف تطلب الحديث وليس لك تهجد في الليل؟! اذهب من حيث جئت.

وكان الإمام الشافعي يقول: «ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة، وما رؤى أحدٌ في منامه فقال: غفر الله لي بعلمي إلا قليلٌ من الناس» (مقدمة المجموع للنووي).

جوانب النقص التي تحتاج إلى سد الخلل:

في غمرة الانهماك في العمل العام، والعمل السياسي، على وجه الخصوص، ينغمس – أحياناً – أبناء الدعوة والعمل الإسلامي في هذا الجانب انغماساً شديداً، ينسيهم الواجبات الأخرى التي عليهم أن يقوموا بها، وهنا يحدث نوع من الخلل، الذي يفقد أبناء الحركة خاصية التوازن التي تعتبر سمة أساسية من سمات المسلم الحق، والجماعة الراشدة، فلا عاد يلتفت لصلاة جماعة، وغاب ورده القرآني أو نقص، وربما كان النقص حاداً، ولسانه لم يعد يلهج بذكر الله، وقد تفوته قراءة المأثورات وأذكار الصباح والمساء، الهلال والهلالان.

بل – في بعض الحالات - يكون هناك ما هو أدهى وأمر، حيث تعشعش الأمراض التربوية القاتلة، في قلب هذا الداعية أو ذاك، وتظهر آثارها السيئة على جوارحه وسلوكه، فصارت تظهر عليه علائم الكذب، وأصبح كثير الغيبة، وربما نخر الحسد قلبه، فبات من الكائدين لإخوانه، ومن المكثرين للنجوى في الصف، أما النميمة فمن لوازم الغفلة، وأضحى تضخّم الذات عند هذا الأخ أو ذاك سمة بارزة، تظهر آثارها المرة على من حوله، من خلال نظرية «أنا أو الطوفان»، أو حب أن يمدح في عمل وما لم يعمل، تقوم الدنيا ولا تقعد إذا لم يدع لحفل أو لقاء، وهكذا.

عندما تغيب التربية الأصيلة، ويهمل فقه التزكية، تظهر نتوءات المرض، وتحيط بالدعوة الأخطار من كل حدب وصوب، ومن أبرز صور الظهور ذلك التساقط المريع على طريق الدعوة والعمل الإسلامي، الذي يعمل عمله في الفساد والتخريب، فهذا يسقط على أم رأسه، مع أول فتنة دنيوية تلوح له، وذاك ينتكس انتكاسة مريعة لمجرد أن يعرض عليه منصب من المناصب، وآخر باع دينه بدنياه، لأنه كان معروفاً عنه عرض «حب الظهور» الذي يقصم الظهور، ويقضم ملامح الخير، وذاك الذي صار بوق شر، لا همّ له إلا عداوة الحركة، والعمل الإسلامي المنظم، كما أن غياب الأخوة، وتحطم جسور الثقة، من أكبر عوامل التساقط، وحدوث الإرباك.   

والأصل  في فقه الدعوة أن نقوم بإعطاء كل ذي حق حقه، بحيث لا يطغى جانب على جانب، ولا يؤثر القيام بواجب على واجب آخر.

نسمع كثيراً عن «الحوكمة» وعن المحاسبة الإدارية، وعن المتابعة للعمل ضمن مقاييس الفعل الناجح، وهذا كلام جميل، ولكننا ننسى أحياناً محاسبة النفس وتزكيتها، ومتابعة السيرة والسلوك، والوقاية من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وهنا يكمن الخطر، ويكون الزلل. 

قال ابن القيم: فإن زكاة النفس وطهارتها موقوف على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح البتة إلا بمحاسبتها.. إلى أن قال: فبمحاسبتها يَطَّلِعُ على عيوبها ونقائصها؛ فيمكنه السعي في إصلاحها.

من هنا على الحركة الإسلامية أن تقوم بواجب العناية بجانب «تزكية الأنفس» من خلال منهج رائع، وربانيين يقومون على هذا الشأن، حتى يكون أبناء الحركة وجيلها الرباني المنشود، الذي ينادي بحق «الله غايتنا»، من الذين يعيشون معاني الذكر والشكر والإخلاص، والتفكر والصدق، والصفاء والنقاء، والأخوة، والزهد بمعناه الصحيح، والعيش في ظلال تذكر الموت والدار الآخرة، حتى يكون عندنا القائد الذي يعبد الله، لا الذي يعبد ذاته، والسياسي الرباني، الذي لا يغفل عن ذكر الله، والعامل في خدمة الحياة، بلا آفات لسان، والداعية الذي عاش معاني الأخوة، وفاحت طيب أخباره في تجليات معانيها، والحركي الذي لا يتطلع لجاه، ولا يبحث عن منصب، ولا يسيل لعابه من أجل لعاعات الدنيا ومفاتنها، وفي مثل هذه الأجواء الإيمانية، يتكون الجيل المنشود في النصر، وصناعة الحياة، على قيم الرشد، وتكون التربية الشاملة، أولوية في كل زمان ومكان، وهي المقدمة الصالحة لصلاح ما بعدها.

الأربعاء, 08 فبراير 2017 09:17

أحاديث الفتن والسياسة الشرعية

تمر الأمة - منذ فترة ليست قليلة - بمخاض عسير، وملاحم دامية، وأحداث جسام، وتداعيات لها أثرها الخطير، على واقعنا في كثير من شُعب الحياة، وما الأحداث في العراق، وكذا أحداث ما عرف اصطلاحاً بـ«الربيع العربي»، إلا صورة من صور هذه المأساة، ومثلها لو ذهبت لما وقع من قبل ذلك، للمسلمين في فلسطين، وما زال مستمراً، وما كان في حماة، وفي سجن تدمر، وفي مصر، وفي سجون الطغاة من أمثال «القذافي»، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي البوسنة والهرسك، وبلاد البلقان عامة، وما كان من أحداث كبيرة في حرب الخليج الأولى والثانية، وما يحدث الآن في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر وبنجلاديش وأفريقيا الوسطى وبورما.

حقاً هذه الأحداث، يشيب لهولها الولدان، وتقشعر من فظائعها الأبدان، ويتحرك لكوارثها وجدان من لا وجدان له.. الخلاصة: إنها أحداث كبيرة، تجعل الحليم حيران.

وهذا بطبيعة الحال يدفع الناس أن يفكروا في المخرج من هذا الواقع الأليم، وأن يبحثوا عن سبل الخلاص من هذا الواقع المحزن، وهذا أمر مشروع، بل مطلوب من كل الجهات، وسائر الجوانب.

لكن الإشكالية التي تبرز بشكل واضح، وصورة ظاهرة، أن يقوم قسم من الأفاضل باللجوء إلى أحاديث الفتن، وآخر الزمان، لعلهم يجدون في هذه الأحاديث بغيتهم في حل ما، وهذا الأمر له وعليه، كما سنبين ذلك بعد قليل.

وتبقى المعضلة الكبرى في حصر الأمر بهذا النوع من الاشتغال، دون النظر إلى فقه العمل في سائر مراتبه، بما يغطي حاجة التحدي، تلبية لمستلزمات المرحلة للخروج من مأزق الخطر.

وكُتبت في هذا كتب، وسُطرت أسفار، ونُسجت مقالات، وعُقدت ندوات، وأُلقيت خطب، وصُرفت أموال، وكلنا يذكر أيام حرب الخليج الثانية، وكيف أن هذا التيار كان ناشطاً، وصار مؤثراً بشكل واضح، ومثيراً للجدل بصورة لافتة، ودخل هؤلاء في تحميل النصوص ما لا تحتمل، ودخلنا في دوامة لها أول وليس لها آخر، جراء نوع من الطرح في هذا الموضوع، خصوصاً في ميدان إسقاط النصوص على أشخاص أو وقائع أو أحداث، والذي يراجع أدبيات تلك المرحلة في هذا الشأن يجد العجب العجاب، مع جدل ومراء، وقيل وقال، وكثير منها دخل في عالم ما كان ينبغي أن يدخل فيه.

وهذا الأمر له مخاطره من الناحية السياسية، وكذا من الناحية الدينية؛ أما من الناحية الدينية؛ فهي إدخال النصوص الشرعية في إطار المحتمل، وهذا لا إشكال فيه، ولكن الإشكال يكمن في جزم هذا الفاضل أو ذاك العالم الجليل بأن معنى الحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم – مثلاً – إنما المقصود فيه الرئيس الفلاني، أو الملك العلاني، أو السلطان الذي يذكره، أو الشخص الذي يعينه، فإذا مات، سيكون كذا وكذا، فيموت ذلك الذي أشار إليه فلا يتغير شيء، وتمضي الأيام بله السنون، والناس تراجع هذه الإسقاطات الكثيرة للنصوص الشرعية، فنرى ما لا تُحمد عقباه، وهذا يدخل الناس في دائرة غير محمودة، في مجال الدين والإيمان، وربما فتن بعضهم ودخل في عالم الإنكار لهذه النصوص، أو السخرية منها، وهذا خطر جسيم وخلل كبير.

ومن ناحية السياسة الشرعية؛ نحن مطالبون في الأخذ بعالم السبب، واستثمار الجهد البشري في عالم المواجهة، فنخطط ونرتب، ونعد ونجهز، وندرب ونتهيأ، ونعمل ونثابر، ونبذل الجهد، ونقرأ الماضي، ونفقه الواقع، ونستشرف المستقبل، ونجتهد ما استطعنا إعداداً للقوة.

مع عمق صلة بالله تعالى، وخشية له، وذكره، وعبادته وطاعته، تحلياً بالفضائل، وتخلياً عن الرذائل، فيصبح المسلم بين الجهد البشري والتوفيق الإلهي، وبهذا يتكامل الأمر، ويكون النصر من الله، ويتحقق النجاح على أيدي عباد الله الصالحين.

روى أحمد (12902)، والبخاري في «الأدب المفرد» (479)، وعبد بن حميد في «مسنده» (1216)، والبزار في «مسنده» (7408)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، ولفظ أحمد: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (صححه الألباني).

فإذا اختل هذا الميزان، نكون قد انحرفنا عن المنهج الرباني، الذي يجب ألا نفارقه، ففي مفارقتنا له تكون مشكلة، قد يصعب علاجها في واجب الوقت وفرض الساعة، وذلك بسبب تفويت الواجب والانزياح عنه إلى مربع آخر.

فلا نرى تعارضاً بين إيماننا بهذه النصوص الثابتة، وأنها حق لا مرية فيه، والعمل الدؤوب، والنشاط الذي لا ينقطع جهاداً في سبيل الله تعالى في كل دوائره ومربعاته، بلغة متوازنة، ضمن خريطة فهم سليم، وفقه محقق دقيق، يقودنا إلى منهج مستكمل الجوانب، بعيداً عن التصورات العوراء والبرامج الكسيحة.

من هنا نرى صفحات السيرة النبوية، وكذا نجد هذا في سيرة الخلفاء الراشدين، في تحقيق هذا التوازن الذي يمضي في عالم النجاح وفي دروب النصر.

مصيبة الجبرية والانتظار

وأكبر مصيبة تواجهنا في عوالم العمل هذا الاختلال في مكافأة المواجهة، بما هو مطلوب، فيقع الناس في لغة «الجبرية»، فنسلم ولا نفعل شيئاً، لأنه ليس لنا من الأمر شيء، ونحن كريشة في مهب الريح، وهذا خطأ فاحش.

أو أن نقع في أسار فقه «الانتظار» الذي يجعل المسلم ينتظر وقوع هذه الخوارق، ويترك كل واجب عليه في مساحات العمل، وتكون خلاصة القضية وإن بلسان الحال: لا داعي للحركة، ولا أهمية للعمل المطلوب، فالتغيير قادم بلغة أخرى، ولا ضرورة للإعداد؛ لأن القادم فوق جهد البشر، فستغلب كل هذه القوى، وتنكسر هذه الموجات العاتية، وتتحطم هذه الجيوش الغازية، وتذوب هذه المكائد العاوية، ومن ثم نقع في فخ التواكل الذي ما دخلت ثقافته على جزء من حياتنا إلا عطلته وفتكت به.

ولا أستبعد أن يكون هناك طرف ثالث، ينفخ في أيقونة هذا الموضوع، ويبذل الوقت والمال والإعلام ليشغل الناس بهذا الأمر، خصوصاً إذا خلطوا الصحيح بالضعيف بالموضوع، أو في الخرافة أو الروايات الإسرائيلية التي تجعل المسلم يلج باباً لا يرقى إلى مستوى التحدي.

ومعروف دور الفرق الضالة، وأثر الشخصيات البدعية في هذا الموضوع، حتى صار أمثال هؤلاء أذناباً للاستعمار، وأصبح زعيمهم يقول: أنا المهدي وبريطانيا سيفي؛ إمعاناً في التخلي عن وسائل المواجهة التي تزرع العزة في هذه الأمة.

قواعد كلية

لذا سوف أخلص إلى قواعد كلية، للتعامل مع هذه المسألة، بحيث نحقق لغة التوازن، فلا إفراط، ولا تفريط، وأهم هذه القواعد ما يأتي:

1- الإيمان الراسخ بكل ما ورد صحيحاً ثابتاً، عن نبينا ورسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا يجوز إنكار شيء ثابت في هذا الموضوع.

2- علينا أن ندرس هذه الأحاديث، ونعلمها أجيالنا، ونتقرب إلى الله تعالى بحفظها وتعلم معانيها، وهي مدونة في أسفار السُّنة وكتب الحديث.

من هنا نرى فساد رأي منكريها، بحجة أنها أشاعت فقهاً تواكلياً، أو تحت أي ذريعة أخرى، وبوجيز العبارة نقول: ننكر الفهم التواكلي، ولا ننكر النصوص الثابتة.

3- نبذ كل حديث ضعيف أو موضوع أو قصص مخترعة تتعلق بمسألة الفتن، وأحداث آخر الزمان، ذلك لأنها من أمر الغيب الذي لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، وقد انقطع الوحي بانتقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين إلى الرفيق الأعلى.

4- يجب عدم التسرع في إسقاط هذه الأحاديث على وقائع وأشخاص، لما لهذا الاستعجال من آثار سيئة، ونواتج غير مرضية، وينبغي التحري في هذه المسألة بشكل دقيق، ذلك أن هذه الوقائع والبشارات والعلامات لما تقع ستكون ظاهرة جلية، لا يبطلها جور جائر، ولا يلغيها كيد كائد، ولا يوجدها متحمس لها، ومندفع في توليدها، وطالما نعلم يقيناً أنها من أمر الله تعالى فلم العجلة؟ ولم توليداتنا المندفعة، وغير المنضبطة؟! وفي المثل اليمني السائر: «كما ولد سميناه».

5- في السياسة الشرعية علينا أن نواجه كل حدث بما يستحقه في عالم المواجهة والإصلاح، ضمن ترتيب أولويات ورسم خطط، ووضع برامج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهنا يكون الفارق الواضح بين التوكل والتواكل، والله تعالى تعبدنا بالأخذ بالأسباب، من خلال كفاح لا يعرف الهدوء، وحركية تقاوم الفتور، ووعي يصنع الحبور، ونضال يطاول الجوزاء في قدرته وتفاعله.

 

هناك بشائر كثيرة تبرق في سماء حياتنا، ودلائل صريحة تؤكد أن المستقبل لهذه الأمة، وأن الأحداث تتسارع، مؤشرة على ميلاد جيل واسع، يُصنع على عين الله تعالى، مقدمته المثابرة، وديمومة العمل، مع تضحية وبذل لم يُعهد منذ عقود من الزمن.

نقول هذا، رغم الأحداث الخطرة التي تواجه الأمة، في أتون معركة تأكل الأخضر واليابس، وتعمل على سحق كل جميل عندنا، وتسعى لحرق الأبيض والأسود والأصفر، وتحاول التهام كل مظهر من مظاهر الخيرية في هذه الأمة، من هنا فإننا نقول، وهذا بات من بدهيات الوعي المعاصر: إن الأمة تتعرض لحرب استئصال، ولمعركة اجتثاث، ولسجال مصيري، ولمسح من خريطة الحياة، من خلال معارك طاحنة، ونزالات خطرة، وسنن تدافُع تبرُز لها صور مختلفة، وأشكال متنوعة، واعتداءات متعددة، مع تحالفات مقلقة، وتجليات مزعجة، وصور لعرض قادم، تجعل أبناء الأمة أمام محك دقيق، واختبار وثيق، وتضعهم أمام ابتلاءات، لا بد من مواجهتها بالجهد البشري، مستعينين بالتأييد الإلهي، فربنا بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

ولو استعرضنا بنظرة سريعة ما يحدث من تقسيمات هذا المشهد وإيقاعاته، ومراحل تساوقه وخطواته، لوجدنا العجب العجاب، انطلاقاً من مصر، وما يراد لهذا البلد الميمون، وما يُكاد له، مروراً بالقضية الفلسطينية، وما يحاك لها من مكائد، ووقوفاً على الذي يجري في ميانمار وأفريقيا الوسطى وبنجلاديش، وما في تلك البلاد من كوارث وطامات، وما يحدث في العراق، مع مصاب أليم من عام 2003م إلى يومنا هذا، استنزاف مالي وبشري، وتغيير ديمجرافي، وصور لا تنتهي من مشاهد المأساة في العراق، وفي العراق جوع، وهو بلد النفط والرافدين وملايين أشجار النخيل! حتى نركز كثيراً على سورية بلاد الشام، وما حل بها، وما يجري فيها، لنجد ملايين المشردين والنازحين والمهاجرين، وخسر الشعب السوري مئات الآلاف ممن نحسبهم شهداء، وهذا يترتب عليه عدد كبير من الأيتام والأرامل، أما الهدم والتخريب فحدّث ولا حرج، مع تغيير ديموجرافي، ومكائد سياسية خطرة، واستنزاف للمال والدم، والمشهد السوري بجملته، يحكي قصة كارثة، قل نظيرها، وندر شبيهها.

أنواع الجهاد

وهذا الواقع يستلزم حالة نهوض ونفرة في سبيل الله تعالى، حيث إني لم أرَ تجلياً لمفهوم شمول الجهاد، يظهر كما في أيامنا هذه، وتتجلى قيمه كما في واقعنا المعاصر اليوم، وهذا التنوع لمفهوم الجهاد، ضرورة شرعية، وحاجة واقعية، وهو تعبير أصيل يعبر عن ثقافتنا الإسلامية الرائدة، فالكلمة جهاد ولا ننسى جهاد القلم، وجهاد اللسان، وجهاد العلم والدعوة، والنشاط في العمل الإسلامي، في كل جوانب الحياة، فالإسلام نظام شامل ينتظم شؤون الحياة جميعاً، والسيف جهاد، والإعلام جهاد، وبالمال يكون الجهاد، والعمل السياسي جهاد، والتحرك الدبلوماسي الصادق جهاد، وبالوقفة يكون الجهاد وكذا بالموقف، وما أكثر مساحات الجهاد، ولكن أين العاملون؟

قال الله سبحانه وتعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) (النساء:95).

وفي الحديث الصحيح: وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم).

يقول ابن القيم رحمه الله: «وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَإِمَّا بِالْيَدِ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ».

حصر الجهاد بنوع من أنواعه:

فقصر الجهاد على الرصاصة والسيف هو لغة أهل الغلو، وجماعات الاستعجال غير المنضبط، وهذا الصنف يحاول تعطيل كل أنواع الجهاد، ويحقر من شأنها ويسخر من القائلين بها، ويتهمهم بالانبطاح، والانهزام والانكسار، وربما وصفهم بالجبناء والمتخاذلين، ويقول قائلهم: «لا جهاد إلا حيث ينطق الرصاص».

وجهاد السيف - على أهميته - له فقهه الدقيق، وأحكامه الوازنة، وتقديره الزماني والمكاني، وهذا يحتاج إلى فتوى أهل العلم من المحققين، وتقدير موقف من أصحاب الخبرة والرأي، وقادة العمل الميداني، فما يصلح في مكان ليس بالضرورة أن يكون صالحاً لكل مكان، فالأمر دقيق ويحتاج إلى نظر سديد، مع الإعداد له بكل لوازم المواجهة، وليس عملية طائشة تتحكم بها العواطف، وتقودها حالات الانفعال الارتجالي.

الجهاد في عصر العولمة:

ونحن اليوم في عصر العولمة، الزمن الذي صار فيه العالم كأنه قرية صغيرة، بفعل هذا الانفجار المعرفي، من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، وتكاثر أدوات التصنيع الإلكتروني والكهربائي، التي جاءت بكل مدهش، وأبهرت الناس بغرائب تصنيعها، وهذا كله جعلنا أمام مساحات عمل لم تكن متوافرة في زمن مضى، وهذا من ثم يرتب علينا أحكاماً جديدة، في مسائل التعامل مع قضايانا ومسائلنا الدعوية والسياسية، ويجعل الأمة أمام تحدّ جديد في الإفادة من هذه المساحات المهمة، التي من خلالها نحقق المراد الذي ربما يختصر علينا كثيراً من الأوقات، ويوفر لنا جملة لا يستهان بها من الأموال.

وأمام هذه الحقيقة العامة، فإنه يجب على كل مسلم أن يقوم بواجب الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا يجوز القعود عن ذلك، ومن قصر في هذا يكون آثماً، من هنا لزم على القادر في مجال الإعلام أن يقوم بهذا من خلال خطة تعمل على إسناد قضايا الأمة وتناصرها، ورب تغطية إعلامية تفعل ما يعجز عنه صاروخ، والإعلام جيش جرار له أكبر الأثر في صناعة الأحداث والتأثير فيها.

كما أن الدأب الصحيح في مربعات العمل السياسي، والحراك السلمي، يكون جهاداً له أثره الكبير، في إحداث نواتج الخير التي هي ثمرة الجهاد.

والعمل الدعوي صارت مساحاته متنوعة، وأدوات عمله للوصول إلى الناس متوافرة ظاهرة، كما أن فيها جوانب التشويق، ومعالم الجذب، وعناصر التحبيب، ولكن نحتاج إلى من يتقن التعامل مع هذه الأدوات، بصورة صحيحة وعمل تخصصي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما جهاد المال، الذي هو عصب الحياة، فإنه يحتاج منا إلى مجاهدة النفس حتى تتحرر من الشح، وتُزكى من البخل، من أجل استخدام المال في جوانب الخير، وما شرعت الزكاة إلا لسد حاجة الفقير والمسكين وابن السبيل وفي سبيل الله، وسد حاجات المحتاجين، والإنفاق في وجوه الخير من مشاريع الفضيلة من خلال فتوى محققة، ونظر شرعي، ولا يفوتنا أن في المال حقاً سوى الزكاة.

وهكذا في كل أنواع الجهاد يجب أن تكون نفس النظرة، وذات الفقه، وعين الفكر، حتى ينتظم الحياة جميعاً.

ملاحظات وتنبيهات:

1- لا يطلق وصف «مجاهد» إلا على من استحقه، ومن خصائص هذا الوصف أن يكون صاحبه مضحياً، ولما في قدرته باذلاً، فيجاهد بماله، ويجاهد بحركته، ويجاهد بدأبه وسهره، ومواصلته للعمل، ويجاهد بوقته، ويجاهد بمواهبه التي حباه الله بها.. أما الكسالى والنُوَّم، والمتقاعسون القاعدون، فلا يجوز منحهم هذا الوسام العظيم، من هنا استحق كبار الدعاة والعلماء مثل هذا الوصف، كقولنا عن الشيخ الندوي العلامة المجاهد، والعلامة المجاهد محمد الحامد، والإمام المجاهد حسن البنا، والمجاهد بديع الزمان سعيد النورسي، وربما بعض من يوصف بهذا حصل عليه، بسبب جهاده الدعوي، أو جهاده في قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2- يجب التحذير من فقه أهل الغلو (التطرف) وفكرهم، فقد أربكوا الساحة، وخلطوا الأوراق، وحرفوا العربة عن طريقها الصحيح.

3- في خضم هذا العمل نحتاج إلى تحديد المسار، بشكل منضبط، حتى لا نقع في مربعات الخطأ، ومن أمثلة ذلك، الدخول في معارك جانبية، تؤدي إلى تشتيت الجهد، وتفريق الصف، وضياع البوصلة.

4- ألاحظ أن نوعاً من الثارات القديمة، أصبحت تطل بقرنها هنا وهناك، وهذا أمر لا نجني منه سوى العلقم، فالحذر الحذر.

5- من هنا، يكون جواب من يسأل: كيف أخدم إخواني المنكوبين في كل مكان، ومنها سورية عامة، وأهل حلب خاصة؟ نقول لهم: إسناد هؤلاء في محنتهم يمكن أن يكون: بالدعاء لهم، وبنشر قضيتهم على وسائل الإعلام المتاحة بين يديك، اكتب خاطرة، دوّن تغريدة، سطّر مقالة، تعاون بالمال فما أكثر المؤسسات العاملة، انصروا إخوانكم بالوقفات والمظاهرات في الأماكن التي تسمح بذلك، مارسوا الضغط السياسي بكل الطرق المشروعة، والوسائل السلمية، عيشوا قضيتهم في برامج عملكم واجعلوا ذلك جزءاً من جدول الحراك اليومي.

الإثنين, 19 سبتمبر 2016 14:41

سامحينا يا أختاه

في هذه الأيام العصيبات، والحوادث الخطرات، والوقائع الفاصلات، وما فيها من مفارقات، وما يكتنفها من تفصيلات، وما يحاصرها من ملمات، وما يحيط بها من تعقيدات، تبرز قضية الأخوات الأسيرات، في سجون الطغاة، من الأمور البارزات، والقضايا المحزنات، والمسائل المؤلمات، وأعتبرها من أكبر الملمات، وأكثر المزعجات، وأفظع الكارثات، وتصيبنا نتيجة هذا أبشع الحسرات، كيف لا وهن في قبضة من لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، في أقبية معتقلات، لو لم يكن فيها من ألم إلاً هذه الأقبية لكفى ألماً! كيف وهن يعذبن ليل نهار، بكل أنواع الأذى، وصنوف التنكيل، المادية والمعنوية، بيد من يحسبون على الأمة، وعلى الوطن والوطنية؟!

وفي ذكرى ذكراهن، أرسل هذه الرسالة، لعلها تؤدي بعض ما ينبغي أن يقام به، وهو أقل الواجب، فأقول لهن:

أنتن رمز الصمود، وعنوان التحدي، وبارقة الأمل، وبقعة الضوء العالية، يا حرائر الخير، ويا صانعات المجد، صبركن علامة فارقة في عالم الجهاد، واحتسابكن هذا الذي يقع عليكن في سبيل الله، من أجل إقرار قيم الحق والعدل والكرامة والحرية، والدفاع عن حقوق الإنسان، على منهج الإسلام.

جهادكن هذا صفحة من نور، في سجلات الفضيلة، وتراجم الشرف، ودواوين العفاف، وأسفار الخلود، نعم أعلم أنهم شتموك بأقذع الألفاظ، وأسوأ الكلمات، ونالوا من لحمك وعظمك، بسياطهم العمياء المجرمة، وعصيهم الخشنة، وأدواتهم الشيطانية، وأدري أن سياط ألسنتهم الحداد، التي قد سلقوك بها، أشد عليك من سياط الضلال، التي أكلت من لحمك ودمك، لأنها تأكل من أعصابك ونفسيتك، لكنك أنت تبقين الأرقى والأكرم، يا رمز الطهر، ومادة العفاف، وقمة الفضيلة، وأنا متأكد أنه لم ينالوا من إرادتك، ولم يفتُّوا عزمك المتين.

شامخة بقوتك

يا أخواتي، أنتن ذكرى السيدات سمية وعائشة ونسيبة والخنساء وغيرهن – رضي الله عنهن - ذكرى سلف هذه الأمة من الصديقات والصالحات، وكيف أنكن امتداد لذلك الجيل، وتلك المرحلة المباركة، فالطريق هو نفس ذلك الطريق، والمنهج ذات المنهج، والفارق الوسائل والأدوات، وبنفس الوقت فإن الظلم الواقع عليكن لعنة على السجان، وسبة على الطاغية، وفضيحة للعالم الذي يزعم التحضر، وكشف لزيف مدعي حقوق الإنسان، هؤلاء الذين صمتوا على ما يجري، وخرسوا أمام ما يحدث، وجعلوا في أذن عجينة الكيل بعدة مكاييل، وفي الأذن الثانية طينة سدوا بها منافذ الولوج إلى قيم الإنسانية، ومعاني الرحمة.

يا أختاه أنت شامخة بقوتك التي تناطح الجوزاء، وأنت تواجهين القهر، وتتحدين الجبروت، وتبصقين في وجه صناع الجريمة، وتركلين بقدم الثبات زارعي الرعب، وناشري الخوف، ومثيري الفزع في النفوس.

تحية لك، وأنت تعانين، إذ لم يرحموا أنوثتك، ولم يقدروا أنك مربية الأجيال، وواحدة من بناة الحياة، على قوانين الرشد، وقواعد ديمومة الدنيا، بأشعة العطاء والبذل، حيث لا يوجد في الفانية نظير لك في هذا.

لم نقم بالواجب علينا فعذراً، نقول هذا والألم يعصر قلوبنا، ويفطر أكبادنا، أيتها الأخت الحانية، والأم الرؤوم، والبنت الحبيبة، والزوجة الصالحة، والخالة الحنون، والعمة الفاضلة، والكنة المباركة، والجارة العفيفة، والمدرسة التي يفوح عطر خيرها في كل بيت وصل فيض علمها فيه، والطبيبة التي كانت مضرب المثل بأمانتها وخدمتها، وسهرها على راحة الآخرين.

حتى قال عنك من قال: إنك شمعة تحترق من أجل أن تضيء للآخرين، دروب الرجاء، بل أقول لك: أنت أكبر من هذا الوصف، لأنك لا تحترقين، بل أنت الشمعة التي تشع على من حولها دون أن يؤكل منها شيء، أما لو سئلت كيف هذا؟ أقول: هو حكمة ربانية، صنعت منك هذه الثنائية، وأنت تحت أقدامك الجنة.

سامحينا، وأنت في محبسك، بين يدي جلاد، لا أستطيع أن أصف وحشيته، وعاجز عن تحليل نمط شخصيته، وغير قادر على الشرح الذي يفسر حقيقة إجرامه، وفظاعة ساديته، فلا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يعرف لأهل الشرف مكانتهم، ولا لذوي المنزلة منزلتهم، بل هو عين الخسة، وعنوان السفه.

سامحينا وأنت تتنفسين رائحة الدم، وتستنشقين هواء الضيم، وتتزينين بعطر المحنة، وترتشفين عناء الليل والنهار، وتتدثرين بغطاء البلاء، وتعانين من حرقة الفراق، والحنين إلى الأبناء، ولا تعلمين بأن كثيراً منهم صار تحت التراب، وقضى تحت أنقاض البراميل العمياء، ولكن بنفس الوقت أبشرك، بأن من بقي من أبنائك الأخيار، على العهد، كما تتمنين، لم يقيلوا ولم يستقيلوا، وهم في ميادين الكفاح، كبار، رغم حداثة أسنانهم، بهم نباهي، وعليهم – بعون الله – نراهن، هم الجيل الذي يصنع على عين الله، وسيملأ الدنيا نوراً وبركة وحضارة وعلماً.

قامة رفيعة وسط الأقزام

سامحينا، أيتها الكبيرة، التي اعتادت ألا تأكل حتى يأكل كل من حولها، ولا تشبع حتى تطمأن أن كل من يحيط بها قد شبع، سامحينا يا من لا تنام إلا عندما ينام الصغير والكبير، وها أنت كسرة الخبز النظيفة، صارت حسرة عليك، وأصبحت كأس الشاي أمنية أن تصل إليك.

نعم فقدنا صوتك الرخيم، وشدوك الذي ينام الأطفال على أنغامه، ويستمتع به من يسمعون، وربما وصل هذا إلى بيوت الجيران، في حاراتنا الضيقة.. حقك علينا كبير، وواجبك عظيم.. سامحينا إن خذلناك، فلم ننصرك بما نستطيع.

سامحينا إذ كدنا ننساك، وأنت بين يدي وحوش البشر.. أستغفر الله! لقد أسأت للوحوش، سامحينا أيتها القامة الرفيعة، في زمن الأقزام، وفي وقت الرويبضة، وفي عالم التراجع، وأيام الانكسار.

سامحينا إن شغلتنا أموالنا ونساؤنا وأولادنا عنك؛ فأنت الماعون الواسع الذي يستوعبنا جميعاً، سامحينا، إن لم نعش مشاعرك، ونتلمس همك، وفاتَنا "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى".

الأيام دول

سامحينا، فقد انتفش الباطل وعربد، وأزبد وأرغد، ربما لأنه لم يجد من يقلم أظفاره، ويقص أجنحته الصناعية، لأننا في أيام الصمت المطبق، والخذلان المريع.

سامحينا أيتها الأمل الباسم، الذي ينادي على جبال المجد، بأن المستقبل لأبنائك البررة، وأحفادك الأخيار، وتلامذتك النجباء، وذراريك الفضلاء، وأرى بسمتك - رغم شحوب الوجه، وقلة البريق، ومظاهر الإعياء - إشعاعاً يبشر بغد باسم، وحرية بيضاء، ويوم بلا سجون أحرار، ونهار بلا طغاة، وليل بلا جلاد، وفجر بلا نكد زواره، من مثيري الشغب، وناشري الفزع؛ (وبشر الصابرين).

أما سجانوك، وجلادوك، ومعذبوك، فإلى قمامة الإجرام، في مزابل العفن، وسباطة النتن، حيث لا يوجد لهم مكان إلا هناك، تلعنهم الأجيال، وهم سبة الزمن (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

أيتها الحرة في محبسك، لا تحزني، وكفكفي دمعتك، ولا تندبي حظك، أقول هذا، وأنا أدري أنك أكبر من ذلك، ولكنها الذكرى، فأنت رفيعة القدر، عالية الهمة، واسعة الصبر، كثيرة الفضل.

يا أختاه، الأيام دول، والأحداث قلب، وبقاء الحال من المحال، سنراك قريباً، حيث المكان الذي يليق بكرامتك، ورفعة شأنك، وسمو منزلتك، وعلو مقامك (فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

ورغم هذا نُصرُّ على أن تسامحينا؛ لأن قلبك لا يسمح إلا بهذا.. فسامحينا.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top