د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 19 سبتمبر 2016 14:41

سامحينا يا أختاه

في هذه الأيام العصيبات، والحوادث الخطرات، والوقائع الفاصلات، وما فيها من مفارقات، وما يكتنفها من تفصيلات، وما يحاصرها من ملمات، وما يحيط بها من تعقيدات، تبرز قضية الأخوات الأسيرات، في سجون الطغاة، من الأمور البارزات، والقضايا المحزنات، والمسائل المؤلمات، وأعتبرها من أكبر الملمات، وأكثر المزعجات، وأفظع الكارثات، وتصيبنا نتيجة هذا أبشع الحسرات، كيف لا وهن في قبضة من لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، في أقبية معتقلات، لو لم يكن فيها من ألم إلاً هذه الأقبية لكفى ألماً! كيف وهن يعذبن ليل نهار، بكل أنواع الأذى، وصنوف التنكيل، المادية والمعنوية، بيد من يحسبون على الأمة، وعلى الوطن والوطنية؟!

وفي ذكرى ذكراهن، أرسل هذه الرسالة، لعلها تؤدي بعض ما ينبغي أن يقام به، وهو أقل الواجب، فأقول لهن:

أنتن رمز الصمود، وعنوان التحدي، وبارقة الأمل، وبقعة الضوء العالية، يا حرائر الخير، ويا صانعات المجد، صبركن علامة فارقة في عالم الجهاد، واحتسابكن هذا الذي يقع عليكن في سبيل الله، من أجل إقرار قيم الحق والعدل والكرامة والحرية، والدفاع عن حقوق الإنسان، على منهج الإسلام.

جهادكن هذا صفحة من نور، في سجلات الفضيلة، وتراجم الشرف، ودواوين العفاف، وأسفار الخلود، نعم أعلم أنهم شتموك بأقذع الألفاظ، وأسوأ الكلمات، ونالوا من لحمك وعظمك، بسياطهم العمياء المجرمة، وعصيهم الخشنة، وأدواتهم الشيطانية، وأدري أن سياط ألسنتهم الحداد، التي قد سلقوك بها، أشد عليك من سياط الضلال، التي أكلت من لحمك ودمك، لأنها تأكل من أعصابك ونفسيتك، لكنك أنت تبقين الأرقى والأكرم، يا رمز الطهر، ومادة العفاف، وقمة الفضيلة، وأنا متأكد أنه لم ينالوا من إرادتك، ولم يفتُّوا عزمك المتين.

شامخة بقوتك

يا أخواتي، أنتن ذكرى السيدات سمية وعائشة ونسيبة والخنساء وغيرهن – رضي الله عنهن - ذكرى سلف هذه الأمة من الصديقات والصالحات، وكيف أنكن امتداد لذلك الجيل، وتلك المرحلة المباركة، فالطريق هو نفس ذلك الطريق، والمنهج ذات المنهج، والفارق الوسائل والأدوات، وبنفس الوقت فإن الظلم الواقع عليكن لعنة على السجان، وسبة على الطاغية، وفضيحة للعالم الذي يزعم التحضر، وكشف لزيف مدعي حقوق الإنسان، هؤلاء الذين صمتوا على ما يجري، وخرسوا أمام ما يحدث، وجعلوا في أذن عجينة الكيل بعدة مكاييل، وفي الأذن الثانية طينة سدوا بها منافذ الولوج إلى قيم الإنسانية، ومعاني الرحمة.

يا أختاه أنت شامخة بقوتك التي تناطح الجوزاء، وأنت تواجهين القهر، وتتحدين الجبروت، وتبصقين في وجه صناع الجريمة، وتركلين بقدم الثبات زارعي الرعب، وناشري الخوف، ومثيري الفزع في النفوس.

تحية لك، وأنت تعانين، إذ لم يرحموا أنوثتك، ولم يقدروا أنك مربية الأجيال، وواحدة من بناة الحياة، على قوانين الرشد، وقواعد ديمومة الدنيا، بأشعة العطاء والبذل، حيث لا يوجد في الفانية نظير لك في هذا.

لم نقم بالواجب علينا فعذراً، نقول هذا والألم يعصر قلوبنا، ويفطر أكبادنا، أيتها الأخت الحانية، والأم الرؤوم، والبنت الحبيبة، والزوجة الصالحة، والخالة الحنون، والعمة الفاضلة، والكنة المباركة، والجارة العفيفة، والمدرسة التي يفوح عطر خيرها في كل بيت وصل فيض علمها فيه، والطبيبة التي كانت مضرب المثل بأمانتها وخدمتها، وسهرها على راحة الآخرين.

حتى قال عنك من قال: إنك شمعة تحترق من أجل أن تضيء للآخرين، دروب الرجاء، بل أقول لك: أنت أكبر من هذا الوصف، لأنك لا تحترقين، بل أنت الشمعة التي تشع على من حولها دون أن يؤكل منها شيء، أما لو سئلت كيف هذا؟ أقول: هو حكمة ربانية، صنعت منك هذه الثنائية، وأنت تحت أقدامك الجنة.

سامحينا، وأنت في محبسك، بين يدي جلاد، لا أستطيع أن أصف وحشيته، وعاجز عن تحليل نمط شخصيته، وغير قادر على الشرح الذي يفسر حقيقة إجرامه، وفظاعة ساديته، فلا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يعرف لأهل الشرف مكانتهم، ولا لذوي المنزلة منزلتهم، بل هو عين الخسة، وعنوان السفه.

سامحينا وأنت تتنفسين رائحة الدم، وتستنشقين هواء الضيم، وتتزينين بعطر المحنة، وترتشفين عناء الليل والنهار، وتتدثرين بغطاء البلاء، وتعانين من حرقة الفراق، والحنين إلى الأبناء، ولا تعلمين بأن كثيراً منهم صار تحت التراب، وقضى تحت أنقاض البراميل العمياء، ولكن بنفس الوقت أبشرك، بأن من بقي من أبنائك الأخيار، على العهد، كما تتمنين، لم يقيلوا ولم يستقيلوا، وهم في ميادين الكفاح، كبار، رغم حداثة أسنانهم، بهم نباهي، وعليهم – بعون الله – نراهن، هم الجيل الذي يصنع على عين الله، وسيملأ الدنيا نوراً وبركة وحضارة وعلماً.

قامة رفيعة وسط الأقزام

سامحينا، أيتها الكبيرة، التي اعتادت ألا تأكل حتى يأكل كل من حولها، ولا تشبع حتى تطمأن أن كل من يحيط بها قد شبع، سامحينا يا من لا تنام إلا عندما ينام الصغير والكبير، وها أنت كسرة الخبز النظيفة، صارت حسرة عليك، وأصبحت كأس الشاي أمنية أن تصل إليك.

نعم فقدنا صوتك الرخيم، وشدوك الذي ينام الأطفال على أنغامه، ويستمتع به من يسمعون، وربما وصل هذا إلى بيوت الجيران، في حاراتنا الضيقة.. حقك علينا كبير، وواجبك عظيم.. سامحينا إن خذلناك، فلم ننصرك بما نستطيع.

سامحينا إذ كدنا ننساك، وأنت بين يدي وحوش البشر.. أستغفر الله! لقد أسأت للوحوش، سامحينا أيتها القامة الرفيعة، في زمن الأقزام، وفي وقت الرويبضة، وفي عالم التراجع، وأيام الانكسار.

سامحينا إن شغلتنا أموالنا ونساؤنا وأولادنا عنك؛ فأنت الماعون الواسع الذي يستوعبنا جميعاً، سامحينا، إن لم نعش مشاعرك، ونتلمس همك، وفاتَنا "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى".

الأيام دول

سامحينا، فقد انتفش الباطل وعربد، وأزبد وأرغد، ربما لأنه لم يجد من يقلم أظفاره، ويقص أجنحته الصناعية، لأننا في أيام الصمت المطبق، والخذلان المريع.

سامحينا أيتها الأمل الباسم، الذي ينادي على جبال المجد، بأن المستقبل لأبنائك البررة، وأحفادك الأخيار، وتلامذتك النجباء، وذراريك الفضلاء، وأرى بسمتك - رغم شحوب الوجه، وقلة البريق، ومظاهر الإعياء - إشعاعاً يبشر بغد باسم، وحرية بيضاء، ويوم بلا سجون أحرار، ونهار بلا طغاة، وليل بلا جلاد، وفجر بلا نكد زواره، من مثيري الشغب، وناشري الفزع؛ (وبشر الصابرين).

أما سجانوك، وجلادوك، ومعذبوك، فإلى قمامة الإجرام، في مزابل العفن، وسباطة النتن، حيث لا يوجد لهم مكان إلا هناك، تلعنهم الأجيال، وهم سبة الزمن (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

أيتها الحرة في محبسك، لا تحزني، وكفكفي دمعتك، ولا تندبي حظك، أقول هذا، وأنا أدري أنك أكبر من ذلك، ولكنها الذكرى، فأنت رفيعة القدر، عالية الهمة، واسعة الصبر، كثيرة الفضل.

يا أختاه، الأيام دول، والأحداث قلب، وبقاء الحال من المحال، سنراك قريباً، حيث المكان الذي يليق بكرامتك، ورفعة شأنك، وسمو منزلتك، وعلو مقامك (فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

ورغم هذا نُصرُّ على أن تسامحينا؛ لأن قلبك لا يسمح إلا بهذا.. فسامحينا.

في كثير من الأحيان يحدث خلط كبير، بين مفهومي المداراة والمداهنة، فلا يميز بعض الناس بينهما، ولا يقبلون إثبات أي فروق بينهما، فالمداراة هي المداهنة، والمداهنة هي المداراة، فهما وجهان لعملة واحدة، وكلاهما – برأي هؤلاء – مصيبة على دين المرء، وسبب من أسباب تأخر العمل الإسلامي، في بعض البلدان؛ لأن بعض الدعاة، وقادة العمل الإسلامي، في ذلك البلد يمارسون التفريق بين المصطلحين، من خلال تصرفاتهم وأعمالهم، وكتاباتهم وأقوالهم، وهذا خطر، ونجني نتيجة ذلك، ما نجني من مصائب وويلات وكوارث.. هذا طبعاً رأي هذا الفريق من الناس.

ويريد هذا الفريق الذي يرى أن اللفظين مترادفان، وكل لفظ أخبث من الآخر، مبررين ذلك بضرورة صراحة المؤمن، وهذا أمر واجب، وبعدم تلونه، وهذا من لازمات صدق المسلم، وأن يكون ظاهره كباطنه، وهذا حق لا مرية فيه، ولا نقاش حول أصل فكرته، ويصل الأمر ببعضهم أن يتبنى قاعدة أن يقال للأعور: «أنت أعور» في عينه، كما يقول العامة من الناس.

كما أن المؤمن شجاع، لا يخشى في الله لومة لائم، فلِمَ المداراة؟ ولم نفلسف الأمور فلسفة غير صحيحة، تبريراً لعجزنا، والتماساً لضعفنا وخورنا وجبننا؟ هكذا يرى هذا الفريق من الناس.

فهل هذا الموقف صحيح؟ وهل تؤيده الأدلة الشرعية، والاستشهادات النقلية؟ وكيف تنظر البراهين العقلية، والحجاج المنطقية، لهذه المسألة؟ كيف كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في هذه المسألة؟ وبماذا أرشدنا؟ وعلى أي شيء دلنا؟

وقبل البدء في مناقشة القضية، لا بد من إثبات حقيقة، لا يجوز التهاون فيها، ولا التعاطي معها بسلبية، وهي أن الفقه الصحيح ليس من مصادره الحماسة المجردة، ولا من أصوله الأخذ بالعواطف الجياشة، ونزوات «الفتوة» و «الزكرتية»، والانفعالات النفسية العابرة، لا يجوز أن تكون معياراً توزن به الأشياء. بل لا بد من نظر شرعي دقيق بعيداً عن كل ما ذكرنا، سواء وافق ما أراه أو خالفه، وفي الحديث الصحيح: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

بل أعتبر أن من مصائبنا، في بعض شعب العمل الإسلامي، لدى شريحة قليلة من الإخوة، تحكيم العواطف على حساب الفقه الصحيح، وجعل العاطفة ميزاناً توزن به الأمور والمسائل، وهذا كلف الحركة الإسلامية كثيراً من التبعات، التي لا تريدها ولم تخطط لها، وحملها نصيباً لا يستهان به من المصائب، وأنزل بها بعض الكوارث.

نحترم شجاعة الشجعان، ونقدر لذوي الحماسة حماستهم، ونتفهم غيرة هذا الأخ أو ذاك، ولكن لا يجوز أن نجاريه فيما يريد، ولا نحابيه بسبب ما ذكرنا.

وكثيراً ما يحسم الأمر لدى هذا الصنف من الإخوة، بقانون صارم «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، في حين أن هذه المسألة تحكمها فهوم كثيرة، وفقه واسع، يلخصه الفقهاء بقولهم - في أحكام السكوت - أنه تجري عليه الأحكام الخمسة، فيكون السكوت في بعض الحالات حراماً، وفي بعضها واجباً، وفي قسم منها مكروهاً، وفي بعض صوره مستحباً، وفي حالات يكون مباحاً، وهكذا.. والأمر الواسع لا بد فيه من النظر من كل زواياه، وسائر صوره، وشموله للحدث كافة، مع قاعدة العمل بفقه النواتج والمآلات، لأنها تعمل على وضع مؤشر للنجاح من عدمه، كما لا يجوز حصر المسألة في وجه من وجوهها المعتبرة.

الفرق بين المداراة والمداهنة

ويمكن أن نحدد الموضوع من خلال المفردات التالية:

1- المداهنة: هي الرضا بالباطل، وتملق أهله، والثناء على أصحابه، أو تحسين فسادهم وضلالهم وتزيينه للناس، أو السكوت عن مواجهة الجريمة، بكل أنواعها، وسائر تفاصيلها، ومنها الجريمة السياسية، أو ما يتعلق بحقوق الناس، لدنيا يصيبها الإنسان، أو كسب دنيوي، يبحث عنه، فتكون علاقة على حساب القيم، وكسباً مادياً ولو أدى هذا إلى الاعتراف بالباطل، ومصانعة للجريمة، وهذا لا يجوز قطعاً من الناحية الشرعية، وهنا يجب على المرء المسلم أن يكون قوالاً للحق، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ولو كلفه ذلك أن ينفصل رأسه عن جسده، وهذا لا يتنافى مع الحكمة ولين القول؛ لأن هذا الأمر تحكمه قاعدة: «أن تعبر عن تمام المعنى، مع كمال الأدب وفقهه في هذه الساعة، من ساعات العبادة لله تعالى».

2- المداراة: قال العلماء: هي ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين، في أي جهة من الجهات، والإغضاء عن مخالفاتهم في بعض الأحيان، والمداراة هي درء الشر المُفسد بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه أو مقدار ما يساويه، ولكن ليُعلم أن المداراة وردت في الإقبال وفي الكشر والتبسم، فأما الثناء - أي على الفاسق - بما ليس فيه فهو كذب صراح، ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يُباح الكذب بمثله، بل لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير، على كل كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو مُداهن، بل ينبغي أن يُنكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه، وقد أنشأ البخاري رحمه الله في صحيحه باباً بعنوان «باب المداراة مع الناس»، وجاء عن حميد بن هلال قال: أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم.

وعن الحسن قال: التودد إلى الناس نصف العقل.

وقال حنبل: إنه سمع أبا عبدالله – أي: أحمد بن حنبل - يقول: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، وأمر بمعروف بلا غلظة.. فالصبر على خشن ما بدر من الناس مداراة، وتحمل ما يكون منهم من سوء الفعال مداراة، والتجاوز عن بعض هفواتهم مداراة، والداعية إلى الله تعالى، وهو يعافس الحياة، ويخالط أصناف الناس، والناس أجناس، وفي وعاء نفوسهم، وفي خلايا سلوكياتهم، ما يدهش الألباب، ويحير العقول، ومنهم الأقرباء، والجيران، وزملاء العمل، يحتاجون إلى خلق المداراة، وهنا يكون الفيصل في هذا الشأن الدقيق والمهم والحساس، وهذا لا يجيده إلا من منحه الله أخلاق الربانيين؛ «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، نريد المسلم الذي يعيش في كنف الحياة، ويخالط المجتمع بما فيه، ويجتهد في بذل الوسع للوصول إلى الناس بأخلاقه ونصحه وربانيته وقدوته، لا الذي ينكفئ وينزوي، ويعيش على هامش الحياة، وهذا ما يريده أعداء الله من شياطين الإنس والجن.

سهل على المرء أن تفلت أعصابه، وأن يخرج عن طوره، فيشرق ويغرب، ويلعن المجتمع، ويسب العصاة، ويقوم ولا يقعد، ويتحرك ولا يسكن، ورب حالة غضب، وخروج عن مألوف السلوك الحسن، تعمل عملها السيئ في جسم الحياة، وتكون لها آثارها السلبية على مدى لا يستهان به.

ولكن الذي يضبط أعصابه، ويعض على جرحه، ولا يستسلم لعواطفه المجردة، هو المكيث الذي يرجى خيره، وهو الذي يكون شوكة في حلق أعداء هذه الدعوة؛ «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، نحن بحاجة إلى هذا الصنف الرائد القائد، اليقظ الفطن، صاحب الغيرة الإيمانية، والأعصاب الحديدية، فبمثل هؤلاء تثمر الدعوة، وتؤتي ثمارها، وعلى الداعية أن يتعامل مع الآخرين بلغة الشفقة عليهم، والرحمة بهم، وحب مساعدتهم في أن يخرجوا عن إطار ما هم فيه من بلاء، إلى فسحة طاعة الله، ودخول النعمة التي لو عرفها الملوك لجالدوا عليها أصحابها بالسيوف، فكن منقذاً، ولا تكن محبطاً، وكن مبشراً، ولا تكن منفراً.

3- الفرق بين المداراة والمداهنة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. (فتح الباري، 10/ 528).

هذا الخلط بين المداراة والمداهنة، وجعلهما في رتبة واحدة، أوقعنا في كثير من المشكلات، وفوت علينا جملة من القضايا النافعات، وسلط علينا مجموعة من المفردات المهلكات.

وبصراحة شاعت في أوساطنا لغة المدح والثناء، لمن كان جافاً غليظاً حتى مع إخوانه، فضلاً عن الناس، وأبناء المجتمع، على أنه شجاع، وصريح، وقوال للحق، والذي في قلبه على لسانه.. إلخ، أما الأخ الذي يداري إخوانه وأبناء مجتمعه، على ضوء فقه ما ذكرنا، فهذا «مطبطب»، لا يواجه، سلبي.. إلخ، وهذا والله خطأ كبير؛ «وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، والحكم الفصل هو منهج التفرقة بين المداراة والمداهنة، وهو الفقه الصحيح.

- وهب الله تعالى الهبات والعطايا لحِكَم يريدها سبحانه فقد يمنح الإنسان الذكاء فيكون مدبراً من طراز متميز وربما صار من دهاة السياسة والتخطيط

- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشجع أصحاب المواهب ويلفت الأنظار لهم لتوظيف ذلك في خدمة الإسلام

 

قسّم الله تعالى المواهب، كما قسّم الأرزاق؛ فكما هناك فقير وغني ومتوسط، وفيها الملياردير والذي يعيش تحت خط الفقر. كذلك وهب الله تعالى الهبات والعطايا الأخرى، لحكم يريدها الله تعالى، وهو أرحم الراحمين، والعليم بكل شيء، وهو على كل شيء قدير.

فقد يهب الله الإنسان قوة في البدن، يستطيع أن يغالب بها أقوى أقوياء الأرض، وربما كان مصارعاً متميزاً، أو ملاكماً أسطورة، كما يقولون. وقد يمنح الله الإنسان الذكاء، فيكون مدبراً من طراز متميز، وربما صار من دهاة السياسة والتخطيط، والقدرة الفائقة في فن التدبير. واحد من البشر منحه الله الخط الجميل، والريشة الأنيقة، والإبداع الفني، حتى صار نسيجاً وحده في عصره، ومن الناس من أعطاه الله موهبة الأدب، فبات شاعراً لا يشق له غبار، أو روائياً قل نظيره، أو مسرحياً ندر مثيله، أو كاتباً تعقد عليه الأنامل، إذا كتب مقالة أدهش من يقرأ له، وإذا كتب تحليل ظاهرة في السياسة أو الاجتماع، أشَر على تميز لافت، وموهبة فائقة، وربما مُنح من سعة الخيال، وبُعد النظر، وقوّة التصوّر، ما يجعله من الفلاسفة أو المفكرين الكبار.

وهناك صنف من البشر، آتاهم الله، موهبة فن القيادة – وغالباً ما تظهر في سن مبكّرة، تظهر لمن يرقب السلوك، ويرصد المواهب -  من خلالها تكون له القدرة على سوس الناس وتحريكهم، وتفجير طاقاتهم، وتوظيف قدراتهم، وتنظيم شؤونهم، وترتيب أوضاعهم، لخدمة مشروع ما يرسم معالمه، ويبلور أهدافه، ويخطط لنجاحه.

ولا ننسى أن من المواهب العظيمة، موهبة الشجاعة، وقوة القلب، فبها يصول ويجول، وينافس وينافح، ويقتحم الصعاب، ويتجاوز الأخطار، ويفتح نوافذ الإغلاق بالجسارة ورباطة الجأش.

المهم مواهب الناس، متعددة ومتنوعة ومتشعبة، تشمل جوانب الحياة جميعاً.

وهذه المواهب الممنوحة من الله، والتي تبرز وتطور، بالرعاية والاهتمام والدربة هي مسؤولية وأمانة (وقفوهم إنهم مسؤولون).

جاء في الحديث الصحيح، الذي رَواه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  قالَ: «لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ».

توظيف الموهبة

من هنا كان لزاماً أن تستخدم الموهبة في الخير، ويجب أن يوظفها صاحبها، في الفعل الإيجابي، والتكوين النافع، الذي يعود بالخير على الناس، فإن لم يفعل ذلك، صار عامل هدم، وهذه الثنائية، هي التي نراها واضحة جليّة، أثناء فرز المواهب، على منصة الخير والشر، وما بينهما من أحكام وقيم.

فهناك من وهبه الله موهبة الشعر، فيسخرها في الخدود والقدود، والفجور والمجون، وإثارة الغرائز، والنفث المجنون في أطباق الشهوات، والعزف على وتر الشرود بكل أشكاله ومواهبه، فتنظر إلى هذا الشاعر الموهوب المطبوع، الذي هو في عالم الصنعة والتخصص، ربما تجعله في مصاف الكبار من الشعراء، ويستحق أن يسطر اسمه في ديوان العمالقة، من بين أولئك الذين أبدعوا في هذا الجانب، ولكن مما يؤسف له أن هذا القالب الرائع، والأداة الراقية، والوعاء الجميل، والصور المدهشة، والأخيلة التي تدل على مخزون فريد في بابه.. أنتج محتوى فاسداً، ومادة سامة، وعمل عمله في تخريب جيل من الناس، الذين تأثروا بأسلوبه الجميل، وشكّل إنتاجه الأخّاذ، فشربوا كأس عسله الذي في وسطه السم الزغاف.

وشاعر آخر منحه الله نفس الموهبة، واستخدمها في الخير، وكانت سبباً في نشر الفضيلة، وسبيلاً لبث القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة، مع الدخول في دائرة المباح، في السماع للصور الجميلة، والاستمتاع بالأخيلة الرائعة، والاستلذاذ بموسيقى الشعر الرائقة، ذات المعنى الرفيع في النفس.

وهناك شخص منحه الصوت الرخيم، والحنجرة الذهبية، فاستعمل ذلك بقراءة القرآن الكريم، واستخدم موهبته في الإنشاد المنضبط، فشنّف الآذان، وحرّك المشاعر نحو الفضيلة، وحقّق جانب الاسترواح للنفس. وبالمقابل ذاك الذي مُنح نفس الموهبة، ولكن انساق مع الهوى، ليكون عامل هدم في الغناء الماجن، والحفلات الهابطة، والليالي الحمراء، وشتان بين هذا وذاك، وفرق كبير بين الثرى والثريا.

وقلّ مثل ذلك لمن وهبه الله موهبة الرواية، وأذكر أن عالماً ومفكراً كبيراً سئل عن روائي مشهور، وهل يستحق كل هذه العناية والجوائز؟ فأجاب: هذا الأديب بما حباه الله من نعمة الأدب والرواية، هو أكبر من هذه الجوائز، وأثنى كثيراً على أسلوبه الرائع، وموهبته الفذة، وأسلوبه الساحر، ثم قال: ليست المشكلة عند هذا الأديب، في تقويم عمله، من حيث الجانب الفني، واستيفائه لشرائط النجاح المبهر في بابه؛ فهذا أمر مفروغ منه في عالم النقد الأدبي، ولكن المشكلة في المحتوى، فالرجل أديب كبير، ولكنه أثمر وأنتج مصائب وكوارث، فكان نجاحه الأول في عالم الموهبة، سبباً في الدمار في الجانب الثاني من عمله، وهنا تكمن المصيبة، وتكون الكارثة. وقس كل ذلك على المواهب الأخرى، التي تؤكد على معانٍ مهمة، وحقائق مدهشة، في هذا الجانب أو ذاك.

حتى تمضي العربيّة في طريقها الصحيح

وهنا يأتي السؤال المهم، ما الذي ينبغي أن نفعله، تجاه هذه القضية المهمّة؟ وكيف نصنع في ترشيد هذه الظاهرة، حتى تستقيم على عودها، وتمضي عربة المجتمع، في مسارها الصحيح؟ وربما أفتح باب الحوار في هذا، من خلال النقاط الآتية:

- الاهتمام بالمواهب، بعد فرز أصحابها.

- معرفة نوعية الموهبة، والتركيز عليها.

- صقلها بالتدريب والعناية الكافية، حتى يؤهّل أصحابها تأهيلاً علمياً.

- تشجيع أصحابها، بكل صور ذلك.

- التركيز على جانب الإفادة من الموهبة، في جانب الخير، وألا ينزلق صاحب الموهبة، نحو مهاوي الردى، كل ذلك من خلال نظرية تربوية معرفية جامعة شاملة واعية، ونظر سديد، وفكر سليم، وفتوى مستوعبة.

- التفكير العميق، في تحويل هذه المواهب - بعد إعدادها بصورة احترافية – إلى حياة الناس، وعمق المجتمع، حتى تأخذ دورها المؤثر الفاعل في حياة الناس.

- صناعة منظومة تعاون كامل، في هذا الشأن، بين الجهات التي يتعلّق أمرها بهذه القضية، من أولياء الأمر، إلى الدعاة والمربين، إلى أصحاب المواهب، إلى المحاضن التربوية، إلى الجهات الداعمة، وهكذا، وربما أنفع الأشياء في هذا الأمر، تحويله إلى مؤسسة أو مركز، يعنى بهذا الجانب، من الجوانب المهمة في الحياة.

وربما كان من أهم المعاهد التي تعنى بهذا الجانب معاهد إعداد القادة ومراكزها، وكذا الأكاديميات التي تهتم بالتنمية البشرية، وهذا من فقه الواقع، واستعمال أدواته، في صناعة العمل الصالح.

ولو عدنا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  في هذا الجانب، وكيف كان يشجع أصحاب المواهب، ويلفت الأنظار لهم، لتوظيف ذلك في خدمة المشروع الإسلامي الحضاري الشامل، فنجد قوله: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ) وقال: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود) وقال: (نعم الرجل عبد الله). وقال: (اهجهم وروح القدس معك). وقال في فرز المواهب، والتنويه بشأنها للإفادة من أصحابها: (وَلكُل أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هَذِه الأُمّة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح) أخرجه البخاري ومسلم. وقال: في الحديث الصحيح: (خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ).

وكانت له رعاية خاصة للموهبين، من الصغر، من أمثال علي - رضي الله عنه - حيث أسلم وهو ابن عشر سنين، وامتاز بشجاعة فائقة وهو في سن الشباب، عندما نام مكان النبي  صلى الله عليه وسلم  ولبس ثوبه رضي الله عنه، فقرّبه النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأحاطه برعاية خاصة، وزوّجه ابنته فاطمة، وكان شجاعًا مقدامًا، عندما كبر، فعن أَبِي بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: «حَاصَرْنَا خَيْبَرَ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ الْغَدِ، فَخَرَجَ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَأَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ، فَبِتْنَا طَيِّبَةٌ أَنْفُسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ قَامَ قَائِمًا، فَدَعَا بِاللِّوَاءِ وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ أَرْمَدُ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَفُتِحَ لَهُ».

الإثنين, 18 يوليو 2016 08:57

من وحي حدث الانقلاب في تركيا

كان الوضع خطيراً، لكن حماية الله فوق كل تدبير، والأخذ بالأسباب من واجبات التمكين، وصحوة القائد وثباته من أسس صناعة النجاح، وتوزيع الأدوار بشكل احترافي، كل في مجال تخصصه، ثورة تقضي على الفوضى، وتبقى رسالة المسجد، ببعدها الرباني الحضاري، إشعاع نصر، ومنارة خير ، ويبقى كسب الشعب ركيزة الظهر المساند ، تجميع النخب على قواسم مشتركة، دليل وعي بفقه السياسة، مع الشكر الدائم لله تعالى وذكره، طريق الخلاص المحقق .

من دروس المرحلة: أن فقه الدولة، وعلم إدراة الصراع، له رجاله ومختصوه، أما الارتجال، فلا يصنع حدثاً، ولا يبني مرحلة ، ولله رجال ونساء يصنعون المجد، ويبنون معالم الخير .

أظهر الحدث: أن دور المرأة عظيم، وأثرها في الأحداث كبير، فلا غرو فنبينا - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - قال: "إنما النساء شقائق الرجال" وهذا درس مهم في الاهتمام بالنساء، ومنحنهن المكانة التي تليق بهن، في كل شعب الحياة، ورب امرأة خير من ألف رجل .

من وحي الحدث: أن تكون مستوعباً شبكة الواقع الذي يحيط بك، وتستعد له الاستعداد الذي يساوي هذا الواقع، بل يغالبه، دليل على فهمك الدقيق، وفقهك العميق، الذي يقودك إلى قانون حمل المسؤولية، بوعي وإدراك، أما الغفلة فكارثة، وأما أن يمشي الماء من تحتك وأنت نائم، فمن كان كذلك، لا يستحق أن يكون في سلم المسؤولية . "لست بالخب، ولا الخب يخدعني"(عمر بن الخطاب) .

ومن الدروس: الإرادة الصلبة، وصمود أصحاب المشروع، من خلال محتوى مذهل، من عميق الإيمان بالقضية، يزيل كثيراً من العوائق، وتتحق - بفضله - كثير من الآمال، أما الانكسار والضعف، مهما تنوعت ملامحه، أو زيفت حقائقه ببريق الشعارات، فلا يؤدي إلا إلى تفويت فرصة الانتصار . "طوبى لمن قدر الموقف تقديراً دقيقاً ، وتعامل معه بقوة، تكتنفها حكمة" .

كما أن تأجيل العمل، في غير مناسبته، يكون كارثة، بل الطرق على الحديد الساخن للحدث حيث يكون، يعتبر من أكثر الأشياء لزوماً، أما تأخير البيان عن وقت الحاجة، يعتبر كارثة من حيث الفتوى، ومصيبة في فقه السياسة الشرعية .

و من دروس الحدث : إن التطمين العاطفي المجرد ، دون النظر إلى شقه السلبي، قد يؤدي إلى كارثة، وإشاعة روح الطمأنينة، مع التحفز، وأخذ الحيطة والحذر، هو البناء الصحيح للحدث، وتجاوز صعابه ، على قاعدة لا إفراط ولا تفريط، بحيث إنك، لا تقع في أسر الحرب النفسية، ومن ثم يحصل اليأس والإحباط، ولا تستلم للفرحة، فيستغل العدو نشوتك الغافلة هذه، فينقض عليك .

ومن دروس الحدث: أهمية العناية بالجماهير، حتى في حركات النخبة، والانفصال عن الجماهير، له منحنياته الخطرة، وانسحاباته السيئة، والجماهير اليوم ملت الشعارات، وكرهت الوعود، وهي تحب أصحاب المشاريع، ويفدون ذلك بأرواحهم، لذا لاحظنا أنه لم ترفع صورة شخص، لأن الأمر أكبر من الشخص، وهذا معنى مهم في عالم العظات والعبر.

من هنا يمكن القول: الحركة التي لا تهتم بالجماهير، وتركز على القاعدة الشعبية، لا يمكن أن تقود مشروعاً شاملاً.

ويبنى على هذا، أن الجماهير، تبحث عمن يلامس همومها، ويحل مشكلاتها، ويلبي تطلعاتها، في زمن كثر فيه كذابو السياسة، ودجالي الوعود الفارغة .

ومن وحي الحدث: العناية بالبعد العربي والإسلامي، والاهتمام بهذا الجانب، تحقيقاً لجسدية هذه الأمة، لذا لاحظنا أثر اشتغال إخوتنا الأتراك على هذا الجانب، فأحرار الأمة من طنجة إلى جاكرتا، كانوا يتابعون الحدث على أعصابهم، ويدعون الله أن يسلم تركيا، من شر هؤلاء الانقلابيين.

الدرس الكبير المستفاد -وهو متكرر- الحذر كل الحذر، والانتباه أيما انتباه، اليقظة الدائمة، والحس الراقي، فأصحاب المشروع متابعون ومرصودون، والأعداء يرقبونهم عن كثب، ويخططون للكيد بهم، والعدوان عليهم، بل القضاء عليهم، علينا أن نكون على مستوى هذه الحقيقة، تخطيطاً وتنظيماً وترتيباً ووعياً، ومكافأة هذا الحدث بما يستحق من خطط وبرامج عمل، وفقه واقع وترتيب أولويات، واستفادة من وسائل العصر، بأحدث ما وصلت له (تكنلوجيا) اليوم من تطور وتحضر، والتخلف عن هذا، يعد ضياعاً في عالم المواكبة.

فريق العمل الصغير، ومجموعة العاملين في الدائرة الكبيرة، لا بد أن يختاروا بعناية ودقة، بعيداً عن كل تعلق بالوحل والطين، والحسابات الضيقة، والحس النفعي، وببساطة، يمكن القول لأي قائد: قل لي من حولك، أقل لك من تكون .

"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(الشعراء:227) .

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top