د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 02 يونيو 2016 13:50

رمضان.. والموت جوعاً!

هذا العالم الذي يوصف بعالم القرية الواحدة، يموج بجملة من التناقضات، وتبرز في ثنايا تفاصليه كثير من المفارقات، وتظهر في مؤسساته العامة والخاصة، مؤشرات خلل لا يستهان بها، في عالم الحقوق والحريات.

وما الكيل بالمكيالين إلا سمة من السمات البارزة لهذا العصر، وقل مثل ذلك في مجال الحريات، وكذلك في منظومة "حقوق الإنسان".

هنا مترفون يموتون من الشبع، ويمرضون من التخمة، وهناك من يموت جوعاً، أو يصبح معاقاً بسبب نقص الغذاء، وأخبار السوق العالمية، وأنباء البورصات، وإتلاف المواد التي تلقى في البحر، حتى يحافظون على السعر، الذي يلبي رأسمالية هذه الجهة أو تلك.

في مكان ما، يقتل الناس بالجملة، ويذبحون بدم بارد، ويحرقون ويسحقون، ولا تسمع لهذا العالم المدهش – هذا إن نطقوا – سوى شجب سريع، واستنكار مخجل، وربما النائحة المستأجرة تؤدي دوراً أحسن من دورهم، أعظم من دور المؤسسات التي يطبل لها ويزمر.

أما لو أصيب واحد – ونحن عندنا حرمة الدم البريء شاملة لا تستثني أحداً ضمن فقه معروف في مظانه – في البلد الفلاني، أو الدين العلاني، أو المذهب الوصفاني، ترى الدنيا تقوم ولا تقعد، وتموج ولا تنحسر.

عجباً لهؤلاء، وآه من أولائك، ويا حسرة على "هذا وهذه وذاك، وتلك وتلكم"، والقائمة تطول، والحسرة تنخر نفوسنا، وتجرح أفئدتنا، وتدمي قلوبنا.

ويأتي رمضان، وحال الأمة مريع، كما لا يخفى على أحد، ورغم المأساة الشاملة، من قتل ودمار وتخريب، وحرق وسحل، من الأمور التي تحتاج إلى جهود أخرى لشرحها وبيان أبعادها وحقائقها، إلا أنني أحب أن أركز قليلاً على المناطق المحاصرة، وعلى وصف الجوع، الذي يسيطر شبح حصده للأرواح، في عدة من مناطق العالم.

وما الذي يكون في بورما، وأفريقيا الوسطى، ومازال الحصار على غزة الأبية، ولا ننسى الحصار على مخيم اليرموك، والناس الذين ماتوا فيه جوعاً من الحصار، والعراق مأساته الصامتة، ففيه حصار وجوع، وفي العراق جوع، بلاد النهرين والبترول، وملايين النخيل؟!

أما سورية الحبيبة، فهي رمز بروز، ظاهرة الحصار والجوع، من حمص إلى مضايا والغوطة وداريا، إلى دير الزور التي تحاصر من عدة جهات، ويحيط بها الخطر من كل جانب، وكما يقولون: "أبناء الفرات، يموتون عطشاً"، و"أهل الكرم جاعوا"، ولكن هل فعلاً يموت الناس جوعاً، أم هي دعاية سياسية؟ هذا سؤال من لا يدري عن تقارير حقوق الإنسان شيئاً، ولا يعرف إحصائيات المنظمات العالمية، ولا يتابع وسائل الإعلام، فأخبار الجوع والحصار والموت، سارت بذكرها الركبان.

والخلاصة: الجوع يضرب أطنابه، في كثير من بقاع العالم، والسؤال الذي يطرح نفسه: ورمضان على الأبواب، ماذا نصنع؟ ما واجبنا؟ ماذا نقدم؟ أي شيء نفعل؟ والحوقلة – على أهميتها – لا تعذرنا من المسؤولية، والحسبلة – رغم ضرورتها – وحدها لا تنقذنا، التلاوم يزيد الطين بلة، إذن لا بد من برنامج عمل، يقودنا نحو معالجة هذا الواقع الأليم، وعسى أن يكون هذا الجهد الذي يبذل، سبيل خير، ومفتاح فضل، وباباً يكون سبباً في إنقاذ كثير من الأرواح، ومما ينبغي أن يبذل فيه الجهد:

1- الدعاء، فرمضان شهر إجابة الدعاء.

2- تشكيل لجان، عنوانها "رمضان والحصار والجو"، مهمة هذه اللجان العمل على شرح قضايا المحاصرين، والطواف على المحسنين، وتنظيم جمل الإغاثة لهؤلاء الجوعى والمنكوبين.

3- على العلماء أن يقوموا بواجبهم، في الإرشاد والتوجيه، والانخراط في برنامج العمل، وهنا تبرز خاصية العالم العامل، ولا ننسى تعميم فتاوى العلماء في هذا الشأن، ومنها بذل الزكاة لمناطق الحصار والجوع.

4- على الساسة والمسؤولين في كل مكان، أن يشعروا بأن هذا الأمر خطير، ولا بد من أن يكون لهم دور، في معالجة هذا الأمر.

5- حث أحرار العالم على التعاون.

6- الضغط على المؤسسات الدولية، حتى تقوم بما يلزم، وتترك الذرائع، التي ما عاد يقتنع بها حتى صغار السن والسذج.

7- قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة:2)، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}‏) (العصر).

وفي الحديث الصحيح: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".

روى الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".

ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (وصححه الذهبي في التلخيص، والألباني في صحيح الأدب المفرد).

واضح أن الروس وغيرهم يراهنون على شق صف المعارضة السورية، وجعلهم فرقاً وشيع وجماعات، في مواجهة الاستحقاقات بكل ألوانها وأشكالها، من أجل ضمان استمرار عملية التفاوض، التي يريد رسم مسارها الروس، وبالطريقة التي يشتهون، والخطة التي يرغبون، وهذا الأمر الذي يدقون على وتره، ليس أمراً شكلياً، ولا قصة عارضة، بل هو طَرْق على الوتر الحساس، ويلامسون به لب أصل من أصول العمل، وجذر مشكلة من المشكلات المعقدة.

ذلك أن الفرقة شر، بكل ما في حزمتها من كوارث ومصائب، وصناعة شقوق الفتنة التي من خلالها يتسلل شيطان الضلال، وأبالسة الويل، حتى يزرعوا الفتن، ويغرسوا معالم السوء، فالصف إذا تخلخل دس الشيطان أنفه في ثنايا فرجه المصنعة على عين الشيطان، وبدقة تتبع منهج الخطوات، وبناء أدراج الفساد، ولكن بلغة سيئة، ومخططات خبيثة.

ولا يوجد في عالم الحياة أخطر من الشتات، والفرقة، والمنازعة، لأنها السبيل إلى ذهاب الريح، وتؤدي حتماً إلى الفشل المريع: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال:46).

كم من خطة خير، فشلت بسبب التنازع، وكم من بنيان هدم بفعل التنافس المر، وكم من طريق منير، ودرب أخضر، خرب بفعل الفرقة، فكيف إذا كان في أصل البناء ضعف، فهذا يحتم علينا مضاعفة الالتفات إلى المخاطر، والنقاط الرخوة التي تنذر بانهيارات.

إن أخطر ما يواجه أي حركة، أو تجمع، أو ثورة، إنما هو فرقة أصحابها، واختلاف قلوب روادها، وتفتت صفها، من هنا تجد العدو يزرع هذه الألغام في أوساط من يستهدفهم، حتى يحقق هذه النتيجة، وبهذا يسيطر على الموقف، وينتصر على الخصم، لذا يراهن العدو على هذا.

واليوم الروس ودي مستورا يراهنون على شق صف المعارضة المهلهل، فالأمر جد خطير، ويحتاج إلى وعي وفهم واستيعاب، وإدراك لأدوات العدو وأساليبه وألاعيبه وأجنداته الضالة.

وينبغي أن نعلم أن اجتماع الكلمة، ورص الصف، فيه خير عميم، وفضل كبير، وله آثار طيبة، لا تعد ولا تحصى، ولو لم يكن فيه إلا خاصية سد الخلل، وردم الفجوات لكفى، فوحدة الصف، واجتماع الكلمة من أسباب النجاح، وعلامات الفوز والفلاح، وهي مسؤولية كبيرة في عالم السياسة الشرعية.

ففي هذا الوقت العصيب، رحم الله من عمل على لم الشمل، ووحدة الكلمة، وتجنب كل سبل الفرقة، ورب كلمة يلقيها المرء، لا يلقي لها بالاً تحدث من الخير الشيء الكثير، والعكس بالعكس يذكر.

نريد في هذه الأيام من يستشعر عظم المسؤولية، وخطر الموقف، وهو يكتب، وعندما يغرد، وهو يناقش، وعندما يحاور، وهو يجتمع بالآخرين، وعندما يحضر الملتقيات العامة والخاصة.

المطلوب من جميع الأطراف، السياسية والفكرية والثورية والعسكرية والمدنية، وفي مقدمة كل هؤلاء العلماء أن يخططوا لوحدة الصف، ونبذ كل ما يشتت الأمة، ويزرع الشتات، وصناعة منظومات التوافق، ورسم لوحات التفاهم، وصناعة جبهة قوية متراصة، من كل الثوريين السوريين، فهذا واجب الساعة، وفرض الوقت، وهو رأسمال أبناء الثورة، الذي يرجع على سورية والثورة، بالخير الوفير، والكسب العظيم، والنصر المبين.

 (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ {4}) (الصف).

في ظرف عصيب قلَّ نظيره، وواقع أليم ندر مثيله، وصورة مأساوية يصعب وصفها، تمر القضية السورية بمرحلة عسرة، ووقت عصيب، تمثلت ذروته في هذا الذي يجري في حلب الشهباء من دماء دمار، وخراب وكارثة، حقاً: إن حلب تحترق بكل حامل معنى الكلمة، وما في بطنها من مفردات الويل والثبور، البشر صاروا أشلاء، والأطفال من بقي منهم أصبح يتيماً، ومن نجا من الشيوخ خرج بعاهة مستدامة، أرض محروقة، وبيوت مهدمة، وصفير صوت أحدث الأسلحة يلف المشهد بكامله على ألحان إيقاع طيران الروس وهول ما يفعل في واقع الأرض.

ورغم هذا، معنويات الذين على الأرض لا توصف رفعة ومكانة وشموخاً إيمانياً، يخرج أحدهم من بين الأنقاض، وما أدراك ما تحت الأنقاض، وهو يصرخ: قائدنا للأبد، سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم - يحضر واحد إلى مسرح الحدث، ويرى الفاجعة الكبرى، بفقد كل عائلته، فيثبت ويصيح: لن نهزم بإذن الله تعالى، وآخر ينادي بأعلى صوته، وهو يحمل وحيده الذي فارقت روحه جسده: يا الله، يا الله، ما لنا غيرك يا الله.

وهكذا يستقبل هؤلاء الصابرون المصابرون المرابطون قدرهم بصلابة وقوة، ويأخذون ما ألقي على عاتقهم بجلد وثبات، إنه جيل البطولة والفداء، والحضارة والبناء، وهم منصورون بإذن الله تعالى، ومن باب الأمل الواسع صار الناس يرفعون شعار "حلب تحترق لتضيء الدرب للآخرين".

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وإلحاح: ما الدور الذي يجب أن يقوم به المسلم في أصقاع الدنيا، وربوع العالمين؟ ماذا يمكن أن أقدم لشعب سورية؟ ما الذي ينبغي أن نفعله نصرة لحلب الصامدة الصابرة الأبية؟

أسئلة غاية في الأهمية، وهي تضعنا أمام تحديات كبيرة، ومسؤوليات جسام؛ (وقفوهم إنهم مسؤولون).

وهنا نضطر لذكر جملة من برامج العمل التي يجب أن نقوم بها، ومنها:

1- الدعاء، فهو سهم الله الغالب، والله بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تنسوا شعب سورية المحاصر، من صالح دعائكم، ولا تغفلوا عن حلب التي تحترق، فتخصوها بدعوة في أوقات الإجابة.

2- إصدار البيانات القوية، التي تعبر عن حجم المصاب، وتلفت الأنظار إلى كبر الكارثة، وتحث العالم كل العالم، للوقوف إلى جانب هؤلاء المظلومين الأبطال.

3- لا بد من الوقفات الاحتجاجية الصارخة والمظاهرات التي تعمل على إسناد أهلنا في سورية عامة، وحلب خاصة.

4- تنظيم حملات الدعم الإغاثي، وترتيب برامج جمع المال، حتى نخفف عن أهلنا في حلب، وغيرها من المناطق المنكوبة في سورية الأبية.

5- ضرورة ترتيب أسبوع كامل لجملة من المناشط التي تعمل على مساندة أهلنا في حلب، ومنها الندوات، والمحاضرات، وخطب الجمعة، وغير ذلك.

6- الإعلام جيش جرار، له أثره الكبير، وفعله الاستثنائي في مناصرة القضايا، وإسناد الشعوب المظلومة، من هنا وجب تسخير كل ما نملك من وسائل الإعلام لتوظيفها في هذا الشأن، ولعل وسائل التواصل الحديثة لها مكانة خاصة في هذا الشأن، علينا استثمارها في خدمة هذا الهدف النبيل، والعمل الجيل، ومن أحسن فعلاً، ممن ينصر إخوانه في حال الضيق والشدة "والله في عون العبد ما دام العبد، في عون أخيه"، عند ابن حبان بإسناد صحيحٍ قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره».

7- أيها الإخوة في كل مكان، الأمر جد خطير، والقضية لها ما بعدها، فاتقوا الله في إخوانكم، وكونوا معهم في محنتهم، والله تعالى لا يضع أجر من أحسن عمل.

الخميس, 14 أبريل 2016 07:41

"شكراً تركيا".. كيف؟ ولماذا؟

تركيا بلد نهضوي، صنع منظومة عمل حضاري، أساسها قيمة العدل الذي هو جماع كل خير، وأساس كل فضيلة، وعلى قاعدة الحرية المسؤولة، التي يكون عمادها إنسانية الإنسان، واحترام حقوقه وإرادته وهويته، حتى كانت التجربة التركية التي محورها ما ذكرنا.

وقد قطع البلد شوطاً لا يستهان به في هذا الشأن، وصار محل تقدير واحترام كثير من المراقبين، الذين درسوا التجربة، بأبعادها الحاضرة، ونتائجها المستقبلية، ومآلاتها القادمة.

من هذا المنطلق العام، تشكلت مفردات العمل النهضوي، الذي يرسخ هذه المفاهيم بصورة عمل، وقطعت التجربة التركية شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، ففي ظل العدل والحرية المسؤولة، تكون مقاطع الإنتاج رفيعة المستوى، وعلى الصعد كافة، ويذكر هنا تخصيصاً جانب التنمية الشاملة الذي قفزت فيه تركيا قفزات مذهلة.

ومن لازم معاني تحقيق العدل في الحياة، ألا تنكفئ تركيا على ذاتها، ولا تلتفت إلا إلى نفسها، فيكون الخلل، بل ينبغي أن تكرس هذا المعنى بلغة عامة، وسياسة متكاملة، وهنا يكون محك المصداقية، فلا يصح أن يلتفت المرء إلى نفسه، وعلى الدنيا السلام، فهذه أنانية سياسية نأت تركيا بنفسها عنها، ورأت أن قيمة العدل والحرية إذا لم تكن شاملة؛ فهو خلل بنذر بخلل، ولذا مما تعيب تركيا على آخرين في إطار المنظمات والمؤسسات والدول المحلية والدولية، أنها تكيل بعدة مكاييل، ولا تنظر إلى الناس على أنهم عينان في وجه، وهذه إحدى إشكاليات التركيبة السياسية العامة في دنيا اليوم، وهذه القضية مصدر من مصادر التشوه الحاصل في كثير من تقسيمات الأحداث التي تقع على وجه هذه البسيطة.

من هذا المبدأ الأصيل تعاطت تركيا مع أحداث العالم، لذا كان موقفها من فلسطين والقدس ونصرة أهلها، وكانت تلك المواقف المشرفة من وقفات الخير، وما أسطول الحرية، وتلك الوقفة العظيمة في دافوس، إلى كثير من تفاصيل التأييد، إلا صورة من هذه الصور، وهكذا عندما نتنقل إلى مواقع أخرى وبلدان ثانية، لنجد الموقف القوي في مصر واليمن والعراق وبورما والصومال، وكثير من بقاع الأرض، فهذا منهج عمل، له كثير من مجالات المساندة في ثنايا عمله.

ومن هذه البلاد التي وقفت تركيا موقفاً رائداً، سورية وثورة شعب سورية، وأستميح القارئ الكريم، بالتركيز على هذا الجانب، من باب التخصص، لأني على اطلاع على تفاصيله.

والقضية خلاصتها أن نظام الجريمة والبغي في سورية، الذي قابل الشعب السوري (والثورة ثورة شعب) بالحديد والنار، والقتل البشع، والحرق والتخريب والتهديم، حتى صارت رائحة الدم في كل مكان، ولون القهر في كل زاوية، والشعب السوري الذي خرج سلمياً يطالب بالإصلاح والتغيير، لأنه ملَّ الظلم، وما عاد يطيق صبراً على الويل الذي حلَّ به، والكوارث التي أصابته عبر عقود طويلة من حكم هذا النظام الفاسد المجرم، وكان الأولى بالنظام أن يستجيب لمطالب الشعب، ويعمل على الإصلاح والتغيير، لكن هذا النظام الذي ألف الجريمة، واعتاد على تكميم الأفواه، والسجون والمشانق للأحرار، وركيزته منظومة مخابراتية هي أداته في التعامل مع مخالفيه، بل حتى والناصحين له، فذاق الشعب السوري خلال هذه العقود كل ألوان الضيم، وأنواع الطغيان، وأشكال الدكتاتورية.

هنا رأت تركيا أن تتدخل في هذا الشأن للإصلاح ولملمة الأمر، على قيمة يتفق عليها، فتواصل مع النظام في سورية، وحاوره، وقدم له النصائح والمقترحات لعله يفيد منها، أو أن يكون عاقلاً في معالجة المشكلة، ولكن من شب على شيء شاب عليه.

فأغلق نظام الفساد في سورية أذنيه، وأغلق كل منافذ التعديل والتغيير، ولما زاد ظلم النظام وبطشه، هنا أدرك الشعب السوري الذي طوى صفحة المطالبة بالإصلاح، أنه لا بد من المطالبة بإسقاط النظام، لأن نظاماً كهذا لا ينفع معه إلا البتر والاستئصال، والسكوت عنه لا يزيده إلا شراً وبطشاً.

هنا تماهت تركيا مع مطالب الشعب السوري المظلوم المقهور، وساندت حراكه، وفتحت له أبوابها، واستقبلت اللاجئين، وكانت مستشفيات تركيا مفتوحة أمام أفواج الجرحى والمرضى القادمين من سورية، مع تسهيل في المعاملات، وتعاون في مركب نظام الإقامات، وفتحت أبواب المدارس والجامعات لأبناء الشعب السوري، ونشر ثقافة التعاون مع الشعب السوري المظلوم، والتعامل معهم على أنهم إخوة وجيران، وضيوف في بلدهم، حتى تأسست منظمات سورية، وجمعيات ومدراس وجامعات، فصاروا جزءاً من تركيبة المجتمع التركي، وهم يقومون بشأن السوريين، سواء في المدن التركية، أو المخيمات، أو الداخل السوري، وكانت تركيا منفذاً مهماً لأبناء الشعب السوري، بل هي الرئة التي يتنفسون منها، فنشطت مؤسسات المجمع المدني التركية، وتعاونت الجمعيات الإغاثية في توصيل المساعدات للبلد المنكوب سورية، إضافة للمواقف السياسية المساندة، وكل هذا كلف تركيا كثيراً من المعاناة التي لم تجعل تركيا تندم على موقفها؛ لأنها مواقف تنبع من رؤية صلبة، وتفكير إستراتيجي، يقوم على نصرة المظلومين، وفتح أبواب تركيا للمضطهدين.

من هنا، نقول وبأعلى صوت الصدق، ومن أعماق القلب: "شكراً تركيا"؛ لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولأن من طبع الوفي أن يشعر تجاه من أسدى له معروفاً، بالعرفان والفضل، ويقول له: جزاك الله خيراً، ونقول لتركيا رئيساً وحكومة وشعباً ومنظمات وجمعيات وأحزاباً: جزاكم الله خيراً، وجعل ذلك في صحائف أعمالكم، ووقاكم من كل سوء ومكروه.

ومن صور الشكر لتركيا:

1- زرع ذلك الشكر في ثقافة أبنائنا لمزيد من الترابط، ولتوثيق العلاقات بين الشعبين والبلدين، على قاعدة التواصل المشترك الذي يجمع بيننا، ديناً وتاريخاً وجواراً وقربى، وتطوير ذلك إلى الاشتغال على أسس الترتيب لملتقى الهم المشترك، والتعاون الإستراتيجي.

2- على الأمة كل الأمة أن تقف إلى جانب تركيا في كل قضاياها، وخصوصاً منها تلك التي كانت بسبب مواقفها المشرفة من قضايانا المعروفة، ونشجع شعوبنا وحكامنا على مد اليد الإيجابية لتركيا، فهي بُعد إستراتيجي لا يجوز التفريط به.

3- التركيز على جعل تركيا موئلاً للزيارة والسياحة، وبشكل خاص للتراث الإسلامي العريق في هذا البلد التالد، من المساجد إلى العمارة الإسلامية إلى تراث الأدوات إلى منتجات الثقافة والمخطوطات إلى تاريخ العثمانيين، والقائمة تطول.

4- العمل على حث شعوبنا وبلداننا على استقبال المنتجات التركية، ففي هذا خدمة كبيرة لتركيا ونفع لبلداننا.

(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {2}‏) (المائدة).

 

(*) الأمين العام لهيئة سورية تناديكم - باحث وأكاديمي

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top