د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 09 يونيو 2016 13:32

رمضان.. وقضايا الأمة

يهل علينا شهر رمضان المبارك، بخيره العميم، وأجره المضاعف الجزيل، وفضله الواسع، وبركاته غير المحدودة، ونفحاته الأنسية، وإشراقاته القدسية، ومدرسته الروحية، إنه شهر الصيام؛ حيث القوة والصلابة، وشهر الصلاة والقيام؛ حيث الإعداد الرائد، وشهر منظومة الأخلاق؛ استعداداً لمنهج الفضيلة، حقاً إن شهر رمضان، هدية عظيمة من الجليل الرحمن، ومنة لا مثيل لها في عالم العبادة والطاعة، من الملك الكريم الذي أمر بالعدل والإحسان.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "183") (البقرة)، وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» (رواه ابن ماجه في سننه (1644)، وقال عنه الألباني: حسن صحيح).

يهل علينا هذا الشهر الكريم، والأمة في وضع شديد الوطأة، واسع المحنة، عظيم البلاء، متعدد المشكلات، متنوع المصاب، متشعب الإشكالات، في كثير من بقاع العرب والمسلمين، في سورية وفلسطين والعراق واليمن وليبيا وبورما وأفريقيا الوسطى، وغيرها من بلاد المسلمين، حيث الدماء والأشلاء، والقتل والخراب، والدمار، والأشياء الكبار، مثل مصادرة حقوق الإنسان، وشيوع الظلم الذي هو أساس كل بلاء.

وفي هذا الوسط الرهيب، من العدوان الصارخ، والضلال المبين، تظهر صور البشرى، التي تملأ الآفاق فخراً وضياء، فيظهر جيل في الأمة يستحق كل تقدير وإكبار، وهو علامة فضل وخير، ويحمل في ثنايا صبره وتضحيته وجهاده وثباته معالم الغد المشرق، الذي تنتظره الأمة منذ زمن ليس بالقليل.     

دروس رمضانية

ومما نتعلمه من رمضان، ونحن نعيش واقعنا المعاصر:

1- مدرسة الحرية:

 يعلمنا رمضان، كيف يجب أن نتحرر من قيود الشهوة وضواغطها، وكيف ينبغي أن نتحلل من سجنها، ونغوص في أعماق الإمساك بعنان مسيرها، حتى لا تتجه بنا نحو واد هابط، أو تغرق في مستنقع آسن، أو تنحرف عن جادة المنهج القويم، وذلك بالصيام، والامتناع عن الطعام والشراب، وشهوة الفرج، من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، كل هذا للخلاص من حالة البهيمية التي لا تعرف حداً لإغراءات النفس، وانسياقها خلف لعاعات البصل والعدس والثوم، ولا تلتزم بضابط يردعها عن سواكن الوجدان الذي يغص بمعاني الجنوح، وهناك فارق كبير بين حالتين، وبين صورتين، فالأمة عندما تتربى على هذا تصبح قادرة – وقد تحللت من ضواغط الشد إلى شهوات الأرض ولواصقها – على العمل في مشروعها السياسي الحضاري النهضوي، الذي أساسه المطالبة بحقوق الإنسان، واستئناف الحياة على قيم العدل والكرامة، وهنا نتذكر الحرية وتلازمها مع إنسانية الإنسان، الذي يبحث عن كل السبل التي تؤدي به للوصول إلى هذا المعنى، مكرماً من الله تعالى.

كل هذا يسوقنا إلى حقيقة يحاول الذين لا يعرفون سوى شهوة السلطة ومتعلقاتها أن يطمسوها بالظلم، وتكميم الأفواه، وحبس الأنفاس، والتضييق على الناس، وبالذات منهم من يقول: لا؛ لذلك تكون الثورة بكل ما في جعبتها من فضائل، وهنا قرع جرس «الربيع العربي» إيذاناً بغد مشرق، تنتصر فيه الإرادة الصلبة على المرادات التافهة، فيتحرر العباد من هؤلاء الذين ينسجون خيوط عناكب الفتنة في كل مجالات الحياة، ومنها جوانب الحياة السياسية، وفقه الاجتماع.

فالأمة التي تتربى في مدرسة رمضان تدرك تماماً ما معنى الحرية، وتفهم الوسيلة التي تصل بها إليها، والأمر لا يعدو صبر ساعة، ثم يفرح الصائم بفطره، والثائر يظفر بحريته، ويسترد إنسانيته المسلوبة.. لك الله يا شعب سورية وفلسطين والعراق واليمن وليبيا وبورما، فرمضان مدرسة الحرية التي تخرج فيها بناة الحضارة الإسلامية، وضربوا أروع الأمثلة في القدوة الحسنة، من خلال زهد حضوري فاعل، زرع الثقة في نفوس الناظرين، وترجم إلى مشروع مسار، تسير على نهجه وفود جرارة من حملة المنهج الذين تأثروا بحركة صحوة الحياة على قيمة «لعلكم تتقون».

2- شهر الصبر والتحمل:
 إذ الصوم، والكف عن شهوتي البطن والفرج، وضبط النفس عن شهادة الزور، وعن السباب والشتائم، بل يقابل ذلك من فعل به كذلك: «اللهم إني صائم»، مع عبادة وصلاة وذكر وقراءة قرآن كل هذه الساعات التي ربما تطول في بعض البلدان، يعطينا طاقة استثنائية، ويمنحنا دربة على تحمل المشاق، وفي هذا الخضم اللاحب المليء بما ذكرنا، لا بد من سلاح وزاد، أما السلاح فهو الصبر الذي به نواجه المحن، ونتغلب على الصعاب ونتحدى العقبات، فلا نسقط في الطريق ولا نهزم من أول هزة، ولا ننكسر في أول صيحة ولا نقع في أول عثرة، وأما الزاد فهو التقوى.. وهنا أشيد بأهلنا في سورية الذين يتسحرون على أصوات البراميل المتفجرة، ويفطرون على إيقاع أصوات القنابل المجنونة، ويصلون على أنغام الحارقات العمياء، على اختلاف ألوانها وأشكالها وصورها وأطوالها وأعراضها وروائحها وطعومها، كيف لا وهم في مدرسة الصبر وفي دورة الصبر والمصابرة والمرابطة، وفي خضم هذا المشهد الرهيب، يرى الشهداء ويشم رائحة الدم في كل مكان، وتبرز له معالم الرعب الشامل الذي يلفه بثوب الصبر والثبات، مستبشراً بلقاء الله تعالى.

3- شهر التطهير والتطوير والتغيير:
 الثابت في هذه الدنيا هو التغيير؛ فالتغيير الإيجابي هو الذي تتجدد معه الحياة، وتتطور حركيات العمل، وتنطلق جوارح الأمل من مفاصلها المتكلسة، ودوائرها الضيقة المغلقة، وشهر رمضان مدرسة من مواد تعليمها «التغيير»؛ لأنه ثورة على النفس، وثورة على العادات الضارة، وثورة على نظم التغذية، والقضاء على الأعراف المفسدة، وكسر لنول نسيج التحرك البطيء، والعمل الرتيب، ووهن الحياة إلى غد مفعم بالحيوية والنشاط، متشبع بالبذل والعطاء، مراعياً واجب الساعة، فقيهاً بفريضة الوقت، مغيراً نحو الأحسن، ملتزماً بالثوابت، مقاصدياً في المتغيرات، وهذا له ثمنه، فلابد من الصبر والمجاهدة، وما ذنب أهل سورية الذين يتآمر عليهم، إلا أنهم طالبوا بالتغيير من أجل حريتهم وكرامتهم وحقوقهم.

4- شهر الدعاء:
على المسلم أن يكثر من الدعاء في هذا الشهر المبارك، متحرياً أوقات الفضل التي يتوخى فيها الإجابة؛ مثل ساعات السحر، وإثر الصلوات، ولا ننسى أن للصائم دعوة لا ترد عند فطره، يدعو فيها المسلم لنفسه وأهله، ولا ينسى إخوانه المسلمين في كل مكان، خصوصاً منهم أولئك الذين اضطهدوا لأنهم يبحثون عن الحرية والكرامة، ويعانون من الطغاة والمجرمين، فتقع على رؤوسهم البراميل المتفجرة، وتسقط عليهم الصواريخ العمياء، كأهل سورية الكرام الذين دخلوا عامهم السادس وهم في ثورة، صامدين صابرين محتسبين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ» (رواه البيهقي 3/345، والضياء في «المختارة» 1/108، وفي «المنتقى من مسموعاته بمرو» 1/91، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» 4/406).

5- يعلمنا الجود والكرم:
 الجود تحرر من إسار المادة وعبادتها، والتخلص من اللهث وراء الدنيا وطينها ووحلها، وصاحب المشروع الذي يبحث عن طاعة الله في مفردات تقوية بناء الأمة، يدفعه هذا إلى فقه متين، يعي من خلاله كيف ينبغي أن يسخر ماله من أجل هذه الحقيقة، واليوم أمة الإسلام تواجه تحديات جساماً، وتمر منعطفات خطرة، فهل قدمنا لهذه الأمة من مالنا ما يحل به مشكلة من مشكلات الأمة، أو يكون سبباً في وضع لبنة في بنائها النافع، هل فكرنا في مشروع للتنمية البشرية؟ هل صنعنا محضناً تربوياً؟ هل بذلنا من مالنا ما يخدم مشروعاً إعلامياً ينير الدرب للآخرين، كي تصل رسالة الخير للإنسان يصنع على مناهج الحق، من خلال رؤية تقوم على فكرة النظافة، في زحمة الإعلام الذي يذبح الأمة في بعض منتجاته، التي تزيده ضياعاً وانهياراً، جاء في الحديث الصحيح: أنه – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – كان جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان.

6- شهر «وحدة الأمة».. التكاتف والتعاون والشعور بأحاسيس الآخرين:
 لا أعتقد أن هناك برنامج عمل جماعياً على وجه الأرض، في أيامنا هذه، أو في أعماق التاريخ، أفضل من رمضان، حيث إن المسلمين جميعاً يعلنون هذا الشهر طاعة لله، يمسكون في ساعة محددة، وكذلك يفطرون، منهج واحد في المباحات المسموح بها، وأيضاً في الممنوعات، يتساوى في هذا كل مسلم على وجه الأرض؛ الفقير والغني، الذي في الشرق، والذي في الغرب، كلهم يفعلون هذا برضاً وقناعة؛ «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

نعم هذه الصورة العامة، تمثل حالة من حالات ظهور الأمة، في إطار وحدتها، ومجال تعاونها، لذا من لوازم هذا أن نحقق معنى «الأخوة الإسلامية» التي من مفردات ترجمتها على هيئة عمل، أن يرحم بعضنا بعضاً، وأن يحسن الغني إلى الفقير، وأن يشترك جميع المسلمين على وجه هذه البسيطة في هموم بعضهم، وأن يحققوا جسدية هذه الأمة، فننصر قضايا المنكوبين والمظلومين والمقهورين والمعتدى عليهم، وما الذي يحدث في سورية المجاهدة عنا ببعيد، وكذلك في باقي بلاد المسلمين، فهل من خطة تعكس هذا الأمر، كل بما يستطيع، حتى نكون «الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

فاجعل بعض زكاتك في خدمة هؤلاء المظلومين، ولا يفوتك أن تخصص بعض مالك لإفطار الصائم، والصدقة في هذا الشهر يضاعف الله تعالى الأجر فيها، وفوق هذا وذاك كن مضحياً بوقتك ومالك وقلمك ولسانك وجوارحك من أجل إخوانك، ومشاريعهم في الحرية والتغيير.

الخميس, 02 يونيو 2016 13:50

رمضان.. والموت جوعاً!

هذا العالم الذي يوصف بعالم القرية الواحدة، يموج بجملة من التناقضات، وتبرز في ثنايا تفاصليه كثير من المفارقات، وتظهر في مؤسساته العامة والخاصة، مؤشرات خلل لا يستهان بها، في عالم الحقوق والحريات.

وما الكيل بالمكيالين إلا سمة من السمات البارزة لهذا العصر، وقل مثل ذلك في مجال الحريات، وكذلك في منظومة "حقوق الإنسان".

هنا مترفون يموتون من الشبع، ويمرضون من التخمة، وهناك من يموت جوعاً، أو يصبح معاقاً بسبب نقص الغذاء، وأخبار السوق العالمية، وأنباء البورصات، وإتلاف المواد التي تلقى في البحر، حتى يحافظون على السعر، الذي يلبي رأسمالية هذه الجهة أو تلك.

في مكان ما، يقتل الناس بالجملة، ويذبحون بدم بارد، ويحرقون ويسحقون، ولا تسمع لهذا العالم المدهش – هذا إن نطقوا – سوى شجب سريع، واستنكار مخجل، وربما النائحة المستأجرة تؤدي دوراً أحسن من دورهم، أعظم من دور المؤسسات التي يطبل لها ويزمر.

أما لو أصيب واحد – ونحن عندنا حرمة الدم البريء شاملة لا تستثني أحداً ضمن فقه معروف في مظانه – في البلد الفلاني، أو الدين العلاني، أو المذهب الوصفاني، ترى الدنيا تقوم ولا تقعد، وتموج ولا تنحسر.

عجباً لهؤلاء، وآه من أولائك، ويا حسرة على "هذا وهذه وذاك، وتلك وتلكم"، والقائمة تطول، والحسرة تنخر نفوسنا، وتجرح أفئدتنا، وتدمي قلوبنا.

ويأتي رمضان، وحال الأمة مريع، كما لا يخفى على أحد، ورغم المأساة الشاملة، من قتل ودمار وتخريب، وحرق وسحل، من الأمور التي تحتاج إلى جهود أخرى لشرحها وبيان أبعادها وحقائقها، إلا أنني أحب أن أركز قليلاً على المناطق المحاصرة، وعلى وصف الجوع، الذي يسيطر شبح حصده للأرواح، في عدة من مناطق العالم.

وما الذي يكون في بورما، وأفريقيا الوسطى، ومازال الحصار على غزة الأبية، ولا ننسى الحصار على مخيم اليرموك، والناس الذين ماتوا فيه جوعاً من الحصار، والعراق مأساته الصامتة، ففيه حصار وجوع، وفي العراق جوع، بلاد النهرين والبترول، وملايين النخيل؟!

أما سورية الحبيبة، فهي رمز بروز، ظاهرة الحصار والجوع، من حمص إلى مضايا والغوطة وداريا، إلى دير الزور التي تحاصر من عدة جهات، ويحيط بها الخطر من كل جانب، وكما يقولون: "أبناء الفرات، يموتون عطشاً"، و"أهل الكرم جاعوا"، ولكن هل فعلاً يموت الناس جوعاً، أم هي دعاية سياسية؟ هذا سؤال من لا يدري عن تقارير حقوق الإنسان شيئاً، ولا يعرف إحصائيات المنظمات العالمية، ولا يتابع وسائل الإعلام، فأخبار الجوع والحصار والموت، سارت بذكرها الركبان.

والخلاصة: الجوع يضرب أطنابه، في كثير من بقاع العالم، والسؤال الذي يطرح نفسه: ورمضان على الأبواب، ماذا نصنع؟ ما واجبنا؟ ماذا نقدم؟ أي شيء نفعل؟ والحوقلة – على أهميتها – لا تعذرنا من المسؤولية، والحسبلة – رغم ضرورتها – وحدها لا تنقذنا، التلاوم يزيد الطين بلة، إذن لا بد من برنامج عمل، يقودنا نحو معالجة هذا الواقع الأليم، وعسى أن يكون هذا الجهد الذي يبذل، سبيل خير، ومفتاح فضل، وباباً يكون سبباً في إنقاذ كثير من الأرواح، ومما ينبغي أن يبذل فيه الجهد:

1- الدعاء، فرمضان شهر إجابة الدعاء.

2- تشكيل لجان، عنوانها "رمضان والحصار والجو"، مهمة هذه اللجان العمل على شرح قضايا المحاصرين، والطواف على المحسنين، وتنظيم جمل الإغاثة لهؤلاء الجوعى والمنكوبين.

3- على العلماء أن يقوموا بواجبهم، في الإرشاد والتوجيه، والانخراط في برنامج العمل، وهنا تبرز خاصية العالم العامل، ولا ننسى تعميم فتاوى العلماء في هذا الشأن، ومنها بذل الزكاة لمناطق الحصار والجوع.

4- على الساسة والمسؤولين في كل مكان، أن يشعروا بأن هذا الأمر خطير، ولا بد من أن يكون لهم دور، في معالجة هذا الأمر.

5- حث أحرار العالم على التعاون.

6- الضغط على المؤسسات الدولية، حتى تقوم بما يلزم، وتترك الذرائع، التي ما عاد يقتنع بها حتى صغار السن والسذج.

7- قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة:2)، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3}‏) (العصر).

وفي الحديث الصحيح: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".

روى الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".

ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (وصححه الذهبي في التلخيص، والألباني في صحيح الأدب المفرد).

واضح أن الروس وغيرهم يراهنون على شق صف المعارضة السورية، وجعلهم فرقاً وشيع وجماعات، في مواجهة الاستحقاقات بكل ألوانها وأشكالها، من أجل ضمان استمرار عملية التفاوض، التي يريد رسم مسارها الروس، وبالطريقة التي يشتهون، والخطة التي يرغبون، وهذا الأمر الذي يدقون على وتره، ليس أمراً شكلياً، ولا قصة عارضة، بل هو طَرْق على الوتر الحساس، ويلامسون به لب أصل من أصول العمل، وجذر مشكلة من المشكلات المعقدة.

ذلك أن الفرقة شر، بكل ما في حزمتها من كوارث ومصائب، وصناعة شقوق الفتنة التي من خلالها يتسلل شيطان الضلال، وأبالسة الويل، حتى يزرعوا الفتن، ويغرسوا معالم السوء، فالصف إذا تخلخل دس الشيطان أنفه في ثنايا فرجه المصنعة على عين الشيطان، وبدقة تتبع منهج الخطوات، وبناء أدراج الفساد، ولكن بلغة سيئة، ومخططات خبيثة.

ولا يوجد في عالم الحياة أخطر من الشتات، والفرقة، والمنازعة، لأنها السبيل إلى ذهاب الريح، وتؤدي حتماً إلى الفشل المريع: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال:46).

كم من خطة خير، فشلت بسبب التنازع، وكم من بنيان هدم بفعل التنافس المر، وكم من طريق منير، ودرب أخضر، خرب بفعل الفرقة، فكيف إذا كان في أصل البناء ضعف، فهذا يحتم علينا مضاعفة الالتفات إلى المخاطر، والنقاط الرخوة التي تنذر بانهيارات.

إن أخطر ما يواجه أي حركة، أو تجمع، أو ثورة، إنما هو فرقة أصحابها، واختلاف قلوب روادها، وتفتت صفها، من هنا تجد العدو يزرع هذه الألغام في أوساط من يستهدفهم، حتى يحقق هذه النتيجة، وبهذا يسيطر على الموقف، وينتصر على الخصم، لذا يراهن العدو على هذا.

واليوم الروس ودي مستورا يراهنون على شق صف المعارضة المهلهل، فالأمر جد خطير، ويحتاج إلى وعي وفهم واستيعاب، وإدراك لأدوات العدو وأساليبه وألاعيبه وأجنداته الضالة.

وينبغي أن نعلم أن اجتماع الكلمة، ورص الصف، فيه خير عميم، وفضل كبير، وله آثار طيبة، لا تعد ولا تحصى، ولو لم يكن فيه إلا خاصية سد الخلل، وردم الفجوات لكفى، فوحدة الصف، واجتماع الكلمة من أسباب النجاح، وعلامات الفوز والفلاح، وهي مسؤولية كبيرة في عالم السياسة الشرعية.

ففي هذا الوقت العصيب، رحم الله من عمل على لم الشمل، ووحدة الكلمة، وتجنب كل سبل الفرقة، ورب كلمة يلقيها المرء، لا يلقي لها بالاً تحدث من الخير الشيء الكثير، والعكس بالعكس يذكر.

نريد في هذه الأيام من يستشعر عظم المسؤولية، وخطر الموقف، وهو يكتب، وعندما يغرد، وهو يناقش، وعندما يحاور، وهو يجتمع بالآخرين، وعندما يحضر الملتقيات العامة والخاصة.

المطلوب من جميع الأطراف، السياسية والفكرية والثورية والعسكرية والمدنية، وفي مقدمة كل هؤلاء العلماء أن يخططوا لوحدة الصف، ونبذ كل ما يشتت الأمة، ويزرع الشتات، وصناعة منظومات التوافق، ورسم لوحات التفاهم، وصناعة جبهة قوية متراصة، من كل الثوريين السوريين، فهذا واجب الساعة، وفرض الوقت، وهو رأسمال أبناء الثورة، الذي يرجع على سورية والثورة، بالخير الوفير، والكسب العظيم، والنصر المبين.

 (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ {4}) (الصف).

في ظرف عصيب قلَّ نظيره، وواقع أليم ندر مثيله، وصورة مأساوية يصعب وصفها، تمر القضية السورية بمرحلة عسرة، ووقت عصيب، تمثلت ذروته في هذا الذي يجري في حلب الشهباء من دماء دمار، وخراب وكارثة، حقاً: إن حلب تحترق بكل حامل معنى الكلمة، وما في بطنها من مفردات الويل والثبور، البشر صاروا أشلاء، والأطفال من بقي منهم أصبح يتيماً، ومن نجا من الشيوخ خرج بعاهة مستدامة، أرض محروقة، وبيوت مهدمة، وصفير صوت أحدث الأسلحة يلف المشهد بكامله على ألحان إيقاع طيران الروس وهول ما يفعل في واقع الأرض.

ورغم هذا، معنويات الذين على الأرض لا توصف رفعة ومكانة وشموخاً إيمانياً، يخرج أحدهم من بين الأنقاض، وما أدراك ما تحت الأنقاض، وهو يصرخ: قائدنا للأبد، سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم - يحضر واحد إلى مسرح الحدث، ويرى الفاجعة الكبرى، بفقد كل عائلته، فيثبت ويصيح: لن نهزم بإذن الله تعالى، وآخر ينادي بأعلى صوته، وهو يحمل وحيده الذي فارقت روحه جسده: يا الله، يا الله، ما لنا غيرك يا الله.

وهكذا يستقبل هؤلاء الصابرون المصابرون المرابطون قدرهم بصلابة وقوة، ويأخذون ما ألقي على عاتقهم بجلد وثبات، إنه جيل البطولة والفداء، والحضارة والبناء، وهم منصورون بإذن الله تعالى، ومن باب الأمل الواسع صار الناس يرفعون شعار "حلب تحترق لتضيء الدرب للآخرين".

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وإلحاح: ما الدور الذي يجب أن يقوم به المسلم في أصقاع الدنيا، وربوع العالمين؟ ماذا يمكن أن أقدم لشعب سورية؟ ما الذي ينبغي أن نفعله نصرة لحلب الصامدة الصابرة الأبية؟

أسئلة غاية في الأهمية، وهي تضعنا أمام تحديات كبيرة، ومسؤوليات جسام؛ (وقفوهم إنهم مسؤولون).

وهنا نضطر لذكر جملة من برامج العمل التي يجب أن نقوم بها، ومنها:

1- الدعاء، فهو سهم الله الغالب، والله بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تنسوا شعب سورية المحاصر، من صالح دعائكم، ولا تغفلوا عن حلب التي تحترق، فتخصوها بدعوة في أوقات الإجابة.

2- إصدار البيانات القوية، التي تعبر عن حجم المصاب، وتلفت الأنظار إلى كبر الكارثة، وتحث العالم كل العالم، للوقوف إلى جانب هؤلاء المظلومين الأبطال.

3- لا بد من الوقفات الاحتجاجية الصارخة والمظاهرات التي تعمل على إسناد أهلنا في سورية عامة، وحلب خاصة.

4- تنظيم حملات الدعم الإغاثي، وترتيب برامج جمع المال، حتى نخفف عن أهلنا في حلب، وغيرها من المناطق المنكوبة في سورية الأبية.

5- ضرورة ترتيب أسبوع كامل لجملة من المناشط التي تعمل على مساندة أهلنا في حلب، ومنها الندوات، والمحاضرات، وخطب الجمعة، وغير ذلك.

6- الإعلام جيش جرار، له أثره الكبير، وفعله الاستثنائي في مناصرة القضايا، وإسناد الشعوب المظلومة، من هنا وجب تسخير كل ما نملك من وسائل الإعلام لتوظيفها في هذا الشأن، ولعل وسائل التواصل الحديثة لها مكانة خاصة في هذا الشأن، علينا استثمارها في خدمة هذا الهدف النبيل، والعمل الجيل، ومن أحسن فعلاً، ممن ينصر إخوانه في حال الضيق والشدة "والله في عون العبد ما دام العبد، في عون أخيه"، عند ابن حبان بإسناد صحيحٍ قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره».

7- أيها الإخوة في كل مكان، الأمر جد خطير، والقضية لها ما بعدها، فاتقوا الله في إخوانكم، وكونوا معهم في محنتهم، والله تعالى لا يضع أجر من أحسن عمل.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top