د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 05 يناير 2016 09:51

نظام إيران.. كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

لما قام نظام إيران، ظن بعض المسلمين أنهم على الخبير سقطوا، وعلى ناصر المستضعفين، والباحث عن حقوق المضطهدين، وقعوا.

وتوقع بعض الغيورين أن بظهور هذا النظام ستشرق الأرض بنور ربها، وتزين بحملها رسالة الخير، وتعاليم السماء، للإسلام والمسلمين، بل لقضايا الإنسانية العادلة عامة، بما رفعت من شعارات، ودوت صيحاتها بالنداءات، التي للظالمين مقلقات، تارة بخطب للشيخ كشك – يرحمه الله - تذاع، أو مقاطع لسيد قطب – يرحمه الله - من كتبه تتلى، أو أناشيد لأبناء الصحوة الإسلامية، يغرد أصحابها من إذاعات إيران.

والأمر طولاً وعرضاً، مشغول بهذا الحدث المهم، وهذا المولود الآسر، وهذا الشكل الذي تتوق له جماعات من المسلمين، الذي يمثل حالة الخلاص من ظلم الظلمة، وكبرياء الطغاة، وقمع الأحرار، وسجون المستبدين، ومناهج القهر، ومدارس الإرعاب، ومحافل الثبور.

لكن المفاجأة كانت صادمة، لهذا الصنف الذي ظن هذا الظن، وذهب هذا المذهب، وبالمقابل كانت فرصة استنمار لأولئك الباحثين الغيورين، الذين كانوا يرون أن شراً مستطيراً، وخطراً عظيماً، تحمله هذه الثورة! القادمة بثوب جديد، ولكن القديم مؤشر عليه، ودليل على سلوكه، في قادمات الأيام، والتاريخ يعيد نفسه، وخذوا من التاريخ عبرة.

قرؤوا التاريخ القديم بعمق، نظروا ببصيرة الباحث عن الحق، بوقائع الأيام وسياساتها والناتج عنها، في مجال الفكر والعلاقة والتخطيط، فخرجوا بهذه النتائج المحقة - في عالم النواتج والمآلات - وبوقت مبكر، فكان لهم سبق الوعي بالظاهرة، وحسن الإدراك لخطرها، واستشراف صحيح لما سيكون منها، ومن أعمالها وسياساتها، من ويل وشر، ومكائد ومصائب، ومؤامرات ودسائس.

 والذين تأخروا بوعي خطرها اصطفوا إلى جانب الآخرين من الصنف الأول، فصار وعي الخطر حالة شبه عامة، وما عادت الشعارات تنطلي على أحد، من الذين يعون القراءة الثانية، بروح الباحث المنصف، البعيد عن العواطف، أو الذي ينجر وراء دغدغات النفس، وتحريك مشاعر الملمس الحاني في واقع يتلهف لأي نوع من أنواع بعث الأمل في نفوس المقهورين.

ودارت عجلة الحياة، ومرت الأيام، وبدأ المخبوء ينكشف، في كل عام يمر، على هؤلاء المتسلطين على رقاب الشعب الإيراني، ويسومونه سوء العذاب، ويلحقون به أفدح الأضرار، وعلى كل المستويات، وفي المناحي كافة، ولعل على رأسها، وفي مقدمتها، تلك القطيعة الفظيعة التي تصنعها سياسة نظام إيران، بين إيران وسائر أبناء بلدان العالم الإسلامي، والتي لا أظن أنها يمكن أن تمحى من ذاكرة الشعوب، بسبب هذه السياسات الرعناء الحمقاء، بله العرجاء، بل الكسيحة، ولا أريد أن أبالغ فأصف الأمر بأكثر من هذا، رغم أنه يستحق، ما هو أعظم وأشنع، لكني سألتف - ضاغطاً على نفسي - حتى يتحقق المراد من هذه المقالة.

إن العدوان الصارخ الذي يمارسه نظام إيران، على قيم الأمة ومبادئها ورموزها وتاريخها، والتشجيع على هذا، وببجاحة غريبة، ووقاحة مدهشة، يمثل صورة من صور الفتنة التي ربما كانت محور السوء، في القضايا التي لحقت من ممارسات الخراب والدمار والعار والشنار، في كل أنحاء العالم الإسلامي، وسائر أماكن تواجد المسلمين، وكأن هذا النظام مكن من أجل أن يقوم بهذه المهمة، وليس له مهمة أخرى سواها، رغم رفعه لتلك الشعارات التي ما عادت تنطلي على أحد من المسلمين الواعين، فضلاً عن المفكرين والباحثين.

تحالف نظام إيران مع المجرم حافظ الأسد، من اليوم الأول لقيام نظامه المزعوم أيام الخميني، وكان هذا التحالف الباطني الشرير عنوان مرحلة مرّت على المسلمين في سورية - وهم يعانون ما يعانون من نظام حافظ - محملة بالإجرام الذي كان يلف المشهد السوري بكل أبعاده، وتفاصيله كافة وبما حملت في طياتها، من ملفات الويل والثبور، من قتل للأحرار، وتكميم للأفواه، وسجن وتعذيب للأخيار، من أبناء الشعب السوري، وما المشانق التي نصبت بسجن تدمر، لحفاظ كتاب الله تعالى، وللعلماء والمفكرين والسياسيين من كل الاتجاهات عن الناس ببعيد، حتى قضى ما يقارب العشرين ألفاً من صفوة أبناء سورية، ولم يسلم من هذا حر من أبناء هذا الوطن، واقرؤوا إن شئتم "القوقعة" لمسيحي، سجن في تلك الفترة، وروى ما شاهد، وما رأى، مما يشيب لهوله الولدان، وتقشعر منه الأبدان.

ونظام إيران يصطف مع المجرم حافظ الأسد، سفاح سورية، ومنظم خرابها، وما وقع في حماة عام 1982م من جريمة منكرة هزت العالم، وقتل قريباً من أربعين ألف إنسان، ودمرت المدينة على رؤوس ساكنيها، ونظام إيران كان يدعم مجرم العصر حافظ الأسد ويقف إلى جانبه، مصفقاً ومهنئاً أن قضى على هذا العدد الكبير من أبناء حماة البطلة الباسلة، التي أبت أن تقول للمجرم: نعم، أو أن تصفق لجرائمه.

إنها مرارة  في النفس انطبعت في ذهنية أبناء سورية، إنها كارثة تعيش في أعماق القلوب المجروحة المكلومة، تندد بجرائم المساندين الداعمين، قبل أن تعلق على أي أمر آخر، لأن العدو معروف ظاهر، أما هؤلاء الذين تستروا بستار آل البيت، وهم منهم براء واستطاعوا أن يخدعوا بعض أبناء الأمة من الذين كانوا يتطلعون إلى مجد غاب، وشمس صارت وراء القضبان، ولكن هيهات.. هيهات.. كباحث عن العسل من سم الأفاعي.

***

كلما نظرت إلى حدث فيه فتنة في عالمنا الإسلامي، أجد نظام التيه والشرود في إيران، قد دس أنفه، ووضع أصابعه في قلب هذه الفتنة، وذاك الحدث المروع، وتلك الحارقة المذهلة.

من الكويت وما صنع فيها، وما زال يكيد ويدبر ويخطط ويمكر، إلى البحرين، وكيف كان ينشب مخالبه في جسم محنتها، وما زال ينفخ في رماد فتنتها، إلى اليمن، وقد أهاج العماوة، وأدخل السلاح، وورط البلد بمصاب أليم، وها هو رئيس اليمن، وإلى يومنا هذا، يصيح بأعلى صوته، محذراً نظام إيران من مغبة عدوانه على البلد، وإشعال فتيل الأزمة تلو الأزمة فيه، لعله يرعوي ويكف عن شروره، ولكن عنكبوت الشر، في إيران، ما انفك يلازم المؤامرة، إثر المؤامرة، في بلد الإيمان والحكمة، وينسج خيوط المأساة، ولو مع شيوعي ممزق، أو فاجر مهترئ، والمهم أن تتحقق الفتنة، وتراق الدماء، ويحدث القلق، ويتحقق الاضطراب، وهذا ديدن هذه العصابة المتسلطة على الشعب الإيراني.

ثم ألتفت إلى الإمارات، فأرى الجزر أسيرة، وفي العراق ألم وويل وثبور، ونصر للشيطان، وعدوان على الأبرياء، وقتل على الهوية، وقضاء على العلماء والمفكرين، والوجهاء وقادة الرأي.

والمكرة الكبيرة، ما حدث في أفغانستان، وما سبب من تداعيات، ما زال ذلك البلد يعاني من ويلاتها وفتنها وشرورها.

أذهب شرقاً، وأسير غرباً، آخذ البلاد طولاً وعرضاً، والشكوى هي الشكوى، والمصاب هو المصاب، والأمة تشكو من ظلم نظام إيران وما حوى، من إحن وفتن وكوارث، والكل يقول: ما هذا البلاء الذي حل بالأمة؟ وأين كان هذا المستور الشرير، الذي ظهر لنا فجأة، على حين غفلة من أمة، ابتليت بوعيها زمناً، وبحضورها الحضاري فترة لا يستهان بها، لينسجوا فتنة في زوايا الظلمة؟ فيظهر "حزب الله" مصنوعاً على عينهم، برعاية سفاح العصر، حافظ الأسد، فيفعل ما يفعل، ويهدد من يهدد، من أهل لبنان وغيرهم، ويساند مع شيطانه الأكبر القابع في طهران.

نظام العصابة المتسلطة على رقاب الشعب السوري الذي دك المدن بصواريخ "سكود"، وببراميل المتفجرات، ويحرق البلد من طرفه إلى طرفه، شبيح في الضاحية، وآخر في قُم، وثالث في طهران، ورابع في النجف، وخامس في الجنوب، شبيحة بعضها من بعض، وإن اختلفت الأثواب، وتباينت الألوان، فالمعنى واحد، وكلهم إلى جبل رضوى ينتمي.

***

من هنا لا بد من جملة من الملاحظات، التي يجب أن تذكر، في هذا السياق، وبين يدي هذه الحقيقة:

- علينا أن ندرك هذا الخطر، ونستوعب هذا الشكل من المصاب، ونتعامل معه بوعي شديد، وخطة صاحية، وفهم مستنير، ومشروع هادف، يتسم بالواقعية، وينهج نهج قواعد العمل ومنظومته بصورها الصحيحة المنضبطة، بعيداً عن التهور، وتاركاً لغة العاطفة، ويعمل على وضع النقاط على الحروف، بعلم ومعرفة ودراسة، قبل أن يفوت الوقت، ولا ساعة مندم.

- تجنب الدخول في أنفاق ربما يكون الخروج منها عسراً، وهذا يحتاج إلى روية ودأب، وتخطيط وهدوء.

- توصيف طبيعة المشكلة، وأنها مع نظام آذى شعبه، قبل أي أحد آخر، والحذر من الإشعالات التي لها صفة أخرى، وربما تصب في صالح النظام، لأنها ستدخل الأمة في معركة تستهلك فيها، وبها تنهك قواها، وستأتي على الأول والآخر مما بقي منها.

- على الشعب الإيراني أن يعي هذه الحقيقة، ويفهم هذه المصيبة بكل أبعادها، وما ستجره عليهم وعلى غيرهم، من كوارث، وهذا بدوره يحتم على جميع المؤمنين بهذا الخطر، أن يعملوا على التواصل مع أبناء إيران، بكل شرائحهم - الدينية والسياسية والحزبية والثقافية والحقوقية والمجتمعية والرسمية - حتى يتعاونوا معهم في الوصول إلى حلول عملية، تنقذ الموقف، من نفقه المظلم الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى غرق السفينة، فلا بد من الأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء الذين يسوقون الناس نحو الهاوية.

السبت, 12 ديسمبر 2015 09:55

القضية السورية.. ومسألة الهوية

قامت الثورة السورية تطالب بالحرية والعدل وحقوق الإنسان، وهي ثورة شعبية عارمة، شاركت فيها مختلف فئات الشعب، وهذه من مفاخر هذه الثورة، فلم تكن ثورة حزب أو جماعة أو تيار، واستطاعت هذه الثورة – خصوصاً في بداياتها – أن تصنع وحدة وطنية رائعة في الإطار العام، وكان من شعاراتها «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد»؛ ذلك لأن النظام يسعى لتفتيت الناس وتمزيقهم، على أساس مكونات الشعب السوري الانتمائية المعروفة، وهذا خطر يهدد الثورة في مهدها، ومؤشر خطر على مستقبلها؛ لذا حرص الثوار على هذا الأمر، شعوراً منهم بأن الأمر إذا مضى والناس صف واحد، سيكون له أكبر الأثر، في نجاح الثورة، بينما لو حدث الشقاق والخلاف والفرقة، سيؤدي إلى ضياع البلد وفشل الثورة.

هذا الموضوع وهذه القضية تحتاج إلى وعي كبير من قيادات الثورة، وأبنائها بالمستويات كافة، كما أن الأمر يحتاج إلى برنامج عمل دقيق، بناء عليه يكون مسار هذه الثورة، ومن ذلك الحذر من الخوض في تفاصيل الأدلجة، وتقريرات مبسوط الأحكام، والاتفاق على القواسم المشتركة العامة، وعدم الخوض فيما يشق الصف، ويخرب وحدة الناس، ويجب التركيز على إسقاط النظام، ووحدة سورية، وغير ذلك من الأساسيات.

وفعلاً مضى الأمر على هذا المنال، وقدمت أوراق سياسية طيبة، تحمل في طياتها معالم الوعي والشعور بالمسؤولية، ومنها ورقة «ميثاق الشرف الثوري» الذي وقَّعت عليه مجموعة من الفصائل، ومنها «وثيقة المبادئ الخمسة» التي كانت برعاية كريمة من المجلس الإسلامي السوري، ووقَّعت عليها كثير من الفصائل والمجموعات والجماعات، كما شارك في التوقيع عليها مجموعة من الشخصيات الوطنية، التي لها مكانتها، وبين هذه وتلك كانت وثائق وأوراق توافق عليها سياسيون، كلها كانت تصب في المعنى الذي أشرنا إليه.

والثورة في نفس الوقت كانت تخرج من المساجد، وشعاراتها العامة إسلامية، وفي بطنها الأدعية المباركة «يا الله يا الله.. ما لنا غيرك يا الله»، كما كانت نداءاتها بناءة  تدعو إلى التضحية والفداء «شهداء بالملايين.. على الجنة رايحين»، في جو متناغم رضي عنه الناس كافة، حتى إن رئيس المجلس الوطني جورج صبرا، يفخر بأن الذين كانوا يطالبون بالإفراج عنه هم رواد المساجد.

فشعبنا السوري معروف بهويته الإسلامية الأصيلة، وبمرجعيته الشرعية المتينة، القائمة على الفطرة، ونبذ الغلو (التطرف)، فجموع الشعب تؤمن بالتعايش ومارسته مئات السنين، وشعارها استئناف الحياة على معاني الحرية والكرامة، وحقوق الإنسان، وتؤكد قيمة العدل بين الناس، وتندد بالظلم والظالمين، مهما كان انتماؤهم، أو تلونت مشاربهم، إنه الإسلام، بفقهه السياسي المرن، وسياسته الشرعية، التي تقوم على جلب المنافع، ودرء المفاسد، وتحقيق العدل بين الناس، فقه الرشد والوسطية، ونبذ الغلو.

وفي زحمة الحدث ظهرت هنا وهناك، نتوءات خطر، تؤكد غير هذا المعنى، وتحاول المضي بالناس والثورة إلى مربعات بعيدة عن الرشد، وخالية من الحكمة، وتريد سوق الثورة على مشتهاها، في اليمين أو اليسار، وهذا أمر غير مقبول، ولعل بذور ذلك بدأت في بعض المؤتمرات الباكرة.

وكان نصيبها الرد، وحاصرها المخلصون من أبناء هذا الشعب الغيور الميمون.

واليوم تأتي هذه المسألة، ولكن بثوب جديد قديم، وبلغة مرفوضة، وهي استفزاز لمشاعر ملايين المسلمين في سورية، لأنها تمس هوية الأمة، وتحاول التسلل إلى دوائر خصوصيتها، وهذا الأمر لا يملكه أحد من الناس كائناً من كان، وخصوصاً إذا جاء من جهة خارجية، ليس لها علاقة بالبلد وأهله، وعقيدته وتاريخه، إنها الخوض في شؤون الآخرين بدون استئذان ولا «إحم ولا دستور»، فهذا عدوان صارخ، واستهتار بالناس.

إن من أبسط المبادئ العالمية احترام خصوصية الناس، وهذا الأمر يشمل كل الناس «لا إكراه في الدين»، فما لنا نرى الذين يدعون الحرية وحقوق الإنسان يتطالون على الناس في سورية الجريحة، ويحاولون فرض نموذجهم على أبناء هذا الشعب، وعلى مسار ثورته، وعلى مستقبل البلد وشكل التكوين القادم.

اتركوا الأمور لأبناء الشعب السوري، من العلماء والقادة والثوريين والسياسيين، هم من يقرر المعاني التي يريدونها في شأن الحكم والسلطة وإدارة البلد، وتحديد الهوية.

وهذا كله يلفت أنظارنا إلى أهمية الموضوع، وأن على أبناء الشعب السوري وقواه الثورية أن تجتمع كلمتهم على رفض فرض النموذج، وتحديد الهوية.

ديننا بفهم العلماء العدول الثقات سلفاً وخلفاً أغلى ما نملك، ولأجله يرخص كل شيء.

الأربعاء, 02 ديسمبر 2015 10:31

تحولات الأمة.. ملامح وآفاق

العالم الإسلامي، رغم كثير من بشائر الخير، ومعالم النهوض التي تكتنف مشهده الأملي الكبير، الذي يدلل على غد واعد لهذه الأمة، بفضل ما نشهده من بطولات وتضحيات وصبر ومصابرة ومرابطة، وتنذر بميلاد جديد، سيكون قرة عين لهذه الأمة.

صحيح.. إن أمتنا تعيش حالة من القلق والاضطراب، وترسم ملامحه ريش الارتباك، وعدم الاستقرار، في كثير من مفصاله، كما يعاني من أوضاع سياسية وعسكرية وأمنية، تمثل صورة من صور القهر، أو الاحتلال، في أجزاء أخرى من هذا العالم الإسلامي، الذي يمثل أمة الإسلام، كما أن بروز ظاهرة الاصطفاف الطائفي والعرقي، صار يظهر في أشكال مؤلمة، وأوضاع مختلفة، تنذر بشر مستطير، وكان من نتائجه إراقة الدماء، وإثارة الأحقاد، ويمثل هذا الاتجاه نظام إيران وأذرعته الطائفية، في أكثر من مكان، مع ظهور الثورات المضادة، في أكثر بلدان الربيع، التي تعمل على إجهاض هذه التجارب الوليدة، وهي تبحث عن الحرية والعدل والكرامة وحقوق الإنسان.

وفي الوقت نفسه، يبرز المشروع الصهيوني، بصلفه وعنجهيته، مهدداً أهلنا في فلسطين، ومنذراً بخطر كبير، ينتظر القدس وفلسطين، وعلى أعتاب هذا الشأن، تكون حقيقة المقاومة، ويظهر الشعب الفلسطيني، بإرادة صلبة، وجهاد مستحق، ومقاومة فاعلة، وتكون الحقيقة التي لا يجوز تجاوزها، أن الفلسطينيين يدافعون عن الأمة، خصوصاً بعد الاعتداءات المريرة على بيوت الله المفضلة، في تلك البقعة المباركة.

وفي هذا الخضم، تظهر قضية الغلو (التطرف) بصورها البشعة، وألوانها المزيفة، وأشكالها المقززة، وروائحها المنتنة، وطعومها السيئة، التي أربكت الساحة الإسلامية، إرباكاً، خدمت فيه أعداء الأمة، وعملت على مساندة الباطل، بطرائق مختلفة، ومنحت الجهات المتربصة الفرصة ليتخذوا هذا الغلو (التطرف) ذريعة، للانقضاض على كل جميل، فاختلط الحابل بالنابل، وباسم محاربة الإرهاب، حدثت فوضى عارمة، في النظرية والممارسة والسلوك، وصار عدوان على الأبرياء، وإراقة دماء بغير حق، ومصادرة للحقوق على أصحابها.

"ما خير رسول الله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – إلاً اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً".

"خذوا من الأعمال ما تطيقون"، "فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى".

والحركة الإسلامية، بوسطيتها المعهودة، وبفكرها النظيف، وباعتدالها الرباني، كانت واضحة في موقفها من الغلو (التطرف)، فلم تقبل به، بل قاومته في أدبياتها، ورحم الله الإمام الهضيبي، الذي ألف في عز المحنة والابتلاء، كتابه القيم النفيس "دعاة لا قضاة".

وفي هذا الخضم تبرز الثنائيات الرهيبة، وازدواجية المعايير، والكيل بعدة مكاييل، في الحدث الواحد، وفي المكان الواحد، فيترك الإرهابي الكبير، ويحصر الإرهاب في المصنع منه، وهذا في بديع السياسة والحقوق، أمر يثير الدهشة، ويبعث على التعجب غير المحدود.

وفي هذه المقالة، سنتحدث عن جانبين:

الأول: في أبرز التحولات، التي حدثت في السنين المتأخرة.

سنتكلم عن أبرز التحولات التي حدثت في أمة الإسلام، ولا نستطيع أن نتناول كل التحولات.

ولعل أهم تحولات تفرض نفسها، في مثل هذا الوضع الذي يرافق حياة الأمة، ما كان من شأن ما يسمى اصطلاحاً بـ"الربيع العربي".

هذا الربيع، الذي كان نتيجة منطقية، لمقدمات كانت تعاني منها دول "الربيع العربي"، معاناة لا توصف، ضغط منقطع النظير، في مناحي الحياة كافة، أدى إلى هذا الانفجار الثوري الشعبي، وفي مقدمة هذه المعاناة:

- غياب العدل، وانتشار الظلم، وحيثما تكون هكذا معادلة، يحل الويل والقهر، والاستئثار، ونهب الثروة، واستغلال الحياة بكل شعبها، حتى تصب في دهاليز الشر والجريمة، ورحم الله علماء الأمة، الذين أكدوا قاعدة "العدل جماع الحسنات، والظلم جماع السيئات".

- الاستبداد والدكتاتورية، وشيوع لغة القمع: وهذه آفة عانت منها الأمة معاناة لا توصف، وسطر التاريخ المعاصر، صفحات من ظلام، في تدوين وقائع مثل هذه الأخلاق السلطانية المدمرة، فكان الحزب الواحد، قائد المجتمع والدولة، ولا شريك له، وكان الإعلام الفرد، الذي لا تعدد فيه، حيث يطبل ويزمر للحاكم، ومن دار في فلكه، وسار على منهجه، وغابت التعددية السياسية المثرية، والتداول السلمي للسلطة، ما عاد يعرف إلاً في الخطب الجوفاء، والفلسفات التي ملأت أرفف مكتبات التنظير القمعي، فكممت الأفواه، وحبست الأنفاس، وشاعت لغة الاستسلام للحاكم، ويا ويل من خالف، فزوار الفجر له بالانتظار، والزنازين المنفردة، وسجون البؤس تفتح أبوابها الصدئة، لهؤلاء الأحرار، حتى انتشر أدب - ما عرف إلا في زماننا - ألا وهو أدب السجون، حيث ألفت مسرحيات، وكتبت أسفار، ونشرت مذكرات، وأنشدت أشعار، وجرت دراسات، كلها تحكي قصة مأساة، قل أن عرف التاريخ لها مثيلاً، حيث تسطر ما حصل معها وما شاهدت ورأت، من بشاعة المشاهد، ومن صور التعذيب، ومن مرتسمات الواقع المر، من حصاد السنين، مع طغاة حكموا، ففشا ظلام السياسة، وأغلقت نوافذ الحرية، وعلق الأبرار الأخيار على أعواد المشانق، ووقع الناس في إسار الطواغيت، الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.

- أما العامل الاقتصادي: فكان له أكبر الأثر، في حركة الجماهير وتململها، حيث تقلصت الطبقة الوسطى، وظهرت طبقة السلطويين والمقربين منهم، من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، تقابلهم طبقة عامة الناس، من الذين عانوا ما عانوا، في ظل هذا الوضع البئيس المحزن، وهذا ما جعل حدوث فجوة رهيبة بين الحاكم والمحكوم، ليس من سبيل إلى ردمها إلاً بثورة طوفانية، تأتي على آخر كرسي من كراسيهم، ولو برجل يحرق نفسه، أو طفل قلع ظفره، أو شابة صاحت، واشعباه واشعباه.

- فكان "الربيع العربي"، وانتصرت إرادة الشعب – بعون الله وتوفيقه – في تونس الحبيبة، وتغلبت الضحية على الجلاد، واستأنف الناس حياتهم، على قيم بحثوا عنها طويلاً، من خلال دستور صنعوه بأنفسهم، وخريطة طريق حددوا خطوطها، ورسموا معالمها، لينتج عنه تبلور صورة مثلى في مرحلتها الأولى، وتتلوها مرحلة ثانية، تواجه بعض المتاعب، ولكنها في طريق الصول إلى بر الأمان، ولا يكون ذلك إلا من نوافذ الأمن، والاستقرار السياسي، على قاعدة السواء، في فضاء الحرية.

- وسنذكر مثالين، من أمثلة التحولات:

1- في مصر:

- حيث كان الدرس الأكثر وضوحاً، في الانتصار على الفساد الشامل، والتحرر الكامل، والإرادة الحرة، ووضع دستور جديد، وانتخب رئيس لمصر، من خلال صناديق اقتراع، شهد بنزاهتها القاصي والداني، فكان الرئيس المنتخب د. محمد مرسي – فك الله أسره ومن معه من الأحرار الثوار – ولما لم ترق لقوى الظلام هذه الحالة في مصر، دبروا الانقلاب الذي قاده عبدالفتاح السيسي، المنقلب على الرئيس الشرعي للبلاد، بل وخطفه ووضعه في السجن، ورافق ذلك ارتكاب مجازر في رابعة وغيرها، مما تقشعر منه الأبدان، واستمر الحراك الشعبي، في معارضة الانقلاب، من خلال مظاهرات وفعاليات، وحراك مجتمعي لافت، مع تصميم لم يكن يتوقعه المراقبون، وما زال الانسداد السياسي، سيد الموقف، والمشهد بجملته يحكي قصة أزمات رهيبة، وعلى الصعد كافة، ولكن الثوار وأنصار الشرعية، ماضون في طريقهم، حتى تعود الأمور إلى وضعها الصحيح، وعلينا جميعاً أن نسهم في مساندة هذا الحراك الجماهيري، حتى يعود الحق لأهله، ونقنع الدنيا بهذا، ولا بديل إلا هذا.

2- في سورية المجاهدة الصابرة المحتسبة:

فلها قصة وشأن، وهي أم الثورات، بما قدمت وبذلت وضحت وصبرت، وما زالت كذلك بعون الله تعالى، وهي ترسم معالم فضل وخير، تؤشر إلى بشائر مجد للأمة، في قابل أيامها، فالمولود آن أوان سطوعه، وعلامات النصر تلوح في الآفاق، رغم كل الجراح والمحن.

واليوم وبعد خمس سنوات من الصمود في معركة، فرضها نظام الجريمة عليه، وقد خرج بسلمية كاملة، يطالب بحقوقه، ويبحث عن الإصلاح، اليوم وبعد ما يقرب من 300 ألف شهيد، 28% منهم مدنيون، و12% منهم من الأطفال، و11% من النساء، مع ما يقارب 300 ألف جريح، ومثلهم من المعتقلين، وقريب من هذا العدد من المفقودين، أما عدد اللاجئين فيقارب الخمسة ملايين، وعدد النازحين يقارب تسعة ملايين، عدد الأسر المتأثرة يقارب 75% من عدد السكان، عدد الأسر التي بقيت بلا معيل 144 ألف أسرة، مع تدمير لملايين المنازل، ولم تسلم من هذا المساجد ولا المدارس ولا المستشفيات ولا المصانع ولا الجسور ولا الأفران.

إن النظام الذي صار يترنح، في أشهره الأولى، حتى كاد أن يسقط، استنجد بنظام إيران، الذي دخل البلد محتلاً، به وبأذرعته، كـ"حزب الله" اللبناني، وعصائب الحق العراقية، وكتائب طائفية، من هنا وهناك، يقتلون ويذبحون أبناء الشعب السوري، ويرتكبون مجازر ضد الإنسانية، في ذلك البلد المبارك، وكانت روسيا السند السياسي والعسكري لهم، حتى دخلوا في الاحتلال الرسمي لسورية، بزعم أنهم استقدموا من حكومة البلد الشرعية، والحق أن من استقدمهم، ساقط الشرعية، وقاتل الأطفال والنساء، من أبناء هذا الشعب، ولم يكن هناك من بد، إلا أن يتصدى هذا الشعب لهؤلاء الغزاة، ويقاومونهم بما ملكوا من قليل المال والسلاح، وصمدوا وصبروا وما زالوا، وهذا حق تكفله شرائع السماء، ومواثيق حقوق الإنسان، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

الثاني: يكون الكلام فيه، عن مقترح، لملامح عمل:

1- العمل على وحدة الأمة، ونبذ الفرقة: وحدة تنسيق وتعاون وتكامل (وأن هذه أمتكم أمة واحدة)، (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

2- تكامل العمل، في جوانب الحياة كافة، وانفتاح الشعوب الإسلامية على بعضها، بلغة الإفادة من بعضهم، كل بما حباه الله به من فضل ونعمة.

3- التأكيد على كل جهد، يصب في جانب الوحدة والتكامل، والعمل من مكونات العمل الجماعي الرسمي والشعبي، لتكون نواة الانطلاق القوية، في بناء الأمة، باللغة التي ذكرنا.

4- ظهور محاور جديدة، في إطار التعاون في الخير، هذا ما يلزم دعمه والتأكيد عليه، مع الاهتمام بطاقات الأمة المذخورة، في باكستان والهند، وماليزيا وإندونيسيا، وغيرها من بلدان المسلمين، فالأمة فيها خير عظيم، وتمتلك من وسائل القوة، وعناصر التكامل، وقواعد بناء الجسد الواحد، ما لا تمتلكه، أمة من أمم الأرض؛ "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالحمى والسهر".

5- الاهتمام بتركيا وتجربتها الرائدة في إدارة الدولة والمجتمع، ينبغي أن تستثمر في الخير، بحيث نفيد من ساحتها ضمن قانون "لا ضرر ولا ضرار" ونقف مع تركيا، في مواجهة التحديات التي تهددها، والمخاطر التي تحيط بها، فتركيا التي تقف مع قضايا الأمة بشجاعة وقوة وصلابة، تستحق منا هذه الوقفة، وهنا لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لتركيا رئيساً وحكومة وشعباً، على جهودهم الكبيرة في مناصرة القضايا العادلة، ومنها بل في المقدمة منها، قضية الشعب السوري، وثورته العادلة.

6- يجب ترتيب الأولويات، في أحداث الأمة، ومناصرة قضاياها، فيقدم الأهم على المهم، من خلال تنسيق الجهود، وإعطاء الوقائع ما تستحق من ترتيب شرعي وسياسي، بنظر دقيق، وتفحص شامل، يراعي فقه الساعة، وواجب الوقت، ومن هذا الترتيب المهم، قضية الشعب السوري، ووجوب مناصرته، وعدم جواز أن يترك في مواجهة التحديات الجسام التي يواجهها وحيداً؛ "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله".

7- لا تعارض بين الهم القطري، وهم الأمة، أو هكذا يجب أن يكون، فيعمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام في الباقي، وفي أصل المسألة يمكن القول: إن العمل القطري، إذا لم يكن قوياً، فلا يمكن أن يقدم ما ينفع الأمة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فعلينا أن نقوي العمل القطري، ليكون قادراً على المساهمة في حمل غيره.

8- اليوم تمر الأمة، بمخاض عسير، مع تآمر كبير، ويخيم عليها جو متلبد بغيوم عسرة، لا ندري ما الذي ستفرزه، والشعوب هم مادة البقاء، وأهم ما في جعبة هذا، قوته المعنوية، وألا تنكسر نفسياً، ولا تحبط معنوياً، من هنا كان لزاماً على النخب الغيورة في الأمة، أن تضع النقاط على الحروف، وتبث الأمل في النفوس، وتشيع روح الفأل الحسن، وتعمل على النهوض بمعنويات الشعوب، في مواجهة التحديات؛ "ومن قال: هلك الناس، فهو أهلكهم".

9- لغة الحوار، ونشر ثقافة التعايش، والاهتمام بحقوق الإنسان، والأعذار حال التخالف، وإشاعة روح السلم المجتمعي، مع التركيز على هم نشر الدعوة، والاهتمام بالتربية، من أهم مقومات الديمومة، والتعاطي الفاعل في لم الشمل؛ "نعمل على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً، فيما اختلفنا فبه، مما يدخل في دائرة الاجتهاد، والرأي الآخر، فخلاف الرأي لا يفسد للود قضية"، لذا علينا أن نضع ميثاق عهد، يصب خيره في هذا المعنى العميق.

10- العلماء ورثة الأنبياء، وعلى عاتقهم مسؤولية كبيرة، في التأصيل الشرعي، وقيادة الجماهير وتوجيهها، فعلى الأمة أن تهتم بهؤلاء العلماء، وتتواصل معهم، وتتعاون مع مؤسساتهم المشهورة، حتى يكون دور العلماء بارزاً في حياتنا؛ (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، يتأكد هذا المعنى أكثر، عندما نرى علماء السوء والسلطان، وهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويناصرون الطغيان، وصاروا سبباً من أسباب الفتنة. 

هذه الثورة المباركة، الثورة السورية، طال وقتها، لحكمة يريدها الله تعالى، وكل يوم فيها جديد، وإن المتابع لمسار طرق تحركها، يجد عجائب وغرائب، تؤشر على معانٍ جليلة، في أصالة هذا الشعب، وبركة هذه الأرض، فلا غرو! إنها أرض الشام.

ومن تلك التأشيرات، ذلك الصمود المذهل على الأرض، وهذه التضحيات الجسام التي بددت كل ما كان يقال عن استقرار تربية هذا الشعب الغيور المعطاء، فإذا به يفاجئ العالم، ويرسم صورة ذهنية نظيفة عنه، تبرز حقيقته الأصيلة في التعامل مع ملفات الكرامة والعزة والإباء والجهاد والبذل، وهذه التأشيرة علامة خير على صحة المسار، ودفعة أمل تمنح البشرى، وتضع الناس على جادة التوفيق بإذن الله تبارك وتعالى.

فالأمة تكون في أزهى حالاتها، وأروع أدائها، عندما تمتلك القدرة على إثبات الذات بهذه الروحية العالية؛ (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {139}) (آل عمران).

الاحتلال الروسي:

ومما لا شك فيه أن سورية تعتبر محتلة من الروس وبكل المقاييس، وسائر التوصيفات القانونية، وجميع التكييفات الشرعية، وإن تبرير الاحتلال بأنه منقوص لأنه جاء بطلب من الحكومة الشرعية للبلد، حكومة المجرم ساقط الشرعية، بشار الأسد! وهذا التبرير غريب بكل الصور والأشكال والألوان، ومرفوض بكل صنوف الرفض وأنواعه، ذلك أن المجرم بشار الأسد، القاتل المخرب، الذي عاث في الأرض فساداً، وارتكب جرائم ضد الإنسانية في البلد، واقترف مجازر ما عرف التاريخ لها مثيلاً، قد سقطت شرعيته، وصار مطلوب الرأس للشعب السوري، ويجب أن يحاكم، وينال الجزاء الذي يستحق، وذلك كائن بإذن الله تعالى، في يوم من الأيام، بل نقول: إن استقدامه الروس جريمة تضاف إلى سجل جرائمه، وكارثة جديدة تصف إلى جوار مصائبه، على سورية أرضاً وإنساناً.

وها هو الاحتلال الروسي يمارس جرائمه، ويرتكب الفظائع بحق أبناء الشعب السوري، من النساء والشيوخ والأطفال، ويهدم ويخرب، والوثائق في هذا الشأن موجودة، والإحصاءات محفوظة، ويا ظالم لك يوم.

ومن بدهيات المعرفة لواقع هذه القضية، أن غرفة عمليات مشتركة، مقرها بغداد، وتتكون من الرباعي: الروس – والنظام الإيراني – والنظام السوري – والنظام العراقي.

الروس والإرهاب:

يزعم الروس، بأنهم قادمون لمحاربة الإرهاب، وفاتهم أنهم هم أس الإرهاب وأصله، حيث يرتكبون كل هذه الجرائم بحق أبناء الشعب السوري، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الواقع يفضحهم، حيث يقاتلون كذلك الثوار، على اختلاف كتائبهم وألويتهم وفيالقهم، فقتلوا من الجيش الحر، وكذلك أحرار الشام، ولم يفر أحد على الإطلاق، بل صبوا نار غضبهم على ما يعرف بالكتائب المعدلة، قصفوا مقراتهم ومخازنهم، وقتلوا من استطاعوا منهم، وعاثوا فساداً في كل جميل يصلون إليه.

فقضية الإرهاب ليست إلا ذريعة يتذرع بها هؤلاء القوم، ويتخذونها مبرراً وغطاء لمشروعهم اللئيم، وبرنامجهم الاستعماري.. وفي الحقيقة؛ إن الروس قادمون لعدة أسباب، سنأتي عليها، ولكن أهم سبب مباشر الآن هو القضاء على الثورة والثوار، دون تمييز بين فصيل وآخر، وكيان وآخر، وتجمع وتجمع.

صمت الغرب بل رضاه عن احتلال الروس وعدوانها على الشعب السوري:

في بداية الأمر، كان الاستنكار والشجب والتنديد والتحذير، ثم ما لبث موجه القضية أن انقلب مائة وثمانين درجة نحو الصمت والترحيب السكوتي، أو ظهور تحالفات تأييدية، وهنا يكون السؤال: هل هذا من باب توريط الروس بالمستنقع السوري، لاستنزاف قوته، وإدخاله في مسار يوقعه في دائرة التخبط؟ ومن ثم إيقاعه في فخ الدمار له، كما حصل له في أفغانستان، ربما يكون ذلك كذلك، ويحتمل أنه يروق للغرب أن يكون الوضع في سورية بهذه الصورة الذهنية، وجعل الروس الممسحة، حيث يقومون بهذه المهمة القبيحة، بالنيابة عنه في هذا الدور الخطر، وعلى كل حال فإن صمت الغرب، وعلى رأسهم أمريكا، يؤشر على معانٍ غير مريحة، ونيات مبيتة لصناعة شر قادم.

لماذا جاء الروس إلى سورية محتلين؟

وهو سؤال مهم للغاية، فإذا كنا نؤكد أنهم ما جاؤوا لحرب الإرهاب كما يزعمون، إذن لأي شيء هم قادمون؟

من المعلوم لكل متابع للحدث السوري، أن النظام أوشك على السقوط، بعد فترة من انطلاق الثورة، وأصبح عاجزاً عن مقاومة هذه الثورة الشعبية العارمة، استنجد بنظام إيران، الحليف الإستراتيجي لنظام البغي والضلال والفجور والإجرام، قامت إيران بإنقاذ النظام المجرم المنهار المتهاوي، وذلك من خلال الدعم المادي الكثير، والإمداد بالسلاح الوفير، والإسناد بالمال والخبراء، والمواقف السياسية، وتحريك أذرع نظام إيران في المنطقة، كـ"حزب الله" في لبنان، وبعض الكتائب القادمة من العراق، ودخلوا سورية، وصاروا يقاتلون أبناء الشعب السوري، ومجاهديه الأبطال، وفعلوا بسورية ما لم يفعله هولاكو ببغداد، ورغم هذا صمد الشعب السوري في وجوههم، ولقنوهم دروساً لم ينسوها، وفشلوا في إنقاذ النظام المجرم، ولما شارفوا على السقوط، وقاربت نهايتهم، تحت طرقات المجاهدين من أبناء هذا الشعب الأبي البطل الغيور الجسور، اخترعوا قضية استقدام الروس الحلفاء المساندون لنظام الإجرام في سورية، من أول يوم ثار فيه هذا الشعب، وما الفيتو في مجلس الأمن عنا ببعيد.

ويمكن تلخيص أسباب التدخل الروسي بما يأتي:

1- المحافظة على مصالحه الجيوستراتيجية، ومنها تأمين منفذ له إلى المياه الدافئة.

2- وضع قدم تنافسية له في المنطقة.

3- استعادة مكانته على المستوى الدولي.

4- القضاء على الإسلاميين، بحقد دفين، وانتقام أيديولوجي خبيث، لتغييبهم عن أي مشهد قادم في سورية.

5- الاستعداد لعملية سياسية في سورية بقيادة النظام، وتشكيل الأمر على ما يشتهون، فيبتلعون الثورة، ويرسمون الخطة الجديدة، حيث يكون الروس القوة المسيطرة على البلد، ومن الواضح أن موقف الروس من العملية السياسة لم يتغير على الإطلاق، حتى هذه الساعة، وخلاصته تبني النظام بصورة كاملة شاملة، والإصرار على بقاء الأسد وحمايته، وأنه لا يملك أحد تغييره، سوى الشعب السوري، ومن ثم فالأسد شرعي، لأن الشعب اختاره، هكذا زعموا.

أهم النتائج حتى هذه الساعة:

رغم ضربات الروس الموجعة، لكنها لم تستطع تحقيق أي هدف من أهدافها، ومعنويات عالية لدى المقاتلين، وانتصارات على الأرض خصوصاً في ريف حماة، حيث قامت قوات من النظام، و"حزب الله"، ومليشيات إيران، بالهجوم على الريف الشمالي لحماة، بتغطية من الطيران الروسي، وكان الهدف استرجاع بعض القرى والبلدات، ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل، لما كسروا على أيدي المجاهدين، وضربات المقاتلين، واختلفت الإحصاءات في عدد الدبابات والمدرعات والآليات التي دمرت في تلك المعارك، وصارت اللائمة على الروس، الذين قالوا عنهم: إنهم ورطوهم.

الموقف من الاحتلال

كان موقف الثوار واحداً، إذ قالوا: ليس أمامنا سوى الجهاد، وكان موقف الروابط العلمائية كذلك، وأصدر الإخوان المسلمون السوريون بياناً أكدوا وجوب الجهاد والمقاومة، كما نشرت هيئة التأصيل الشرعي للجماعة فتوى بهذا الخصوص، جاء فيها: وبعد، أيها المسلمون:

فهل بعد ذلك تردد في وجوب الجهاد نصرة لدين الله ودفعاً للغازي المعتدي القاتل الذي يستبيح الأعراض ويسفك الدماء ويدمّر الحجر والشجر، ولا يرقب إلاً ولا ذمة، وقد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: 38-39).

ما المطلوب في مواجهة الحدث؟

وهذا الأمر نقسمه إلى قسمين: الأول يتعلق بالسوريين:

- العمل على وحدة الصف، وجمع الكلمة، فيد الله مع الجماعة.

- إيجاد صيغ للعمل المشترك، يمضي في طريق الغرف المشتركة، وتوزيع العمل على أساس تنسيقي، حتى يصل إلى قيادة عمل واحدة.

- الحاجة إلى تكامل الجهود بين السياسيين والثوريين، والداخل والخارج، حتى تنتج عملاً غير متضارب، بل يقوم على قاعدة التعاون الكلي.

- إعادة النظر في كل الملفات؛ السياسية والإعلامية والثورية والعسكرية، وغيرها، وإعادة تموضعها، وترتيب أولوياتها، ورسم خطط جديدة لحراكها، وبناء منظومة عمل على ضوء هذه المتغيرات.

- ضرورة التحرك في إطار دولي لشرح القضية وتطوراتها، واستجلاب المساندة لها وفي المجالات كافة.

الثاني يرتبط بالأمة:

- يجب على أبناء الأمة عامة، وعلى النخب والعلماء خاصة، أن يكونوا سنداً وعوناً، وبناء فاعلية راسخة في مناصرة للشعب السوري؛ من أجل مواجهة الاحتلال، وتعبئة الأمة للوصول إلى حالة القيام بهذا الواجب، بما يرضي الله؛ "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه"، "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".

- ومطلوب من كل الناس أن يتقوا الله، والعودة إليه، مع الإكثار من الدعاء والإخبات، والتضرع بين يدي الله تعالى.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top