د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انتشرت في الآونة الأخيرة دورات تدريبية، أقل ما يقال عنها: إنها مشبوهة فكرياً وعقدياً وقيمياً، تختص بالطاقة وغيرها، فيتم نقل أفكار إلحادية أو وهمية أو استفزازية، بجهل أو كبر من المدرب، ويلحقه تلقائياً المتدرب.

إن من أبرز آفات التدريب التقليد والنقل دون فلترة، مما زاد من انتشار تجار التدريب، أو مدرب شنطة، الذي يتكلم بكل فن دون سقف أو حد، ودون مراعاة للبيئة والدين والقيم الاجتماعية، ودون تقدير لمستوى المتلقي فكرياً وثقافياً ودينياً، وتحول التدريب إلى تجارة أسماء وهمية متواضعة المضمون، حتى إذا تم اختبار المتدرب لا تجد مستواه يتعدى "جيداً".

ودخل عالم التدريب آفات جديدة، أدت إلى أمرين خطيرين في المجتمعات العربية:

أولاً: مشكلة دينية تبدأ بالضعف الإيمانية، وتنتهي بالإلحاد.

فالمدرب يدعو للتفكير وإعمال العقل، ويضرب المثل في العبادات، وبغروره يبدأ بانتقاد علماء الدين دون غيرهم، ويطلب الأدلة والتبريرات الفكرية والعقدية من أناس غير شرعيين، وغير محصنين عقدياً، معتقداً أنه نما التفكير لديهم، فيبدأ الشك يدخل في قلوبهم، ويدخل الغرور في نفوسهم بأنهم قادرون على الفهم والاختيار، وينسفون ما قاله العلماء، حتى رأينا بعض النساء ألقين الحجاب، وبعض الشباب تطاول على الصحابة، ووصل الأمر لدى قلة منهم إلى بوادر الإلحاد، وكل ذلك باسم الفهم والعقل، وهم رجال ونحن رجال، نتيجة لتلك الدورات التخريبية.

ثانياً: مشكلة اجتماعية، تبدأ برفض المرأة للضوابط الاجتماعية، وتنتهي بالطلاق، فالمدرب يدعو المرأة إلى أن.. عيشي حياتك، ‏ابحثي عن ذاتك، ‏استمتعي بعمرك.. إلخ، من الشعارات الجاذبة، دون وضع أطر أو حدود لها، فتتطاول على المجتمع وقيمه، ولا تضع وزناً لا لزوج ولا أب أو أم، ويبقى همها نفسها فقط.

وانتقلت العدوى إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي يستسلم لها الناس بشكل غريب، وكأنه كلام منزل.

يقول د. حمود القشعان: نبهت من طلاق العشرينيات والخمسينيات بعد علم وخبرة ودراسات أكاديمية ميدانية مع حالات منذ عام 1989م، بهدف «التحذير من أشباه المدربين والدخلاء على الاستشارات»، فكم من بيت هدموه بدورات وهمية، والنهاية خراب بيوت، ‏فالأول طلاق متعجل والثاني طلاق مؤجل، ‏وكلاهما يأتي نتيجة تأثير الصديقات، وأشباه المدربين والمدربات بما يسمى دورات التنمية البشرية والطاقة. (بتصرف).

وعادة لا تتدخل الحكومات في مثل هذه الأمور، لاعتبارها اختيارات شخصية، لكن لا بد من رموز المجتمع من التدخل للتحذير والتوعية، قبل أن تقع الفأس في الرأس، فما ترونه اليوم، قد يصل إليكم في الغد، وفي الفم ماء.

ألا هل حذّرت، اللهم فاشهد.‏

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 05 فبراير 2019 14:53

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم

دعا موظف وافد بسيط مديره عند زيارته دوام المساء على العشاء، فاستجاب له، وتكررت الدعوة كلما حضر المدير الذي استغرب من الأكل الذي يحضره، فالكمية كبيرة، والنوعية من الأسماك الطازجة الغالية، فسأل صاحبه عن حكايته، فقال: بدأ هذا الموظف عمله في الكويت منذ 20 سنة، وأحضر زوجته، ورزقهما الله الذرية، إلا أنه كان يقتر على نفسه في المأكل والملبس، ويرسل المبلغ لإخوته لعمل استثمار مشترك للمستقبل، وبعد سنوات اكتشف أنهم استحوذوا على كل الاستثمار، وحملوه الديون، فصدم من عمل إخوانه المقربين، فقرر بعدها أن يمتع نفسه وأسرته بما أنعم الله عليه من خيرات في الكويت، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لا يختلف اثنان على أن كل وافد إنما جاء للعمل لأجل الاسترزاق، وزيادة دخله في بلده، سواء في الخليج أو أوروبا أو أميركا، ولا شيء في ذلك، فهذه سنة الحياة، إلا أن الفرق يكون في خطة ذلك الشخص، رجلا كان أو امرأة، هل هناك نية استقرار أم عودة؟ هل سيعمد إلى التقتير على نفسه من أجل الآخرين (أهله، أقربائه، قبيلته..)، أو لأجل بناء مستقبله في بلده (استثمار، عمارة..)، على حساب نفسيته ومظهره وصحته؟ هل سيعمل ليل نهار لتحقيق أهدافه المالية؟ أم يعيش حياته في بلد العمل (المهجر) بالاستمتاع بما أنعم الله عليه هو وأسرته، واستقطاع مبلغ محدود لأهله وللاستثمار بحسب مستوى دخله؟

نعم.. هو صراع نفسي عند اتخاذ القرار، تحكمه ظروف عديدة، وفق البيئة والتنشئة ومستوى الدخل، والطموح.

عزيزي المقيم في أي بلد.. لا تكن حارسا للمال ليأخذه غيرك، بل كن فاعلا ومستثمرا له، واستمتع بحياتك، ولا تنس أقرباءك بالحسنى، والبس جيدا، واحرص على صحة عيالك، وادخر لمستقبلك، كل وفق دخله وإمكاناته.

ولا أعني الإسراف بأي حال من الأحوال، إنما الحكمة.

يقول أحد المهاجرين في بريطانيا: جئت قبل 55 سنة، والنية أن أقضي عاما أو اثنين بالكثير لأجني المال، ثم أعود إلى وطني، وتجري بي الأيام ليتبين لي أنني لم أحقق الهدف المالي، فأخذت أمدد سنة بعد أخرى، وتزوجت ودرس عيالي في بريطانيا، ولم أحقق الهدف المالي، وتوفيت زوجتي وتقاعدت ولم أحقق الهدف المالي، ولم أملك بيتا لا في وطني ولا في بريطانيا، ولم أستمتع بحياتي.

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم، فالأرزاق بيد الله.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأحد, 03 فبراير 2019 10:39

قبل أن نصل إلى أزمة المياه

بدأت دول كثيرة تدق جرس الإنذار المائي؛ إما في مستوى الهدر والإسراف، أو الشح المائي، وأنا لا أتكلم عن الصحاري والقفار وما يصيبها من جفاف، فالخطر قد شارف المدن الخضراء، وما أكثرها، فقد قرأنا عن الجفاف الذي أصاب مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، وبدأ الناس يحصلون على المياه عن طريق تعبئة جالونات في مراكز خاصة، وكادت تصل إلى مرحلة الصفر لولا رحمة الله، وسبقتها في الجفاف مدينة ساو باولو البرازيلية.

ولعلنا نذكر موجة الجفاف التي أصابت السويد، لعدم هطول الأمطار لأكثر من 4 أشهر؛ مما تسببت في عشرات الحرائق التي حولت آلاف الهكتارات من الغابات إلى رماد، وجعلت المزارعين في وضع صعب للغاية، وكانت مبادرة رائعة من مسلمي السويد عندما أقاموا صلاة الاستسقاء في العاصمة أستوكهولم، أسعدت الناس لهذه المشاعر الوطنية والإنسانية.

ولا يخفى على أحد أن الصراع العالمي القادم سيكون حول المياه، فبوادره الأولى واضحة من مشكلات سدود الأنهار الشهيرة التي تغذي عدة دول؛ مثل النيل ودجلة والفرات، وبلا شك فإن شح المياه سيؤدي لنزاعات وحروب، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط.

ولأزمة المياه مظاهر عدة، أبرزها قلة المياه الصالحة للشرب، وقلة مياه استخدام الصرف الصحي، ونضوب المياه الجوفية وتأثيرها السلبي على الإنتاج الزراعي، وتلوث موارد المياه بسبب المجاري والمخلفات الكيميائية والنووية، وانتقال الأمراض عن طريق المياه الجارية، حتى نجد أنفسنا بين تصحر وجفاف.

لقد استطاعت البرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهما من الدول تجاوز المحنة بتطبيق نظم صارمة بخصوص الإسراف، ولكنها ما زالت على حافة الخطر، حتى الدول الإسكندنافية الباردة والمليئة بالثلوج عانت من الجفاف، وستعاني دول كثيرة ما لم تمتنع عن الإسراف، فقد بين تقرير للأمم المتحدة أن عدم كفاية المياه في كثير من الأحيان بسبب سوء الإدارة والفساد.

وكم أعلن قياديون في وزارة الكهرباء والماء عن تصدر دولة الكويت الهدر المائي في العالم (استهلاك الفرد)، وهذا مؤشر خطير لبلد صغير، بعدد سكان قليل، وسط صحراء، وقرب بحر مالح، وتحرق ملايين براميل النفط في المصافي؛ لأجل الحصول على الماء الصافي.

فينبغي على الدول أن تعي هذه الخطورة بشكل مسبق، حتى لا نصل إلى مرحلة «لا علاج، ولا دواء»، بما فيها الدول الغنية بالماء، ويكون ذلك بسن قوانين الهدر، وتقسيم تعرفة الماء وفق شرائح؛ فكلما ارتفع الهدر؛ ارتفعت معه التعرفة.

ومن الضروري بمكان استمرار التوعية بأهمية عدم الإسراف بالماء، فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ؛ فقال: «ما هذا السرف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم.. وإن كنت على نهر جار»، وقال: «إن للوضوء شيطاناً يقال له ولهان فاتقوا وسواس الماء»، فإذا كان ذلك في الوضوء وهو ركن الصلاة، فكيف بباقي حياتنا اليومية؟!

إن المحافظة على استهلاك المياه يدخل ضمن الأمن القومي لأي بلد، فلنستدرك ما يمكن إدراكه قبل أن نصل إلى أزمة المياه، ونجد أنفسنا نستجديه.. أو نهاجر!

الثلاثاء, 29 يناير 2019 15:12

أمون عليك ولا أمون على أخوي

كنا نتحاور في إحدى الديوانيات حول بعض النباتات المفيدة في الوقاية والعلاج، وذكر رجل ستيني نبتة «المورينغا» وفوائدها العديدة، والكل منتبه إليه، وهي نبتة مفيدة للعديد من الأمراض المستعصية، يعود أصلها إلى الهند، وتنمو في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وهناك من جرب زراعتها في الكويت ونجحت، وقال إن أخاه زرعها في مزرعته، وأحضر ورقة منها عرضها علينا، فبادره أحد الحضور بطلب أوراق منها لأنه يعاني من مرض ما ويرغب في العلاج بها، فرد عليه وهو مطأطئ رأسه: اعذرني.. فأنا لا أستطيع أن أطلبها منه، فوالله إني أمون عليك ولا أمون على أخوي. فصمت الجميع أمام هذه الكلمة، وتم تغيير الموضوع.

كم آلمني هذا الرد المفاجئ، واستوقفتني جملته «أمون عليك ولا أمون على أخوي»، فماذا بعد هذا العمر بين أخوين وقد شارف على السبعين؟ وكيف يسمح أخوه لنفسه بأن يمون عليه ربعه، ولا يمون عليه أخوه الأكبر؟ ما هذا التفكير الذي ضيق بين أخوين؟

يقول أحد الشباب: اتصل عليّ صديق عزيز، وقال أنا محتاج الآن 150 ديناراً، فقلت له: حياك الله.. وجاءني فوراً وأعطيته المبلغ، ورحل.. سألته فيما بعد: أعرف أن لديك إخوة كثيرين، وبعضهم يملك مالاً لا بأس به، ومبلغ 150 ديناراً ليس كثيراً، فقال: العلاقة بيني وبين إخواني وأخواتي شبه رسمية، صحيح نلتقي أسبوعياً على غداء وعشاء، لكني لا أستطيع طلب شيء من أي أحد، وأمون عليك أكثر منهم.

يا إلهي.. ما هذه الحياة الجافة بين الإخوة، وكيف يهنأ لهم بال بهذه النفسية القاسية، وقد انتزعوا المحبة والمودة من قلوبهم؟

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن عدداً كبيراً من الأسر تعيش هذه النفسية، ولكنها لا تعلنها، وما أعلنها إلا من ضاقت به نفسه، والأسباب في ذلك عديدة ومختلفة، ولسنا بصدد علاجها، لأنها أمراض اجتماعية مزمنة، ولكن لابد من التعايش معها بما يحقق التعامل الإنساني بين الإخوة، واستخدام التغافل، وافتعال المودة ولو مجاملة، دون إهدار كرامة أو إذلال أو إهانة، ودون كيديات، فسلوك غير أخلاقي أن تعامل الآخرين أفضل من أخيك.

أكرر.. عندما تعامل الآخرين أفضل من أخيك، فذاك سلوك غير أخلاقي.

أعرف رجلاً غنياً أدخل إخوانه البسطاء في تجارته، فأصبحوا أسماء لامعة، ويقدم أخاه الأكبر في المجالس، ولا يتمنن عليهم أبداً، وغنيا آخر أشرك أخاه البخيل الميسور في بعض تجارته، فلما رآه لا ينفقها على نفسه ولا عياله، بدأ يصرف عليه بشكل غير مباشر، رأفة به وبعياله، ولا يشعره بأي فضل.. كل ذلك من باب تجاوز الاختلافات، ولم الشمل.

"الدنيا زائلة".. كلمة نرددها كل يوم، ونتخذها شعاراً عند الحديث عن الآخرين، ولكننا قد نفتقد تطبيقها على أنفسنا، والسبب باختصار شعور «النقص» الذي أدى إلى «الكبر»، وليس بالضرورة أن يكون الكبر من الغني فقط، فقد جاء في الحديث «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر»، والعائل هو الفقير، لذا جاء التحذير.

أعرف أن الكلام ثقيل على النفس، ولكن لابد من التذكرة، فلا أجمل من تحقيق معاني الأخوة بشموليتها، قولاً وفعلاً، وما أجمل أن يقول ذلك الستيني أمام الناس وبكل فخر: نعم.. أمون على أخوي.

معلومة: «المورينغا» شجرة طويلة ونحيفة، ومن أسمائها «البان»، لذا توصف المرأة الطويلة الممشوقة القوام عند العرب بأنها مثل "غصن البان".

________________________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة " الأنباء" الكويتية.

الأربعاء, 23 يناير 2019 13:06

هل هروب الفتيات ظاهرة؟

انتشر قبل أيام خبر هروب فتاة سعودية قاصر وأكاديمية كويتية إلى كندا وأمريكا، وأعلنت إحداهما الإلحاد، وساعدت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بنشر الخبر؛ وإلا لما علم عنهما أحد، ولكن يا ترى هل سيكون الهروب الأخير؟ وهل هروب الفتيات والإلحاد ظاهرة؟

نظراً للتكتم الشديد على تلك الأخبار التي سمعت عنها منذ أكثر من 15 عاماً، لا نستطيع الحكم على حجمها، إلا أنها حالياً تعد حالات فردية وليست ظاهرة.

وللتكتم فوائد إيجابية بعدم تشجيع ضعاف النفوس لذات الممارسة، وبالمقابل.. فإن كتمها دون دراسة وعلاج ووقاية، فلن يتحقق أي تقدم إيجابي، بل الخوف أن تتحول من حالات فردية إلى ظاهرة جماعية لاحقاً.

يبدأ الهروب في كل مكان في العالم من الحصص الدراسية، ثم من المدرسة، ثم من المعهد والكلية حيث تنعدم الرقابة تماماً، وهذا الهروب مؤقت يلحقه عودة، وإذا لم يجد الهارب من يستوعبه ويعالجه قد يتحول إلى هروب دائم، وأقلها تراجع قيمي وأخلاقي وديني.

وللأسف.. ركزت وسائل الإعلام على أمرين: الهروب والإلحاد، ولم تشرح الأسباب التي أدت لذلك، ولا أعني الأسباب التي أعلنها الهاربون، بل الأسباب الخفية التي تسببت بذلك.

اطلعت على تغريدة للأستاذة حصة العبداللطيف بعنوان "هل صدمكم هروب بعض فتياتنا للخارج؟"، جرتنا معها إلى تغريدات أخرى في سلسلة أسمتها "هروب الفتيات وإلحادهن"، تطرقت فيها إلى بعض الأسباب التي سببت ذلك الهروب أو الإلحاد، من خلال خبرتها الميدانية لربع قرن، بين التعليم والتدريب والإرشاد وزيارة السجون ودار الفتيات، وتقديم تقارير لجهات الاختصاص حول انحراف الفتيات، والأمن الفكري، والقضايا السلوكية والأخلاقية والشذوذ والإيمو والتشبه.. وسأنقل تلك التغريدات بشكل مختصر، مع التصرف والتعليق والإضافة.

بدأت كلامها بصدمتها لسرعة التغيرات المُخيفة في تفكير طالبات الثانوية الفكرية والعقدية، وتقول: لن يتوقف هروب الصغار وإلحادهم إلا بمعالجة حقيقية للأسباب، وأهمها السخرية من الدين والمتمسكين به، والاستخفاف بالثوابت، وهز قيمة العلماء، وتتبع عثرات المصلحين وتضخيمها، وبثها بشكل ممنهج في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، باسم النقد، والكوميديا، في مسلسلات تلفزيونية، ومقالات صحفية، وروايات.. وغير ذلك، وجعلوا النص الشرعي وفهمه وكيفية تطبيقه بمثابة الأكل والشرب واللبس، فالكل يمارس التّذوق والنقد والإفتاء والإلغاء، لأكثر من ربع قرن.

خرج بعدها جيل يتجاهل العلم الشرعي، ولا يملك منهجية التعامل مع النصوص والاختلاف، ولا يملك أدوات الحوار ولا قواعد النتائج، ويعتقد أن نقد النص الشرعي وتأويله بما يراه عقله حق من حقوقه، ثم تكونت لديه حالة "الانتقائية" من الشرائع والأحكام باسم "الوسطية".

ومن أسباب انحراف الفتيات الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة، وهذا أمر ينبغي أن نقر به، فباسم الدين تارة، وباسم العادات والتقاليد السلبية تارة أخرى؛ يقع على المرأة ظلم عظيم، ويورث هذا الظلم الحقد والكراهية لدى الفتيات اللائي يبحثن عن وسيلة للانتقام من المجتمع ولو على حساب الذات.. وهذا ليس على سبيل التعميم، إنما الأسر التي تتعرض للظلم.

ويعد غياب الوعي لدى الأسرة من أهم الأسباب، فقد يظن الوالدان أن توفير المال والملبس والمأكل غاية المنى للأبناء، متناسين الارتباط العاطفي بينهم، وبالأخص بين الأب والبنات، والأم والأبناء، وإشباع المشاعر، والتوجيه التربوي المستمر، دون إهانة أو كسر همم.

ومن الأسباب الأخرى الفراغ وغياب الوعي بالذات، فلا بد من إشغال أوقات الأبناء بما هو مفيد في الأندية الثقافية والرياضية والعمل التطوعي، وتفريغ طاقتهم وتعريفهم بقدراتهم، حتى لا يشعر الابن أنه عدد زائد لا فائدة منه، فيسهل انحرافه وانجرافه.

ومن الضروري تذكير الأبناء بهويتهم الإسلامية الشرقية العربية، خصوصاً عند السفر سواء للسياحة أو العلاج أو الدراسة، وتأهيلهم للمشاهدات المبهرة للعين في تلك البلاد، وقولة هند الشهيرة: "أو تزني الحرة يا رسول الله؟!".

وما دمنا في بلاد الغرب؛ فليتعرف الأبناء على تاريخهم وحروبهم وأفكارهم المادية، وكيف أنهم تجاوزوها بالعلم الذي أعطاهم القوة والمقدمة، لا بالأزياء والإلحاد، فما زالت الكنيسة هي المرجع، ولها القوة والمنعة، رغم أنهم ضيعوا دينهم وعقيدتهم.

ولا بأس من مشاهدة المشردين (Homeless) والسكارى والمدمنين ليعرفوا جزءاً من واقعهم المرير، وتعريفهم بانحسار الزواج عندهم وتقلص مفهوم الأسرة، لدرجة ألا يرى الابن والديه إلا بالسنة مرة، هذا إذا رآهما.

وليطلعوا على نظام الضرائب عندهم، ومستوى الدخل، وحجم بيوتهم، وحقيقة المساواة بين الرجل والمرأة.. في البيت والراتب والتحرش اليومي والابتزاز الجنسي وحمل السفاح.. وغير ذلك.

وليروا الخواء الروحي الذي يعيشونه بلا دين حقيقي كما هم يقولون، واعتداء القساوسة جنسياً على الأطفال، حتى البابا الأكبر يخضع للوبي الصهيوني، كما أظهرته وسائل عديدة.

ولا ينبغي علينا أن نتناسى الأجهزة المحمولة التي يتعامل معها أبناؤنا على مدار الساعة، دون توعية وقائية قبل استخدامها، ونحن أمام انفتاح إعلامي ووسائل تواصل اجتماعي لا حدود لها، تقابلها أدوات دعائية يقدمها الغرب عالية الجودة والمهنية، تجذب معها الجميع نحو أهدافهم.

تقول أ. حصة: اعتدت مع طالباتي أن أرسم على السبورة دائرة صغيرة واكتب داخلها "دائرة الإلحاد المركزية"، ثم أضعها في دائرة كبيرة بحجم السبورة وأكتب "دائرة مقدمات الإلحاد"، وأكرر عليهن أنه من الصعب أن يقفز الإنسان لدائرة الإلحاد المركزية مباشرة، لكن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فمقدمات الإلحاد متعددة وخطيرة على العقيدة، تشبه الغابات الاستوائية المتشابكة؛ تتشابه فيها الطرق دون معالم واضحة، فيفاجأ فيها الفرد بين منحدر خطير، وواد مليء بالثعابين، ومستنقعات طينية وأنهار مليئة بالتماسيح.

وهكذا يفعل الشيطان.. يبدأ بالتشكيك بالدين والطعن والسخرية وبث روح الانهزامية، وقاعدة الشيخ له عقل وأنا لي عقل، وتزيين أصحاب الفكر المنحرف لأنه منحرف، رابطاً ذلك بالشهوات الجميلة، ووهم الحرية والمتعة، حتى إذا استسلم سقط واستصعب العودة، فليس له سوى الهروب.

قد ينسى كثير من الآباء الدعاء لأبنائهم، وهو أقل الجهد، فهداية الأبناء هبة من الله ونعمة ليست من صنيع الإنسان، لكن العبد المؤمن يستدرها بطاعة الله، فكم ابتلي الأنبياء بكفر الأبناء والزوجات، لأن ذلك قدر الله بعد بذل الجهد في التربية والتوجيه والدعاء، وفِي كُفر ابن سيدنا نوح عليه السلام مع تربيته وتوجيهه عزاء لكل من بذل واجتهد وابتلي بفلذات كبده.

أسأل الله أن يحفظ أبناءنا وبناتنا من الانحراف بكافة أنواعه، وأن يصلحهم ويثبتهم على الدين، وأن يحسن خاتمتنا أجمعين، ولعل ما حصل يدق جرس الإنذار لدى المسؤولين والآباء للتحرك قبل وقوع الفأس بالرأس، حينها لا ينفع الندم.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "أحوال الكويت".

الثلاثاء, 22 يناير 2019 15:57

احذر من الحمقى أو أن تكون منهم

عانى السجناء في الستينيات من المعاملة السيئة وقسوة حراس السجن، وكان أحد السجناء يدعى «شميدث» يحصل على امتيازات جيدة ومعاملة حسنة من قبل الحراس، مما جعل بقية السجناء يتهمونه بأنه عميل مزروع بينهم، وكان يقسم لهم: إنه سجين مثلهم وليس له علاقة بالأجهزة الأمنية، لكنهم لم يصدقوه، وقالوا له: لو كنت كذلك.. فلم يعاملك حراس السجن بأسلوب مختلف عنا؟

فقال لهم شميدث: حسنا.. أخبروني ماذا تكتبون في رسائلكم الأسبوعية لأقاربكم؟

فقال الجميع: نذكر لهم في رسائلنا قسوة السجن والظلم الذي نتكبده هنا على أيدي الحراس القساة.

فرد عليهم باسماً: أما أنا.. ففي كل أسبوع عندما أكتب رسائلي لزوجتي، أذكر في السطور الأخيرة محاسن السجن والحراس ومعاملتهم الجيدة هنا، وأحياناً أذكر أسماء بعض الحراس الشخصية في رسائلي وأمتدحهم.

فرد عليه أحد السجناء: وما دخل هذا كله بالامتيازات التي تحصل عليها وأنت تعلم أن معاملتهم قاسية؟

فقال: لأن جميع رسائلنا يقرؤها الحراس قبل أن تخرج من السجن، ويطلعون على كل صغيرة وكبيرة فيها، فعندما يقرؤون الثناء عليهم يسعدون ويحسنون معاملتي، فغيروا طريقة كتابة رسائلكم.

وبعد مضي أسبوع، وبعدما أرسل السجناء رسائلهم لأقاربهم، فوجئوا بأن جميع حراس السجن تغيرت معاملتهم لهم للأسوأ، حتى «شميدث» كان معهم ونال أقسى العقوبات.

فسأل «شميدث» بعض السجناء: ماذا كتبتم في رسائلكم هذا الأسبوع؟

فقالوا: لقد كتبنا أن «شميدث» علمنا طريقة جديدة لكي نخدع الحراس القساة ونكسب ثقتهم ورضاهم!

فلطم شميدث خديه حسرة وندامة، وجلس يسحب شعر رأسه كالمجانين.

قصة لطيفة تبعث رسالة لنا جميعاً بعدم الاستعجال بسرد أخبارك ومعلوماتك وخصوصياتك، وألا تبوح بأسرارك للآخرين مهما كانت ثقتك بهم، فبعضنا يكثر الفضفضة، التي قد يلتقطها من هو ليس أهلاً لها، وينقلها لمن لا يستحقها، فتنقلب على صاحبها، بحسن نية أو سوئها.

وما دمت لا تستطيع الاحتفاظ بسرك في صدرك، فثق تماماً أن الآخرين لا يملكون صدراً كافياً للاحتفاظ بأسرار غيرهم.

نعم.. من الجميل أن تساعد الآخرين، وتكشف لهم بعض الأمور الحياتية للاستفادة منها، والأجمل أن تعرف مع من تتكلم، وما حدود الكلام المتاح والمباح، ولعل البعض يستغل المعلومات استغلالاً سيئاً، وقد يسيؤون التصرف فيضعونك في موقف حرج، فما يتناسب معك قد لا يتناسب مع غيرك.

أعرف أحد الأصدقاء يحصل على أسعار مخفضة في التذاكر والفنادق والمشتريات، ولم يخبر أحداً إلى الآن بسره، وهناك أصدقاء يتاجرون بالأسهم والعقار داخل وخارج الكويت، ولا يخبرون أحداً التفاصيل، وهناك من تزوج اثنتين وثلاثاً ولا يعلم أحد، وهناك من يعمل في 5 - 10 وظائف ولجان واستشارات بكتمان شديد، لأن أي واحد منهم لو أفشى سره أو معلوماته فسيأخذها غيره، وليس الخوف بأن يستفيد منها بقدر ما يسيء إليها (يخرب عليه).

لذا.. تعمد الاستخبارات العالمية لاستخدام النساء، لأنهن الأقدر على استجلاب المعلومات من الرجال الحمقى، فلا تكونوا مثلهم.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 15 يناير 2019 18:18

كيف نصنع هوية السفارة؟

عندما تدخل إلى أي سفارة، فإن أول ما يلفت نظرك هو الديكور الداخلي، لأنك تتوقع أن يكون انعكاساً لبيئة ذلك البلد، ثم أسلوب الاستقبال والتعاون معك، الذي يعكس في الغالب طبيعة ذلك البلد، ثم الضيافة التي تمثل مستوى الكرم، ونوع الضيافة التي يقدمونها، وبالتالي تتكون لديك ثقافة أولية حول ذلك البلد، وتنطبع لديك الصورة الذهنية، وتبدأ تنقلها بإيجابياتها وسلبياتها باسم «هوية السفارة».

لذلك تحرص بعض الدول على أن تبني سفاراتها بنفسها إن تيسر الأمر، حتى تستطيع إضافة لمسات فنية من التراث الخاص بهم، بدءاً من الباب الخارجي، مروراً بالاستقبال والممرات وانتهاء بغرف السفير والدبلوماسيين، وإن لم يتيسر لهم ذلك، فإنهم يحاولون إضفاء تلك اللمسات بما هو متاح، المهم تبقى «هوية البلد» واضحة.

يذكر أحد الأصدقاء أن إيران أسست مركزاً ثقافياً في إحدى الدول الأوروبية، ولمعرفتهم بأن الأوروبيين يعشقون الفنون، فقد غطوا الجدران بلوحات فنية تراثية من بلاد فارس، وطبعوا المطويات والكتيبات التي تشرحها من جانب فني بلغة ذلك البلد، وكذا تجد سفاراتهم تعج بالفنون التراثية الرائعة التي تلفت الأنظار، حتى إنك تعرف السفارة الإيرانية من بوابتها الخارجية برسومها الفسيفسائية.

وبالتأكيد فإنك لن تخرج من أي سفارة كويتية بدون مجلة "العربي" ومجلة "الكويت"، ولن تخرج من السفارة السعودية بدون مصحف، وهذه صورة ثقافية أخرى.

ولعلك تتذوق الحلوى في السفارتين البحرينية والعُمانية، وتتذوق الكنافة في السفارة اللبنانية، والحلقوم في السفارة التركية، وهذه إحدى الصور الذهنية لعادات وتقاليد الضيافة في تلك البلاد.

ولأهمية النظرة الأولى في السفارات، أولت بعض وزارات الخارجية اهتماماً بهذا الجانب، فالاتصال علم تستثمره العديد من الدول لتحقيق أهدافها، وأقلها الخروج بصورة ذهنية متميزة، وانطباع إيجابي عن تلك البلد، فخصصت إدارة معنية بتصميم السفارات من ناحية فنية، ووضعت شكلاً موحداً لجميع المداخل والغرف والقاعات، مع المرونة وفق المساحة والإمكانيات المتاحة، وهو ما نطلق عليه «الهوية».

ومن اللمسات واللمحات التي تساعد في رسم الصورة الذهنية عن المكان الآتي:

- كما تعرف الدول من أعلامها، فيمكننا التعريف بها بنشر أبرز معالمها، ولعل أبرز معلم كويتي في العالم هو «أبراج الكويت»، الذي انتشر لأنه كان المعلم الوحيد قبل 45 سنة، ولمدة 30 سنة، حتى بدأت تظهر الأبراج الأخرى.

- توفير مطبوعات عن تلك المعالم وغيرها بعدة لغات، ووسائل التواصل مع الجهات المعنية بها في البلد.

- توفير مطبوعات لمختلف الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية التي تناسب مختلف الأذواق والأعمار.

- تقديم الضيافة الشعبية إن توافرت قدر المستطاع، ولعلنا في الخليج نتميز بالتمر ودلة القهوة.

- تعليق صور معالم البلاد وأبرز الإنجازات والمناسبات، واللوحات الفنية الشهيرة، من أول المدخل حتى نهاية جميع الأجنحة، مع تعليق شارح لها.

- أن يكون في الاستقبال مواطن وليس موظفاً من تلك البلاد، أو وافد.

وغير ذلك من الأمور التي تصنع هوية السفارات الموحدة، التي هي بالنهاية هوية البلد الأم، التي يفضل عند وضعها الاستعانة بمختصين من علم النفس والاجتماع والإعلام والعلاقات العامة، هوية تبقى في الذاكرة بشكل إيجابي وسعيد.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

بقلم: د. عصام عبداللطيف الفليج

 

هل تذكرون مسلسلي «الغرباء» و«مدينة الرياح» وغيرهما من الأعمال الدرامية الرمضانية، التي كنا نجتمع حولها بعد الفطور، ثم نتجه لصلاة العشاء والتراويح؟ كنا نعتقد أنها أعمال موجهة للأطفال، ولم نربط الأحداث وكلمات المقدمة بالواقع، ثم اكتشفنا ارتباطها تماماً بالاحتلال العراقي الغاشم للكويت، وكأنها تحذرنا منه.

نعم.. يعمد كثير من الأدباء والمؤلفين والمنتجين في العالم لإنتاج أعمال فنية تبعث من خلالها رسالة للحكومات أو جهات معنية، فقد تكون رسالة تحذيرية «آلام المسيح»، أو رسالة توعوية «إلى أبي وأمي مع التحية»، وقد يستوعب المتلقي الرسالة ويستجيب لها، وقد يتجاهلها كما هو الغالب العام، فتأتي النتائج سلبية.

وتستعد هذه الأيام شركات الإنتاج الفني في العالم العربي لإنتاج مسلسلات شهر رمضان القادم، لتبيعها على عدة قنوات فضائية، ومنها "تلفزيون الكويت"، الذي يشارك أيضاً بعدة أعمال كويتية بصفة منتج منفذ.

وأذكر أنني كتبت مقالاً قبل سنوات ذكرت فيه أن التلفزيون هنا هو صاحب اليد العليا، فهو المشتري أو الممول الرئيس للعمل الفني، وعليه أن يفرض قيمه وأهدافه على المنفذ، لا أن يقبل الجمل بما حمل، واقترحت أن تحدد وزارة الإعلام أهدافاً قيمية وتنموية في كل عام، وتطلب من المنتجين الالتزام بها ضمن العمل، وعرضها ورقياً وعملياً على الجهات المعنية، والاستعانة بالأدباء وكتَّاب الرواية الكبار وأساتذة المعهد العالي للفنون المسرحية في تقييم الأعمال.

وبالفعل، استجابت الوزارة لبضع سنوات بوضع إعلانات مبكرة تحدد فيها القيم المطلوبة، إلا أنها ومع تعاقب المسؤولين في الوزارة توقفت.

ونجدد اليوم ذلك المقترح لوزارة الإعلام، وأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، فهناك شبه اتفاق اجتماعي بعدم قبول معظم محتويات التمثيليات الرمضانية، وأنها لا تمثل في مجملها حقيقة المجتمع الكويتي، بقدر ما تشوه سمعته وتاريخه، وتفتقد إلى القيم الإيجابية، وتعتمد الطرح السلبي، وتدعو إلى الحزن والكآبة، فضلاً عن اللهجة المصطنعة التي ينبغي أن تقف لها الوزارة كواجهة وطنية.

وينبغي التحذير من المساس بالقيم الدينية بشكل أو بآخر، أو تشويه صورة المسلمين أو المتدينين لأسباب إخراجية أو حاجة في نفس يعقوب، والتنبيه لعدم السخرية من التراث الكويتي والعادات والتقاليد، فهذا ما لا يليق بتلفزيون ولا إذاعة الكويت، ولا يقبله أي شخص يرى أنه مواطن حقيقي.

كما أن الطرح السطحي المكرر، والأسلوب الوعظي المباشر، والإسفاف في الألفاظ، والمبالغة في الأزياء، لا يجد قبولاً ولا أذناً صاغية، لذا.. فنحن بحاجة إلى شيء من الذكاء الاجتماعي في طرح القيم، لتصل الرسالة بشكل سلس إلى القلب الواعي والعقل الباطن، وحتى نحقق ذلك.. علينا الاستعانة باختصاصي نفسي واجتماعي وتربوي، من أصحاب الخبرة الميدانية، وهذا ما تقوم عليه كبار شركات هوليوود حتى تحقق أداء يقارب الواقع، وإنتاجاً يلامس الوجدان، مبتعدة عن الآثار السلبية للعمل، حتى لا نبني قيمة ونهدم أخرى.

وأخيراً.. ضرورة تضمين تصوير الأزياء الكويتية قدر المستطاع، والمعالم التراثية والسياحية والمجمعات التجارية والأسواق والمقاهي الشعبية والحدائق الشهيرة والمرافق العامة، لأن وطننا يستحق أن نتكلم عنه بأفعاله وإنجازاته وأبطاله ورموزه ومعالمه ومبانيه وأبراجه.

أعلم أن أمام وزارة الإعلام مسؤولية وطنية كبيرة، فالمسألة ليست تعبئة ساعات زمنية للدورة التلفزيونية، ومنافسة العرض الأول، بقدر التميز في المحتوى والمضمون، اللهم بلغنا رمضان وأعنا على صيامه وقيامه.

 

_______________________________

(*) ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 لم يعد الكلام عن أثر الإعلام والمسلسلات والسينما والمسرح على القيم في مختلف المجتمعات من باب التنظير والإثبات، فقد تجاوزنا هذه المرحلة إلى الميدانية، من خلال ثلاثة تفاعلات: الوقاية من الآثار السلبية المتوقعة، ولعل هذه تحتاج تشريعات وبرامج تربوية، ومعالجة ما سبق منها من خلال برامج اجتماعية، والتعايش مع الواقع بالاستفادة مما هو متاح.

لقد استخدمت الحكومات في العالم الأعمال الفنية والسينمائية والمسرحية لتحقيق أهدافها المختلفة؛ السياسية والاجتماعية والقيمية والتوعوية والتوجيهية والأمنية، وانتقلت هذه العدوى إلى الأحزاب السياسية والتجار في صراعاتهم مع الحكومات، لتحقيق مآربهم، وأنتجت آلاف الأفلام والمسلسلات والمسرحيات في هذا النطاق لأكثر من نصف قرن، وللأسف فإن معظمها لا تصب في صالح الشعوب، ولو أنفقت تلك الميزانيات في التثقيف والتوعية والتنمية، لتجاوزنا آلاف المشكلات التربوية والفكرية والقيمية والأخلاقية والصحية.

ولا يختلف في ذلك دول الشرق والغرب، ولا الدين واللون والجنس والعرق؛ لأنها ثقافة ومنهج، ولأن المسيطر العام على الإنتاج الفني هم التجار والحكومات، الذين يوجهونها كيفما شاؤوا.. ومع ذلك نسمع أصواتاً إيجابية بين الحين والآخر.. هنا وهناك.. تحاول أن تقدم شيئاً يخدم الإنسان بدل انتهاكه واستعباده.

وأخرجت السينما الغربية مئات الأفلام التي حازت على جوائز لاحتوائها على قيم ومبادئ إيجابية، مثل فيلم «القلب الشجاع»، و»آلام المسيح»، و»المحارب الثالث عشر»، وفيلم «SPOTLIGHT”، وفيلم “22 يوليو”.. وغيرها كثير.

إلا أن السينما العربية التي ننتظر منها إنتاج أفلام تحوي القيم والأخلاق، فلم تنجب المفيد، باستثناء فيلمي “الرسالة”، و”أسد الصحراء”، والأمر يجري على العالم الإسلامي.

وقدمت السينما الإيرانية أعمالاً قيمية كثيرة، إلا أن حاجز اللغة، وضعف الإنتاج، قلل من انتشارها.

وتبقى المسلسلات التي ينتظر منها المسلمون ما يشفي غليلهم، إلا أن معظمها لم تقدم سوى ما يسيء لسمعة مجتمعاتهم، التي انتقدها الكثير من الكتَّاب والمفكرين، فجاءت إطلالات كويتية بإنتاج مسلسل “خالد بن الوليد”، و”عنتر بن شداد”، و”الحسن والحسين”، و”فريج صويلح”، وقد سبقهما العمل التربوي “إلى أبي وأمي مع التحية”.

ورغم وجود مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي، فإنها توقفت عن التميز بعد العمل الشهير “افتح يا سمسم”.

ومع جمود الإنتاج الفني؛ انبرى الأتراك بإنتاجات راقية جداً، مثل: “قيامة أرطغرل”، و”عبدالحميد الثاني”، و”محمد الفاتح”.. وغيرها من الأعمال التي قدمت التاريخ العثماني بشكل رائع (وإن اختلفت التفاصيل لطبيعة الإنتاج) لتصحح الصورة السلبية التي قدمتها أعمال أخرى.

وحاول المسرح العربي من خلال بعض الروايات القديمة تقديم ما هو مفيد، وحققوا نجاحات طيبة فترة السبعينيات والثمانينيات، لولا اجتياح الأعمال التجارية.. وتدخل السياسة!

ورغم ذلك القصور، فما زال هناك بصيص أمل لمبادرات هنا وهناك لتقديم أعمال فنية راقية؛ تقدم القيم الإسلامية بشكل راق ومقبول للجميع، فأبناؤنا بحاجة ماسة لأعمال هوليوودية ودرامية ومسرحية متميزة، وأعمال بسيطة تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، حتى نستطيع تقديم القيم بشكل أفضل، ونحقق أثراً تربوياً أكثر.

الأربعاء, 02 يناير 2019 01:38

قبل حلّ الجمعيات الخيرية

تقوم وزارتا الخارجية والشؤون الاجتماعية بحماية العمل الخيري الكويتي في الداخل والخارج، من خلال لوائح تضبط العمل والتحويلات الخارجية، وقد استحقت الكويت إشادة أميركية وأوروبية باعتبارها مثالا يحتذى في التحويلات المالية للعمل الخيري، فلهم الشكر على جهودهم.

وينبغي على وزارة الشؤون مراجعة اللوائح بشكل دوري بما يحقق تسهيل إجراءات العمل الخيري، فهي ليست معصومة، وجل شكاوى الجمعيات الخيرية من جمود هذه اللوائح، وعدم مراعاتها الواقع، إضافة لتغيير بعض بنودها دون علم الجمعيات.

وأقترح في ذلك تشكيل لجنة مشتركة بين وزارة الشؤون واتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية لتدارس هذه اللوائح، وتجنب السلبيات فيها.

كما أقترح عدم حل أي جمعية خيرية مهما كانت الأسباب، فهذا بداية يضر بسمعة الكويت والعمل الخيري، كما أن هناك أعضاء جمعية عمومية ليس لهم ذنب، فبالإمكان حل مجلس الإدارة وتكليف 3 من أعضاء الجمعية العمومية لتيسير عاجل الأمور، والدعوة لانتخابات جديدة خلال 3 أشهر بحد أقصى، ومنع الأعضاء السابقين من الترشح 4 سنوات، فلهذه الجمعيات التزامات واتفاقيات دولية لتنفيذ مشاريع إنسانية مختلفة، وهناك أموال مؤتمنين عليها، فمن يتحمل مسؤوليتها قانونيا أمام المتبرعين والمستفيدين، وشرعيا أمام الله عز وجل؟!

وأدعو لأن يكون الحل من خلال لجنة محايدة تقوم بالتحقيق، فمن غير المعقول تكون الوزارة هي الخصم وهي الحكم، ويمكن إشراك جمعية المحامين واتحاد الجمعيات كأطراف خارجية، فكل الجمعيات المنحلة فندت اتهامات الوزارة، ورفضتها جملة وتفصيلا، ورفعت عليها قضايا في المحكمة، فما هو حال الوزارة لو كسبت الجمعيات القضايا؟!

ولست ميالا لتحويل الحل إلى القضاء، والأفضل أن تحل الأمور وديا، خصوصا أن جميع الجمعيات المنحلة جديدة، وذات خبرة قليلة، وحماس متقد، ولا توجد عليها شبهة انتفاع مالي، إنما هي مخالفات إدارية.

(*) ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 14
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top