د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 14 سبتمبر 2019 15:02

لماذا الإئتلافية محبوبة؟!

أربعون عاماً مضت والاتحاد الوطني لطلبة الكويت بقيادة القائمة الإئتلافية، فلم يا ترى الإئتلافية محبوبة لهذه الدرجة؟!
الإجابة باختصار هي أن الطلبة وجدوا فيها قيادة حقيقية، تسعى وتجاهد من أجل مصالح الطلبة.
اتسمت القائمة الإئتلافية عبر هذه السنوات الطويلة برفقة شقيقتها قائمة الاتحاد الإسلامي بالمصداقية والعقلانية، فلا تهور ولا فوضى، بل جدية وعقلانية، وحوار كبار مع الكبار، والحكمة ضالة المؤمن، واستطاعت بذلك تحقيق نتائج إيجابية كثيرة لصالح الطلبة عبر تلك السنوات، لم يحققها أحد مثلهم.
وعرفت القائمة الإئتلافية بالتواضع، فهي بمثابة الأخت الكبرى لجميع القوائم، وتتعامل معهم بكل ود واحترام، وتتحمل ما يكيد لها البعض، وتتسامى على الجراح من أجل استمرار مفهوم الأخوة بين الطلبة.
لم تعرف القائمة الإئتلافية الكبر والتعالي على الآخرين، ولا الضرب تحت الحزام، ولا إثارة الفتن الطائفية والسياسية والفكرية والاجتماعية، رغم كل المحاولات الاستفزازية، وأصبحت محضناً للجميع.
ولم يعهد على القائمة الإئتلافية الفجور في الخصومة، ولا الانتقام، ولا الكذب، بقدر ارتقائها خلقاً وسلوكاً ومنهجاً وفكراً وتربية، فأحبها الجميع.
وتفخر الإدارة الجامعية والأساتذة والإداريين برقي تعامل شباب وشابات القائمة الإئتلافية، الذين يقدمون العون لزملائهم الطلبة، ويتفاهمون مع أساتذتهم بكل أدب واحترام.
تاريخهم ناصع عبر 40 سنة مضت، على المستوى الطلابي داخل الجامعة، وعلى المستوى الوطني خارج أسوار الجامعة، وكانوا خير مؤازر لقيادتهم السياسية في أحلك الأوقات، فقد كان الاتحاد الوطني لطلبة الكويت (بقيادة القائمة الإئتلافية) المؤسسة الكويتية الوحيدة التي رفضت توقيع اتفاقية مع اتحاد الطلبة العراقي قبل الاحتلال.
ولا يخفى على أحد دور الاتحاد (بقيادة القائمة الإئتلافية) فترة الاحتلال الغاشم برفض أي تعاون مع النظام العراقي البائد، وعقد الاتحاد مؤتمراً دولياً للاتحادات الطلابية العربية والإسلامية والعالمية، وفضح جرائم الاحتلال العراقي النكراء، واتخاذ قرار بطرد اتحاد الطلبة العراقي من عضوية تلك الاتحادات.
وقاد الاتحاد (بإدارة القائمة الإئتلافية) بالتنسيق والتعاون مع اتحاد فرع بريطانيا، حملات إعلامية ومسيرات ضخمة في لندن ضد الاحتلال العراقي، ومظاهرات أمام السفارة العراقية هناك، وأعمال كثيرة ومتعددة شهد لها التاريخ وسجلها الإعلام.
وكان لشباب القائمة الإئتلافية شهداء وأسرى لدى النظام العراقي، حباً وولاءً ووفاءً لهذه الأرض، وهذا الوطن.
لا تتسع الصفحات، ولا تسعفنا الكلمات؛ في وصف تميز القائمة الإئتلافية وتاريخها الناصع، ومثل شباب وشابات القائمة الإئتلافية وقائمة الاتحاد الإسلامي أنموذجاً رائعاً في مفهوم الوحدة الوطنية وحب هذه الأرض.
ها هي السنوات تسير، والأعمار تمضي، فلا أجمل من هذه الذكريات بعد التخرج، والأجمل منها استمرار العلاقة الأخوية الطيبة بين الطلبة، فكما قيل: الانتخابات يوم، والعلاقة الأخوية دوم، فاجعلوا هذا اليوم ذكرى جميلة في نفوس الطلبة، والله الموفق لكل خير.
وأسأل الله عز وجل أن يلبس سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح ثوب الصحة والعافية، وأن يوفقه في مساعيه الطيبة، وأن يعيده إلينا سالماً غانماً بإذن الله.

اختلف التربويون في بدايات وضع فلسفة التعليم أيها أهم: المعلم، أم المنهج، أم الطالب، أم المبنى المدرسي، أم الأنشطة.. وهكذا، وظلت العملية قيد التجربة الميدانية سنوات طويلة، مع اختلاف الفكر التعليمي في كل دولة، ووجدوا في النهاية أن المعلم هو محور العملية التعليمية، فإذا نجح المعلم نجحت العملية التعليمية والتربوية معاً، وباقي الأمور هي قضايا مساندة.

لذلك كلنا يذكر المعلم الناجح والمحبوب أكثر من المنهج والزملاء والأدوات والوسائل والأنشطة، ولعل ذلك المعلم يكون ذا كفاءة علمية متواضعة، وقدرات تعليمية عادية، ومهارات محدودة، لكن بأسلوبه المحبب يستطيع أن يجعل الطلبة يحبون المادة، فيقبلون عليها ذاتياً، وإذا أحبوه أحبوا المدرسة، وسارعوا بالمشاركة في الأنشطة العامة، وتبرع الوالدين للمدرسة.

رأينا فيديوهات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي لأساليب لطيفة في تعامل المعلمين مع طلبتهم، بنين وبنات، وكيف استطاعوا كسب ود الطلبة، وبالتالي حب المدرسة.

لا يختلف اثنان على أن معظم منتسبي سلك التعليم جاؤوا لأسباب رئيسة: راتب مرتفع، وعطلة صيفية طويلة، إضافة لعطلة الربيع، ومكان عمل مناسب للنساء (بالأخص في دول الخليج) لعدم وجود اختلاط، ويضاف للمعلمين الوافدين المكافآت الجانبية (دروس مسائية ولجان وكونترول.. إلخ) ودروس خصوصية، وبالتالي افتقدت المؤسسة التعليمية الهدف الحقيقي من التعليم، وتحولت من مهنة تربوية إلى وظيفة مالية، مثل أي وظيفة أخرى.

وإذا استثنينا الجادين والراغبين بهذه المهنة حقاً، فإنهم يواجهون بكم المسؤوليات الملقاة على عاتق المعلم، من عدد الحصص الكبير (باستثناء الاجتماعيات)، وتصحيح الكتب والدفاتر، والاختبارات، ورصد الدرجات، وإدارة الأنشطة، وتوالي الاجتماعات (القسم والإدارة والتوجيه..)، وكم المراقبين (رئيس القسم، ومساعد المدير، والمدير، والمراقب، والموجه..)، والمقصف والرحلات ومراقبة الساحات.. إلخ، وضغط الوزارة، وطلبات الإدارة، ومتابعات أولياء الأمور، ومواجهة الشللية (مجموعة الناظر، وربع الوكيلة..)، فيشغلونه بأمور خارج التعليم، فلا ينجح في تحقيق أهدافه.

ومع ذلك تبقى آمالنا كأولياء أمور معلقة بعد الله في «المعلم»، الذي نأمل أن يبدأ بنفسية جديدة، بعيدة عن كل هذه الضغوط والتوترات، لأن أبناءنا لا ذنب لهم، وغير مسؤولين عما يجري في المدرسة أو المنطقة أو التوجيه أو الوزارة، فكما استطعت معلمنا الفاضل أن تفصل بين ظروفك الاجتماعية والأسرية والعمل، ندعوك لأن تفصل بين ضغوط العمل وتربية الطلبة.

المعلمون الأحباب.. ثقوا تماماً بأن ابتسامة أو كلمة إيجابية منكم سترتقي بالطلبة إلى العلياء، وكلمة سلبية أو لحظة غضب قد تودي بهم إلى الهاوية، فاختاروا ما تحبوه لأبنائكم.

مارسوا اللعب بالتعليم، انشروا الضحكة بين الطلبة، استمتعوا بالتدريس، استشعروا المسؤولية التربوية، وحققوا نتيجة إيجابية.

راعوا الفروق الفردية في أنماط الشخصية، ففيهم الحركي والسمعي والبصري والحسي، وفيهم الحساس والموتور والمتنمر والدلوع، وفيهم اليتيم والمقهور، وفيهم الطفل والمراهق، وفيهم الغني والفقير، وفيهم الخلوق وسيئ الخلق، وفيهم المدخن والحشاش والمدمن، وفيهم الذكي والغبي، والبسيط والفطن، فأسأل الله أن يعينكم على التعامل مع كل هذه الأصناف من البشر، لكنها مسؤولية أنتم أهل لها.

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 03 سبتمبر 2019 10:30

ديفيد المبهور

تعرض الطالب عبدالله بن صالح لحادث مروري في بريطانيا، ونقلته الإسعاف إلى مستشفى «سان آرثر» في برايتون للعلاج، وانتهى به المآل في غرفة عمومية فيها مريضان بريطانيان؛ ديفيد، وإلن، وبقي في المستشفى سبعة عشر يوماً، لم تنقطع خلالها الاتصالات الهاتفية والزيارات بشكل يومي وعلى مدار الساعة، للاطمئنان على صحته، إضافة إلى باقات الورد وبطاقات التهنئة بالسلامة التي تملأ الغرفة، فضلاً عن الأكلات المتنوعة، في حين أن ديفيد، وإلن لم يسأل عنهما أحد، وكانت علامات التعجب تملأ وجهيهما!

وزاره أحد أقاربه ممن جاء للسياحة حين علم بما حدث له، وطلب من إدارة المستشفى أن يتكفل بتكلفة علاجه دون أن يعلم.

وكثيراً ما كان يضع له أصدقاؤه مالاً في يده أو تحت وسادته رغم عدم حاجته.

ووسط الانبهار الشديد، قال له ديفيد: يبدو أنك شخص مهم.

فأجابه عبدالله: لا.. لست مسؤولاً كبيراً ولا ثرياً من الأثرياء حتى أكون مهماً، فما أنا سوى طالب صغير في دراسة جامعية لا أكثر، وستجد ذلك التعامل لدى الفقراء والأغنياء، لأن الهدف من تلك الزيارات هو التواصل الاجتماعي وعيادة المريض التي فيها أجر كبير من الله عز وجل، فهذا جزء من عقيدتنا، واختلط هذا المبدأ بدمنا وعظمنا ولحمنا، وما تراه دليل على ما أقول.

قال ديفيد: لقد حضر إليك أصدقاء بعضهم ليسوا عرباً مثلك.

فرد عليه: إن المسلمين إخوة مهما كانت جنسياتهم وبلادهم وألوانهم.

خرج ديفيد وأخذ عنوان عبدالله، ثم خرج بعده بخمسة أيام حينما شفي من الإصابة.

وبعد فترة من الزمن فوجئ عبدالله برسالة من ديفيد في صندوقه البريدي، قال فيها: إنني مدين لتلك الأيام التي قضيتها معك في المستشفى، كنت بالقياس إليك كأنني منبوذ.. لا أحد يحبني، ولا أحد يزورني، ولا أحد يسأل عني، بالرغم من أن أقاربي في نفس المدينة، أما أنت فعالم آخر يبدو لي غير معقول أبداً.. باقات من الورد والزهور بألوان مختلفة، ورسائل تحية، ومكالمات كثيرة، وزوار لك من داخل المدينة ومن خارجها.

كنت أحسدك على ذلك، وأحسدك أكثر على الحب الذي ألحظه في علاقتهم بك، واستعداد الواحد منهم أن يقدم لك ما تريد من مساعدة، لقد قلت لي جملة واحدة: إنه الإسلام.

كان ذلك الموقف الذي رأيته يغني عن أي كلام منك لي.. كلمة واحدة بدأت بها مشوار تعرفي على هذا الدين الذي أنا في أشد الحاجة إليه، فبدأت بالقراءة عن الإسلام، وأنا الآن سعيد جداً.. لا تكاد تعرف حدود سعادتي وأنا أزف إليك خبر إسلامي. انتهت القصة.

هذه قصة حقيقية يرويها عبدالله، أسلم ديفيد دون أن يكلمه أحد عن الإسلام، ولكنه رأى سلوكاً إيجابياً وأخلاقاً حسنة، جعلته يبحث عن الحقيقة، فوجدها في الإسلام.

ولعلها فرصة لكل المسلمين في دول الغرب من المهاجرين والطلبة والموظفين والمرضى ليكونوا نموذجاً إيجابياً، لعل وعسى يدخل بسلوكهم أحد ما الإسلام، ولا أقل من تصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام والمسلمين.

وما هذا الشهر المحرم إلا وسيلة للتعريف بهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي ارتبط بداية العام الهجري بهجرته، وما واجهه من أجل نشر الحق والمحبة، لتجاوز من يقدم صورة سلبية عن الإسلام بقصد أو دون قصد.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الإثنين, 02 سبتمبر 2019 16:01

من يرفع راية الارتقاء بالتعليم؟!

 

لا يختلف اثنان على أهمية التعليم، إنما الكلام يدور حول آليات التعليم والتعلم، فمنذ آلاف السنين والتعليم يتغير أسلوباً وشكلاً ومحتوى بحسب الخبرات التراكمية، والتجارب الميدانية، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه، خبرات شارك فيها فلاسفة وعلماء دين وعلماء نفس واجتماع وتربية.. ومع ذلك، فما زالت تعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات التربوية في العالم للخروج بأفضل سبل ونظم التعليم.

وكلما ظهر جديد نسف ماضيه، فكما بدأ تركيز العملية التعليمية على المنهج، ثم المعلم، ثم الطالب، بدأت عودة جديدة للمعلم والمنهج.. وهكذا، بمعنى أنه لا توجد قاعدة نهائية في التعليم والتربية، إنما هي متجددة بتجدد الزمان والمكان والبشر.
ونتيجة لذلك، أصبحت كل جامعة عالمية تضع لها معايير خاصة بها لتقييم مستوى التعليم ومخرجاته، حتى أصبحت منظمتا «اليونسكو»، و«البنك الدولي»، متأخرتين عن التقديرات العالمية، واتسعت الاختلافات بين التربويين الأصوليين والمناهج والنفسانيين؛ كل يثبت رأيه ونظريته.
وتركز كل هذه التنافسات على المنتج النهائي؛ وهو طالب متميز متفوق علمياً، لديه مهارات وقدرات متنوعة، لكنْ قليل من عالج مشكلة الطلبة ضعاف التعلم، والمعلم ضعيف التعليم، وقليل من ركز على تنمية القيم والأخلاق بشكل أساس، فالتعليم بلا أخلاق لا قيمة له.
ولطالما أصبح التعليم وظيفة لا مهنة، فلن نحقق الأهداف المرجوة، فكل من يحمل شهادة يستطيع العمل بها معلماً، لكن من منهم حاز حقاً على ترخيص (License) لذلك من جهة معتمدة، كما هي الحال مع الاجتماعيين والنفسانيين؟!
النماذج التعليمية المتميزة في العالم كثيرة، وكل يدعي الأفضلية، فقد سمعنا عن تفوق اليابان تعليمياً بعد تدميرها في الحرب العالمية الثانية، وظهرت الفصول الدراسية وسط الأنقاض تحدياً نحو العلم، فغرسوا قيمة مهمة في الأجيال، وسادوا العالم صناعياً.
وأعادت سنغافورة البناء التعليمي من جديد بأسلوب مدهش، يلبي جميع قدرات الطلبة، واحتياجات المجتمع.
وتنافست الدول الإسكندنافية في تصدر دول العالم تعليمياً، من خلال تخفيض سنوات الدراسة، وتقليل الحصص التعليمية، وزيادة ساعات اللعب والأكل والراحة!
وترك التعليم البريطاني مساحة كبيرة لإدارة المدرسة لاختيار نمط التعليم، والمناهج الدراسية، والكتب المدرسية، وتعيين المعلمين، (قانون بتلير 1944م).
أما دولة الإمارات ودولة قطر، فقد اختصرتا الطريق نحو تعليم أفضل، باختيار أرقى المؤسسات التربوية عالمياً، لتدرس واقعهما الحاليين، وتضع تصوراً لمستقبل أفضل؛ فتصدرتا الدول العربية، وبالاتجاه صعوداً نحو العالمية.
وما نحن ببعيد عن ذلك التنافس والتطور، فكم نفخر باستعانة البنك الدولي وجامعات غربية عريقة بأساتذة عرب ومسلمين في أبحاثهم ومؤتمراتهم، ومنهم د. علي الكندري، ود. غازي الرشيدي (مشاركان بمقالين بهذا العدد).
وظهرت أساليب عدة تدعم العملية التعليمية، كالتعليم باللعب والضحك، وبالقصة والرواية، والتعليم بالقدوة.. وغير ذلك، وكم نحن بحاجة لاستخدام علم «أنماط الشخصية» في التعليم، الذي أدعو لتدريب المعلمين عليه ليكون جزءاً من الشهادة أو الترخيص.
وأمام هذا التمايز الكبير في عالم التربية والتعليم، أستمتع باستشهادات المختصين بتراثنا الإسلامي المليء بالأقوال والتوجيهات العميقة، ومنهم د. إبراهيم الخليفي، ومن الأقوال الرائعة في التعلم للإمام سفيان بن عيينة (شيخ الإمامين الشافعي، وابن حنبل): «أدوات التعلم خمس: الاستماع، والفهم، والحفظ، والتطبيق، والنشر».
يعيش في الغرب ملايين المسلمين، وعليهم استثمار هذه الفرصة للاستزادة من خبرات التميز التعليمي عندهم، ونقلها لأجيالهم ومدارسهم، وعلى وزارات التربية الاستفادة من خبرات الأكاديميين والميدانيين في تحفيز المعلمين، والارتقاء بأدائهم، حتى نحقق نتائج إيجابية على أرض الواقع، فمن يرفع راية الارتقاء بالتعليم؟!>

خلال زيارتي لبعض الجهات الحكومية، وجدت فئة قليلة تخالف الأعراف العامة لأي مؤسسة في الملابس والأشكال والسلوك، مما يدل على أمرين مممين: ضعف الرقابة الإدارية، وجهل الموظف بمعنى السلوك الخاص والعام.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، رأيت نساء يلبسن بنطلوناً للركبة، ونعال صبع، وقميصاً بدون كُم، وآخر شفافاً، وجينزاً ضيقاً وممزقاً، وفستاناً فوق الركبة، وبنطلوناً ضيقاً دون تغطية الخلفية بقميص، وقصات شعر غريبة، ومكياجاً صارخاً.. إلخ.

ورأيت شباباً يلبسون دشداشة بدون غترة، وملابس رياضية، وشنبات عريضة جداً، أو مدببة، ووشماً، وقصات شعر غريبة.. إلخ، وبالطبع كل ذلك لا يتناسب تماماً مع قيم العمل.

أذكر قبل عامين تقريباً انتشرت صورة لامرأة بلبس رسمي وقد حلقت نصف شعرها، وأوقفت الشعر الآخر، ولولا انتشار الصورة بوسائل التواصل، لما تم إيقافها ونقلها، فأين المسؤول؟!

أنا أقدر أن هؤلاء الشباب ليس لديهم علم بمعنى قيم العمل، لأنهم لم يتعلموها في البيت، ولا في المدرسة، ولا في المعاهد والكليات، ولا في أي مكان آخر، كما لم ينبهوا عليها قبل استلام العمل.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لم لا يبادر المسؤولون –بشكل أخوي وأبوي– بنصح هؤلاء الشباب بأن ذلك السلوك لا يتسق مع أدبيات وقيم العمل، وإلا فعليهم البحث عن مكان آخر؟! الجواب: ما عنده قانون يحميه.

طيب.. لم لا نجد هذا السلوك السلبي في البنوك والشركات الكبرى؟ ولا تجد أحداً يقول: حرية شخصية!

الجواب ببساطة: أن تلك المؤسسات وضعت لها نظماً من البداية لكل موظف يعمل لديها، يوقع عليها، وإذا خالفها إما أن يتأخر في ترقيته، أو يخسر وظيفته.

اعتاد مدير عام أحد البنوك الكبرى أن ينزل دورياً إلى القاعة المصرفية.. الواجهة الأولى للبنك، قبل أن تفتح الأبواب، ويلف على الموظفين، وأي موظف يلبس نعالاً، أو دشداشة بدون غترة وعقال، أو يلبس قميصاً بدون ربطة عنق، يناديه بالاسم للخروج وتعديل هندامه، حتى وضع الغترة لها شكل معين، وكل ذلك مبين بالصور عند بداية العمل.

الرسالة باختصار: إن الجهة التي تعمل بها لا تمثلك، إنما أنت تمثلها، وبالتالي ينبغي الالتزام بقوانينها، وتقديم الصورة الأمثل لها، والسلوك واللبس والشكل الخارجي للموظف جزء رئيس فيها.

طيب.. لِمَ لا يطبق ذلك في المؤسسات الحكومية؟! لِمَ نرى العشوائية في الملابس والأزياء والمكياج والوشم والشنب واللحية.. إلخ؟ لِمَ لا يحترم الموظف الجهة التي يعمل بها بلبس لائق؟ لِمَ نرى الموظفين يدخنون في كل مكاتب الوزارات والهيئات الحكومية، بما فيها المستشفيات والمستوصفات، رغم أن مرسوماً أميرياً يمنع ذلك؟! لِمَ لا يحترم الموظف القانون في المؤسسات الحكومية، ويحترمه في القطاع الخاص؟!

لأنها باختصار أصبحت ثقافة مجتمع لم يردعها أو ينظمها أحد، بالضبط كما يحصل للمسافر المؤدب في الخارج، وأول ما يدخل مطار الكويت ولع السيجارة! ونحن لا نقبل أن تكون هذه ثقافتنا وقيمنا وسلوكنا.

وبالمقابل.. فقد دخلت عدة سفارات كويتية بالخارج، ولم أجد فيها تلك المخالفات في الملابس والأزياء والمكياج الصارخ (باستثناء التدخين)، وذلك يعني أننا يمكن أن نلتزم بالقانون والسلوك العام الحسن لو وجدنا من وجهنا إليه من البداية.

ومن المؤسسات المهمة جداً في ذلك "تلفزيون الكويت" بجميع قنواته، لأنها الواجهة الأولى لبلدي ووطني أمام العالم، فظهور مذيعة بلبس غير لائق (وغير لائق كلمة واسعة)، أو شاب كله وشم، فإنه يسيء لنا جميعاً، فالظهور باللبس المحتشم (لا بد من توصيفه)، رجالاً ونساءً، وظهور المذيعين بالغترة البيضاء والعقال، (يستثنى البرامج الحركية)، ومكياج هادئ، فإن ذلك يعطي صورة إيجابية عن المؤسسة أولاً، وعن المجتمع الكويتي ثانياً.

ويشمل ذلك الأمر القنوات التلفزيونية الأخرى، وهم يتحملون مسؤولية ما يبث عبر قنواتهم الفضائية، فسمعة الكويت أهم.

وحتى التمثيليات والمسرحيات؛ ينبغي أن يستشعر منتجوها المسؤولية تجاه الوطن، والأجيال القادمة، لأنها تعرض في قنوات فضائية، فالفنان الكويتي يمثل وطنه في كل ما يقدم من أعمال، وعليه أن يحذر من الزلل، وكلنا نعرف أن غالب جمهور المسرح من الشباب والأطفال، وغالب جمهور التمثيليات النساء، فعندما تسيء بعض التمثيليات للمجتمع الكويتي من خلال لقطات سلبية، شكلاً ولبساً وشعراً ..إلخ، فإنها تروج لها في المجتمع، وتعطي صورة سلبية عن البلاد.

ولا أعرف هل يوجد قانون يمنع إعطاء صورة سلبية عن المجتمع، أو تسويق قيم سيئة، أو تصوير مشاهد بأعمال فنية غير كويتية يمنع مثلها داخل الكويت؟! مثل تلك الممثلة التي تبجحت بأنها صورت لقطة في فيلم أمريكي وهي لابسة "مايوه بكيني"! أو مثل ذلك المذيع الذي يحاور الفنانات بعلاقاتهن الخاصة!

ليس هذا فقط، فالموضوع أكبر من ذلك.. فالوفود التي تمثل الحكومة في الخارج، ينبغي لها الالتزام بالزي الوطني بالدرجة الأولى، أو "بدلة" وربطة عنق، واللبس المحتشم بشكل عام، بدءاً من ركوب الطائرة، وحتى الرياضيون الذين يحملون شعار وعلم دولة الكويت ينبغي لهم مراعاة ذلك، فلا يليق مشاركة فتاة برياضة السباحة مثلاً وهي لابسة "مايوه" أمام وسائل الإعلام.. وغير ذلك.

الموضوع ليس له علاقة بالحرية الشخصية، وكل موظف يلبس الذي يريد، وكل مذيع يعمل ما يشاء، إنما هي ضوابط عامة.

يقول أستاذ الإعلام د. محمد البلوشي: ينبغي للدولة وضع محددات لقيم العمل، وضوابط اللبس والشكل والمكياج والوشم والسلوك وحتى الشنب وقصة الشعر خلال فترة العمل، تحمل خلالها الهوية الوطنية، وإصدار تشريعات لذلك كما هو معمول في البنوك والشركات الكبرى، فالدولة مسؤولة بأدواتها لضبط الأمور.

والأمر ليس بالصعب، فكل شيء يأتي بالتدرج، ويمكن ترتيبها كالتالي:

1- في البداية، ينبغي وضع التشريعات الإدارية والقانونية اللازمة لكل ما مضى، ووضع اللوائح المناسبة، والمذكرة التفسيرية والتفصيلية لكل أمر، مع مراعاة جميع الوظائف.

2- عمل عقود خاصة بتلك اللوائح والقوانين؛ يوقع عليها جميع الموظفين الحاليين (القدامى)، ويوقّع عليها الموظفون الجدد عند استلام العمل.

3- تعد دورات للموظفين الجدد خاصة بالقيم الوظيفية، تشمل تلك اللوائح والقوانين، وحقوق وواجبات الموظف، وذلك قبل استلامه العمل، كويتياً كان أو غير كويتي، ويوقع على علمه بكل التفاصيل.

وأنا أشكر وزارة الإعلام على اهتمامها بهذا الأمر بالنسبة للمذيعين، وبالأخص الاحتشام، وقد لاحظت اهتمام المخرجين بعدم إظهار اللقطات السلبية لبعض الضيوف، وأحياناً يطلب من الضيف تغيير لبسه، أو إخفاء بعض الأمور، أو تعديل جلسته، وما زلنا نطمح بالمزيد.

كما أن للضيوف دوراً ورأياً في المذيعة إن كان وضعها غير مناسب، فأذكر أكثر من ضيف اعتذر عن الظهور مع بعض المذيعات غير المحتشمات، فاضطر المخرج لإخراجها وتغييرها بمذيع آخر، أو مذيعة محتشمة.

الخلاصة: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فلن يلتزم أحد بدون قرار أو لوائح أو سلطة قانونية، مع الاعتذار عن الإطالة، إلا أن الموضوع متشعب، ويستحق التفصيل، والكويت أهم، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "أحوال الكويت".

اطلعت على لقطات متفرقة من مسلسل وثق حياة الفنان المصري إسماعيل يس، وصدمت عندما رأيت كيف هي حياته، فقد عاش بين الذل والهوان، ذلك الفنان الكبير الذي أضحك الملايين، وامتلأت شاشات السينما بلوحات أفلامه في العالم العربي، وعشنا نتابع أفلامه صغاراً، كنا نظن أنه عاش ملكاً لكثرة تلك الأفلام، إلا أنه كان يعمل "مونولوجيست" في الكازينوهات بأزهد الأسعار ليحصل على لقمة عيشه، وكانت شركات الإنتاج الفني تتعامل معه بامتهان بعكس كبار الممثلين الآخرين الذين كان لوجوده معهم أثر في نجاح أفلامهم.

ولما مرض لم يجد من يدفع له رسوم العلاج، فكانت مبادرة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، يرحمه الله، بالتكفل بعلاجه.

وكما قيل.. عاش ذليلاً، ومات مفلساً.

لقد امتهن العديد من الممثلين أنفسهم باسم الفن لحب الظهور أو لأجل لقمة العيش، رغم أنها متاحة بأماكن أخرى أكثر احتراماً لهم، فتجد الممثلين الكبار "يتمسخرون" من الممثلين الصغار، وخلعت بعض الممثلات الحياء باسم الفن، وانتزعت القيم من أعمالهم الفنية.

كتبت قبل يومين الزميلة دلال العياف في الصفحة الفنية موضوعاً بعنوان «قتل وانتحار ومرض.. نهايات مفجعة للفنانين»، ذكرت فيها نماذج من الفنانين الذين انتهت حياتهم بمأساة، ولم يستمتعوا بأموالهم، وهذه نماذج منهم:

٭ المخرج نيازي مصطفى، مات مقتولاً.

٭ الفنانة وداد حمدي، ماتت مقتولة ومفلسة، وحياتها شبيهة بإسماعيل يس، فكانت أدوارها خادمة ممتهنة.

٭ الفنان عبدالحليم حافظ، أصيب بالوباء الكبدي وتوفي.

٭ الفنانة سعاد حسني، عاشت مريضة بقية حياتها، وحملت معها أسراراً كثيرة، فكان مصيرها الانتحار بسبب الاكتئاب، أو القتل بسبب تلك الأسرار.

٭ الفنان أنور وجدي، تمنى أن يكون عنده مليون جنيه حتى لو فقد صحته، فكان له ما أراد، وعاش مريضاً فترة طويلة حتى توفي.

٭ الفنان عماد حمدي، أصيب بحالة اكتئاب، وتوفي مفلساً.

٭ الملحن بليغ حمدي، أصيب بالوباء الكبدي وتوفي.

٭ الفنان عمر الشريف، أصيب بمرض الزهايمر، وقضى بقية حياته في دار المسنين حتى توفي.

٭ الفنان سعيد صالح، توفي مريضاً ومفلساً.

وهناك عشرات الفنانين الذين أصيبوا بأمراض مختلفة، وأدمنوا المخدرات، واعتزلوا الفن، منهم من توفي، ومنهم من لا يزال يعاني.

ولعلها رسالة استذكار لكل من يعمل في هذا المجال، أن يضع الله بين عينيه، ويجعل الدنيا بين يديه، ولتكن لكل فنان بصمة إيجابية في حياته، وتكون له خبيئة مع الله عز وجل، مع تذكر أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

وبحمد الله، فإن معظم فناني الكويت يتمتعون بخلق جميل، ولا يقبلون بالدنية، ولا يقبلون بالإساءة للمجتمع الكويتي، ولا لقيم الإسلام، فلنجعل هذه سمة كل فنان كويتي، قبل أن يفوت الفوت.

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأربعاء, 14 أغسطس 2019 13:40

نصائح شايب قبل قدوم سهيل

غادر رجل القرية متجهاً نحو المدينة لكسب الرزق، وعمل فيها سنوات عدة كسب فيها فقط 4 من الإبل، فقرر العودة إلى أهله.

وصادف في طريق العودة الصحراوي خيمة منصوبة وبجوارها شيخ جالس أمام النار، فنزل عنده وشرب عنده الماء والقهوة وتسامرا، وحكى له قصة رحلته الطويلة التي لم يكسب منها إلا الشيء القليل، فقال له الشيخ: سأعطيك 3 نصائح تفيدك في حياتك، وكل نصيحة ببعير.

تردد الرجل قليلاً، ثم قرر أن يشتري النصائح، فعودته بهذه الإبل الأربعة لا تسر أحداً، فقال له: هات ما عندك.

فقال الشيخ: الأولى: «إذا طلع نجم سهيل، لا تأمن للسيل»، والثانية: «إذا رأيت أبو عيون برق وأسنان فرق، لا تأمن له»، والثالثة: «نام على الندم ولا تنام على الدم».

أعطى الرجل الشيخ الجمال الثلاثة، وانطلق في طريقه عائداً لقريته، وأدرك بعد يومين قوماً قد نصبوا خيامهم في قاع واد كبير، وبعد أن تعشى عندهم، أخذ يتأمل في السماء فشاهد نجم سهيل، فتذكر النصيحة التي قالها له الشيخ، فذهب إلى كبيرهم وحذرهم وطلب منه أن يخرجوا من قاع الوادي إلى الأعلى، فسخر منه ولم يكترث لكلامه.

فقال في نفسه: والله لقد اشتريت النصيحة ببعير، ولن أنام في قاع هذا الوادي، وانطلق وبعيره إلى مكان مرتفع ونام فيه.

وفي آخر الليل ارتعدت السماء وأمطرت، وجاء السيل الهادر كنهر جار، فاقتلع البيوت وغرق من فيها، وهربت المواشي إلى الأعلى، حتى إذا طلع النهار وجد الجميع قد ماتوا، فساق معه ما تبقى من المواشي.

وسار في طريقه عدة أيام حتى وصل إلى بيت شعر في الصحراء، فرحب به صاحب البيت، وزاد بالتودد إليه حتى أوجس منه خيفة، فنظر إليه وإذا به «ذو عيون برق وأسنان فرق»، فقال: هذا الذي حذرني منه الشيخ.

وتظاهر الرجل بالنوم ليلاً، ثم وضع حجارة تحت اللحاف واختبأ، فاقترب صاحب البيت منه بعد أن ظن أنه قد نام، وطعنه بخنجره، وتفاجأ بالحجارة، وإذا بالرجل يقف وراءه، فضربه بسيفه فقتله، وضم ماشيته إلى غنمه، وانطلق عائداً إلى أهله.

وعندما وصل إلى قريته ليلاً، ترك ماشيته خارج الحي، وسار ناحية بيته ورفع الرواق، فوجد زوجته نائمة وبجانبها شاب طويل الشعر، فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوي به على رأسي الاثنين، فتذكر النصيحة الثالثة «نام على الندم ولا تنام على الدم»، فتركهما وعاد إلى أغنامه.

وبعد شروق الشمس ساق أغنامه واقترب من البيت، فرحب به جيرانه، واستقبلته زوجته وقالت: لقد تركتنا فترة طويلة، انظر كيف كبر ابنك خلالها حتى أصبح رجلاً.

ونظر الرجل إلى ابنه وإذا به ذلك الشاب الذي كان ينام بالأمس بجانب زوجته، فحمد الله على سلامتهما، وشكر ربه أن هداه إلى عدم قتلهما، وقال بينه وبين نفسه: والله إن كل نصيحة أحسن من بعير.

كان العرب في الماضي يروون القصص لإيصال العبر للأجيال المتوالية، ويرسلون من خلالها قيماً وخلقاً وأدباً وتراثاً كبيراً.

ذكرت هذه القصة ونحن على أبواب سهيل، وتأويل سهيل هنا هو ضياع الأمانة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله»، وهذا واقع، فلننتظر الساعة.

وعليكم أن تؤولوا «أبو عيون برق وأسنان فرق»، وكيف «ننام على الندم ولا ننام على الدم»، وعساكم من عواده.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 06 أغسطس 2019 13:03

كويت التحرير بين القائد والمدير

تعرضت شركة ضخمة لخسائر كبيرة إثر الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008م، لدرجة أنها ألغت في يوم واحد 30% من صفقاتها، وسببت لها كارثة مالية كبرى.

اجتمع مجلس الإدارة بشكل طارئ لمناقشة الأمر، وكان الحل الأسرع والأسهل هو تسريح جزء من الموظفين، الذين يتجاوز عددهم 7000 موظف، وكانوا مجبرين على ذلك لتوفير 10 ملايين دولار من المصروفات للحفاظ على استقرار الشركة المالي في الوقت الحالي.

إلا أن الرئيس التنفيذي للشركة رفض الفكرة تماماً، وظل يناقشهم لفترة طويلة، حتى وصلوا لفكرة تحل الأزمة بشكل ذكي، وهي أن يخرج كل موظف في الشركة، من أبسط عامل إلى رئيس مجلس الإدارة، بإجازة لمدة 4 أسابيع من دون مرتب في أي وقت يريده خلال هذا العام، وليس شرطاً أن تكون الأسابيع متتالية.

ولشرح الفكرة للموظفين، حتى يستوعبوا القرار ويقدروا السبب ويستجيبوا له دون ضجة، أجرى الرئيس التنفيذي لقاء مفتوحاً مع أكبر عدد من الموظفين، وشرح لهم المشكلة والحل البديل، لينقلوها بالتالي لمن هم تحت مسؤوليتهم، وقال لهم كلمته التاريخية: «الأفضل أن نعاني جميعاً القليل، بدلاً من أن يعاني بعضنا الكثير».

استشعر الموظفون بأن الإدارة حريصة عليهم، وشعروا بالأمان والتقدير من شركتهم ورئيسهم، ووجدوا أن لهم قيمة إنسانية، فبدؤوا بتطبيق المطلوب وزيادة، فمن كان منهم لديه ما يكفيه من المال، أخذ 5 أو 6 أسابيع إجازة، ومن كان أقل قدرة أخذ أسبوعين.. وهكذا، بكل أريحية ودون ضغط نفسي.

وكانت المفاجأة، فقد وفرت الشركة 20 مليون دولار، أي ضعف الرقم الذي كانوا قد خططوا له.

واستمر الأمر لمدة عام، حتى تعافت الشركة من الخسائر تدريجياً، ولم يُفصل شخص واحد من الشركة، وزاد ولاء الموظفين لها.

نعم.. الفرق كبير بين «المدير» الذي يرى الأرقام، و«القائد» الذي يرى قيمة الإنسان، وقد يحقق المدير أرباحاً مالية إضافية، ولكن القائد يصنع ولاء يزيد من الأرباح دون خسائر بشرية.

تذكرت هذه الحادثة مع الذكرى الأليمة للاحتلال العراقي الغاشم للكويت، التي كلما مرت شعرنا بالأسى من فقدان القيم الإنسانية والأخلاقية بين مدعي القومية، وتسببت في فقدان مئات الشهداء، وآلاف الأسرى، ومليارات الدنانير، وإتلاف البيئة، وشرخ كبير في الأمة العربية والإسلامية، كانت نتائجها ما نرى لا ما نسمع، ولعل أفضل شرح لها افتتاحية مجلة «المجتمع» لعدد أغسطس.

عندما تحررت الكويت وعادت لأهلها، انشغل المسؤولون مشكورين بتشغيل مرافق البلاد وصيانتها، بأيدٍ وطنية ووافدين مخلصين، وبأوقات قياسية، وأشهرها إطفاء آبار النفط، وانشغل التجار مشكورين بإعادة الإعمار في مختلف الأماكن بالتعاون مع الحكومة، وانشغلت الدولة بالإنسان، فأنشأت مكتب الشهيد ومكتب الإنماء الاجتماعي واللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين لهذا الغرض، وعالجوا المصابين من الاحتلال وإطفاء الآبار، وأسقطوا الديون، وكرموا المرابطين، وضاعفوا البعثات الدراسية، فتبين الفرق بين القائد والمدير.

عادت الحياة من جديد، وعاد الإنسان أفضل مما كان، قد تكون هناك سلبيات كثيرة، لكن الإيجابيات أكثر، فلننظر إلى الجانب المليء من الكأس، ولننظر بعين النحلة لا بعين الذبابة، ولنفكر بتفاؤل لا بتشاؤم، ولنستثمر هذه الأيام المباركة بالدعاء للحاكم بالتوفيق والسداد «لو بقيت لي دعوة واحدة مستجابة، لخصصتها للحاكم».

نحن بحاجة لقائد إنسان، لا إلى مدير يستعبد الإنسان، فكان صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد قائداً إنسانياً عالمياً، والكويت مركزاً إنسانياً عالمياً، بشهادة الجميع.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الخميس, 01 أغسطس 2019 14:55

شكراً دول أوروبا

 

 

تستحق دول أوروبا الشكر والتقدير لاستيعابها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، بعد أن تشردوا بسبب القصف الروسي شبه اليومي على الآمنين، وهدم البيوت، وقتل الآلاف (أكثر من نصف مليون شهيد)، وإصابة الملايين (أكثر من مليوني جريح ومعاق)، بالتنسيق مع براميل البعث السوري، والدعم الإيراني اللامحدود للنظام السوري.

ولا يخفى على أحد ما تتحمله تلك الدول من نفقات كبيرة لاستيعاب المهاجرين؛ لأنها تتعامل معهم وفق نظم عالمية، ترتقي بارتقاء البلاد، وكلما صعدنا شمالاً ارتفع مستوى الخدمات، فهي توفر لهم مساكن آمنة، بعد أن كانوا مهجرين ولاجئين في الخيام أو أماكن منكوبة، وتضمن لهم التعليم لكل المراحل الدراسية، حتى الدكتوراه، وتوفر لهم خدمات طبية راقية، وتدخلهم في دورات عديدة لتعلم لغة البلد، ودورات مهنية، والتعرف على الأنظمة هناك، ومعرفة حقوقهم كاملة، ودمجهم مع المجتمع.
وتمنحهم في البداية وثيقة لجوء تسهل عليهم أمورهم، ثم وثيقة سفر مؤقتة، ثم جواز البلد وجنسيته، بعد أن يثبت اللاجئ التزامه بالأنظمة، وحسن سلوكه، حتى إن بعضهم أصبح عضواً في البرلمان، وبعضهم محافظاً.
ويعد هذا التعامل قيمة أخلاقية عالية، تستحق عليه دول أوروبا المضيفة الشكر والثناء؛ لأنهم قاموا بما لم يقم به غيرهم لظروف مختلفة.
ولأن أهل الشام ذوو طبيعة مشرقية، فهم فئة محافظة، لديهم عادات وتقاليد عربية أصيلة، فيها من المروءة والكرامة، حتى غير المسلمين، فهم كرماء، ولا يقبلون بالدنية، ويحبون مساعدة الآخرين، وأهل نخوة.
كما أنهم فئة منتجة، وليست خاملة، عندهم استعداد للعمل والتعلم، فيهم التجار الصغار والكبار، وفيهم المهنيون، والمتعلمون تعليماً عالياً، والمثقفون، والمفكرون، والأدباء، يشتغلون في المصانع والمزارع والبناء.. وغير ذلك.
وحفاظاً على الأعداد الكبيرة من أبنائهم من الانحراف الفكري أو التطرف أو الضياع الأخلاقي، أو استغلالهم أو ابتزازهم من آخرين، أقترح على الدول الأوروبية الآتي:
1- توفير تعليم الدين الإسلامي لهم في المدارس التي يتعلمون بها، وهذا نظام تكفله عدة دول أوروبية.
2- توجيههم إلى أقرب مركز إسلامي، والانتساب إلى مدرسة السبت والأحد لتعلم الدين الإسلامي بالشكل المعتدل، تحت إشراف إدارة اللاجئين، وعلى نفقة البلدية المحلية.
3- توفير مرشدين تربويين واجتماعيين ونفسيين عرب مسلمين، لتقديم الاستشارات لأولياء الأمور بشكل أسبوعي، خصوصاً في المرحلة الأولى.. مرحلة صدمة الاندماج مع مجتمع مختلف العادات والتقاليد والأعراف.
4- اكتشاف مهاراتهم، واستثمار الطاقة الكامنة فيهم في عدة محافل، فيمكن إشراكهم في مسابقات القرآن الكبرى باسم الدولة الأوروبية الحاضنة، والمسابقات العلمية والرياضية.. وغيرها.
إن الاهتمام بالتعليم وحده لا يكفي، فلا بد من غرس القيم والأخلاق، وهذه تأتي بالتربية والتوجيه، خصوصاً لمن فقَدَ الحنان والأمان، واعلموا أن ذلك هو صمام أمان لهؤلاء المهاجرين لعشرات السنوات القادمة، حتى تستقر بهم الأمور، ويعتادوا على المجتمع الجديد، ويصبحوا مواطنين صالحين مخلصين.
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فقال له عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.
شكراً لكم مرة أخرى دول أوروبا، فقد كنتم فعلاً «وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف».

يذكر لي أحد الأصدقاء أن والده كان مختاراً لإحدى المناطق في منتصف الستينيات حتى السبعينيات، وكان يعرف جميع بيوت وأسر المنطقة كونها منطقة جديدة وصغيرة، وكانوا لا يخرجون عن ثلاث مناطق، جبلة، وشرق، والمرقاب، وكانوا يعرفونه ويثقون به، ويأتونه لحل مشكلاتهم الخاصة، لدرجة أنه جاءته امرأة إلى البيت ظهراً تشتكي طرد زوجها الغاضب لها، فأدخلها بيته، وطلب من زوجته القيام بواجبها، حتى إذا جاءت صلاة العصر ذهب إلى زوجها وهدأ من روعه، وأصلح بينهما دون أن يعلم أحد، وعادت إلى بيتها معززة مكرمة.

وهذا ما نفتقده الآن في مجتمعاتنا الأكثر ثقافة وتعليماً وراحة مالية، فالمرأة لا تجد لها مأوى حال اختلافها مع زوجها، أو وفاته، أو وفاة والديها إذا كانت غير متزوجة، فالبيوت الرحبة قد ضاقت بأهلها، والعيون ضاقت، والقلوب ضاقت، والنفوس ضاقت، فيا لها من معاناة تعيشها المرأة!

فما بالك لو كانت هذه المرأة مقطوعة من شجرة، أو وافدة؟ فأين تذهب؟ وكيف تتصرف؟!

وبهذا الضيق النفسي تمر علينا كل يوم قصص عجيبة لنساء انقلبت عليهن الدنيا، فلا مغيث لهن لا من أرحام ولا قوانين، خصوصاً بعد أن غاب الإصلاح الاجتماعي بحجة «ما لنا شغل»، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهن: «واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم».

وتشتكي مئات النساء من غدر أزواجهن بهن بمنحهم وكالات، واستغلال أموالهن وأملاكهن، أو الدخول بأسمائهن في مشاريع خاسرة، فيكون مصيرهن الإفلاس أو السجن، وقد يكون لديهن أولاد صغار، فيا لها من إهانة، وما أكثر الأسماء لدى جمعية التكافل لرعاية أسر السجناء!

قال صلى الله عليه وسلم: «إني أُحرّج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة».

أما المطلقات، فقد أصبحن رهاناً خاسراً لدى مكاتب المحاماة، خسارة مالية، وإهانة نفسية.

وكلما كان هناك أولاد، زادت المشكلات، وإن خرج الاثنان بتسريح بإحسان لهان الأمر كثيراً، إلا أن الكبر وإبليس والهوى لا ينتج عنهم سوى الذل والهوان.

قال صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر».

تخيل.. المرأة التي ليس لها منزل أين تذهب؟ بالطبع ما لم يكن لديها مال، فلن تستطيع شراء بيت، وستضطر للإيجار، وما لم يكن لها دخل كاف، فلن تستطيع دفع الإيجار، وقسط السيارة وتصليحها، ومقتضيات الحياة، فكيف ستتصرف؟!

وكم أصيبت بعض النساء بانتكاسات نفسية، من قلق وتوتر واكتئاب وانفصام ووسواس قهري.. وغير ذلك، بسبب ما أصابهن من أزواجهن، أو أرحامهن، أو المجتمع ككل، فالقهر يأتي أحياناً من القوانين والتشريعات القاصرة، وهذه مسؤولية الدولة، فلا تهينونهن، فقد جاء في الأثر: «إنهن أسيرات، لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم».

لذا.. ينبغي على جهات الاختصاص إجراء دراسة تفصيلية لكل الحالات الموجودة في المجتمع، وتقديم تشريعات تحافظ عليهن، حفاظاً على كرامتهن، وعدم تركهن عرضة لكل من هب ودب لاستغلال ضعفهن.

قال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم».

أنشأت جمعية الرحمة العالمية في مدينة شيفيلد في بريطانيا «دار إيواء» يلجأ إليها النساء اللائي يطردن من بيوتهن، وليس لديهن مأوى آخر، فتسكن في الدار إلى أن ترتب لها البلدية مكان إيواء خاص، فجميل لو أنشأ بيت الزكاة وأمانة الأوقاف مأوى لهن، حتى ينصلح حالهن، تحصل خلالها المرأة على الدعم النفسي والاجتماعي، ودورات تدريبية تساعدها للعمل والحصول على دخل.

لنتذكر أن لكل واحد منا أماً وأختاً وزوجة وبنتا قد يصيبها ما أصاب غيرها، فلنسع لأجلهن، فمن للمرأة الوحيدة.. مكسورة الجناح؟!

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 23
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top