د. عصام الفليج

د. عصام الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تعتمد فكرة "مهارة حل المشكلات" الإحساس بالمشكلة وتحديدها، وجمع بياناتها وتبويبها، ومعرفة الأشخاص الذين لهم علاقة بها، ثم وضع الحلول المتعددة، والبدء بالأسهل، ثم التقييم، مع الدقة والموضوعية، وتجزئة الحل، والاقتناع بإمكانية حل أي مشكلة.

ومن أسلوب حل المشكلات، استشعار الشخص أنه جزء من المشكلة حتى يتحمل جزءًا من الحل، ومن هنا تبدأ قصة الطالب "فواز".

أبي وأمي شبه منفصلين وهما في بيت واحد، الشجار ديدنهما، يدخل أبي البيت بعد عمله مجهداً، وأمي مشغولة بإخوتي وإعداد الطعام ونظافة البيت، فليس الوضع مهيأ، ينزعج جداً فيرفع الصوت، فتغضب أمي، ثم يبدأ الصخب والسباب. نحن في البيت عددنا كبير، أنا في الجامعة، وأختي في الثانوية، ولي إخوة في المتوسط والابتدائي، وجميعنا نشاهد ذلك، فينقلب ألماً في نفوسنا وبكاء في عيوننا، وتطور الأمر حتى طلق أبي أمي مرتين ولم يبق سوى الأخيرة، وأصبح أبي يتناول حبوب الاكتئاب، ولا يحب الجلوس في البيت، وأمي معظم الوقت متضايقة ومتوترة.

يستكمل فواز كلامه رابطاً بما درس..

هنا بدأت أمارس التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي، الذي درسناه ضمن مقرر "مهارات التفكير"، وأحسست أني كنت مهملاً نفسي وحياتي، وبلغت بي السلبية إلى عدم وجود أي أثر أو مشاركة لي في البيت، فقط أدرس وآكل وأشرب وأنام، وقد ألعب مع إخواني، ولي طلعات مع أصدقائي، وأختي مثلي كذلك.. كلانا نعزف نغم السلبية في بيتنا.

ولما مررت على "إستراتيجيات" حل المشكلات، وطبقت ومارست، عرفت كم أنا مقصر مع نفسي وأبي وأمي، كنت أتصور أن المهمات والمسؤوليات على أبي وأمي فقط، أما نحن فلا، وقد حركني تجاههما أمران قالهما الدكتور؛ إذا أحسست بمشكلة حولك فلن تحلها حتى تحس بأنك جزء من المشكلة والحل، وأنه لا شيء مستحيل، هنا فكرت.. لم أنقد والدي ووالدتي ولم أنقد نفسي؟! أين دوري؟!

فكرت بأسباب المشكلة، فوجدت من أبرزها أن هناك ضغطاً جسدياً ونفسياً على الوالدين؛ فالأب يعمل من الصباح حتى قبيل العصر؛ ثم يأتي مجهداً ليلبي متطلبات البيت، ومتابعتنا تعليمياً وتربوياً، إضافة لمهام الأسرة والأقارب.. إلخ، ولاحظت أن أبي لديه ١٤ مهمة، وأمي لديها مثلها في البيت، وأنا وأختي لا نشارك إطلاقاً، فوضعت خطة لتحمل أربع مهام من مهام والدي، وحددتها: المشتريات، ومتابعة دروس أخي الصغير، والقيام "بمشاوير" الوالدة، وإدارة جلسة ترويحية للأسرة في بعض المغربيات، فيها سوالف وفوائد وطرائف.

وأقنعت أختي بمساعدة أمي بأربع مهام: الإشراف على سفرة الطعام تقديماً وتنظيفاً، والمشاركة في تنظيف البيت، وتشرف على نظافة أختي الوسطى، وتدرس أختي الصغيرة.

وبقينا ننفذ ذلك لمدة شهر، حتى لاحظت تغيراً واضحاً في نفسية الوالد، وهدأت أمي أكثر، ونحن بدأنا نحس بدورنا في البيت، وغاب ٦٠% من المشكلة.

بعد هذا الإنجاز اقترحنا على والدينا أن يأخذا "إجازة من الأسرة" ويذهبا بمفردهما إلى أي مكان لمدة ثلاثة أيام وينسيا هموم البيت والأولاد ليستجما ويرتاحا، ثم يعودا أكثر همة ونشاطاً، وبطبيعة الحال.. رفضا مباشرة الاقتراح، خوفاً على العيال، وربما "حياء"، ولكنهما في الأخير اقتنعا، وسافرا ظهر الأربعاء، وعادا مساء السبت.

قال فواز: رجع والداي كعروسين جدد، ووجه أمي ينضح بالبشر والارتواء كأنها عروسة اللحظة، أما أبي فلقد كان سعيداً مطمئناً، غاب حزنه وترك الحبوب النفسية، وعند دخوله ضمني وقبلني ثم بكى وقال: يا حبيبي يا فواز، كان حقاً علي أن أزوجك، فإذا بك أنت من يزوجني، كان لزاماً علي أن أبني سعادة بيتنا، فإذا بك أنت وأختك من يمد قلبي وقلب أمك بالحب والحنان بعدما كاد أن ينكسر الزجاج، وينثلم الفؤاد، يا بني علمتني أنت أن الحياة نحن من يصنعها في دواخلنا، علمتني بذكائك ولباقتك أن المشاركة للكل راحة للكل، وأن المركزية تقتل سعادة المرء، فهو متعب دائماً والناس معه متعبون، والآن شاركتم وبادرتم وريحتم.

وقال فواز في ختام قصته لأستاذه وزملائه: يا دكتور، لأول مرة أدرس العلم تطبيقاً، وقد غابت المشكلة كلها تقريباً.

روى د. عبدالعزيز الأحمد هذه القصة الواقعية لطالبه في مقال بعنوان "فواز.. طالبي الإيجابي"، وقال: وهنا أرغمني "فواز" أن أعطيه الدرجة كاملة.

والآن.. تصوروا معي.. الأب لديه ١٤ مهمة، والأم لديها ١٤ مهمة، كما يراهما فواز، ونحن نعلم كآباء أن الرقم قليل جداً بحقهما، ومع ذلك فالأبناء لا يشعرون بهما، ويطالبون بكل شيء، ولا يعجبهم الأكل، مع غضب وصخب، ويمدون أرجلهم، ويأتون بدرجات متوسطة أو ضعيفة، وينشغلون بالأجهزة الذكية وهو بلا ذكاء اجتماعي، فهلا انتبه الأبناء لذلك مبكراً، قبل أن يفوت الفوت، وقبل أن يندموا على ما فات، ويشاركوا بتحمل المسؤولية، ويقدروا أدوار الآباء، فيبروهم.

والبر ليس أن يقبل الابن رأس والديه دون عمل أو مبادرة، بل البر بالنظر إلى عيونهما، ومعرفة رغبتهما، والمسارعة لتحقيق طلبهما قبل أن يطلباه.

اللهم ارض عنا وعن والدينا، واغفر لهما وارحمهما، وأعنا على برهما.

بادرة رائعة من اللورد محمد الطاف شيخ عضو مجلس اللوردات البريطاني، بتكريم رموز العمل الخيري الكويتي، في حفل أقيم في مجلس اللوردات في لندن، ولهذا الحفل دلالات رائعة في أمرين: قوة العلاقات البريطانية الكويتية، وثقة الإدارة البريطانية بالعمل الإنساني الكويتي وتزكيته له.

وتكفي الإشارة المباشرة لذلك في كلمة اللورد شيخ حينما وصف دولة الكويت بأنها "قوة عظمى" في مجال العمل الخيري والإنساني، لما عرفت به من مبادرات عالمية في مساعدة الشعوب التي تعاني كوارث مختلفة.

نعم.. لم يكن اللورد شيخ مجبراً على ذكر هذا الكلام، ولا مجاملته، بقدر ما ذكره قناعة ومحبة، ولاحظ الجميع اهتمامه بالوفد الكويتي الذين لن يفيدوه سياسياً، ولكنها قناعة حقيقية عبر عنها بكل شفافية.

وكانت لفتة جميلة من الشيخ صباح ناصر صباح الأحمد الصباح، وكيل الديوان الأميري لشؤون الأسرة الحاكمة، عندما ذكر أن أهل الكويت جبلوا منذ القدم على حب الخير، وتعظيم قيم التكافل والتراحم والبذل والعطاء وإغاثة الملهوف، فلم تمنعهم قسوة الحياة وشظفها حينئذ من أن يقدموا كل عون ومساعدة لذوي الحاجات فكانوا أهل نجدة ومروءة.

وأكد أنهم ما زالوا على هذا النهج، فأسسوا العديد من الهيئات والجمعيات الخيرية، الرسمية والأهلية، التي وصلت مشاريعها الإنسانية إلى مختلف أنحاء العالم.

وبين العم عبدالعزيز سعود البابطين في كلمته ممثلاً عن المكرمين أن "مؤسسة البابطين الثقافية" قدمت مساهمات عديدة في بريطانيا، أبرزها كرسي "لوديان" للغة العربية الذي تأسس عام 1636م في جامعة أكسفورد العريقة، والتكفل بعدة مقاعد في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد، وهذا أحد نماذج التميز في العطاء الذي لا يقف عند الغذاء والكساء، ويدعم العلم والعقل.

ولا يخفى على أحد أن العديد من المؤسسات الكويتية ساهمت في العديد من المشاريع الإنسانية في بريطانيا، مثل بناء دور إيواء للنساء اللائي يخرجن (يطردن) من بيوتهن لخلافات حادة، وتوفير ولائم الإفطار في شهر رمضان المبارك، وتقديم الوجبات للفقراء والمشردين (Homeless)، وبناء مراكز ثقافية وتعليمية وتنموية. وكل هذه الخدمات لا تفرق بين عرق أو لون أو دين. وهذا ما أشار إليه اللورد شيخ بقوله إن الكويت تزخر بعدد كبير من المنظمات والجمعيات الخيرية التي لها باع طويل في العمل الإنساني، وإسهامات خيرية في شتى أصقاع العالم دون تمييز ديني أو عرقي.

وحقيقة أن إقامة حفل تكريم رموز العمل الخيري في الكويت في مجلس اللوردات البريطاني بحد ذاته أمر يبعث على الفخر والاعتزاز.

ونفخر نحن الكويتيين بتتويج الأمم المتحدة لسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح "قائد عمل إنساني"، ودولة الكويت "مركزاً إنسانياً عالمياً".

ومن لطائف كلمات اللورد شيخ قوله: إن العمل الإنساني عنصر متأصل في تاريخ الكويت قيادة وشعباً، حتى أصبحت الكويت أكبر دولة في مجال التبرعات في العالم، وأن قيمة التبرعات قدرت عبر السنين بمليارات الدولارات، وعندما تحسب على الفرد الواحد، يتبين أن الكويت تتصدر العالم في هذا المجال، ولا تجاريها فيه أي دولة.

ويتميز سفير دولة الكويت لدى المملكة المتحدة خالد الدويسان ورئيس السلك الدبلوماسي فيها بأسلوبه السلس في الكلمات، وكلامه السهل الممتنع، والذي اعتبر اللورد شيخ "شيخ اللوردات"، مشيداً بالدور الإنساني الذي تؤديه الجمعيات الخيرية الكويتية لمساعدة الفقراء والمحتاجين في مختلف أنحاء العالم، بما يعكس الوجه المشرق لدولة الكويت.

وكما هي عادة السفير خالد الدويسان، ترك طاولة العشاء، وأخذ يجول بين الحضور الذين تجاوز عددهم 180 شخصاً، يسلم عليهم فرداً فرداً، مع ابتسامته المعهودة، في لفتة دبلوماسية متميزة.

ولعلها المرة الأولى التي يتلى فيها القرآن الكريم في افتتاح فعالية تحت قبة مجلس اللوردات البريطاني بطلب شخصي من اللورد شيخ، وقدر الله أن يكون الشيخ مشاري العفاسي أحد المكرمين، فدعي إلى المنصة لتلاوة آيات من الذكر الحكيم.

وأبدع عريف الحفل أحمد التميمي بإدارة الحفل، بلغة إنجليزية متميزة، وهي أيضاً المرة الأولى التي يقدم فيها فعالية تحت قبة مجلس اللوردات البريطاني شخص كويتي.

وشهد الحفل توزيع دروعا تذكارية على المحتفى بهم، وهم: عبدالله العلي المطوع، ود. عبدالرحمن السميط، وجاسم الخرافي، ومبارك الحساوي رحمهم الله، والذين استلم الدروع عنهم أبناؤهم.

وشمل التكريم أيضاً الشيخ د. خالد المذكور، ود. عادل عيسى اليوسفي، وعبدالعزيز سعود البابطين، وفاطمة بوقمبر، ومحمد يوسف القطامي، والشيخ د. بدر الحجرف، والشيخ صلاح أحمد الجارالله، ومعالي العسعوسي، ود. حنان القطان، وعبدالرحمن عبدالعزيز المطوع، ود. جابر عيد الوندة، والشيخ جزاع الصويلح، والشيخ عدنان عبدالقادر، والشيخ مشاري راشد العفاسي.

وتم تكريم جمعية النجاة الخيرية التي يمثلها د. رشيد الحمد، والرحمة العالمية التي يمثلها د. مطلق القراوي، والجمعية الكويتية للعمل الإنساني التي يمثلها إياد العبيد.

وقد بذل السكرتير الأول في السفارة الكويتية في لندن بدر العدواني جهوداً كبيرة لإنجاح هذا الحفل، فقد بدأ التخطيط لهذا العمل منذ أكثر من ستة أشهر، وكان حلقة اتصال مع جميع المكرمين في الكويت، والديوان الأميري، ومجلس اللوردات، وجميع المدعوين من داخل بريطانيا، وبالأخص المؤسسات الإنسانية ووسائل الإعلام، وأشرف على الاستقبال والتنقلات والإقامة، والسعي على راحة الضيوف، فهو الوحيد الذي يتواصل مع 21 شخصاً مكرماً على مدار الساعة، فكان رجل علاقات عامة من الدرجة الأولى، ويستحق بعد هذا النجاح أن نرفع له العقال.

وكانت له لفتة جميلة بدعوة جميع المكرمين قبل الحفل بيوم على حفل شاي (Afternoon Tea) لأجل التعارف بينهم، وشرح البرنامج لهم، وحضر اللقاء الشيخ طلال الفهد الذي يعالج هناك شافاه الله.

ولا ننسى دور زوجة بدر العدواني الفاضلة في دعم هذا الملتقى الرائع، فقد كانت في رفقة النساء المكرمات والضيوف في كل فعالية، ومساعدة أي ضيف من الكويت، بنفسية عالية، فلها كل شكر وتقدير.

ولعلنا بعد انتهاء الحفل التاريخي الرائع أن نكرر السؤال: ماذا يعني تكريم العمل الإنساني في بريطانيا؟ وكيف لنا أن نتعامل مع مثل هذه المناسبة؟

إنه يعني الكثير، فهو فخر واعتزاز لجميع الكويتيين، وهو بلا شك يعد توطيداً للعلاقة البريطانية الكويتية، ودعماً للعمل الخيري الكويتي، وثقة من السلطات البريطانية بالعمل الإنساني الكويتي، والذي ينبغي أن يرد بالمثل؛ بالمزيد من المشاريع الداعمة داخل بريطانيا، وبالأخص التعليم، ونشر الفكر الوسطي المعتدل.

وإلى الملتقى في مناسبات قادمة يفخر بها الكويتيون.

تظهر مشكلة سياسية جديدة مع كل بطولة كأس عالم أو أولمبياد دولي، تتراوح مظاهرها بين المقاطعة والانسحاب والتصعيد ..الخ، وخلال ثلاثة أشهر ستنطلق بطولة كأس العالم لكرة القدم في روسيا، وهناك عدة دول معرضة للانسحاب لأسباب سياسية.

ولا يخفى على أحد أن الانسحاب سيتضررمنه المنتخب المنسحب بتنفيذ عقوبات عليهمن الفيفا، حتى لو كانت الفيفا في الجيب.

ولعل أبرز الانسحابات المتوقعة، والتي ظهرت على السطح مؤخرا؛ انسحاب المنتخب الإنجليزي، إثر أزمة اغتيال العميل المزدوج الجاسوس الروسي لصالح بريطانيا سيرجي سكريبال وابنته، والتي أعلنت فيه رئيسة الوزراء البريطانية بالأمس الانسحاب من البطولة.

وخروجا من العقوبات الرياضية، وعدم ادخال السياسة في الرياضة، أعلنت تيريزا ماي أنه لن تكون هناك مشاركة لوزراء أو أفراد من العائلة الملكية في حضور مباريات كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف في روسيا، إضافة الى المقاطعة الاعلامية والاقتصادية للبطولة.

وانسحب الأمر على بعض الدول الأوربية تضامناً معها، لحين الوصول الى تسويات بين البلدين.

وحتى أمريكا التي لم تصل للنهائيات هددت بالمقاطعة تضامناً مع بريطانيا، ولو وصلت لهذه النهائيات، لهددت بالانسحاب لاتهامات تدخل الروس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح ترامب، وتشارك في المباريات.

والأمر الذي يطرح نفسه؛ أما آن الأوان لمنتخبات الدول العربية والإسلامية أن تتخذ قرارا بالانسحاب من نهائيات موسكو، بسبب التدخل الروسي الصلف في الشام، والإبادة شبه اليومية للشعب السوري بالطائرات والصواريخ!

ستكون إجابة الجميع: هل انسحابناسيوقف القتل الروسي المبرمج للأبرياء منالأطفال والنساء في الشام؟!

الإجابة منطقية، ولكن.. كيف يمكن أن نساهم في نصرة شعوبنا المضطهدة إذا كانت هذه الإجابة؟

برأيي أن الانسحاب هو أسلوب تقليدي لتبيان أي اعتراض، وها هي بريطانيا كان انسحابها من البطولة شكلياً، ومنع الحضور الرسمي لها فقط، اما الجماهير فستحضر، وعلى روسيا ان تتحمل عاقبة ذلك في شقاوة الجمهور البريطاني.

وقد تكون نتائجه سلبية إذا كان الطرف المنسحب صغيرا أو ضعيفا، أو اتفق عليه الآخرون، كما هو حال دولنا العربية والإسلامية، ولكن التصعيد الإعلامي، وإيجاد حلفاء سياسيين كبار وإعلاميين قد يسببان ضغطا أفضل، كما حصل مع بريطانيا.

عندما نشرت أفلاما وصورا مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في بعض دول أوربا والأمريكتين، تم مواجهة ذلك بالمزيد من الإعلام عن الإسلام في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الشوارع، حتى دخل في الإسلام الآلاف، وأسلم منتج الفيلم.

وبالإمكان أن يضع اللاعبون فنايل تحتية عليها صور تستنكر القتل الروسي لأطفال سوريا، ورفعها بعد تحقيق هدف، أو بدون أي مناسبة، أمام كاميرات التلفزيون والصحافة العالمية.

وبالإمكان وضع طاولات خارج الملاعب لتوزيع البروشورات والصور والإحصائيات. وبالإمكان أشياء أخرى، فأين المبادر؟!

لتبدأ جميع الدول العربية والإسلامية - كما فعلت بريطانيا - بالاعلان عن مقاطعة حضور شيوخ وأمراء وسلاطين ووزراء ومسؤولين رياضيين لمباريات كأس العالم في موسكو، (مو يروحون خش ودس) ومقاطعة الرعاية الاعلامية والاقتصادية، وهذا اقل القليل.

قد لا تستطيع الدول الصغيرة أو الضعيفة مواجهة الدول الكبرى، ولكنها تستطيع أن تنشر فكرتها بالشكل الأفضل والأمثل. المهم هو التحرك.

الأربعاء, 28 فبراير 2018 10:43

حتى لا يشوّه الدعاة دورهم الاجتماعي

يعيش الدعاة إلى الدين (الدعاة الصادقون لأي دين) صراعات عديدة، صراعاً مع المجتمع ومتطلباته، وصراعاً مع الأجيال المتغيرة واحتياجاتهم، وصراعاً مع أسرته التي تفتقده لانشغاله بالدعوة (وقد لا تلتزم بمعتقداته وآرائه)، وصراعاً مع الأحزاب السياسية والدينية، وصراعاً مع الحكومة التي تحاربه تارة، وتدعمه تارة، وتستخدمه تارة أخرى، وصراعاً مع الحاجات النفسية الفطرية من مأكل ومشرب وملبس وزواج وترفيه وممارسة هواياته، وعمل (تجارة أو وظيفة) لتوفير مدخول مالي كريم له ولأسرته، وصراع حب الرئاسة والقيادة.. وغيرها من الصراعات.

كل هذه الصراعات اليومية تسبب له ضغوطاً نفسية وصحية وفكرية، فهو ما بين إثبات وجود، وبين الانسحاب، خصوصاً إذا ارتبط عمله الدعوي بمدخوله المالي، وهذا هو الربط الخطير، ولا أقصد ألا يحرص على إيجاد دخل مالي له كداعية، فهذا حق إنساني، ولكن ربط الدعوة بالمال هو الأخطر، لأنه ممكن أن يُخترق أو يُشترى دون أن يشعر، ويميل تجاه الجهة التي توفر له دخله، وأحياناً بزيادة.

فأذكر –على سبيل المثال- أن أحد الدعاة المشهورين قبل 15 سنة تقريباً رفع قضية على شاب متحمس؛ لأنه نسخ محاضراته على أشرطة كاسيت، ووزعها مجاناً على الشباب، لأن ذلك قلل من مبيعاته! مع أن الشاب لم يبعها، إنما وزعها مجاناً، فماذا سيفعل هذا الداعية الآن في عالم الإنترنت والميديا؟!

في حين كان الشيخ أحمد القطان حفظه الله لا يأخذ ديناراً على محاضراته وأشرطته التي كانت تباع منها مئات آلاف النسخ، وانتشرت في العالم الإسلامي في الثمانينيات انتشار الهشيم.

وهناك قراء معروفون بحسن أصواتهم، يشترطون آلاف الدنانير لإمامتهم في رمضان، والسفر على الدرجة الأولى هو ومرافقه! فأي بركة يرجوها من عمله الدعوي المشروط بالمال المبالَغ به؟!

ومع تقدم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بدأ بعض الدعاة باستثمار شهرتهم وملايين من يتبعهم (الفلورز) بتسويق مشاريع خيرية أو توعوية مقابل نسبة من الإيراد، أو مكافأة مقطوعة!

ولا يخفى على أي متابع لوسائل التواصل الاجتماعي مشاهدة انحراف بوصلة بعض الدعاة المشهورين والمغمورين، فيشنوا حرباً ضروساً ضد بعض التيارات والرموز الدينية والسياسية لأجل مصالح ما، ويتناسوا أنهم دعاة.

وهناك قصص ومواقف كثيرة لدعاة وقراء استثمروا فيها شهرتهم لتحقيق موارد مالية لهم، وإن كنا لا نعترض أن يجتهد الداعية في مجاله، وأن يحصل على رزقه، لكن لا يكون ذلك على حساب القرآن والإفتاء الخاص، ولا على حساب كرامته، وعلى حساب سمعة الدعاة.

ويجري الأمر على قادة المراكز الإسلامية في العالم، فهم رموز في مجتمعهم، فالأصل هو التورع عما في أيدي الناس، وبالمقابل على إدارة تلك المراكز توفير الدخل الكافي والمناسب للدعاة من أئمة ووعاظ، حتى لا يضطروا للاستجداء أو العمل فيما هو غير مناسب أو لائق.

ولا أفضل من أموال "الوقف" التي توفر دخلاً مناسباً للعلماء والدعاة المتفرغين تماماً للعمل الدعوي، الذي قالوا عنه في الماضي: "لولا هذا المال لتمندل بنا الحكام"، ولولا هذا المال الفائض، لما قامت حلقات العلم، والمحاضن التربوية، في كل العالم.

أقول ذلك حتى لا يشوه الدعاة دورهم الاجتماعي والقيمي والثقافي والتوعوي في المجتمع، ويفقدوا سمعتهم، ويشوهوا سمعة غيرهم، من حيث لم يقصدوا.

كما أدعو أهل المال من تجار وأوقاف ومؤسسات خيرية ومبرات وأثلاث لدعم تفرغ العلماء والدعاة، سواء لطلب العلم بعمومه، أو لنشره، فبهذا المال نكرم العلماء، ونكفهم عن مد اليد، أو طلب الرزق، والتفرغ التام للدعوة والتعليم، وأن يكون ذلك بإكرامهم والإغداق عليهم، لا بالتقتير عليهم.

الله الله بالعلم والعلماء، فهم ورثة الأنبياء، وهم منارات السبيل.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top