د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 02 يوليو 2019 16:19

استبدال العمل التطوعي بالعقاب

بدأت الدول الغربية منذ أكثر من نصف قرن تقريباً بترسيخ مفهوم العمل التطوعي كقيمة مجتمعية، بعد أن دخلت المادية بشكل كبير في حياتهم، وظهور سلوكيات سلبية، وانحسار معدل الإنجاب، واضطرارهم لفتح الهجرة من عدة دول لتغطية النقص في العمالة الدنيا بشكل خاص، والوظائف التخصصية بشكل عام.

وأصبحت حالياً شهادة العمل التطوعي تضاف إلى السيرة الذاتية عند التقدم لأي وظيفة محترمة.

انتقلت الفكرة لدى السلطات الرسمية بتحويل عقوبات المخالفات والجرائم البسيطة من غرامات مالية وسجن مؤقت، إلى خدمة تطوعية إجبارية، مثل دوام كامل في مركز المسنين ورعايتهم اجتماعياً، أو تقديم برامج إرشادية وتوعوية إن كان صاحب تخصص، أو العمل في المستشفيات أو الحدائق أو أي مكان آخر معروف لديهم، وعليه أن يقدم تقريراً أسبوعياً بكل ما قام به، مع شهادة من الجهة التي تطوع بها، وبالطبع يعود كي ينام في منزله.

وجدت السلطات أن استبدال العقاب بالعمل التطوعي حقق آثاراً إيجابية على المجتمع بشكل عام، وعلى الفرد المعاقب بشكل خاص، من النواحي السلوكية والنفسية والاجتماعية، ووفر على الدولة أموالاً باهظة عند السجن.

وتطبق بعض الدول «السجن المنزلي»، فمن يُحكم عليه بالسجن يمارس العقوبة في بيته، فيُمنع من الخروج، وتوضع حلقة بلاستيكية حول قدمه عبارة عن جهاز تتبع لرصد تحركاته، ومن يخرج عن الدائرة المسموح له بالتحرك بها، ينقل إلى السجن مباشرة.

كما نفذت دول عقوبة حجز السيارات لمخالفات مرورية، بحجزها في بيت المخالف، ويوضع جهاز تتبع في السيارة، فهي وفرت مساحة الحجز، وحراسة المركبة، وإجراءات إدارية.. وغير ذلك.

وجميل لو فكرت السلطتان التشريعية والتنفيذية لدينا في هذين الأمرين، استبدال عقوبة الغرامة والسجن بالعمل التطوعي، والسجن المنزلي، فعندما يسجن شاب لتهوره، فإن الدولة تضيع عليه سنين شبابه، وفرص عمل، وحياة كريمة، كما أنه سيخرج من السجن محملاً بخبرات سلبية من عتاة المجرمين، وقد يتحول إلى مجرم حقيقي، وبالطبع فإن تقدير ذلك يعود إلى القاضي حسب مستوى الجريمة.

إضافة إلى أن العقوبات التطوعية توفر على الدولة مبالغ كبيرة، وأعباء إدارية، وتبعات اجتماعية، وتصقل الفرد سلوكياً ومهنياً واجتماعياً.

يوجد في الكويت أكثر من 500 فريق تطوعي، التقيت 100 منها في البرنامج التلفزيوني «أيادي بيضاء»، بعضها مسجل في وزارة الشؤون الاجتماعية، وبعضها تحت مظلة هيئات وجمعيات نفع عام، وبعضها عمل حر بلا مظلة، وهذا يدل على مدى حب شباب الكويت للعمل التطوعي في بلد الإنسانية، وقد كان لتحرك الشيخة أمثال الأحمد الصباح رئيس مركز العمل التطوعي في الكويت دور رائد في هذا المجال.

وينبغي أن تواجه الدولة والقطاع الخاص هذا العمل التطوعي بالتشجيع، وأن يضاف مع السيرة الذاتية عند التقدم لأي وظيفة، فيكون ذلك عاملاً مساعداً للترقية الوظيفية والمكافأة المالية، إضافة إلى أي أسلوب آخر من التشجيع، وهذا من دواعي التعامل مع التنمية المستدامة التي تدعو لها الحكومة ضمن إطار الأمم المتحدة، ورؤية 2035.

«لقد أكدت مراراً أن ثروة الوطن الحقيقية تكمن في شبابه، فهم أغلى ما نملك من ثروة واستثمار، وهم يحظون بجل اهتمامنا واهتمام الحكومة ومجلس الأمة، وعلينا العمل على تنمية قدراتهم وصقل مهاراتهم، وحثهم على التحصيل العلمي المواكب لمتطلبات العصر، وتحصينهم من الأفكار الضالة والسلوك المنحرف» سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

السبت, 29 يونيو 2019 13:09

لمصلحة من تضخيم إيران؟!

استخدم الإعلام الغربي أساليب عدة في “تضخيم الذات” لدى الآخرين، تحت قاعدة "اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون"، ونجحوا في ذلك كثيراً، كيف لا وهم يمتلكون أكبر آلة إعلامية وثقافية في العالم، من تلفزيون وإذاعة وصحافة وسينما ودراما ومسرح، وأخيراً وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستجرام" وغيرها.

ولم يأت ذلك بشكل عشوائي، إنما بدراسات علمية ونفسية واجتماعية وتاريخية مسبقة، وخطة تدريجية زمنية، بالاستعانة بكتاب وإعلاميين من مواطني من يريدون تضخيمه، باختراق فكري وسياسي منظم، بترتيب من مافيا دولية كبرى تسمى “الصهيونية”.

ولا يمكن أن يدخلوا في أي صراع إعلامي في أي بلد أو إقليم؛ دون دراسة الأبعاد الدينية والتراثية والفكرية والقبلية والأسرية والاقتصادية، فما يهمهم هو نجاح التطبيق وتحقيق الأهداف، لا التطبيق ذاته.

بدأوا ذلك بعد الحرب العالمية الثانية عندما رأوا أثر تضخم الذات لدى هتلر واليابان والذي أدى إلى تدميرهما، فتوجهوا لجميع الدول التي احتلتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في آسيا وأفريقيا، وحولوا عددا كبيرا منها لحكم العسكر الفاشي، وضخموهم قوة وقدرة حتى قهروا شعوبهم، واستولت المافيا على ثروات تلك البلاد، فأصبحوا أغنياء وتركوا تلك البلاد فقراء، ينشغلون بالاقتتال بينهم.

وضخمت الآلة الإعلامية (العربية والغربية) الذات العربية، أو القومية العربية، حتى دخلت الصهيونية فلسطين شيئا فشيئا، ثم دعمت الانقلابات في جميع الدول العربية باستثناء الخليج العربي، فتحولت من دول غنية إلى دول فقيرة، ومن دول دائنة إلى دول مدينة، ومن ملكيات وإمارات مستقرة، إلى جمهوريات عسكرية تم تضخيمها وتهويلها والتخويف منها، حتى سقطت عند أول احتكاك.

وهولوا تخوفهم من الجيوش العربية، وأنها سترمي "إسرائيل" في البحر، فجاءت النكبة (1948م)، ثم العدوان الثلاثي (1956م)، ثم النكسة (1967م)، واحتلت "إسرائيل" فلسطين بالكامل، ومعها "فوق البيعة" الجولان والضفة وسيناء وشبعا!

هل توقفت الآلة الإعلامية الغربية بعد ذلك؟!

كلا.. بل استمرت في تهويل العديد من الزعماء والأنظمة، وأولها شاه إيران، الذي ساندوه وسلحوه في قصة طويلة، وقالوا عنه أنه يملك أقوى رابع جيش في العالم، ونسي الدول العظمى، بل نسي من سانده خلال فترة حكمه، فأصيب بداء العظمة وصدق نفسه، ولكنه لم يستطع أن يحمي نفسه من شعبه، وانتهت أسطورة شاه إيران.

وجاء دور المجرم صدام حسين الذي دعمه دول الخليج بلا حدود، وتم تضخيم جيشه بالعدد والعتاد، وأطلقوا عليه مرة أخرى رابع أقوى جيش في العالم، وساعده الغرب في حربه مع إيران حتى استهلكوا ماله وجيشه، وأًغري باحتلال الكويت، وعاش غطرسة غير مسبوقة، وكسابقه أصيب بداء العظمة، وكان ما كان، وسقطت بغداد مرتين!

وضخموا من قوة المجاهدين الأفغان، وأسبغوا على الحرب مسحة دينية لتحقيق دعم الشعوب المسلمة لهم، ومدهم الغرب بالسلاح، ليكونوا أداة حرب بالوكالة اتجاه روسيا، حتى إذا أسقطوا النظام الشيوعي، فتنوا بينهم وفرقوهم، ثم أنشأوا طالبان والقاعدة.. وبقية القصة معروفة، وسيطر الغرب على أفغانستان.

وضخموا زعيم الأكراد في العراق، وعاش غطرسة مثل غيره، حتى أنه لم يقف مع العراقيين السنة في الانتخابات باسم القومية الكردية، وأغري بطلب التصويت على الانفصال عن العراق بدعم من "إسرائيل"، فباء بالفشل الذريع، وضاع مشروعه الانفصالي بشكل رسمي، فلا هو مع العراقيين السنة، ولا هو نصر الأكراد!

وضخموا النمور الآسيوية اقتصادياً، حتى إذا شعروا بالثقة وخرجوا عن طوعهم؛ حطموا اقتصادهم، وأعادوهم إلى المربع الأول.

وضخموا من الاقتصاد التركي، ونظامه العسكري، وهو محاط بروسيا شمالاً، وأتباعها شرقاً، وقاعدة أمريكية، وأوروبا غرباً، وأشعلوا الفتنة بينه وروسيا، وأعدوا له انقلابا فشل بفضل الله، فما كان منهم إلا أن حطموا الليرة.

وتدور الأيام مع الأحزاب والهيئات والتيارات السياسية، فضخموا حزب الله اللبناني بشكل غير طبيعي، ويسروا له خطف الطائرات وابتزاز التيارات السياسية وإضعاف وطنه تحت سيطرة النظام السوري، وإذا خرج عن أجندتهم قصفوه!

وأرهبوا الناس من البعث السوري، وفتح الفلسطينية، فمارسوا التفجيرات هنا وهناك، وقمعوهم عند أول خروج عن الطاعة.

وخوفوا الناس من خطر الوهابية، وأثرها السلبي على الأجيال، وأنشأوا كيانات وهمية لمهاجمتها ونقدها بلا أدب، باسم الجامية تارة، والمدخلية تارة أخرى، ولا تعرف لهم رأس، وسخروا لهم التمثيليات للسخرية منهم!

ثم هولوا من حركة أنصار الله المشهورة بالحوثيين، حركة لا يتجاوز أتباعها 10% من الشعب اليمني، سيطرت على 70% من مساحة اليمن!! كيف؟! ببساطة.. دعم الحزب الحاكم (السني) وقبيلته لهم، والذي سيتم سحبه منهم يوماً ما.

وضخموا من "داعش" وأخواتها، والكل يعرف أنهم جمع من فلول ومرتزقة وبسطاء، انسحبت من أمامهم الجيوش النظامية في العراق والشام بطائراتهم وآلياتهم في مسرحية مكشوفة، وسلموهم مخازن الأسلحة، ليضربوا بها المسلمين السنة!! وسيطروا من خلالها على معظم المساحة السنية!

وضخموا من خطر الإخوان المسلمين في كل مكان، عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم لا يتقلدون أي منصب سياسي ولا عسكري، حتى يضربوا الإسلام من خلالهم باسم ضرب الإرهاب!

وهولوا من أخطاء فردية لبعض أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علما بأن القرار النهائي للمحكمة، حتى يضربوا الإسلام من خلالهم باسم مواجهة التطرف!

هم لا يسيطرون على الإعلام فقط، فكل الفضاء الإلكتروني تحت اطلاعهم واختراقهم، وما "ويكيلكس" إلا أحد ثمارها، والأقمار الصناعية تحت سيطرتهم، فهم من يزودون الخلايا التجسسية والطائرات الحربية والمدافع بالإحداثيات والمواقع والصور، فهم من اخترقوا الطيران التركي وجعلوه يضرب الطائرة الروسية، وهم من جعلوا طيران التحالف يضرب صالة عزاء في اليمن على أنها وكر علي صالح، وغير ذلك كثير.. فقط لنتذكر.

والآن يتم تضخيم إيران بشكل ملفت للنظر، وأطلقوا عليها مرة أخرى صاحبة أقوى رابع جيش في العالم، وأنها ستصنع سلاحاً نووياً؛ وكأن "إسرائيل" وجميع الدول الكبرى ليس لديها قنابل نووية؛ حتى كوريا الشمالية الصغيرة مساحة تمتلك أسلحة نووية يهابها الكبار، وظللنا نعيش 25 عاماً من الصراع الكلامي الأمريكي الإيراني، تحت سياسة "جاكم الذيب"!

وما زالت آلة الإعلام الصهيونية تعمل عبر أدواتها الغربية والعربية، بتضخيم الذوات والأحزاب والأنظمة والدول العربية والمسلمة، حتى إذا وصلت الذروة، جاء دور السقوط، حينها لا ينفع الندم.

ويعلم السياسيون أن إيران (وهي مزيج من عدة قوميات وأقاليم وأعراق ولغات وأديان وعقائد) صاحبة تاريخ سياسي “فارسي” عريق، يتسم بالذكاء والنفس الطويل، والتمسك بشعرة معاوية، والكل يعرف أن إيران فارس صاحبة حضارة لأكثر من 3000 سنة، فليس من السهولة جرها إلى ساحة الحرب والتصفية كما حصل مع الغبي صدام.

وإيران (وأتباعها) ليست عميلة لأمريكا كما يظن البعض، أو حليفة لإسرائيل كما يروجون، إنما هو التقاء مصالح، وهذه المصالح قد تمتد وقد تنتهي بحسب تقدير الطرف الأقوى.. أمريكا.

وقد نجحت الصهيونية باستخدام إيران لإحداث صراع في الخليج العربي، يوفر لها عائدات مالية لا حدود لها، كما نجحت إيران باستثمار مساحة الحرية السياسية والعسكرية الممنوحة لها للحرب بالوكالة؛ للسيطرة على العراق والشام ولبنان واليمن، والتعاون بين الطرفين لدعم انتشار وتحرك "القاعدة" و"داعش"! فمن له نفس عروبي يعلنها مشروعاً فارسياً، ومن له نفس ديني يعلنها مشروعاً طائفياً، ومن له نفس سياسي يعلنها مشروعاً مصلحياً.

إيران تعرف حدودها السياسية وقدراتها العسكرية، وتعلم أنها محاطة بعشرات القواعد العسكرية الأمريكية، الثابتة والمتحركة، البرية والبحرية والجوية، في الخليج والعراق وتركيا وكردستان وأفغانستان وباكستان وبحر العرب والمحيط الهندي والبحر المتوسط، وبالتالي لن تندفع لأي حرب، ولن تجرؤ على ضرب أي مرفق أمريكي، وما يجري هو استفزاز لأمر دبر بليل لا يمكن التخمين به، قد نرى آثاره لاحقاً.

ليس الهدف من تضخيم إيران جرها، فقد تجاوزت هذه المرحلة، إنما لتخويفنا منها، وطلب الحماية الغربية، وشراء المزيد من الأسلحة، وارتفاع أسعار النقل والتأمين البحري، والمستفيد النهائي اقتصادياً هي الصهيونية، وفكرياً إيران. لذا.. فقد حصلت إيران على دعم غير مسبوق في المنطقة، فيما يسمى الهلال الشيعي، والذي استفادت منه اقتصادياً وسياسياً وأخيراً.. مذهبياً.

والهدف الأهم هو التأكيد على أن إيران أخطر على دول الخليج من "إسرائيل"، وهذا ما يروج له الإعلام العربي قبل الغربي، بتناغم عجيب، تمهيداً لإقرار العرب بالتطبيع مع "إسرائيل" بهذه الحجة التي عمموها، وللأسف إيران شريكة في هذه اللعبة، شاءت أم نفت.

أعان الله القيادات السياسية الخليجية التي وقعت تحت هذا المصير السياسي الرهيب، وندعو الله أن يهديهم لما هو خير للإسلام والمسلمين، ويصرف عنا كيد الكائدين.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "أحوال الكويت".

الثلاثاء, 25 يونيو 2019 14:28

إلى ماذا انتهت تشخيصات الحلاج؟!

أذكر عندما كنت صغيراً رأيت شخصاً يعيد وضوءه أكثر من مرة، فسألت قريبي عن السبب، فقال: هذا هو الوسواس، يعيد الرجل وضوءه أكثر من مرة لشكه بأنه توضأ أم لا، أعانه الله.

تذكرت ذلك عندما درست بعض المواد النفسية، وشاركت في لجان الصحة النفسية مع أطباء نفسيين، ليتبين لي لاحقاً مدى تغلغل المشكلات النفسية في نفوس البشر، الأصحاء والأسقام، الفقراء والأغنياء، المتعلمين والجهال، المتحررين والمتدينين، بمختلف الأجناس والأعراق والألوان، كلهم على حد سواء معرضون للإصابة بالأمراض النفسية، بسيطها وصعبها، مثل جميع الأمراض، إلا من رحم الله.

لذا.. كان من الضروري عدم الحكم على الناس من تصرفاتهم دون معرفة طبيعتهم ونفسيتهم، التي تبدأ من الحساسية والمزاجية والزعل والانفعال.. إلخ، مروراً بالوسواس القهري والاكتئاب.. إلخ، وانتهاء بالانفصام واضطراب الهوس الوجداني.

قرأت رواية «تشخيصات نفسية عبر آلة الزمن»، وهي قصة حقيقية كتبها د. عادل الزايد، استشاري الطب النفسي والإدمان، وأحد أكبر الأطباء النفسانيين في الكويت، الذي تميز بالجمع بين الطب والفكر والدين والأدب والتاريخ والثقافة اللامتناهية، ورغم عدم إقبالي على قراءة الروايات لكثرة كتّابها الذين أساؤوا لمفهوم الرواية، فقد استمتعت بهذه الرواية لحجم الثقافة والمعلومات التي تلقيتها من حوارات د. عادل، ود. محمد، وبو مساعد.

كانت رسالة المؤلف في هذه الرواية، هل «الحلاج» من خلال كلامه، رجل سوي بكامل عقله، أم به اختلال نفسي؟! وكذا «ابن عربي»، ولم يتطرق إلى الجانب الشرعي البتة، لإقراره بأن ذلك من اختصاص علماء الشريعة، كما هو الفحص من اختصاص الطبيب النفسي، خصوصاً أن لهما أتباعاً كثراً حول العالم.

يتمتع الحلاج، وابن عربي بإنتاج علمي وأدبي غزير، ولديهما من الأقوال البلاغية الجميلة والرائعة، وبالمقابل لديهما من المتناقضات اللفظية والسلوكية الشيء الكثير، وهذا ما أثار التساؤل حول سلامتهما النفسية.

كما أن هناك شكاً في أن جميع ما نسب إليهما من أقوال هي لهما، مثل جميع العقائد والأفكار التي طالها التغيير والتزييف والتزوير عبر التاريخ.

سافر د. عادل إلى مصر والهند وتركيا ومدن أخرى للوقوف على معلومات تاريخية كثيرة، ليس لأجل هذين الشخصين، إنما هو شغف الثقافة وحب العلم وممارسة الرياضة، وما فتئ يجمع بين تلك المعلومات في لقاءاته العلمية والثقافية والطبية مع مختلف المختصين، كما هي قطع الصورة المتناثرة (Puzzle)، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك مع مجموعة من الأطباء النفسيين أن الحلاج، وابن عربي كانا مختلين نفسياً، وكانا لا يعيان بعض ما يقولان ويمارسان من طقوس وملابس، ووصف حالتهما «اضطراب الهوس الوجداني»، وانتهت الرواية.

حرصت على ذكر هذه التفاصيل للإشارة إلى خلاصة مهمة، وهي:

1- لا ينبغي علينا أن نحكم على الناس دون معرفة أحوالهم الشخصية والنفسية، التي انعكست على سلوكياتهم وأقوالهم، وكم رأينا أناساً تغيرت شخصياتهم بتغيير التعامل، أو البيئة، أو بالعلاج.

2- أن نمارس عبادة مهمة وهي حسن الظن، وأن يعذر بعضنا بعضاً، وأن نحمد الله على نعمة الصحة والعافية.

3- كلنا معرض للأمراض النفسية، بسيطها وكبيرها، فاسألوا الله العافية والسلامة.

4- يتعرض الشباب للإلحاد والانتحار والانحراف، وهي أزمة متكررة لأسباب نفسية، فلنكن لهم عوناً، لا أن نعين الشيطان عليهم.

والله يحفظكم.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 18 يونيو 2019 16:23

مؤشر الكهرباء.. وجاكم الذيب!

حر.. حر.. كلمة نسمعها كل يوم مع نهاية شهر مايو من كل عام، كأن الحر يأتينا لأول مرة، وكأن الناس عايشة في سويسرا وليس في الكويت! رغم توافر التكييف في كل مكان.. في المنزل والعمل والسيارة والمسجد والأسواق.. إلخ، ولا أعلم هل تكرار كلمة حر ستبرد الجسم!

و«انقطعت الكهرباء».. كلمة تتكرر في مثل هذا الوقت من كل عام، وغالباً ما تكون في المناطق القديمة، حيث أصبحت بنيتها التحتية مستهلكة، وبالأخص المحولات الرئيسة، وتسعى الوزارة مشكورة لإعادة الكهرباء بأسرع وقت ممكن، علماً بأنه قد تجاوزت الانقطاعات هذا العام 300 انقطاع في اليوم الواحد، بما فيها المراكز الطبية!

أما كلمة ارتفعت الأحمال.. ووصل المؤشر إلى الأحمر.. فقد تعودنا سماعها أيضاً، كما تعودنا على المؤشر الأحمر في البورصة، بنظام «جاكم الذيب»!

لا أشك أن وزارة الكهرباء والماء تقوم بجهود كبيرة طول العام، وبالأخص فترة الصيف الحارق، وتسعى جاهدة لئلا تنقطع الكهرباء مع ارتفاع الأحمال، إلا أن يداً واحدة لا تصفق، فلا بد من تشريعات جديدة تدعم الوزارة في مختلف المجالات، بعيداً عن ضغوط المتنفذين، الذين يتصارعون على العقود، بعيداً عن مصلحة البلاد، والذين يرفضون وضع تسعيرة خاصة لغير السكن.

إن البنية التحتية للبلاد التي مضى عليها أكثر من نصف قرن، تحتاج إلى تطوير جذري، لمواكبة مستجدات التقنيات الحديثة، فطبيعة طقس الكويت تجعل معدل الاستهلاك في كل الأمور أعلى من غيرها، في تمديدات الكهرباء والماء والهواتف والشوارع والإشارات المرورية والمجاري.

وغير ذلك، فعلى سبيل المثال تحدث انهيارات شبه يومية في بواليع شوارع منطقة العديلية، واحتراق أكثر من محول كهرباء فيها، ولا يعقل أن نوعزها للفساد، لأن بنية المنطقة التحتية مضى عليها أكثر من 60 سنة.

ومن ضرورات التجديد التخلص من الأسلوب القديم بحفر الأرصفة وإتلافها عند كل تمديد لكيبل كهرباء جديد، الذي لا نراه في الدول الغربية، وإنما يكون هناك أنابيب أو ممرات خدمات كبرى تجمع كل التمديدات، ولها مخارج عند كل بيت أو عمارة.

وعودة على موضوع جاكم الذيب.. أقصد تهويل زيادة الأحمال، ووصلنا إلى المؤشر الأحمر، فماذا تريدون من الناس أن يفعلوا؟! معروف أن الاستهلاك الأعلى بسبب التكييف، وهذا لا يمكن الاستغناء عنه، فما المطلوب؟ وكيف إذا افتتحت المناطق الجديدة في المطلاع وغيرها؟!

ماذا تريدون من الخط الأحمر؟! ولم هذا التهويل والتخويف إذا لم تكن لديكم رسالة واضحة للناس؟

وإذا كان فعلاً الأمر جللاً، فلتبادر الحكومة بإصدار تشريعات جادة بهذا الشأن، وتضع إستراتيجيات واضحة، مثل إنهاء دوام رياض الأطفال ومرحلتي الابتدائي والمتوسط أول شهر يونيو، فنخفف استهلاك الكهرباء في المدارس ومنازل المعلمين بعدما يسافرون، ولتبدأ بعض المؤسسات غير الجماهيرية أعمالها مبكراً (س 6 ص)، وتنتهي مبكرا (س 12 ظ).

ولنُعد حملات ترشيد الاستهلاك الإعلامية بأسلوب حضاري ومتجدد، وتوعية الناس بأساليب الترشيد، كاستخدام مصابيح توفير الطاقة، وعدم استخدام مبردات خزان الماء، الذي يضطرنا لاستخدام السخان.. وغيرها.

ولنرفع تعرفة الاستهلاك على الفنادق والأسواق التجارية والقسائم الصناعية التي تحولت إلى مقاهٍ ومطاعم ومحلات تجارية، والمدارس والجامعات الخاصة، والمراكز الرياضية.

وأخيراً.. لتمنح الدولة تذاكر مجانية للمواطنين كما كانت تفعل في الستينيات، فيخف ضغط الاستهلاك، ونوفر لها!

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top