د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 12:14

ابن السبكي.. صاحب طبقات الشافعية

الحمد لله جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعلهم درجات وطبقات؛ فنبغوا في المؤلفات والمصنفات والإنتاج العلمي والمنجزات، وكانت لديهم المسائل والمذاهب والآراء والفتاوى، فكان منهم المحدثون والحفاظ والمفسرون والوعاظ والمؤرخون والأدباء واللغويون والمتكلمون والفلاسفة المفكرون، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العلمَ"(أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223) مطولاً).

ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ المبرزين والأعيان المتميزين صاحب كتاب "طبقات الشافعية"، وهو الكتاب الذي أثنى عليه العلماء من المتقدمين والمتأخرين؛ بما حواه من الفوائد والعوائد والكنوز والفرائد.

أما صاحبه فهو العلامة تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي (727 - 771هـ)، ووالده الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (683 - 756هـ).

وقد أوضح حياةَ ابن السبكي، يرحمه الله، بأسلوب ماتع شائق العلامةُ د. محمود محمد الطناحي في مقالاته "صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب":

"وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري -عصر الموسوعات- هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي، التي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.

وقد وُلد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية.. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا.

فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد، حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد.. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد "طبقات الشافعية".

لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول.

كما كان مصدراً أدبيّاً لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب، وكان أيضاً مرجعاً أصيلاً في جمع أشعار الشعراء.

ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربوياً راشداً حين يقول:

وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات" (الطناحي - مقالات).

عبر تربوية:

- تأثر التوجه التربوي للأمة بما تتعرض له من أخطار وأزمات.

- الدور الإيجابي للعلماء في النهضة والازدهار.

- اهتمام العلماء بالتعليم والتدريس لأبناء المسلمين.

- تأثر الأبناء بمن يفد على آبائهم من علماء وغيرهم.

- الكنوز والجواهر الموجودة في كتب التراث لها أهمية كبرى حال استخراجها وصياغتها بأسلوب يتناسب مع جيل هذا العصر.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 04 نوفمبر 2018 09:55

التقييم

 تعريف ومعنى التقييم في معجم المعاني الجامع (معجم عربي عربي):

1- تقييم (اسم):

تقييم: مصدر قَيَّمَ.

2- قَيَّمَ (فعل):

- قيَّمَ يقيِّم، تقييماً، فهو مُقَيِّم، والمفعول مُقيَّم.

- قيَّمَ الشيء تقْييماً: قَدّر قيمَتَهُ.

- قيَّم السِّلعةَ: حدَّد ثمنها.

- قيَّم وضعاً: استعرض نتائجَه وما حقّقه من تقدُّم.

حاجتنا إلى التقييم: 

إن المؤسسة الربانية المتميزة والمتألقة لتحتاج إلى التقييم كما يحتاج كل فرد عابد زاهد إلى المراقبة والمحاسبة؛ كي يرقى بذاته ويرتفع بمستواه.

فالمؤسسة التي تنوع مجالات التقييم لديها لا بد أن تتميز بتلك المجالات التي خضعت لمعايير التقييم والتصويب والتصحيح، فمن تلك المجالات:

- المدخلات والمخرجات لأموال المتبرعين كمّاً وكيفاً وصرفاً وتوثيقاً؛ فالكم هو الحجم المالي للتبرعات بالأرقام والحسابات الدقيقة، والكيف هو طريقة جمع التبرعات بالطرق القانونية المعتبرة لدى الجهات الرسمية، والصرف هو طريقة صرف الأموال كالمصارف الشرعية للأوعية الزكوية المعتبرة والمعروفة، والتوثيق أن تُحفظ تواريخ صرف التبرعات والأموال مع رصد الجهات  المستفيدة.

- الخطط والإستراتيجيات الخاصة بالمؤسسة، ومدى تحقيق الأهداف الخاصة بهذه الإستراتيجيات متزامنة مع مؤشرات الأداء ومؤشرات النجاح.

- تقييم الخطاب الإعلامي للمؤسسة ومدى مطابقته مع أهداف وإستراتيجيات المؤسسة، وقد حضرت جلسة مفيدة ورائعة لتقييم الخطاب الإعلامي لجمعية الإصلاح الاجتماعي، وكان طرحاً إعلامياً ماتعاً فيه التجديد والعصف الذهني والإبداع والتميز.

- تقييم قيم المؤسسة ومدى مطابقتها مع واقع واحتياجات المؤسسة وواقع المجتمع والأمة.

- تقييم أداء المديرين والأفراد والعاملين بشكل عام.

مصادر التقييم:

- العاملون في المؤسسة عبر استبانة توزع.

- المستفيدون من خدمات المؤسسة من متبرعين أو أولياء أمور طلاب ونحوه.

ولا بد من تحليل النتائج والخروج بتوصيات لتصحيح الأخطاء ووضع خطة لمتابعة التصحيح.

فوائد وعوائد التقييم:

- التجديد في عرض الخدمات والأفكار.

- تصحيح الأخطاء وتجنب العيوب المتكررة.

- الشراكة مع الآخرين في وضع الخطة والقيم خلال الاستماع الإيجابي للآخرين.

- الإبداع والتميز في التخطيط والإستراتيجيات.

- إتاحة الفرصة للرجل المناسب في المكان المناسب.

- شعور العاملين والعملاء باعتبار الذات والتقدير؛ لأخذ آرائهم ومقترحاتهم من قبل إدارة المؤسسة.

- التعرف على طبيعة الجمهور لتقديم البرامج والخدمات المناسبة.

- التعرّف الدقيق على البيئة المحيطة بالمؤسسة؛ وبالتالي التعرف على الاحتياجات المناسبة لكل بيئة ساحلية كانت أو ريفية أو بحرية.

وقد حضرت حلقة تقييمية لأنشطة وبرامج قطاعات جمعية الإصلاح الاجتماعي، فرأيت العرض الإلكتروني المدعم بالأرقام والنسب المئوية لمؤشرات النجاح والأداء، وبحضور رؤساء القطاعات، ويدير ذلك كله لجنة متخصصة تقيم معايير الجودة لمختلف النشاطات والبرامج لمختلف القطاعات، وتقدّم ملحوظاتها، وتناقش مسؤولي القطاعات عن جوانب الضعف والقوة في أدائهم، وكانت لجنة التقييم هذه تمر على القطاعات بفترات زمنية ماضية محددة وتقيّم الأداء بطريقة جزئية.

إن وضع لجنة متخصصة للتقييم لديها معايير واضحة وخطة محددة وآلية سهلة معروفة لدى الجميع، كل ذلك يساهم في تقييم ناجح متميز يتولد بعده نتائج وفوائد وعوائد.

والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء, 03 أكتوبر 2018 09:48

حب الخير للغير

 

«لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه» (رواه البخاري)، وهذا ما يميز المؤسسة الربانية، من معالم حب وتقدير للناس جميعاً، (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: 83).

فما وُضعت الأهداف والخطط، وما رُسمت الإستراتيجيات العامة إلا لنفع الناس وإفادتهم وإعانتهم مادياً ومالياً، وإعاشة واقتصاداً، وتثقيفاً وتعليماً، وتنشيطاً وتدريباً، وتشجيعاً وتوجيهاً.

وهكذا يوجه الإسلام أتباعه لحب الخير للغير؛ «يصبحُ على كل سُلامَى ابنِ آدمَ صدَقةٌ، فإماطةُ الأذى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، والتَّسليمُ على من لقيتَ صدقةٌ، والأمرُ بالمعروفِ صدقةٌ، والنَّهيُ عنِ المنكرِ صدقةٌ، وَذَكَرَ الصَّلاةَ والصَّومَ والحجَّةَ والتَّسبيحَ والتَّحميدَ والتَّكبيرَ كلُّ ذلِكَ صدقةٌ، ثمَّ قالَ: يُجزئُ أحدَكُم من ذلِكَ رَكْعتا الضُّحى» (أخرجه مسلم).

«كلُّ سُلامى مِن النَّاسِ عليهِ صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلعُ فيهِ الشَّمسُ، قال: تعدِلُ بين الاثنينِ صَدقةٌ، وتُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه فتحمِلُه علَيها أو تَرفعُ لهُ علَيها مَتاعَه، صدقةٌ، قال: والكلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صدقةٌ وتُميطُ الأذى عَن الطَّريقِ صدقةٌ» (أخرجه البخاري ومسلم).

وتنويع سبل الخير وتوسيع آفاق عمل الخير يملكه المسلم ذو الأفق الشاسع الرحيب، تحدوه رغبة جامحة نحو معالي الخير والرشاد والنور والصفاء حتى يجمع أجراً عظيماً من مختلف أطرافه ولا يحتقر من المعروف شيئاً أبداً، بل يعمل مع مؤسسته نحو تطوير أداء الخير بما يتناسب مع تقارب العالم في قرية تتحد أهدافها وتشترك في آلامها وآمالها وحاجاتها وسبل علاجها، والمؤسسة الربانية تفهم أن دورها تقديم وتيسير وتقريب الخير للغير.

قال رئيس مكتب شرق أفريقيا في لجنة الرحمة العالمية عبدالعزيز أحمد حسن الكندري: «إن الرحمة العالمية لديها فلسفة واضحة في العمل، وهي بناء الإنسان، والمساهمة في تحسين حياة الشعوب والأقليات، تحقيقاً للتنمية المستدامة من خلال الأنشطة الخيرية التنموية والإغاثية والشراكات والمبادرات..» (ديوان الخير، العدد الحادي والثلاثون).

وصدق الله: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77}) (الحج)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7}) (الزلزلة).

وفعل الخير للغير بالنسبة للمؤسسة الربانية شجرة وارفة الظلال متعددة الأغصان أو السحاب يظلل القريب والبعيد أو الغيث المنهمر في أرجاء المعمورة.

فعل الخير في المؤسسة الربانية ثغر باسم ودواء شاف وشربة ماء وجرعة دواء وطعام لفقير وكساء لمسكين ومدرسة ومسجد ومأوى لابن السبيل.

إن فعل الخير في المؤسسة الربانية دفقة أمل ومسحة رحمة وصناعة معروف تنقذ البشر وتقدر مكانة الإنسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 12 أغسطس 2018 10:42

الشراكة

(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {32}) (طه)، «وأشركه في أمري أي في النبوة وتبليغ الرسالة» (تفسير القرطبي).

(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).

«المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ علَى أذاهُم خيرٌ منَ الَّذي لا يخالِطُ النَّاسَ ولا يصبرُ علَى أذاهم» (حديث حسن).

«المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ، يشدُّ بعضُه بعضاً.. وشبّك بين أصابعِه..» (رواه البخاري ومسلم).

«المؤمنون تتكافأُ دماؤُهم، وهم يدٌ على من سِواهُم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِه» (صحيح).

الشراكة علاقة تقوم على التعاون لتحقيق المصالح المشتركة بين الأفراد والمؤسسات للوصول للأهداف التي تجمع بينهم.

وهذه الأهداف تتحقق في أجمل صورها في شراكة مؤسسية تجمع الأفراد والمديرين والعاملين في مؤسسات مختلفة ومتنوعة وبمختلف مستوياتهم للتطوير ولتحسين الأداء بطرق وأساليب تتميز بها كل مؤسسة عن نظيرتها؛ مما يجعل عوامل التحفيز واضحة في الأداء والعمل.

وهذه الشراكة تكون عبر توقيع عقود تعاون عبر فترات زمنية يكون فيها الآتي:

- البرامج والمناشط المشتركة.

- الزيارات ذات الأهداف المحددة.

- الدورات التدريبية المتخصصة.

- تبادل أحدث الطرق في تحفيز العاملين.

- نقل الخبرات الإدارية.

- تبادل المعلومات عن أحدث النظريات في تكنولوجيا الإدارة ونظم المعلومات.

- التعاون والتنسيق لعلاج مشكلات العمل.

فوائد الشراكة:

- تجديد روح العمل لدى العاملين.

- توثيق العلاقات والتعارف بين العاملين.

- توقع تحسين الإنتاج لدى المؤسسة.

- إحياء قيم التواصل المؤسسي.

ويشرح صاحب كتاب «قواعد الإدارة» «ريتشارد تمبلر» القاعدة (86)، وهي «يجب أن تشارك الآخرين في معلوماتك» فيقول: «تتحدث هذه القاعدة عن تقديم النصيحة لمن يقلون عنك علماً، وهم ليسوا في حاجة لأن يزيدوا معلوماتهم قليلاً، وأنت كذلك لست في حاجة لأن تزيد معلوماتك كثيراً، ولكن إذا شاركتهم كل شيء تعرفه ساعتها فسيصبحون على نفس قدر علمك، وينظر بعض المديرين إلى ذلك كنوع من التهديد لهم، وهؤلاء المديرون أغبياء.. إن كل ما تقوم به هو تدريب شخص والارتقاء به حتى يرفع بعض أعباء العمل عن كاهلك، أو إعداد شخص يحل محلك عند حصولك على ترقية.. إن تبادل المعلومات مع الزملاء هو أمر غاية في الأهمية..».

إن المؤسسة الربانية لتحتاج إلى الشراكة مع الآخرين، معتبرة ذلك تعاوناً على البر والتقوى مع بني البشر، ودعوة للخير والمعروف والإحسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء, 04 يوليو 2018 11:50

التعلُّم المستمر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).

يجمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف عمليتي التعلم والتعليم بإيجاز مبهر وعجيب ومبدع بما علمه الله تعالى، يلهم المستمع الجد والحماس للتعلم وللتعليم وعدم التوقف إلى نهاية العمر حتى يحوز على خيرية مباركة مشهودة بختم خير ولد آدم وإمام النبيين وقائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

ويستمر التعلم لدى أفراد المؤسسة الربانية بلا كلل ولا ملل ولا تضجر؛ فالمؤسسة بأفرادها المستمرين في تعليمهم مؤسسة شبابية حيوية تحيا بالمعرفة وتتطور بالعلم وتنافس على أحدث الأساليب وأرقى النظم وأجود النظريات، مؤسسة جديدة متجددة متعددة الإنتاج متنوعة الإبداع قوية الأركان بعناصرها القيادية البشرية المتربعة في مختلف أروقة وأركان وهياكل المؤسسة، بل هي مؤسسة جاذبة للعاملين بشتى مواهبهم وتنوع مشاربهم وقدراتهم، وهي مؤسسة تحوز على ثقة العاملين يوماً بعد يوم، فيكون الرضا الوظيفي والثبات لدى العاملين.

والتعلُّم المستمر في المؤسسة يتولد عبر نشر ثقافة التطوير الشخصي والارتقاء الذاتي للفرد في شتى مجالات الحياة، وعدم التوقف بعد نيل شهادة أو منصب أو بعد عمر أو خبرة بعد زمن.

لقد كان العلماء يتنافسون في التعلم وزيادة التحصيل والاستمرار على ذلك حتى قال أحدهم:

ما تطعَّمت لذَّة العيش حتى

صرتُ للبيت والكتاب جليسا

ليس شيءٌ عندي أعزَّ من العلمِ

فما أبتغي سواه أنيسا(1)

والمؤسسة الربانية المتميزة بمعاييرها وخبراتها تنفخ روح الاستمرارية في طلب الأفضل، والارتقاء نحو الأحسن والأجود في نفوس العاملين وكل العاملين، عبر الآتي:

- وضع الحوافز لمن ينال أعلى الشهادات والدرجات العلمية من أرقى الجامعات والمؤسسات.

- تكليف العاملين بتوثيق أعمالهم وإنجازاتهم بملف إبداع خاص بكل عامل، وهذا الملف يعتبر أحد معايير تقييم العامل.

- وجود المكتبات بأحدث الكتب والمراجع والمصنفات ووجود التصنيف الآلي والخدمات الإلكترونية المكتبية التي تُعنى بسرعة توفير المراجع كما هو موجود الآن بأرقى المكتبات لأرقى جامعات.

 - تكليف العاملين بعمل الورش والمحاضرات وإدارة المؤتمرات.

- تأصيل سفرات العاملين وتنقلاتهم عبر العالم لاكتساب الخبرات.

- الرقي في تقييم العاملين المعتمد على معايير موضوعية وثابتة.

لقد تميز علماؤنا بالاستمرار في طلب العلم وعدم التوقف؛ مما جعل إنتاج أحدهم العلمي يقارن ويعدل إنتاج مؤسسة بل مؤسسات، وما ذلك إلا بهمة طلب العلم والاستمرار في التعلم.

وأصحاب تلك العزائم لا يختلفون عنا في طبيعتهم الإنسانية وقُدرهم الخِلْقية، وإنما يختلفون عنَّا في عُلوّ الهمَّة، ودأَب العزيمة، وتجشُّمِ الصعاب، وامتطاء العقبات..»(2).

والحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(١) و(٢) أبوغدة، صفحات من صبر العلماء.

 

 

ويظل العاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى ما عند الله تعالى من أجر وثواب وتوفيق لخير يرجونه ولمعروف يسدونه ولأمل في نصر للإسلام وأهله يرمقونه ولنهي عن منكر يحذرونه ولأمن لوطنهم وأمتهم يبغونه، فهم لا يريدون علواً في الأرض بالبغي والبطر والكبرياء، ولا فساداً  بعمل المعاصي.

وصدق الله العظيم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {83}) (القصص).

وفي الحديث الصحيح: «أنه أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر

أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (رواه مسلم).

وفي الحديث الصحيح أيضاً: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» (رواه مسلم).

والعاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى المنصب على أنه تكليف ارتقوا إليه مع سلطة محدودة حازوها لإدارة عمل وتخصص نبغوا فيه وتميزوا عبر فترة زمنية أكسبتهم خبرات ومهارات جعلتهم مؤهلين ومرشحين لمنصب ما، معتبرين هذا المنصب اختباراً وابتلاءً من الله تعالى لتقديم الأفضل والأحسن للناس عبر المؤسسة؛ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) (الملك).

وحيازة المنصب يزيد تضرعهم ومناجاتهم لخالقهم؛ (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {101}) (يوسف).

والمدير وصاحب المنصب لا ينفك عن تفكير مستمر يحدوه لرقي نفسه تارة والارتقاء بمستوى أعضاء المؤسسة واستثمار طاقاتهم وقدراتهم في دروب الخير تارة أخرى مع نصح مستمر.

«والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقاً لتطور كفاياتهم ونمو آمالهم وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك.

وكل ذلك من كمال معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (البخاري ومسلم)» (الراشد، العوائق).

وصاحب المنصب لا يستغني عن المشورة والاستخارة ولا عن النصح والتسديد والتصويب، ولكن بالحسنى والتلطف والرفق حتى يُعان عليه أخوةً ومحبةً لا غلظة ولا تعنيفاً درءاً لمفسدة من الشيطان يضخم عليه أمر الرئاسة والمنصب!

ومما يعين على الزهد في المنصب:

- معرفة الدنيا وتقلباتها وأنها فانية بمظاهرها وزخارفها ومناصبها وألقابها؛ (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27}) (الرحمن).

- إن المنصب أمانة وإنه يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى الذي عليه.

- تذكر أصحاب المناصب وما كانوا يملكون ويسودون فزالوا وذهبت مناصبهم وألقابهم، ولو دامت لغيرك ما اتصلت إليك.

- المنصب وسيلة لغاية تقربك من الله تعالى أو هدف يكون فيه الخير للوطن والأمة والناس أجمعين.

- ارتباط القلب بالله ذكراً وعبادة وتأملاً وتسبيحاً وتلاوة للقرآن، والقلب ما لم يكن بالله مرتبطاً فإنما هو بالأهواء جوّاب.

- المحافظة على ميثاق الأخوة العظيم وعدم التنازل عن الأخوة والمحبة والصفاء الأخوي وعدم الرضا بالتنافس والتنافر والتنازع بسبب المناصب!

- اليقين الصادق أن ما عند الله خيرٌ وأبقى من الألقاب الفارهة والمناصب الفانية.

- العبادة والصيام والقيام بين يدي الله تعالى وإطالة السجود والمكث في المساجد.. كل ذلك ينمي البصيرة الإيمانية التي تبصرنا بحقيقة المناصب والألقاب.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 06 مايو 2018 10:17

التفكير الإيجابي

 

 القرآن الكريم يحفز الإنسان للتفكير الإيجابي الجاد الذي يعقبه فكر مستنير وسلوك راق، وذلك في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ {46}) (سبأ).

يقول الله تبارك وتعالى: ‎قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين ‎أنك مجنون: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ)؛ أي إنما آمركم بواحدة، وهي (أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ)؛ أي تقوموا قياماً خالصاً للّه عزَّ وجلَّ من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضاً: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضاً (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)؛ أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم، ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكر في ‎ذلك. (تفسير ابن كثير).

ويُعَرَّفُ الفكر بأنه «إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول». (الحمداوي، العمل الإسلامي بدائل وخيارات).

وفي كل توجيهات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نجد التوجيه الواضح الجلي نحو التفكير الإيجابي، التي منها:

- التوجيه نحو العمل والإيجابية إلى أقصى حد يملكه الإنسان، فيقول صلى الله عليه وسلم: «إنْ قامَت الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا». (حديث صحيح).

- توجيه التفكير نحو إحسان الظن بالخالق سبحانه وتعالى في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ». (حديث صحيح).

- التفكير في استقبال القادم بخير وترك التحسر على الماضي: «المؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحبُ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ احرِص على ما ينفعُكَ واستعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ فإن أصابَك شيءٌ فلا تقُلْ لو أنِّي فعلتُ كذا وَكذا ولَكن قل قدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فعلَ فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشَّيطانِ». (حديث حسن).

- التفكير الإيجابي بالإنفاق في سبيل الله، ويتمثل ذلك في سؤاله صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم: «أيُّكم مالُ وارثِهِ أحبُّ إليهِ من مالِهِ؟»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما منَّا من أحدٍ، إلَّا مالُهُ أحبُّ إليهِ من مالِ وارثِهِ، قالَ رسولُ اللَّهِ: «اعلَموا، إنَّهُ ليسَ منكم مِن أحدٍ إلَّا مالُ وارثِهِ أحبُّ إليهِ من مالِهِ، مالُكَ ما قدَّمتَ، ومالُ وارثِكَ ما أخَّرتَ». (حديث صحيح).

ويكاد أن يكون التفاؤل الحسن هو التعريف المختصر للتفكير الإيجابي؛ «كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يعجبُهُ الفألُ الحسنُ، ويَكْرَهُ الطِّيرةَ». (إسناده صحيح).

والمؤسسة الربانية مؤسسة تنشد الحكمة والإتقان والتميز في جميع أعمالها ومشاريعها ومناشطها؛ لذا تهتم بالتفكير الإيجابي وتعرف أهميته من حيث:

- التجديد والإبداع في المشاريع التي يحتاج إليها الإنسان في كل إقليم ومكان بما يناسب حاجاته وظروفه وإمكاناته وقدراته استخداماً واستثماراً وإنتاجاً.

- التواصل البشري الفعال في المؤسسة الربانية القائم على الإيمان والأخوة والدعاء وحب الخير للغير وترك اللغو وكل ما يتنافى مع الصفات الإيمانية.

- التقييم المستمر للخطط والتوجهات والإستراتيجيات بمرونة ذهنية وثقة في التفكير وإبداع في اتخاذ القرار.

- التفكير الإيجابي يدفع أعضاء المؤسسة لتقديم أفضل ما لديهم من أفكار تجديدية ومشاريع إبداعية بمبادرات مدروسة دراسة واقعية وعميقة وعاقلة ورؤى للحاضر والمستقبل.

- إدخال تقنيات التخطيط والبرمجة في العمل المؤسسي حتى يكون في المؤسسة الحظ الأوفر من تكنولوجيا التعليم.

- تعزيز جانب المراجعة الفكرية لأهداف وقيم ووسائل المؤسسة: «ولذلك فإنه لا يحق لأي حركة إسلامية تُعلي من مرجعية التواصي بالحق، أن تغتر بكونها قد بلغت النضج النهائي، بمجرد أنها آمنت بالانتقال من التشدد إلى الاعتدال، ومن التطرف إلى الوسطية، ومن العنف إلى السلمية، ومن السر إلى العلن، فتَعْتَبر نفسها غير معنية بعد ذلك بقضية المراجعة والنقد الذاتي، بل هي مدعوَّةٌ دائماً إلى البحث عن الأفضل والأحسن والأجود..». (الحمداوي، العمل الإسلامي بدائل وخيارات).

- توليد الأفكار والحكم عليها: «الإبداع ليس مجرد توليد أفكار فقط؛ لأنه يقتضي أيضاً الحكم على هذه الأفكار، فالعملية تشمل التوسع في الأفكار الأولية واختبارها وتنقيحها وحتى رفضها وتفضيل أفكار أخرى..». (روبنسون، حرر أفكرك تعلّم أسرار الابتكار).

والحمد لله رب العالمين.

السبت, 07 أبريل 2018 11:03

الجودة والإتقان

 

«إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملاً أنْ يُتقِنَهُ» (حديث حسن)، «إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فإذا قتَلْتُم فأحسِنوا القِتْلةَ وإذا ذبَحْتُم فأحسِنوا الذَّبْحَ ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرَتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه» (صحيح ابن حبان).

إن المؤسسة الربانية لتضع الجودة والإتقان في أعلى سلم أولوياتها ولا ترضى عنه بديلاً!

ومن الإتقان والجودة والإحسان في جميع مرافق المؤسسة تنطلق النهضة الشاملة في كيان المؤسسة؛ فتكون الخطوات التالية تسري في جسم المؤسسة:

- قناعة التغيير نحو الأحسن.

- تطوير أساليب التفكير.

- منهج العمل الواضح السهل المفهوم لدى جميع أفراد المؤسسة.

- إدمان التحسين المستمر.

- وجود معايير النجاح التي يُحتكم لها لكل زاوية ونشاط وقيمة من قيم المؤسسة.

- اعتماد منهجية الابتكار والإبداع والاكتشاف كعناصر نهضة وارتقاء.

- التقليل من العيوب والمخاطر والأخطاء.

- المتابعة الدقيقة للتصحيح والتقييم والتقويم والتصويب.

- حل المشكلات.

- توليد الأفكار.

- التشجيع والتقدير.

وبأجواء الجودة الفيحاء العبقة في أرجاء المؤسسة الربانية يتحلى العاملون المتقنون بالآتي:

- التراحم فيما بينهم؛ (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17}) (البلد).

- الاحترام والتقدير.

- الحوار الراقي والمفيد.

- استثمار الوقت في النافع المفيد.

- حب الخير ونفع الغير.

- التواصي بالحق.

- التواصي بالصبر.

- المحافظة على النظافة والطهارة: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ {222}) (البقرة)، (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {108}) (التوبة).

- احترام النظام.

- إعطاء كل ذي حق حقه؛ (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) (الأعراف: 85).

ولعل بهذه المعايير وغيرها تتميز أعمال المؤسسة في بيئتها ورجالها، وتكون بعيدة عن العيوب والأخطاء.

وبهذا تحصل المؤسسة على جودة إنتاجها مقروناً بجودة خدماتها، بل يكون إنتاجها وفقاً للمعايير قابلاً للقياس، بل وتصبح الجودة والإتقان وضبطهما ومراقبتهما مهمة كل عامل موجود داخل المؤسسة!

لأن العاملين في المؤسسة الربانية لن يرضوا إلا بإتقان العمل الصواب المقرّب من الله تعالى، وهو أداء العمل بأسلوب صحيح متقَن وفق مجموعة من المعايير المتفق عليها في لائحة المؤسسة مبتغين بذلك ما عند الله والدار الآخرة؛ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8} إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9} إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً {10} فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً {11} وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً {12}) (الإنسان).

والحمد لله رب العالمين.

 

الصدق.. المصداقية.. الشفافية

 

النور الثاني عشر من أنوار الفطنة كما عده الراشد حفظه الله صاحب كتاب العوائق هو: المبالغة في الصدق يوم الفتنة..!

لا شك ولا ريب أن مؤسسة ربانية تريد الخير وتدعو للخير لا بد أن تعتمد الصدق معياراً ونوراً وهادياً لها في تعاملها وتعاطيها مع الأحداث صغيرها وكبيرها، فتزدان بالمصداقية، وتتصدر بأدق معايير الشفافية حال فحصها لتجديد اعتمادها أو لم تتعاقد مع من يجدد اعتمادها.

يحدوها قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ {119}) (التوبة)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «دع ما يَريبكَ إلى ما لا يَريبُكَ، فإنَّ الصِّدقَ طُمأنينةٌ وإنَّ الكذبَ رِيبةٌ» (رواه الترمذي وهو صحيح).

فالمؤسسة الربانية إدارة وأفراداً قد جعلوا الصدق رائدهم في جميع معاملاتهم ومشاريعهم وعلاقاتهم ووعودهم وعهودهم وعقودهم، مقتنعين أنهم بغير الصدق والمصداقية والشفافية لم يبلغوا الجودة والتميز، ولن يصلوا إلى رؤية يحلمون بها أو رسالة تنافسية يسعون لها ويخططون.

ويجب أن يتمثلوا الصدق بالآتي:

- الصدق مع النفس بالمحاسبة والمراقبة والمتابعة من تصحيح القصد والنية، والعمل إلى إنكار الذات والتواضع برغبة جامحة للتطوير الذاتي بما يواكب العصر والزمان والمكان، مبتغين ما عند الله والدار الآخرة؛ (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {83}) (القصص).

- الصدق مع الناس تعاملاً وعهوداً ووعوداً وعقوداً، لقد أحب الناس في مكة الصادق الأمين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ورضوه حكماً أميناً يحكّمونه في قضاياهم ويضعون عنده أماناتهم، فقيادة الناس بالصدق تكون، والأمانة تزكو وتنمو وتزداد وتتطور، والصادق الواحد إنما هو قائد بل من صناع الحياة!

فهذا الإمام الدارمي يحدث عن شيخه الحافظ المحدث إسحاق بن راهويه الحنظلي فيقول: «ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه» (الراشد، العوائق).

- الصدق في الإدارة والتوظيف ومنح المناصب، فلا يتم ذلك إلا وفق معايير المؤسسة التي وضعتها وارتضتها للوصول إلى تطبيق رؤيتها ورسالتها الطموحة الواعدة المتناغمة مع قيمها؛ (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {55}) (يوسف)، (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ {26}) (القصص).

- صدق القيادة والتوجيه وحسن الإدارة؛ «بحيث لا يشعر الناس -إذ نقودهم- أننا نعاملهم من موطن فوقي أو عَبر حق ندّعيه ونحتكره دونهم، وإنما ندعهم يحسون أننا نحمل همومهم، ونتكلم بلغاتهم، ونتجانس مع عواطفهم، وندلي بالرأي لا بلهجة الآمر، وإنما بهيئة الناصح المشير الخبير، الذي ارتاد لقومه وأطْلعته الريادة على ما لا يعلمون» (الراشد، صناعة الحياة).

وصدق القيادة وحسن الإدارة مع الذي اختار العمل كعضو عامل في المؤسسة فيجب تعليمه وتطويره وتنمية قدراته وإرشاده ومتابعته حتى يخضع لمعايير العمل والالتزام في المؤسسة التي ارتضاها، والإنصاف مطلوب مكافأة وترقية أو محاسبة وعقوبة.

فوائد الصدق في المؤسسة:

- طاعة وانقياد لتوجيه كتاب الله تعالى وسُنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- تشرف المؤسسة وتشرق بالصدق والصادقين، يقول إياس بن معاوية رحمه الله تعالى: «امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها صدق اللسان» (الراشد، العوائق).

- ازدياد ثقة الناس بالصادقين في جميع أنحاء الدنيا.

- اطمئنان الناس موظفين عاملين أو عملاء على حقوقهم الأدبية والمادية والإنسانية الأدبية.

- الصدق برٌّ وهداية لكل العاملين والعملاء في المؤسسة الربانية،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصِّدقَ برٌّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّةِ، وإنَّ العبدَ ليتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ صدِّيقًا، وإنَّ الكذبَ فجورٌ، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النَّارِ، وإنَّ العبدَ ليتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ كذَّابًا» (رواه مسلم).

وصدق الله تعالى: (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {119}) (المائدة).

والحمد لله رب العالمين.

إن كان توليد الأفكار من معاني الجودة فكذلك حل المشكلات!

وحل المشكلات مهارة يجب أن يتدرب عليها القائمون على المؤسسة الربانية والموجهون والمربون، ومهارة حل المشكلة تأتي بعد التخطيط والمتابعة؛ إذ يكتشف المدير أن هناك خللاً ما يعيق تحقيق هدف من الأهداف، أو يقف حائلاً دون تقدم المؤسسة في إستراتيجية معينة فيبدأ المدير بجمع المعلومات ودراسة العوائق ووضع حلول بديلة بما يناسب كل مشكلة.

والمدير المتميز لا ييأس من الحل والعلاج، بل يستعين بالله تعالى، وقدوته في ذلك عمر بن العزيز، يرحمه الله تعالى، حين تولى أمر أمة الإسلام وقد تعددت المشكلات وتنوعت الأزمات وتشابكت القضايا فقال: «إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصُح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره»  (محمد أحمد الراشد، المنطلق).

وهكذا يجب أن تُبذل الجهود وتعمل الأفكار وتُستنهَض الهمم والخبرات لحل المشكلات على مستوى الفرد والمؤسسة والأمة.

ويرى شنك (Schunk) أن تعبير “حل المشكلات” يشير إلى مجهودات الناس لبلوغ هدف ليس لديهم حل جاهز لتحقيقه” (د. موسى نجيب موسى معوض، مفهوم حل المشكلات).

وممكن تلخيص خطوات حل المشكلة بالآتي:

- دراسة وفهم عناصر المشكلة والمعلومات الواردة فيها والمعلومات الناقصة، وتحديد عناصر الحالة المرغوبة (الهدف)، والحالة الراهنة، والصعوبات أو العقبات التي تقع بينهما.

- تجميع معلومات وتوليد أفكار واستنتاجات أولية لحل المشكلة.

- تحليل الأفكار المقترحة، واختيار الأفضل منها في ضوء معايير معينة يجري تحديدها.

- وضع خطة حل المشكلة.

- تنفيذ الخطة وتقويم النتائج في ضوء الأهداف الموضوعة. (المصدر السابق).

والأفضل -في رأيي- لحل المشكلات في المؤسسة هو التعايش اليومي من المدير مع إخوانه ومرؤوسيه، ومشاهدة مظاهر المشكلة عن قرب ومعاناة وحضور، ثم أخذ بعض من الحلول من العاملين كلّ حسب موقعه، ثم اتخاذ القرار المناسب بعد الاستماع إلى حلول أهل الميدان ومقترحاتهم حتى يكون قرار حل المشكلة صحيحاً وصواباً وواقعياً.

فوائد حل المشكلات في المؤسسة:

- الوصول إلى تحقيق الأهداف وفق الخطة الزمنية.

- ضمان عدم تراكم المشكلات وتضخمها.

- تنقية أجواء العمل داخل المؤسسة لتحقيق النجاحات.

- تدريب العاملين على المشكلات.

- سلامة اتخاذ القرار بعد حل مشكلة ما يساعد في الوصول إلى أهداف متعددة للمؤسسة.

وحل المشكلات لا يجيدها إلا المديرون المتميزون بالمتابعة والحضور لأهداف وقيم ومناشط وبرامج المؤسسة.

والهدف من المتابعة وحل المشكلات صنع الإبداع في جميع مرافق المؤسسة الربانية.

وحل المشكلات تقوده الحكمة، والأناة، والحلم، والفهم، والصبر، واليقين، والثقة، والعلم، والثقافة الواقعية المتجددة لأمور الواقع، ومهارات الحياة، والبصيرة الإيمانية.

والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.

الصفحة 1 من 8
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top