د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العلل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وقال إسحاق بن أحمد الفارسيّ: سمعت أبا حاتم، يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَن دخل العراق.
وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبوزُرْعة، ومحمد بن إسماعيل، والدّارميّ، والحسن بن شُجاع البَلْخِيّ.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشبِه تصنيفه في المبالغة والحسن، لرجوْتُ أن أكون صادقاً.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدّاحة، فيُورِي ناراً ويُسرِج، ثم يُخرِج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمِل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أُفسِد عليك نومك.
قال أبو عيسى التِّرْمِذِي: كان محمد بن إسماعيل عند عبدالله بن مُنير، فلما قام من عنده، قال له: "يا أبا عبدالله، جعلك الله زَيْن هذه الأمة"، قال أبو عيسى: اسْتُجِيب له فيه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيِّ، جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن عِلل الحديث.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف أو أكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسنادَه.
وكان البخاري يختم القرآن كل يوم نهاراً، ويقرأ في الليل عند السَّحر ثُلْثاً من القرآن، فمجموع وِرْده ختمة وثلث خَتْمة، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبُني باغْتياب أحد.
وكان يصلِّي ذات يوم، فلسعه الزُّنبور سبع عشرة مرة، ولم يقطع صلاته، ولا تغيَّر حاله.
وعن الإمام أحمد: ما أخرجتْ خُراسان مثل البخاري.
وقال يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ: البخاريّ فقيهُ هذه الأمة.
وقال محمد بن إدريس الرازي، وقد خرج البخاري إلى العراق: ما خرج من خُراسان أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه.
وقال نسج بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاريّ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، تجتمع أصحابه، فيصلّي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السَّحَر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار في كل يوم خَتْمَة، ويكون خَتْمُه عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل خَتْم دعوةٌ مُستجابة.
وقال بكر بن مُنِير: سمعت البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبْتُ أحداً.
وقال محمد بن يعقوب الأخْرَم: سمعتُ أصحابنا، يقولون: لما قدِم البخاريّ نيْسابور، استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل، سوى من ركب بغلاً أو حماراً، وسوى الرَّجَّالة.
مهنب بنُ سُلَيم الكَرْمانيّ يقول: مات محمد بن إسماعيل رحمه الله ليلة الفطر، أول ليلة من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان بلغ عمرُه اثنتين وستين سنة، غير ثنتي عشرة ليلة.."(1).
العبر التربوية:
- ثناء العلماء بعضهم لبعض تأصيل وتأكيد لخُلق العدالة والإنصاف.
- العبادة والتنسك من سمات العلماء الربانيين والدعاة الصادقين.
- العالم الرباني يخاف على نفسه آفات اللسان غير مغتر بعلمه وثناء الناس عليه.
- احتفاء الأمة بعلمائها منذ فجر نهضتها.

 

______________

الهامش
(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، ج2.

الثلاثاء, 05 مارس 2019 12:05

الإمام البخاري.. حافظ نظام الدين

 هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه.

«هو إمام المسلمين، وقدوة الموحِّدين، وشيخ المؤمنين، والمعوَّل عليه في أحاديث سيد المرسلين، وحافظ نظام الدين، أبو عبدالله الجُعْفِي مولاهم، البخاري، صاحب «الجامع الصحيح» وساحب ذيلِ الفضل للمُستميح.

كان والده أبو الحسن بن إبراهيم من العلماء الورعين.

سمع مالك بن أنس، ورأى حمَّاد بن زيد، وصافح ابن المبارك.

وحدّث عن أبي معاوية، وجماعة.

روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهماً من شبهة، قال أحمد بن حفص: فتصاغرَتْ إليّ نفسي عند ذلك.

ولد البخاري سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه  العلم، وأعانه ذكاؤه.

قال ابن عَدِيّ: سمعتُ الحسن بن الحسين البَزّار يقول: رأيتُ البخاريّ شيخاً نحيفاً، ليس بالطويل ولا بالقصير، عاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً.

وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق: قلتُ للبخاري: كيف كان بدءُ أمرك؟

قال: أُلهِمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكُتّاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخليّ وغيره، فقال يوماً فيما يقرأ على الناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجعْ إلى الأصل. فدخل، ثم خرج، فقال لي: كيف يا غلامُ؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت.. فقال للبخاريّ بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.

فلما طعنت في ست عشرة سنة، حفظت كتاب ابن المبارك ووَكيع، وعرفت كلام هؤلاء.

ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بها، وتخلَّفتُ في طلب الحديث.

فلما طعنتُ في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أصنِّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلَهم، وذلك أيام عُبَيد الله بن موسى، وصنفت «كتاب التاريخ» إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في الليالي المقمرة، وكَلَّ اسمٌ في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.

وقال عبدالرحمن بن محمد البخاريّ: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: لقيتُ أكثر من ألف رجل مِن أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخُراسان، إلى أن قال: فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: «أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله».

وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بغداد ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودَّعتُه: يا أبا عبدالله، تترك العلم والناس، وتصير إلى خُراسان! فأنا الآن أذكر قول أحمد.

وقال ابن عدي: حدثني محمد بن أحمد القومسي: سمعتُ محمد بن حَمْدويَه، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: أحفظُ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديت غير صحيح.

وقال إمام الأئمة ابن خُزَيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العِلَل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبو زُرعة، ومحمد بن إسماعيل، والدارمي، والحسن بن شجاع البَلْخي.

وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلةٍ واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري ناراً ويُسرِج، ثم يُخرج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أفسِد عليك نومَك.

وقال الفَرَبْرِيّ: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين»(1).

سيرة عاطرة لإمام قدوة نواصل شيئاً منها في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

العبر التربوية:

- للآباء تأثير إيجابي كبير على الأبناء إذا صلحوا ودعوا لذرياتهم بالتوفيق والإعانة.

- حرص البخاري على المال الطيب البعيد عن الشبهات، فهذا الحرص على الحلال سبب عظيم لبركة العلم.

- فضل طلب العلم في الصغر لا يخفى على المربين والمعلمين.

- الإتقان والجودة في حفظ الرجال والأسانيد.

- أهمية معرفة التاريخ في صياغة الفكر.

- العالم وطالب العلم لا يستغنيان عن المحافظة على العبادة وقيام الليل.

- رفق المربي بالمربَّى ومراعاته لحاجاته من الراحة والنوم.

- ثناء العلماء على الإمام البخاري لبركة اهتمامه بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والحمد لله رب العالمين.

_______________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2.

الإمام أحمد بن حنبل، يرحمه الله تعالى، هو الإمام أحمد بن محمد  بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس..

هو الإمام الجليل أبوعبدالله الشيباني المرْوَزِيّ، ثم البغدادي، صاحب المذهب، الصابرُ على المحنة، الناصر للسُّنة، مقتدَى الطائفة، ومن قال فيه الشافعي فيما رواه حرملة: خرجت من بغداد، وما خلَّفت بها أفقهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلَم من أحمد.

وُلد سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به من مَرْو حَمْلاً.

قال الخطيب: ولد أبوعبدالله ببغداد، ونشأ بها ومات، وطلب العلم، ثم رحل إلى الكوفة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.

قلت: وألّف مسنَده، وهو أصل من أصول هذه الأمة.

وقال المُزَنيّ: أبوبكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم صِفِّين، وأحمد يوم المحنة.

وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبا زُرْعة يقول: كان أبوك ألف ألف حديث، فقلت: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب..

وقال عبدالله: قال لي أبي: خذ أيّ كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام، حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد، حتى أخبرك عن الكلام..

وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين.

وقال عبدالرزاق: ما رأيت أفقهَ من أحمد بن حنبل ولا أروع.

وقال عبدالرحمن بن مهديّ: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكّرت به سفيان الثوري.

وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل.

وقال أيضاً: إذا رأيتَ الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سُنَّة.

وقال أيضاً، وقد قيل له: تضم أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين.

وقال أيضاً: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين.

وقال أيضاً: أحمد إمام الدنيا.

وقال أبو مُسْهِر، وقد قيل له: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر  دينها؟ قال: لا أعلمه، إلا شابٌّ في ناحية المشرق؛ يعني أحمد بن حنبل.

وعن إسحاق: أحمد حجة بين الله وخلقه.

قال صاحب الطبقات: فهذا يسير من ثناء الأمة عليه، رضي الله عنه.

قلت: ومن شيوخه هُشَيم، وسفيان بن عُيَيْنة، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عُلَيّة، وعلي بن هاشم البريد، ومُعتمر بن سليمان.

توفي رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومائتين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.

فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان؛ بلسان ثقيل، فجعلوا ينضمون إليه، فجعل يشمهم ويمسح على رؤوسهم، وعينه تدمع..

واشتدّت علته يوم الخميس، ووضّأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقُل وقُبِض صدرَ النهار، فصاح الناس وعلت الأصوات حتى كأن الدنيا قد ارتجّت، وامتلأت السّكك والشوارع.

قال المَرْوزِيّ: أُخرجت الناس بعد مُنصرَف الناس من الجمعة.

قلت: وقيل: عدد المصلين عليه كثير، قيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، سوى من كان في السفن في الماء(1).

رحم الله الإمام أحمد العالم المبجّل والإمام الصبر المحتسب والمربي الكبير.

العبر والفوائد التربوية:

- الأمة بخير ما أفادت من علمائها.

- العلم يأتي بعد الصبر والمصابرة، فمن صبر فقد ظفر.

- الفضلاء الكرماء يشهد بعضهن لبعض بكل اعتدال وإنصاف وتجرد.

- اهتمام أحمد بالنشء إلى آخر رمق من حياته؛ فهم الجيل الذي سوف يقود أمة الإسلام.

- كثرة الشيوخ دليل غزارة العلم وتنوعه وامتلاء وقت العالم بالسعي والطلب والتحمل.

- من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، وهذا واضح في حسن خاتمة الإمام أحمد رحمه الله.

 

__________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي، الجزء الثاني. 

 

لقد كتب العالمان الفاضلان عبدالفتاح الحلو، ومحمود الطناحي مقدمة رائعة عن ابن السبكي، صاحب «طبقات الشافعية»، وهو تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي بن زين الدين أبي محمد عبدالكافي بن ضياء الدين أبي الحسن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي، وقد حوت المقدمة قيماً تربوية علمية رفيعة، فأحببت ألا تمر علينا مرور الكرام، بل لا بد من الوقوف معها للإفادة منها، فورد في المقدمة:
«وقد فتح تاج الدين عينيه على بيت يموج بالمعرفة، ورأى وفود العلماء وهي تنسِل إلى مجلس أبيه، ينهلون من علمه، ويقيدون فوائده، فليس غريباً أن يبدأ عبدالوهاب في التحصيل مبكراً، وأن يحفظ القرآن في صغره، ثم يأخذ عن والده أصول العربية والعقيدة والتشريع.
ويتتلمذ لأساتذة عصره، فيجيز له في مصر بعد فترة وجيزة ابن الشحنة، ويونس الدبوسي، ويسمع على يحيى بن المصري، وعبدالمحسن الصابوني، وابن سيد الناس، وصالح بن المختار وعبدالقادر بن الملوك.. وغيرهم.
وحين تولى والده منصب قاضي قضاة الشام رحل معه إلى دمشق، فقدمها في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وفي دمشق سمع من زينب بنت الكمال، وابن أبي اليسر، وابن تمام، وقرأ بنفسه على المزي، ولازم الذهبي..
ولم يكتف ابن السبكي بتلقيه المعرفة على هؤلاء الأعلام، وإنما اتجه إلى التحصيل بنفسه، وأقبل على العلم بهمة فتيّة، ونفس مشوقة، حتى قال عنه العماد الحنبلي: «طلب بنفسه ودأب»، وقال عنه ابن حجر العسقلاني: «أمعن في طلب الحديث، وكتب الأجزاء والطباق، مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية حتى مهر وهو شاب».
وقال عنه بعد ذلك الحافظ شهاب الدين بن حجى: «حصل فنوناً من العلم: من الفقه، والأصول وكان ماهراً فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيّد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة ولسان وجرأة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد».
وتولى أبو نصر بعد هذا مناصب عديدة، فقد تولى التدريس في العزيزية، والعادلية الكبرى، والغزالية، كما تولى تاج الدين خطابة الجامع الأموي بدمشق، وناب عن أبيه في الحكم، وتولى أبو نصر قضاء الشام في ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة، ذكر ذلك ابن العماد الحنبلي.
وقد طارت شهرة تاج الدين في كل الأقطار الإسلامية، وأصبح عمدة الناس في الفُتيا، وكان أهل مصر يرسلون إليه يستفتونه في كثير مما يعرض لهم، كما يقول المقريزي في «المواعظ والاعتبار».
وبعد هذه الحياة الحافلة بجلائل الأعمال، توفي تاج الدين أبو نصر بن علي شهيداً بالطاعون، بالدَّهشة ظاهر دمشق، في ذي الحجة، خطب الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعة، ومات ليلة الثلاثاء سابعة سنة 771هـ، ودفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة»(1).
عبر تربوية:
- دور الأب العالم والداعية في صياغة شخصية أبنائه وأهل بيته من حيث العلم والثقافة والدعوة للإسلام.
- أهمية حفظ القرآن والفقه في الصغر.
- تنوع العلماء والمربين له أثره الإيجابي والعميق في التوجه العلمي وقوته بالنسبة للمربَّى.
- الإمامة والتدريس والخطابة والقضاء والإفتاء.. مناصب متعددة مؤثرة في توجيه الناس وتعليمهم وتربيتهم.
- لا بد من الجهد الذاتي والدأب المتواصل والهمة مع الصبر لتحصيل العلم.
والحمد لله رب العالمين.
الهامش
(1) محمود الطناحي وعبدالفتاح الحلو - مقدمة طبقات الشافعية ج1.

الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 12:14

ابن السبكي.. صاحب طبقات الشافعية

الحمد لله جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعلهم درجات وطبقات؛ فنبغوا في المؤلفات والمصنفات والإنتاج العلمي والمنجزات، وكانت لديهم المسائل والمذاهب والآراء والفتاوى، فكان منهم المحدثون والحفاظ والمفسرون والوعاظ والمؤرخون والأدباء واللغويون والمتكلمون والفلاسفة المفكرون، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العلمَ"(أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223) مطولاً).

ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ المبرزين والأعيان المتميزين صاحب كتاب "طبقات الشافعية"، وهو الكتاب الذي أثنى عليه العلماء من المتقدمين والمتأخرين؛ بما حواه من الفوائد والعوائد والكنوز والفرائد.

أما صاحبه فهو العلامة تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي (727 - 771هـ)، ووالده الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (683 - 756هـ).

وقد أوضح حياةَ ابن السبكي، يرحمه الله، بأسلوب ماتع شائق العلامةُ د. محمود محمد الطناحي في مقالاته "صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب":

"وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري -عصر الموسوعات- هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي، التي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.

وقد وُلد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية.. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا.

فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد، حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد.. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد "طبقات الشافعية".

لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول.

كما كان مصدراً أدبيّاً لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب، وكان أيضاً مرجعاً أصيلاً في جمع أشعار الشعراء.

ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربوياً راشداً حين يقول:

وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات" (الطناحي - مقالات).

عبر تربوية:

- تأثر التوجه التربوي للأمة بما تتعرض له من أخطار وأزمات.

- الدور الإيجابي للعلماء في النهضة والازدهار.

- اهتمام العلماء بالتعليم والتدريس لأبناء المسلمين.

- تأثر الأبناء بمن يفد على آبائهم من علماء وغيرهم.

- الكنوز والجواهر الموجودة في كتب التراث لها أهمية كبرى حال استخراجها وصياغتها بأسلوب يتناسب مع جيل هذا العصر.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 04 نوفمبر 2018 09:55

التقييم

 تعريف ومعنى التقييم في معجم المعاني الجامع (معجم عربي عربي):

1- تقييم (اسم):

تقييم: مصدر قَيَّمَ.

2- قَيَّمَ (فعل):

- قيَّمَ يقيِّم، تقييماً، فهو مُقَيِّم، والمفعول مُقيَّم.

- قيَّمَ الشيء تقْييماً: قَدّر قيمَتَهُ.

- قيَّم السِّلعةَ: حدَّد ثمنها.

- قيَّم وضعاً: استعرض نتائجَه وما حقّقه من تقدُّم.

حاجتنا إلى التقييم: 

إن المؤسسة الربانية المتميزة والمتألقة لتحتاج إلى التقييم كما يحتاج كل فرد عابد زاهد إلى المراقبة والمحاسبة؛ كي يرقى بذاته ويرتفع بمستواه.

فالمؤسسة التي تنوع مجالات التقييم لديها لا بد أن تتميز بتلك المجالات التي خضعت لمعايير التقييم والتصويب والتصحيح، فمن تلك المجالات:

- المدخلات والمخرجات لأموال المتبرعين كمّاً وكيفاً وصرفاً وتوثيقاً؛ فالكم هو الحجم المالي للتبرعات بالأرقام والحسابات الدقيقة، والكيف هو طريقة جمع التبرعات بالطرق القانونية المعتبرة لدى الجهات الرسمية، والصرف هو طريقة صرف الأموال كالمصارف الشرعية للأوعية الزكوية المعتبرة والمعروفة، والتوثيق أن تُحفظ تواريخ صرف التبرعات والأموال مع رصد الجهات  المستفيدة.

- الخطط والإستراتيجيات الخاصة بالمؤسسة، ومدى تحقيق الأهداف الخاصة بهذه الإستراتيجيات متزامنة مع مؤشرات الأداء ومؤشرات النجاح.

- تقييم الخطاب الإعلامي للمؤسسة ومدى مطابقته مع أهداف وإستراتيجيات المؤسسة، وقد حضرت جلسة مفيدة ورائعة لتقييم الخطاب الإعلامي لجمعية الإصلاح الاجتماعي، وكان طرحاً إعلامياً ماتعاً فيه التجديد والعصف الذهني والإبداع والتميز.

- تقييم قيم المؤسسة ومدى مطابقتها مع واقع واحتياجات المؤسسة وواقع المجتمع والأمة.

- تقييم أداء المديرين والأفراد والعاملين بشكل عام.

مصادر التقييم:

- العاملون في المؤسسة عبر استبانة توزع.

- المستفيدون من خدمات المؤسسة من متبرعين أو أولياء أمور طلاب ونحوه.

ولا بد من تحليل النتائج والخروج بتوصيات لتصحيح الأخطاء ووضع خطة لمتابعة التصحيح.

فوائد وعوائد التقييم:

- التجديد في عرض الخدمات والأفكار.

- تصحيح الأخطاء وتجنب العيوب المتكررة.

- الشراكة مع الآخرين في وضع الخطة والقيم خلال الاستماع الإيجابي للآخرين.

- الإبداع والتميز في التخطيط والإستراتيجيات.

- إتاحة الفرصة للرجل المناسب في المكان المناسب.

- شعور العاملين والعملاء باعتبار الذات والتقدير؛ لأخذ آرائهم ومقترحاتهم من قبل إدارة المؤسسة.

- التعرف على طبيعة الجمهور لتقديم البرامج والخدمات المناسبة.

- التعرّف الدقيق على البيئة المحيطة بالمؤسسة؛ وبالتالي التعرف على الاحتياجات المناسبة لكل بيئة ساحلية كانت أو ريفية أو بحرية.

وقد حضرت حلقة تقييمية لأنشطة وبرامج قطاعات جمعية الإصلاح الاجتماعي، فرأيت العرض الإلكتروني المدعم بالأرقام والنسب المئوية لمؤشرات النجاح والأداء، وبحضور رؤساء القطاعات، ويدير ذلك كله لجنة متخصصة تقيم معايير الجودة لمختلف النشاطات والبرامج لمختلف القطاعات، وتقدّم ملحوظاتها، وتناقش مسؤولي القطاعات عن جوانب الضعف والقوة في أدائهم، وكانت لجنة التقييم هذه تمر على القطاعات بفترات زمنية ماضية محددة وتقيّم الأداء بطريقة جزئية.

إن وضع لجنة متخصصة للتقييم لديها معايير واضحة وخطة محددة وآلية سهلة معروفة لدى الجميع، كل ذلك يساهم في تقييم ناجح متميز يتولد بعده نتائج وفوائد وعوائد.

والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء, 03 أكتوبر 2018 09:48

حب الخير للغير

 

«لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه» (رواه البخاري)، وهذا ما يميز المؤسسة الربانية، من معالم حب وتقدير للناس جميعاً، (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: 83).

فما وُضعت الأهداف والخطط، وما رُسمت الإستراتيجيات العامة إلا لنفع الناس وإفادتهم وإعانتهم مادياً ومالياً، وإعاشة واقتصاداً، وتثقيفاً وتعليماً، وتنشيطاً وتدريباً، وتشجيعاً وتوجيهاً.

وهكذا يوجه الإسلام أتباعه لحب الخير للغير؛ «يصبحُ على كل سُلامَى ابنِ آدمَ صدَقةٌ، فإماطةُ الأذى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، والتَّسليمُ على من لقيتَ صدقةٌ، والأمرُ بالمعروفِ صدقةٌ، والنَّهيُ عنِ المنكرِ صدقةٌ، وَذَكَرَ الصَّلاةَ والصَّومَ والحجَّةَ والتَّسبيحَ والتَّحميدَ والتَّكبيرَ كلُّ ذلِكَ صدقةٌ، ثمَّ قالَ: يُجزئُ أحدَكُم من ذلِكَ رَكْعتا الضُّحى» (أخرجه مسلم).

«كلُّ سُلامى مِن النَّاسِ عليهِ صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلعُ فيهِ الشَّمسُ، قال: تعدِلُ بين الاثنينِ صَدقةٌ، وتُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه فتحمِلُه علَيها أو تَرفعُ لهُ علَيها مَتاعَه، صدقةٌ، قال: والكلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صدقةٌ وتُميطُ الأذى عَن الطَّريقِ صدقةٌ» (أخرجه البخاري ومسلم).

وتنويع سبل الخير وتوسيع آفاق عمل الخير يملكه المسلم ذو الأفق الشاسع الرحيب، تحدوه رغبة جامحة نحو معالي الخير والرشاد والنور والصفاء حتى يجمع أجراً عظيماً من مختلف أطرافه ولا يحتقر من المعروف شيئاً أبداً، بل يعمل مع مؤسسته نحو تطوير أداء الخير بما يتناسب مع تقارب العالم في قرية تتحد أهدافها وتشترك في آلامها وآمالها وحاجاتها وسبل علاجها، والمؤسسة الربانية تفهم أن دورها تقديم وتيسير وتقريب الخير للغير.

قال رئيس مكتب شرق أفريقيا في لجنة الرحمة العالمية عبدالعزيز أحمد حسن الكندري: «إن الرحمة العالمية لديها فلسفة واضحة في العمل، وهي بناء الإنسان، والمساهمة في تحسين حياة الشعوب والأقليات، تحقيقاً للتنمية المستدامة من خلال الأنشطة الخيرية التنموية والإغاثية والشراكات والمبادرات..» (ديوان الخير، العدد الحادي والثلاثون).

وصدق الله: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77}) (الحج)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7}) (الزلزلة).

وفعل الخير للغير بالنسبة للمؤسسة الربانية شجرة وارفة الظلال متعددة الأغصان أو السحاب يظلل القريب والبعيد أو الغيث المنهمر في أرجاء المعمورة.

فعل الخير في المؤسسة الربانية ثغر باسم ودواء شاف وشربة ماء وجرعة دواء وطعام لفقير وكساء لمسكين ومدرسة ومسجد ومأوى لابن السبيل.

إن فعل الخير في المؤسسة الربانية دفقة أمل ومسحة رحمة وصناعة معروف تنقذ البشر وتقدر مكانة الإنسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 12 أغسطس 2018 10:42

الشراكة

(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {32}) (طه)، «وأشركه في أمري أي في النبوة وتبليغ الرسالة» (تفسير القرطبي).

(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).

«المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ علَى أذاهُم خيرٌ منَ الَّذي لا يخالِطُ النَّاسَ ولا يصبرُ علَى أذاهم» (حديث حسن).

«المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ، يشدُّ بعضُه بعضاً.. وشبّك بين أصابعِه..» (رواه البخاري ومسلم).

«المؤمنون تتكافأُ دماؤُهم، وهم يدٌ على من سِواهُم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِه» (صحيح).

الشراكة علاقة تقوم على التعاون لتحقيق المصالح المشتركة بين الأفراد والمؤسسات للوصول للأهداف التي تجمع بينهم.

وهذه الأهداف تتحقق في أجمل صورها في شراكة مؤسسية تجمع الأفراد والمديرين والعاملين في مؤسسات مختلفة ومتنوعة وبمختلف مستوياتهم للتطوير ولتحسين الأداء بطرق وأساليب تتميز بها كل مؤسسة عن نظيرتها؛ مما يجعل عوامل التحفيز واضحة في الأداء والعمل.

وهذه الشراكة تكون عبر توقيع عقود تعاون عبر فترات زمنية يكون فيها الآتي:

- البرامج والمناشط المشتركة.

- الزيارات ذات الأهداف المحددة.

- الدورات التدريبية المتخصصة.

- تبادل أحدث الطرق في تحفيز العاملين.

- نقل الخبرات الإدارية.

- تبادل المعلومات عن أحدث النظريات في تكنولوجيا الإدارة ونظم المعلومات.

- التعاون والتنسيق لعلاج مشكلات العمل.

فوائد الشراكة:

- تجديد روح العمل لدى العاملين.

- توثيق العلاقات والتعارف بين العاملين.

- توقع تحسين الإنتاج لدى المؤسسة.

- إحياء قيم التواصل المؤسسي.

ويشرح صاحب كتاب «قواعد الإدارة» «ريتشارد تمبلر» القاعدة (86)، وهي «يجب أن تشارك الآخرين في معلوماتك» فيقول: «تتحدث هذه القاعدة عن تقديم النصيحة لمن يقلون عنك علماً، وهم ليسوا في حاجة لأن يزيدوا معلوماتهم قليلاً، وأنت كذلك لست في حاجة لأن تزيد معلوماتك كثيراً، ولكن إذا شاركتهم كل شيء تعرفه ساعتها فسيصبحون على نفس قدر علمك، وينظر بعض المديرين إلى ذلك كنوع من التهديد لهم، وهؤلاء المديرون أغبياء.. إن كل ما تقوم به هو تدريب شخص والارتقاء به حتى يرفع بعض أعباء العمل عن كاهلك، أو إعداد شخص يحل محلك عند حصولك على ترقية.. إن تبادل المعلومات مع الزملاء هو أمر غاية في الأهمية..».

إن المؤسسة الربانية لتحتاج إلى الشراكة مع الآخرين، معتبرة ذلك تعاوناً على البر والتقوى مع بني البشر، ودعوة للخير والمعروف والإحسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء, 04 يوليو 2018 11:50

التعلُّم المستمر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).

يجمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف عمليتي التعلم والتعليم بإيجاز مبهر وعجيب ومبدع بما علمه الله تعالى، يلهم المستمع الجد والحماس للتعلم وللتعليم وعدم التوقف إلى نهاية العمر حتى يحوز على خيرية مباركة مشهودة بختم خير ولد آدم وإمام النبيين وقائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

ويستمر التعلم لدى أفراد المؤسسة الربانية بلا كلل ولا ملل ولا تضجر؛ فالمؤسسة بأفرادها المستمرين في تعليمهم مؤسسة شبابية حيوية تحيا بالمعرفة وتتطور بالعلم وتنافس على أحدث الأساليب وأرقى النظم وأجود النظريات، مؤسسة جديدة متجددة متعددة الإنتاج متنوعة الإبداع قوية الأركان بعناصرها القيادية البشرية المتربعة في مختلف أروقة وأركان وهياكل المؤسسة، بل هي مؤسسة جاذبة للعاملين بشتى مواهبهم وتنوع مشاربهم وقدراتهم، وهي مؤسسة تحوز على ثقة العاملين يوماً بعد يوم، فيكون الرضا الوظيفي والثبات لدى العاملين.

والتعلُّم المستمر في المؤسسة يتولد عبر نشر ثقافة التطوير الشخصي والارتقاء الذاتي للفرد في شتى مجالات الحياة، وعدم التوقف بعد نيل شهادة أو منصب أو بعد عمر أو خبرة بعد زمن.

لقد كان العلماء يتنافسون في التعلم وزيادة التحصيل والاستمرار على ذلك حتى قال أحدهم:

ما تطعَّمت لذَّة العيش حتى

صرتُ للبيت والكتاب جليسا

ليس شيءٌ عندي أعزَّ من العلمِ

فما أبتغي سواه أنيسا(1)

والمؤسسة الربانية المتميزة بمعاييرها وخبراتها تنفخ روح الاستمرارية في طلب الأفضل، والارتقاء نحو الأحسن والأجود في نفوس العاملين وكل العاملين، عبر الآتي:

- وضع الحوافز لمن ينال أعلى الشهادات والدرجات العلمية من أرقى الجامعات والمؤسسات.

- تكليف العاملين بتوثيق أعمالهم وإنجازاتهم بملف إبداع خاص بكل عامل، وهذا الملف يعتبر أحد معايير تقييم العامل.

- وجود المكتبات بأحدث الكتب والمراجع والمصنفات ووجود التصنيف الآلي والخدمات الإلكترونية المكتبية التي تُعنى بسرعة توفير المراجع كما هو موجود الآن بأرقى المكتبات لأرقى جامعات.

 - تكليف العاملين بعمل الورش والمحاضرات وإدارة المؤتمرات.

- تأصيل سفرات العاملين وتنقلاتهم عبر العالم لاكتساب الخبرات.

- الرقي في تقييم العاملين المعتمد على معايير موضوعية وثابتة.

لقد تميز علماؤنا بالاستمرار في طلب العلم وعدم التوقف؛ مما جعل إنتاج أحدهم العلمي يقارن ويعدل إنتاج مؤسسة بل مؤسسات، وما ذلك إلا بهمة طلب العلم والاستمرار في التعلم.

وأصحاب تلك العزائم لا يختلفون عنا في طبيعتهم الإنسانية وقُدرهم الخِلْقية، وإنما يختلفون عنَّا في عُلوّ الهمَّة، ودأَب العزيمة، وتجشُّمِ الصعاب، وامتطاء العقبات..»(2).

والحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(١) و(٢) أبوغدة، صفحات من صبر العلماء.

 

 

ويظل العاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى ما عند الله تعالى من أجر وثواب وتوفيق لخير يرجونه ولمعروف يسدونه ولأمل في نصر للإسلام وأهله يرمقونه ولنهي عن منكر يحذرونه ولأمن لوطنهم وأمتهم يبغونه، فهم لا يريدون علواً في الأرض بالبغي والبطر والكبرياء، ولا فساداً  بعمل المعاصي.

وصدق الله العظيم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {83}) (القصص).

وفي الحديث الصحيح: «أنه أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر

أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (رواه مسلم).

وفي الحديث الصحيح أيضاً: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» (رواه مسلم).

والعاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى المنصب على أنه تكليف ارتقوا إليه مع سلطة محدودة حازوها لإدارة عمل وتخصص نبغوا فيه وتميزوا عبر فترة زمنية أكسبتهم خبرات ومهارات جعلتهم مؤهلين ومرشحين لمنصب ما، معتبرين هذا المنصب اختباراً وابتلاءً من الله تعالى لتقديم الأفضل والأحسن للناس عبر المؤسسة؛ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) (الملك).

وحيازة المنصب يزيد تضرعهم ومناجاتهم لخالقهم؛ (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {101}) (يوسف).

والمدير وصاحب المنصب لا ينفك عن تفكير مستمر يحدوه لرقي نفسه تارة والارتقاء بمستوى أعضاء المؤسسة واستثمار طاقاتهم وقدراتهم في دروب الخير تارة أخرى مع نصح مستمر.

«والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقاً لتطور كفاياتهم ونمو آمالهم وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك.

وكل ذلك من كمال معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (البخاري ومسلم)» (الراشد، العوائق).

وصاحب المنصب لا يستغني عن المشورة والاستخارة ولا عن النصح والتسديد والتصويب، ولكن بالحسنى والتلطف والرفق حتى يُعان عليه أخوةً ومحبةً لا غلظة ولا تعنيفاً درءاً لمفسدة من الشيطان يضخم عليه أمر الرئاسة والمنصب!

ومما يعين على الزهد في المنصب:

- معرفة الدنيا وتقلباتها وأنها فانية بمظاهرها وزخارفها ومناصبها وألقابها؛ (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27}) (الرحمن).

- إن المنصب أمانة وإنه يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى الذي عليه.

- تذكر أصحاب المناصب وما كانوا يملكون ويسودون فزالوا وذهبت مناصبهم وألقابهم، ولو دامت لغيرك ما اتصلت إليك.

- المنصب وسيلة لغاية تقربك من الله تعالى أو هدف يكون فيه الخير للوطن والأمة والناس أجمعين.

- ارتباط القلب بالله ذكراً وعبادة وتأملاً وتسبيحاً وتلاوة للقرآن، والقلب ما لم يكن بالله مرتبطاً فإنما هو بالأهواء جوّاب.

- المحافظة على ميثاق الأخوة العظيم وعدم التنازل عن الأخوة والمحبة والصفاء الأخوي وعدم الرضا بالتنافس والتنافر والتنازع بسبب المناصب!

- اليقين الصادق أن ما عند الله خيرٌ وأبقى من الألقاب الفارهة والمناصب الفانية.

- العبادة والصيام والقيام بين يدي الله تعالى وإطالة السجود والمكث في المساجد.. كل ذلك ينمي البصيرة الإيمانية التي تبصرنا بحقيقة المناصب والألقاب.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top