د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 03 أكتوبر 2018 09:48

حب الخير للغير

 

«لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه» (رواه البخاري)، وهذا ما يميز المؤسسة الربانية، من معالم حب وتقدير للناس جميعاً، (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: 83).

فما وُضعت الأهداف والخطط، وما رُسمت الإستراتيجيات العامة إلا لنفع الناس وإفادتهم وإعانتهم مادياً ومالياً، وإعاشة واقتصاداً، وتثقيفاً وتعليماً، وتنشيطاً وتدريباً، وتشجيعاً وتوجيهاً.

وهكذا يوجه الإسلام أتباعه لحب الخير للغير؛ «يصبحُ على كل سُلامَى ابنِ آدمَ صدَقةٌ، فإماطةُ الأذى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، والتَّسليمُ على من لقيتَ صدقةٌ، والأمرُ بالمعروفِ صدقةٌ، والنَّهيُ عنِ المنكرِ صدقةٌ، وَذَكَرَ الصَّلاةَ والصَّومَ والحجَّةَ والتَّسبيحَ والتَّحميدَ والتَّكبيرَ كلُّ ذلِكَ صدقةٌ، ثمَّ قالَ: يُجزئُ أحدَكُم من ذلِكَ رَكْعتا الضُّحى» (أخرجه مسلم).

«كلُّ سُلامى مِن النَّاسِ عليهِ صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلعُ فيهِ الشَّمسُ، قال: تعدِلُ بين الاثنينِ صَدقةٌ، وتُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه فتحمِلُه علَيها أو تَرفعُ لهُ علَيها مَتاعَه، صدقةٌ، قال: والكلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صدقةٌ وتُميطُ الأذى عَن الطَّريقِ صدقةٌ» (أخرجه البخاري ومسلم).

وتنويع سبل الخير وتوسيع آفاق عمل الخير يملكه المسلم ذو الأفق الشاسع الرحيب، تحدوه رغبة جامحة نحو معالي الخير والرشاد والنور والصفاء حتى يجمع أجراً عظيماً من مختلف أطرافه ولا يحتقر من المعروف شيئاً أبداً، بل يعمل مع مؤسسته نحو تطوير أداء الخير بما يتناسب مع تقارب العالم في قرية تتحد أهدافها وتشترك في آلامها وآمالها وحاجاتها وسبل علاجها، والمؤسسة الربانية تفهم أن دورها تقديم وتيسير وتقريب الخير للغير.

قال رئيس مكتب شرق أفريقيا في لجنة الرحمة العالمية عبدالعزيز أحمد حسن الكندري: «إن الرحمة العالمية لديها فلسفة واضحة في العمل، وهي بناء الإنسان، والمساهمة في تحسين حياة الشعوب والأقليات، تحقيقاً للتنمية المستدامة من خلال الأنشطة الخيرية التنموية والإغاثية والشراكات والمبادرات..» (ديوان الخير، العدد الحادي والثلاثون).

وصدق الله: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77}) (الحج)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7}) (الزلزلة).

وفعل الخير للغير بالنسبة للمؤسسة الربانية شجرة وارفة الظلال متعددة الأغصان أو السحاب يظلل القريب والبعيد أو الغيث المنهمر في أرجاء المعمورة.

فعل الخير في المؤسسة الربانية ثغر باسم ودواء شاف وشربة ماء وجرعة دواء وطعام لفقير وكساء لمسكين ومدرسة ومسجد ومأوى لابن السبيل.

إن فعل الخير في المؤسسة الربانية دفقة أمل ومسحة رحمة وصناعة معروف تنقذ البشر وتقدر مكانة الإنسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 12 أغسطس 2018 10:42

الشراكة

(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {32}) (طه)، «وأشركه في أمري أي في النبوة وتبليغ الرسالة» (تفسير القرطبي).

(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).

«المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ علَى أذاهُم خيرٌ منَ الَّذي لا يخالِطُ النَّاسَ ولا يصبرُ علَى أذاهم» (حديث حسن).

«المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ، يشدُّ بعضُه بعضاً.. وشبّك بين أصابعِه..» (رواه البخاري ومسلم).

«المؤمنون تتكافأُ دماؤُهم، وهم يدٌ على من سِواهُم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِه» (صحيح).

الشراكة علاقة تقوم على التعاون لتحقيق المصالح المشتركة بين الأفراد والمؤسسات للوصول للأهداف التي تجمع بينهم.

وهذه الأهداف تتحقق في أجمل صورها في شراكة مؤسسية تجمع الأفراد والمديرين والعاملين في مؤسسات مختلفة ومتنوعة وبمختلف مستوياتهم للتطوير ولتحسين الأداء بطرق وأساليب تتميز بها كل مؤسسة عن نظيرتها؛ مما يجعل عوامل التحفيز واضحة في الأداء والعمل.

وهذه الشراكة تكون عبر توقيع عقود تعاون عبر فترات زمنية يكون فيها الآتي:

- البرامج والمناشط المشتركة.

- الزيارات ذات الأهداف المحددة.

- الدورات التدريبية المتخصصة.

- تبادل أحدث الطرق في تحفيز العاملين.

- نقل الخبرات الإدارية.

- تبادل المعلومات عن أحدث النظريات في تكنولوجيا الإدارة ونظم المعلومات.

- التعاون والتنسيق لعلاج مشكلات العمل.

فوائد الشراكة:

- تجديد روح العمل لدى العاملين.

- توثيق العلاقات والتعارف بين العاملين.

- توقع تحسين الإنتاج لدى المؤسسة.

- إحياء قيم التواصل المؤسسي.

ويشرح صاحب كتاب «قواعد الإدارة» «ريتشارد تمبلر» القاعدة (86)، وهي «يجب أن تشارك الآخرين في معلوماتك» فيقول: «تتحدث هذه القاعدة عن تقديم النصيحة لمن يقلون عنك علماً، وهم ليسوا في حاجة لأن يزيدوا معلوماتهم قليلاً، وأنت كذلك لست في حاجة لأن تزيد معلوماتك كثيراً، ولكن إذا شاركتهم كل شيء تعرفه ساعتها فسيصبحون على نفس قدر علمك، وينظر بعض المديرين إلى ذلك كنوع من التهديد لهم، وهؤلاء المديرون أغبياء.. إن كل ما تقوم به هو تدريب شخص والارتقاء به حتى يرفع بعض أعباء العمل عن كاهلك، أو إعداد شخص يحل محلك عند حصولك على ترقية.. إن تبادل المعلومات مع الزملاء هو أمر غاية في الأهمية..».

إن المؤسسة الربانية لتحتاج إلى الشراكة مع الآخرين، معتبرة ذلك تعاوناً على البر والتقوى مع بني البشر، ودعوة للخير والمعروف والإحسان.

والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء, 04 يوليو 2018 11:50

التعلُّم المستمر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).

يجمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف عمليتي التعلم والتعليم بإيجاز مبهر وعجيب ومبدع بما علمه الله تعالى، يلهم المستمع الجد والحماس للتعلم وللتعليم وعدم التوقف إلى نهاية العمر حتى يحوز على خيرية مباركة مشهودة بختم خير ولد آدم وإمام النبيين وقائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

ويستمر التعلم لدى أفراد المؤسسة الربانية بلا كلل ولا ملل ولا تضجر؛ فالمؤسسة بأفرادها المستمرين في تعليمهم مؤسسة شبابية حيوية تحيا بالمعرفة وتتطور بالعلم وتنافس على أحدث الأساليب وأرقى النظم وأجود النظريات، مؤسسة جديدة متجددة متعددة الإنتاج متنوعة الإبداع قوية الأركان بعناصرها القيادية البشرية المتربعة في مختلف أروقة وأركان وهياكل المؤسسة، بل هي مؤسسة جاذبة للعاملين بشتى مواهبهم وتنوع مشاربهم وقدراتهم، وهي مؤسسة تحوز على ثقة العاملين يوماً بعد يوم، فيكون الرضا الوظيفي والثبات لدى العاملين.

والتعلُّم المستمر في المؤسسة يتولد عبر نشر ثقافة التطوير الشخصي والارتقاء الذاتي للفرد في شتى مجالات الحياة، وعدم التوقف بعد نيل شهادة أو منصب أو بعد عمر أو خبرة بعد زمن.

لقد كان العلماء يتنافسون في التعلم وزيادة التحصيل والاستمرار على ذلك حتى قال أحدهم:

ما تطعَّمت لذَّة العيش حتى

صرتُ للبيت والكتاب جليسا

ليس شيءٌ عندي أعزَّ من العلمِ

فما أبتغي سواه أنيسا(1)

والمؤسسة الربانية المتميزة بمعاييرها وخبراتها تنفخ روح الاستمرارية في طلب الأفضل، والارتقاء نحو الأحسن والأجود في نفوس العاملين وكل العاملين، عبر الآتي:

- وضع الحوافز لمن ينال أعلى الشهادات والدرجات العلمية من أرقى الجامعات والمؤسسات.

- تكليف العاملين بتوثيق أعمالهم وإنجازاتهم بملف إبداع خاص بكل عامل، وهذا الملف يعتبر أحد معايير تقييم العامل.

- وجود المكتبات بأحدث الكتب والمراجع والمصنفات ووجود التصنيف الآلي والخدمات الإلكترونية المكتبية التي تُعنى بسرعة توفير المراجع كما هو موجود الآن بأرقى المكتبات لأرقى جامعات.

 - تكليف العاملين بعمل الورش والمحاضرات وإدارة المؤتمرات.

- تأصيل سفرات العاملين وتنقلاتهم عبر العالم لاكتساب الخبرات.

- الرقي في تقييم العاملين المعتمد على معايير موضوعية وثابتة.

لقد تميز علماؤنا بالاستمرار في طلب العلم وعدم التوقف؛ مما جعل إنتاج أحدهم العلمي يقارن ويعدل إنتاج مؤسسة بل مؤسسات، وما ذلك إلا بهمة طلب العلم والاستمرار في التعلم.

وأصحاب تلك العزائم لا يختلفون عنا في طبيعتهم الإنسانية وقُدرهم الخِلْقية، وإنما يختلفون عنَّا في عُلوّ الهمَّة، ودأَب العزيمة، وتجشُّمِ الصعاب، وامتطاء العقبات..»(2).

والحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(١) و(٢) أبوغدة، صفحات من صبر العلماء.

 

 

ويظل العاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى ما عند الله تعالى من أجر وثواب وتوفيق لخير يرجونه ولمعروف يسدونه ولأمل في نصر للإسلام وأهله يرمقونه ولنهي عن منكر يحذرونه ولأمن لوطنهم وأمتهم يبغونه، فهم لا يريدون علواً في الأرض بالبغي والبطر والكبرياء، ولا فساداً  بعمل المعاصي.

وصدق الله العظيم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {83}) (القصص).

وفي الحديث الصحيح: «أنه أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر

أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (رواه مسلم).

وفي الحديث الصحيح أيضاً: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» (رواه مسلم).

والعاملون في المؤسسة الربانية ينظرون إلى المنصب على أنه تكليف ارتقوا إليه مع سلطة محدودة حازوها لإدارة عمل وتخصص نبغوا فيه وتميزوا عبر فترة زمنية أكسبتهم خبرات ومهارات جعلتهم مؤهلين ومرشحين لمنصب ما، معتبرين هذا المنصب اختباراً وابتلاءً من الله تعالى لتقديم الأفضل والأحسن للناس عبر المؤسسة؛ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) (الملك).

وحيازة المنصب يزيد تضرعهم ومناجاتهم لخالقهم؛ (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ {101}) (يوسف).

والمدير وصاحب المنصب لا ينفك عن تفكير مستمر يحدوه لرقي نفسه تارة والارتقاء بمستوى أعضاء المؤسسة واستثمار طاقاتهم وقدراتهم في دروب الخير تارة أخرى مع نصح مستمر.

«والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقاً لتطور كفاياتهم ونمو آمالهم وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك.

وكل ذلك من كمال معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (البخاري ومسلم)» (الراشد، العوائق).

وصاحب المنصب لا يستغني عن المشورة والاستخارة ولا عن النصح والتسديد والتصويب، ولكن بالحسنى والتلطف والرفق حتى يُعان عليه أخوةً ومحبةً لا غلظة ولا تعنيفاً درءاً لمفسدة من الشيطان يضخم عليه أمر الرئاسة والمنصب!

ومما يعين على الزهد في المنصب:

- معرفة الدنيا وتقلباتها وأنها فانية بمظاهرها وزخارفها ومناصبها وألقابها؛ (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27}) (الرحمن).

- إن المنصب أمانة وإنه يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى الذي عليه.

- تذكر أصحاب المناصب وما كانوا يملكون ويسودون فزالوا وذهبت مناصبهم وألقابهم، ولو دامت لغيرك ما اتصلت إليك.

- المنصب وسيلة لغاية تقربك من الله تعالى أو هدف يكون فيه الخير للوطن والأمة والناس أجمعين.

- ارتباط القلب بالله ذكراً وعبادة وتأملاً وتسبيحاً وتلاوة للقرآن، والقلب ما لم يكن بالله مرتبطاً فإنما هو بالأهواء جوّاب.

- المحافظة على ميثاق الأخوة العظيم وعدم التنازل عن الأخوة والمحبة والصفاء الأخوي وعدم الرضا بالتنافس والتنافر والتنازع بسبب المناصب!

- اليقين الصادق أن ما عند الله خيرٌ وأبقى من الألقاب الفارهة والمناصب الفانية.

- العبادة والصيام والقيام بين يدي الله تعالى وإطالة السجود والمكث في المساجد.. كل ذلك ينمي البصيرة الإيمانية التي تبصرنا بحقيقة المناصب والألقاب.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top