د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 04 ديسمبر 2017 10:05

ربانية العلم

 

إن العلم نبراس كل مؤسسة، ورائد لكل أمة، وقائد أمين لكل جماعة، وحافظ لكل فرد أو مجموعة؛ به تُحفظ الحقوق وتُدار الأمور، وتُستثمر الطاقات، ويُعرف بالعلم المحظور والمشروع والخير والشر والحق والباطل؛ «بإنزال التجارب الدعوية والحضارية والإبداعية على الواقع، والتماس طريق محدد للتطوير التنموي والسياسي والاجتماعي، وطرح حلول لتعقيدات الزمن المعاصر، ولنشاط الدعوة في عالم متنافس، وبرؤى عريضة شمولية تكافئ انتقال الدعوة الإسلامية إلى امتدادها العالمي» (محمد أحمد الراشد، عبير الوعي).

إن المؤسسة الربانية لتحتاج إلى العلم النافع لتطوير الأداء وتنمية العاملين بأحدث ما توصل إليه العلم الحديث؛ فمن لا علم له ولا فقه لديه يُفسد أكثر مما يصلح، بل وتتوقف عجلة التنمية عنده لفساده واستبداده (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205}) (البقرة).

وبالعلم تحقق المؤسسة العدل والميزان بين منتسبيها وروادها؛ فترفع المُجدّ وتكافؤه، وتقوي الضعيف وتنصحه، وتفتخر بالمتميز وتكرمه، وتوحد معايير التكريم والتميز والمكافآت المالية والأدبية وفيما يخص المناصب والدرجات، (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ {9}) (الرحمن).

والعلم النافع في المؤسسة الربانية إنما هو غيث يتزود منه الأفراد عبر العلماء الربانيين الذين يُحسنون قيادة أنفسهم وذواتهم؛ فيكون الإبداع والتميز والإنجاز في أرض الواقع؛ واقع المؤسسة وواقع دنيا الناس؛ «فسفيان الثوري ما صار إماماً في التربية والزهد إلا بعد أن لمس الناس سعة علمه ودقة فراسته وصفاء قلبه وبشكل استثنائي يرتفع عن النموذج السائد بكثير، وكان ذلك شأن الحسن البصري قبله، في عشرات من المصلحين، وصلاح الدين إنما انتصر بهيبته ومروءته وسيماء العدل والإخلاص قبل أن ينتصر بسيفه، والقيادي في الدعوة الإسلامية شأنه شأن القدماء، لن ترجحه الخطط مهما كانت مُحكمة متقنة ما لم يتقدم لتنفيذها بنفس منفتحة، وروح طموحة، وقلب ثابت واسع نقي، وعلم بالواقع يظاهر علم الشرع ودلائل الإيمان، والإنجازات الكبيرة تنطلق من إنجاز روحي، ومن مذهب، وسويعات تفكر قرب محراب، والعَزَمات تقود النهضات» (محمد أحمد الراشد، رؤى تخطيطية).

إن سعي أفراد المؤسسة لنيل رضا الله سبحانه وتعالى في سكناتهم وحركاتهم وغدوهم ورواحهم هو الذي يجعل البركة الربانية والسكينة الإيمانية تظللان المؤسسة الربانية، وهذا الذي يجعل قلوب الناس تهفو إلى هذه المؤسسة الرائدة التي تحفظ كبارهم بالوعظ وشبابهم بالعلم وصغارهم بالتوجيه وتحيط الجميع بالرعاية والتربية وصدق الله: (وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ {79}) (آل عمران)؛ «كونوا علماء عاملين مربين للناس مصلحين لأمورهم بسبب تعليمكم الكتاب المنزل للناس، وبما كنتم تدرسونه للناس حفظاً وفهماً» (جماعة من علماء التفسير، المختصر في تفسير القرآن الكريم).

بربانية العلم يقترب طلابه من الجنة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سهّل الله له به طريقاً من  طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (مسلم، 2699).

والمؤسسة الربانية قريبة دائماً من الفقه والفقهاء، تنهل من معين علمهم، وتنال من فيض فهمهم، فهي تخوض في بحار الخير دائماً، ولا تغرق في وحل الشبهات والحرام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين» (البخاري، 71).

وبالفقه تتحسن الأخلاق مع عظيم أداء العبادات؛ يقول الرسول

صلى الله عليه وسلم: «خيركم أحاسنكم أخلاقاً إذا فقهُوا» (البخاري، 5688).

ثمار ربانية العلم  في المؤسسة:

- بناء المؤسسة على تقوى من الله من حيث الأنظمة واللوائح.

- استمرارية النجاح والتجديد.

- المرونة في التعامل مع الخطط.

- سمو أخلاق الأفراد وتميزهم.

- قيادة الناس نحو الخير والسعادة.

- تقليل الاختلاف والنزاع.

- القضاء على الفراغ والاشتغال بالخير.

- التوجه نحو البناء والتربية.

والحمد لله رب العالمين.

الإثنين, 06 نوفمبر 2017 08:13

التقوى

 

إن الحكماء والعقلاء من عباد الله المؤمنين الموحدين الصادقين والمخلصين ليتطلعون إلى مؤسستهم الخيرية والدعوية أن تكون هي الرائدة في وطنهم بل وفي العالم من حولهم؛ لأنهم دعاة رحمة وبناء وسلام وإحسان؛ ولذا كان لزاماً عليهم أن يتفقوا على معايير وسمات وأهداف تكون في نظامهم التأسيسي، وبالتالي في لوائحهم وأنظمتهم ورؤاهم ورسالتهم وأهدافهم وقيمهم ووسائلهم.

بهذه المنظومة من المعايير الواضحة تنطلق المؤسسة الربانية ببناء رباني على تقوى من الله ورضوان (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {108} أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ) (التوبة).

هذه التقوى تبدأ عبر حساسية إيمانية بضرورة عمل الخير والمسارعة إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، إتقان في العمل، وتميز في الإنتاج وجودة وإحسان مشوب بتواضع جم وتضرع إلى المولى سبحانه وتعالى بالقبول، وشفافية شعور بمراقبة الله تعالى بالأقوال والأفعال والنيات؛ «فتكون النية الصالحة نفسٌ تضيء وهمة تتوقد، والنفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية، فهي تنير بما يكون لها من هذا الصفاء، وهي النية الحرة.. حرة مما يقيد غيرها، من الأهواء والأطماع والمصالح، ولم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى، ولم تكن رقيقاً لمنصب أو شهوة.

فالداعية لا يصدر قط عن شهوة، ولا طلب مصلحة، وإنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر، وكذلك الصالحون.

وبهذا الوصف وصف هشام بن عبدالملك ابن عمه عمر بن عبدالعزيز الأموي رحمه الله فقال: «ما أحسب عمر خطا خطوة إلا وله فيها نية».

ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين (محمد الراشد، الرقائق باختصار). 

إن لبنة التقوى في المؤسسة لهي اللبنة الأولى التي يقوم عليها البناء السامق الرفيع الذي يؤتي أكله كل حين بإذن ربه؛ حتى تتمثل التقوى في كل ركن وزاوية أو مشروع أو لائحة أو صرف ونفقة أو قرار وكلمة.

تتمثل التقوى بالخشية المستمرة والحذر الدائم من مخالفة شرعية تعطل الأعمال وتقوّض البناء وتضيع وتنسف الإنجاز!

إن تقوى الله تعالى في المؤسسة ركن عظيم للنجاح والتميز.

واتق الله فتقوى الله ما

جاورَتْ قلبَ امرئ إلا وصل

ليس من يقطع طرقاً بطلاً

إنما من يتقي الله البطل

تتمثل التقوى في العمل المؤسسي:

- الانضباط في الدوام والعمل بموجب العقد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).

- التزام ما ألزمت به نفسك من سلوك طيب وخلق حسن.

- إحسان وإتقان العمل.

- العمل بروح الفريق الواحد تعاوناً على البر والتقوى.

- المحافظة على خصوصيات المؤسسة.

- اعتبار المنصب اختباراً وامتحاناً من الله تعالى لعمل صالح يقربك من الله تعالى فكن حفيظاً عليماً؛ (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {55}) (يوسف).

- الارتقاء بالعمل مهنياً واحترافياً حتى يعم الخير وينتشر الإصلاح.

- التطوير الذاتي والتحمل في ذلك مثل كليم الله موسى عليه السلام وقد رحل إلى الخضر طالباً للعلم والمعرفة وتحدى الصعاب (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً {60}) (الكهف).

إننا بتقوى الله أولاً ثم بالعمل المؤسسي الجاد المتميز بمعاييره وقيمه ندخل بوابة الحياة عبر نظرية القيادة الإيمانية للحياة بمنهجية تربوية رصينة حكيمة معتدلة متصدين لقدر الشر بقدر الخير.

إن سر معركة الحياة هو بطاعة الله سبحانه، ويفوض المؤمن أمره إلى الله تعالى فيهديه السبيل ويمهد له الأمور ويكنس من أمامه العُتاة كما كنسهم يوم «بُعاث» قُبيل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان يوماً عصيباً سالت فيه الدماء وقتلت عتاة الأوس والخزرج، وبقي منهم عبدالله بن أُبي بن سلول ليعطينا مثلاً على أن العشرات مثله كانوا سيقولون مثل قوله ويكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم لو لبثوا على الحياة، ولكن الله أزاحهم من طريق المؤمنين.

وكم من أحزاب جاهلية اليوم في بلاد شتى تولى الله حربها حتى ضعفت وأصبح المجال مفتوحاً أمام الدعوة في تلك البلاد لتدخل الدعوة مرحلتها المتقدمة (محمد الراشد، صناعة الحياة).

والحمد لله رب العالمين.

 «أَيُّها الناسُ، أَفْشُوا السلامَ، وأَطْعِمُوا الطعامَ، وصَلُّوا والناسُ نِيَامٌ، تَدْخُلوا الجنةَ بسَلَامٍ» (رواه أحمد والترمذي والحاكم).. بهذه الكلمات المباركات فور وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة بدأت تظهر ملامح المشروع الإسلامي الأغر.

- «أيها الناس».. فهو مشروع للناس جميعاً؛ فصاحب المشروع هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله للعالمين؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء).

- «أفشوا السلام».. فالإسلام دين الرحمة والسلام، والله تعالى هو السلام، والجنة دار السلام، وليلة القدر سلام، وإفشاء السلام سُنة نبوية عظيمة، وختام صلاتنا السلام.

فالسلام معلم عظيم من معالم مشروعنا الإسلامي الضخم العظيم؛ السلام العادل مع جميع الناس؛ (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: 83)، فلم يأت الإسلام كي يشعل حرب حضارات في الكون بين بني البشر، بل كرم الإنسان كل الإنسان، وحرم الدماء والأعراض والأموال.

«المسلمُ من سلم الناسُ من لسانه ويدهِ، والمؤمنُ من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (صحيح النسائي).

«المسلِمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمنَهُ النَّاسُ علَى دمائِهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ مَن جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ والمُهاجِرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ» (إسناده صحيح).

- «وأطعموا الطعام».. إن المشروع الإسلامي مشروع إحسان لبني الإنسان (فَكُّ رَقَبَةٍ {13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ {14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ {15} أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ {16}) (البلد)، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8} إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9}) (الإنسان).

إن الإسلام كما يدعو لكسوة العراة، يدعو كذلك لإطعام الجياع من بني الإنسان وغيرهم من المخلوقات؛ «في كلِّ ذاتِ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ» (حديث صحيح).

- «وصلوا والناس نيام».. إنه معلم العبادة في المشروع الإسلامي المتكامل في الإحسان مع المخلوق والخالق سبحانه وتعالى؛ والعبادة تؤدب وتهذب المسلم وترقي به في مراقي العز والإيمان والفلاح، وبالعبادة تصفو الروح وتسمو النفس وترقى القيم والأخلاق ويقوى الفرد والجماعة والأمة؛ (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ {92}) (الأنبياء).

وبالصلح بين الأوس والخزرج والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار انتظم عقد الأخوة برّاقاً جميلاً، وكأنه سوار ذهب أحاط بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فازدانت به نوراً مذهّباً.

وببناء المسجد اجتمع الخير والنور والأجر والحسنات وازداد تقارب القلوب.

وبتمام كتابة الوثيقة المدنية التي تمثل الدستور المدني؛ اكتمل المشروع الإسلامي رحمة ورأفة وإيماناً وتوحيداً وتصديقاً وقيماً وأخلاقاً وعقيدة وعبادة وتشريعاً ودستوراً صالحاً لكل زمان ومكان، يجمع ولا يفرق، ويعمر ولا يخرب، ويُقوي ولا يُضعف، ويؤلف ولا يؤلب، ويحفظ ولا يضيع، ويعز ولا يذل، ويغني ولا يفقر، وصدق الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة: 3).

ولله در الإمام القرضاوي حفظه الله ورعاه عندما صاغ بعضاً من ملامح المشروع الإسلامي:

مسلمون مسلمون مسلمون

حيث كان الحق والعدل نكون

نرتضي الموتى ونأبى أن نهون

في سبيل الله ما أحلى المنون

*****

نحن صممنا وأقسمنا اليمين

أن نعيش ونموت مسلمين

مستقيمين على الحق المبين

متحدّين ضلال المبطلين

جاهدين أن يسود المسلمون

مسلمون مسلمون مسلمون

*****

نحن بالإسلام كنا خير معشر

وحكمنا باسمه كسرى وقيصر

وزرعنا العدل في الدنيا فأثمر

ونشرنا في الورى الله أكبر

فاسألوا إن كنتموا لا تعلمون

مسلمون مسلمون مسلمون

*****

سائلو التاريخ عنا ما وعى

من حمى حق فقير ضيعا

من بنى للعلم صرحاً أرفعا

من أقام الدين والدنيا معا

سائلوه سيجيب المسلمون

مسلمون مسلمون مسلمون

*****

نحن بالإيمان أحيينا القلوب

نحن بالإسلام حررنا الشعوب

نحن بالقرآن قومنا العيوب

وانطلقنا في الشمال والجنوب

ننشر النور ونمحو كل هون

مسلمون مسلمون مسلمون

*****

نحن بالأخلاق نوّرنا الحياه

نحن بالتوحيد أعلينا الجباه

نحن بالبتار أدبنا الطغاه

نحن للحق دعاة ورعاه

والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء, 05 سبتمبر 2017 14:46

الحج.. وتعظيم الحرمات والدماء

 

(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ‏) (الحج:30)، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {32}) (الحج).

جاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «ومن يعظم حرمات الله»؛ أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، «فهو خير له عند ربه»؛ أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب جزيل وأجر كبير، وكذلك على ترك المحرمات و»اجتناب» المحظورات.

تأتي فريضة الحج كي تذكر المسلمين والعالم أجمعين - لو يسمعون - بحرمة الدماء والأعراض وكرامة الإنسان بعد أن اختلت الموازين وضعفت القيم.

في عالَم تدفقت فيه شلالات الدماء وتفنن الإنسان في إزهاق روح أخيه الإنسان بأبشع صورة وأفظع طريقة وأشنع مثال بما لم تعرفه البشرية من قبل!

وبأرخص وأتفه المبررات؛ دينية تارة ومذهبية وعنصرية قبلية تارة أخرى، وبتناقضات عجيبة وغريبة.

قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفر

وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر!

ولتعظيم الحرمات وتأصيلها تتنوع أسماؤها وتختلف مصطلحاتها وأحجامها، من الشعرة إلى الشجرة، وصيد البر، والأسماء كذلك تدلل على الحرمات؛ أرض الحرم، الإحرام، محظورات الإحرام، المُحرِم، المَحرم، الحُرُم، حرمات، والفدية والكفارة والصوم لمن أخل بالمحرمات.

لقد تجرأ الإنسان على الحرمات واستهان بأخيه الإنسان؛ بدمه وماله وعرضه.. فتعاظمت جرائم القتل الإنسانية، وتكاثرت الاعتقالات التعسفية، وانتشرت الاختفاءات القسرية، وتنوعت المعاملات الربوية، وازدادت الجرائم الإرهابية، واشتدت الأزمات والحروب الطائفية والعنصرية.

يأتي الحج ليؤكد احترام الحرمات وصيانة الدماء والأموال والأعراض.

إن يوم الحج الأكبر يسميه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بـ»اليوم الأحرم»!

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أَيُّها الناسُ، أَيُّ يومٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يومٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يومٍ أَحْرَمُ؟ قالوا: يومُ الحجِّ الأكبرِ، قال: فإن دماءَكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرْمَةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، أَلَا لا يَجْنِي جانٍ إلا على نفسِه، أَلَا ولا يَجْنِي والدٌ على ولدِه، ولا وَلَدٌ على والدِه، أَلَا إنَّ الشيطانَ قد أَيِسَ أن يُعْبَدَ في بلدِكم هذا أبداً، ولكن ستكونُ له طاعةٌ في بعضِ ما تَحْتَقِرون من أعمالِكم، فيَرْضَى بها، أَلَا إنَّ المسلمَ أَخُو المسلمِ، فليس يَحِلُّ لمسلمٍ من أَخِيهِ شيءٌ إلا ما أَحَلَّ من نفسِه، أَلَا وإنَّ كلَّ رِبًا في الجاهليةِ موضوعٌ، لكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلِمونَ ولا تُظْلَمُونَ، غيرَ رِبَا العباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ؛ فإنه موضوعٌ كُلُّه، وإنَّ كلَّ دمٍ كان في الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ دَمٍ أَضَعُ من دمِ الجاهليةِ دمُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، أَلَا واستَوْصُوا بالنساءِ خيراً، فإنما هُن عَوَانٌ عندكم، ليس تملكونَ منهن شيئاً غيرَ ذلك، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَّةٍ مُبَيِّنَةٍ، فإن فَعَلْنَ فاهجُروهن في المَضاجِعِ، واضرِبوهن ضَرْباً غيرَ مُبَرِّحٍ، فإن أَطَعْنَكم، فلا تَبْغُوا عليهِن سبيلًا، أَلَا وإنَّ لكم على نسائِكم حقاً، ولنسائِكم عليكم حقاً، فأمَّا حقُّكم على نسائِكم؛ فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهون، ولا يَأْذَنَّ في بيوتِكم لِمَن تَكْرَهون، أَلَا وإنَّ حَقَّهُنَّ عليكم أن تُحْسِنوا إليهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وطعامِهِنَّ» (الراوي: عمرو بن الأحوص رضي الله عنه، والحديث حسن).

فالحج تعليم وتربية وتذكير بل وتدريب وتوجيه على احترام الحرمات وصون وشائج الأخوة والزواج والقرابات والمصاهرات، ولعل هذا كله من فوائد ومنافع الحج؛ (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج:28).

والحمد لله رب العالمين.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top