د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

دعوية اجتماعية خيرية تلتزم بالمنهج الإسلامي القائم على الشمول والوسطية

تعمل لوحدة الأمة ورفض التجزئة والاحتراب الطائفي والسياسي والعرقي

تسعى إلى حماية الشباب من الفكر «الداعشي» وتعرية أدلته وفضح مقاصده

الحمد لله الحكيم الخبير، وصف أمة الإسلام بأنها الأمة الوسط؛ فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة:143)، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

بداية: التطرف من الطرْف أو الطرَف وهو منتهى كل شيء.

وقد حذرت النصوص الشرعية من التطرف عندما عبرت عنه بالغلو والتنطع والتشديد؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين».

وصدق الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ {77}) (المائدة).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تُشددوا، فيُشَدَّدَ عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُددَ عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».

مظاهر التطرف:

التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين، وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق ولا مقاصد الشرع ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين.

 ومن مظاهر التطرف التزام التشديد الدائم مع قيام موجبات التيسير بل وإلزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به.

ومن مظاهر التطرف الغلظة في التعامل وسوء الظن بالآخرين.

ولعل أهم أسباب التطرف هو ضعف البصيرة بحقيقة الدين وقلة البضاعة في فقهه.

العلاج:

إن بيان هذا التطرف وعلاجه وتحديد المراد به بعلم وبصيرة هو الخطوة الأولى في طريق العلاج؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء:59).

وقد عملنا في جمعية الإصلاح الاجتماعي على مدى 50 عاماً على ترسيخ الشراكة والإيجابية، مبتعدين ما استطعنا عن كل العوائق من التطرف ونحوه، منطلقين للخير والدعوة إلى الله بالحكمة ونبذ العنف، متحلين بالرفق؛ فقد جاء في (المادة الثالثة) من النظام الأساسي لجمعية الإصلاح الاجتماعي:

«أهدافها:

- المساهمة في تعزيز الاتجاهات الإيجابية لكافة شرائح المجتمع نحو عمل الخير والاستقامة وشغل أوقات الفراغ بما يفيد وينفع.

٢- الشراكة المجتمعية مع مؤسسات المجتمع المختلفة فيما يعود بالخير على الصالح العام».

وقد اتخذت الجمعية - بكل اعتزاز - قول الحق سبحانه وتعالى: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {88}‏)(هود)، شعاراً لها.

وجاء في رؤية جمعية الإصلاح المستقبلية في سبيل الإصلاح والنهضة:

- تعمل الجمعية لوحدة الأمة ورفض التجزئة والاحتراب الطائفي والسياسي والعرقي قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ {92}) (الأنبياء).

- تعمل الجمعية على التربية بمفهومها الشامل في الإسلام، فهو أساسنا الأول الذي نعتمد عليه في الإصلاح والتغيير، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

- نبذ العنف بكل صوره وأشكاله؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.

وجاء في هويتنا الفكرية:

جمعية الإصلاح جمعية دعوية اجتماعية خيرية تلتزم بالمنهج الإسلامي المستمد من الكتاب والسُّنة القائم على الشمول والوسطية، وفق الأصول والقواعد التالية التي تضمنها ميثاق الوحدة الفكرية الجامعة للعمل الإسلامي الموقع من مجموعة من العلماء في 13 نوفمبر 2007م، والتي منها:

- لا نكفّر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض - برأي أو معصية - إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر، أو أتى بناقض من نواقض الإيمان، أو ارتد بعد إيمان وأقيمت عليه الحجة، ومرجع ذلك كله إلى القضاء الشرعي.

- الخلاف بين الطوائف الإسلامية يبقى محصوراً في الحوار العلمي الرصين المثمر، ولا يُبالَغ به لإثارة الفتنة في المجتمع والإخلال بالوحدة الوطنية، مع التزامنا ببيان ما نعتقده أنه الحق وفقاً للأدلة الشرعية في القضايا الخلافية.

- الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى الخلاف المذموم والتعصب.

- نتبنى الوسطية في فهم الإسلام والدعوة إليه، فلا تطرف أو غلو ولا تفريط أو تمييع لأحكام الإسلام وثوابته.

- ننبذ التطرف في فهم الدين والعنف في الدعوة إليه، وندعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وحريصون كل الحرص على أمن المجتمع واستقرار الوطن، ولدينا قناعة بأن مواجهة الغلو والتطرف لا يكون إلا بالحوار والنقاش.

وجمعية الإصلاح الاجتماعي على امتداد مسيرتها المباركة، والتزاماً منها بدورها الوطني؛ سعت بكل جهد وأمانة لتحقيق أهدافها المرسومة وفق رؤاها الفكرية والإصلاحية؛ بما يحقق الرفعة والرقي لهذا الوطن وبناء الأجيال الصالحة المصلحة.

إنجازات جمعية الإصلاح للحد من التطرف:

- معرض الكتاب السنوي الذي تقيمه جمعية الإصلاح منذ 41 عاماً؛ حيث صرح عبدالمنعم الفيلكاوي، مدير معرض الكتاب؛ أن جمعية الإصلاح أول مؤسسة كويتية تقيم معرضاً متخصصاً للكتاب؛ لإيمانها بأهمية القراءة والكتاب في تقدم الشعوب ونهضة الأمم، ودوره في تحصين أجيال الكويت من التطرف والغلو من خلال ترسيخ وسطية الإسلام دون إفراط أو تفريط، وكان المعرض تحت شعار «ثقافة أسرة»، برعاية وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب الشيخ سلمان صباح سالم الحمود الصباح يوم 9 أبريل، واستمر حتى 18 من الشهر نفسه عام ٢٠١٦م.

- في يوم 28 يونيو 2015م أعربت جمعية الإصلاح الاجتماعي عن استنكارها وإدانتها للحادث الذي استهدف مسجد الإمام الصادق في منطقة الصوابر وسط مدينة الكويت، وأسفر عن وقوع قتلى وجرحى.

وقال رئيس الجمعية حمود حمد الرومي في تصريح صحفي: إن الجمعية آلمتها مثل هذه الأعمال الإجرامية التي تهدف إلى ترويع وقتل الآمنين وبث الفتنة في المجتمع الكويتي.

- وفي 15 نوفمبر 2007م دعت جمعية الإصلاح الاجتماعي إلى مؤتمر جامع لأصول فكرية تجمع الدعاة للأخوّة والألفة ونبذ التفرق والتطرف؛ حيث دعا مؤتمر «الأسس الفكرية لوحدة الأمة» إلى إعلان مشروع «ميثاق الأسس الفكرية لوحدة الأمة»، ودعوة الحركات والجماعات والجمعيات الإسلامية في العالم للمشاركة فيه؛ ليكون الكلمة السواء التي تجمع القلوب والعقول والجهود لرفع راية الإسلام.

وحث المشاركون في توصيات المؤتمر الذي أقامته جمعية الإصلاح الاجتماعي على ترسيخ أواصر الأخوة الإيمانية، وتأكيد روابط العقيدة وترسيخها بين أبناء الحركات الإسلامية.

وشددوا على أهمية البعد عن الخلاف ونبذ مظاهر العداوة والبغضاء، والعمل فيما اتفق عليه، والإعذار فيما اختُلف فيه، إضافة إلى إشاعة روح التقارب وثقافة الوحدة بين المؤسسات الإسلامية في الجانب الفكري والدعوي.

- الحملة القيمية للتسامح تحت شعار «السمح زين»؛ تعزيزاً لقيمة التسامح، وللحد من مشكلة العنف؛ حيث أقيم العديد من الفعاليات والأنشطة، وقد حظيت برعاية كريمة من محافظ الفروانية الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح، وبالتعاون مع وزارة التربية، والهيئة العامة للرياضة، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الصحة، ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي العربي.

- «مشروع البناء الإسلامي المدني» في محافظة مبارك الكبير؛ وهو مشروع اجتماعي وطني قيمي يدعو للتسامح والحوار وحسن الجوار والسلام وقبول الآخر وتعقيل الاختلاف ونبذ التطرف والعنف، وهو يقوم ولا يزال برحلات شهرية للأهالي، وله مجلة بعنوان «مبسم».

- المشاركة الفعالة مع اللجنة الوطنية لمواجهة فكر «الدواعش» حيث من أهداف اللجنة:

1- حماية الشباب من الفكر «الداعشي»، وتعرية أدلته وفضح مقاصده.

2- تصحيح الانحراف الفكري عند أتباع «داعش».

3- بيان المنهج الإسلامي في مواجهة المستجدات الفكرية؛ ومنها «داعش».

4- إبراز مزايا المنهج الإسلامي في الاختلاف والاتفاق.

5- تعزيز الوحدة الوطنية التي تجمع أطياف المجتمع دون تفرقة.

6- التعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية ذات الصلة لمواجهة الفكر «الداعشي».

ختاماً:

نسأل الله تعالى أن يلهمنا السداد والصواب والحكمة لنفع العباد وحماية البلاد وتقديم الخير ودحض الشر، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين.

نادى أهل سورية بالحرية وبكل أريحية وعلنية وسلمية؛ ملوا من الاستبداد والقهر والاستعباد والاستهتار بحريتهم وآدميتهم وكرامتهم، فخرجوا مطالبين ومنددين، فقُمعوا، وبالضرب صُعقوا وعوقبوا، سُجن أطفالهم لكتابة على جدار، معلنين رفضهم لنظام الجزار، وما دروا أنهم سيسكنون خلف القضبان بلا رحمة ولا إنسانية ولا اعتبار، وسمّعهم جنود بشار عبارات مكشوفة بلا خلق ولا حياء ولا شرف لإنسان!

واستمر الطغيان؛ فازداد الشعب السوري إيماناً بالله خالق الكون والإنسان «ما لنا غيرك يا الله»!

واستغاث الشعب السوري بالمسلمين فكانت الإجابة مرة، ومرة كانوا في طي النسيان!

اشتد الحصار وعظم الدمار واستخدمت أسلحة الخراب والدمار، استبيحت الحرمات وانتهكت الأعراض وضجت الأرض وبكت السماء وزلزلت الجبال من هول شلالات الدماء وارتفع صراخ الأطفال فوق الأرض وتحت الركام، ودكت المنازل بالبراميل المتفجرة التي كان الظالم الطاغية ينفي استخدامها، وانتشرت الغازات السامة ودكت المشافي والملاجئ، وقُتل الأطباء والمسعفون، واحتار الناس مسلمهم وكافرهم من مسعف أو طبيب أو عضو في منظمة إنسانية، وخرجت المليشيات المتحجرة الطائفية كالضباع المتعطشة للدماء، والتقت مع إخوانها الروس يدكون المنازل ويقتلون ويعربدون ويعيثون في الأرض فساداً، وكأنهم يأحوج ومأجوج من كل حدب ينسلون.

كل ذلك تحت سمع وبصر المنظمات الحقوقية الإنسانية المحلية والعالمية.

واتسع الخرق على الراقع بعد الإهمال المتعمد والضعف المتراكم والتفرق المشؤوم في الفكر والميدان، وضاع البشر وانحطت كرامة الإنسان، وسيطر الطغيان، وهام على وجهه في سورية كالقطعان من الذئاب العاوية في بيداء قفر أو غابة موحشة موغلة في الظلام الدامس البهيم!

وعثرت بل شنقت شاة المسلمين.. ولا من عمر ولا من مغيث!

لكنّما أهلي بوادٍ أنيسُه

ذئابٌ تَبَغّى الناسَ مَثْنى ومَوْحدُ

(ابن يعيش: شرح المفصل).

هذا؛ وعلينا أن نعلم تمام العلم أن المسؤولية فيما يصيبُ الأمّة لا يمكن اختزالها أو صَبّها على قومٍ دون قوم، بل يبوء بها من وَلِيَ أمْرَهُم ورضي بِحَمْلِ أمانةِ أعناقهم في المقام الأول؛ (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ {24}‏) (الصافات)، الآية التي يرتجف منها المخلصون، ثم تنحدر المسؤولية بعد ذلك تِباعاً على أفراد الأمة؛ كُلّ بحسب الموقع الذي يَحُل والواجب الذي يتَحمّل، لا توانيَ ولا تدارُؤ، لأن سُنة الله في نصر الأمة لا تنْفُذُ إلا عندما يرى الله من عباده عَملاً ونُصرةً.

ختاماً؛ إن قتل السفير الروسي من حيث إنه مؤتمنٌ شرعاً، لا ينْبغي أن يُعمي الأبصار ويُضلل الأفهام عن المجازر التي ارتكبتها روسيا مما تَكَلّ العبارة عن وصفه، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) (البقرة:217).

والحمد على كل حال.

 

بحث قرآني قيم عن ألفاظ النصر، وكم نحن بحاجة أن نعيش فقه النصر والتمكين حتى نتعبد الله عز وجل بالانتصار كما نتضرع إليه بالنوازل والبلاء والانكسار! وما أروع الرجوع إلى ألفاظ القرآن ومعانيه.

إن الله تعالى ينصر عباده المؤمنين متى شاء وكيفما شاء، وقد يكون هذا النصر بعد صبر ومصابرة ورباط وثبات ودعاء وصدق وإخلاص، وقد يكون بعد أن مسّتهم البأساء والضراء؛ (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ {214}) (البقرة).

ولهذا الجذر في اللغة دلالات حسية تلقي ظلالها على الاستعمال القرآني، ومن ذلك: نَصر المَطرُ أو الغَيْثُ الأرض: سقاها وغاثها، وَنُصَرَتِ الأرضُ: إذا مُطِرَت، وسُمِّيَ المطر نَصراً، كما سُمِّيَ فَتْحاً.

وللفظ النصر في القرآن الكريم أربعة وجوه؛ منها:

١- النصر بمعنى المنع: (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {48}) (البقرة).

٢- النصر بمعنى العون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {7}) (محمد).

٣- النصر بمعنى الظفر: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

٤- النصر بمعنى الانتقام: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الله لَانتَصَرَ مِنْهُمْ) (محمد:4).

وقد يعبر القرآن عن النصر بالروح: (وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) (المجادلة:22).

وقد يعبر القرآن عن النصر بالفرقان، وأوجه الفرقان في القرآن ثلاثة:

١- النصر: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {53}) (البقرة).

٢- المخرج: (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185).

٣- القرآن: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان:1).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر لفظ التأييد: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {26}) (الأنفال).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر الثبات: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ) (الأنفال:12).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر لفظ الرباط: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) (الكهف:14).

والاطمئنان: (وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

والسكينة: (فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (الفتح:26).

فليكن المؤمنون على مستوى تكريم الله لهم بالنصر والفتح والتأييد؛ فيزدادون حباً لله تعالى وعبادة وتقرباً وحمداً وشكراً، ويكونون أشد تواضعاً مع عباد الله تعالى كما تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل مكة مطأطئ الرأس مصلياً صلاة الفتح ثماني ركعات كما هو معلوم في السيرة.

ثم إن المؤمنين يستشعرون كرم الله تعالى ومنته وصدق بشارته وبشارة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «بشِّرْ هذه الأمَّةَ بالنَّصرِ والسَّناءِ والتَّمكينِ، فمَن عمِل منهم عمَلَ الآخرةِ للدُّنيا لم يكُنْ له في الآخرةِ نصيبٌ» (رواه ابن حبان في صحيحه)، «ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يتركُ الله بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلَّا أدخلَهُ الله هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ، أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يعزُّ الله به الإسلامَ، وذلًّا يذِلُّ الله به الكفرَ» (رجاله رجال الصحيح).

إن النصر نعمة عظيمة من الله تعالى تُوجه لأوجه الخير التي يحبها الله تعالى؛ (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ولله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41}) (الحج).

والمؤمنون يحافظون على نعمة النصر بالعبادة والاستغفار والصدقة والدعاء، وترك الذنوب وسد الخلل وإصلاح العيوب واستشعار أنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، والنصر من الله تعالى وحده ليس بحولهم ولا قوتهم؛ (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

والحمد لله رب العالمين.

المرجع

1- ألفاظ النصر والتمكين في القرآن الكريم - دراسة دلالية، د. عبدالوهاب محمد علي العدواني، وعماد عبد يحيى.

الخميس, 20 أكتوبر 2016 10:42

زمرة القلب الواحد ونور الأخوَّة

تتنوع التغييرات والتحولات في حياة المسلمين بشكل عام وحياة الدعاة بشكل خاص، لما يعانيه الدعاة الصادقون المخلصون من رغبة صادقة في التغيير نحو الأفضل والأحسن لذواتهم وواقعهم؛ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)} (فصلت).

لذا وجب النصح والتناصح للتخلص من شوائب قد تعلق بالقلوب فتكون راناً مع الزمن يورث غفلة وقسوة وخشونة في التعامل والألفاظ والظنون يربأ عنها عوام المسلمين، فضلاً عن الدعاة العاملين الصادقين، فإذا كانت المؤسسات تنادي للعمل بروح الفريق الواحد، فقد نادى علماؤنا ومربونا منذ القدم بضرورة المحافظة على زمرة القلب الواحد، ونقلوا أنوار زمرة القلب الواحد.

الكفوف بالكفوف

فاشهدوا عهودنا

الثبات في الصفوف

والمضاء والفنا

زمرة الخير هم العدة في البلاء والزينة في الرخاء، إخوان صدق وثلة إيمان وموكب رائد واعد، تنهض بهم الأمم، وتعتمد عليهم المجتمعات والأوطان، تحلّوا بالصبر واليقين فكانوا قادة في الدنيا وأئمة في الدين وهم بالله ولله ومع الله.

مع الله في سبحات الفكر

مع الله في لمحات البصر

مع الله حال احتدام الخطر

مع الله في الرهط والمؤتمر

مع الله في حب أهل التقى

مع الله في كره من قد فجر

إنها أخوّة العقيدة التي يكفي تمثلها في فئة قليلة، تورثها بالتعليم إلى خلف يواصل إحياءها.

وإنها أخوّة العمل التي تتخطى الألوان والأقوام، وتمزج العاملين معاً.

أخوّة لا تعرف الفراغ بل هي تهجم على مظان العمل ومقر الإنجاز والإنتاج والدعوة والتجميع، أخوّة سلمت من الظنون والتجسس والغيبة؛ فانتظمت زمرة رائدة واعدة مقتبسة من الفضيل بن عياض حين قال حكمة: «من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن؛ سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس؛ سلم من الغيبة».

وهذا ما قرره الأستاذ حسن الهضيبي يرحمه الله حيث قال: «وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلماً حقاً إلا إذا أصبحت عقيدته جزءاً لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه، فيكون عادلاً مع الناس جميعاً، ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه، فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم، ولا يلمزهم، فإن أكثر الشرور تنشأ عن مثل ذلك».

ويقول يرحمه الله تعالى: «إذا ظهرت الغيبة ارتفعت الأخوّة في الله..».

وإننا لنحتاج إلى أنوار الطاعات والقربات حتى نهزم داء الهوى العاصف بأخوّتنا التي هي مصدر عزنا وقوتنا.

يقول أبوبكر الحكيم الوراق يرحمه الله تعالى: «إذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم القلب ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر ساء الخُلق، وإذا ساء الخُلق أبغضه الخَلْق».

وكم نحس بذلك إذا أغوانا الشيطان وأغرانا الهوى فتطاول بعضنا على بعض بلفظ خشن وبسوء أدب لم نعرفه أيام الابتداء الزاهرة، وبسوء ظن لُبّس علينا فيه تحت ذريعة الحرية في النقد تارة ومصلحة الدعوة تارة أخرى، وإذا دققت فلا ترى جمال النقد ولا عذوبة الحرية ولا مصلحة الدعوة، إنما تجاذب إغواء وإغراء وتلبيس إبليس!

يقول محمد أحمد الراشد حفظه الله: هي سلاسل مقيدة موثقة، كما أنها سلاسل متتابعة متوالدة، تلك العيوب الثالمة الثالبة، تشل صاحبها عن حيوية في الخير وحراك، وتشده إلى أرض الجمود.

ولا يفك قيود هذه السلاسل وتلك الأغلال إلا سمو روحيٌّ عميق، وإقبال على الطاعات، وتوبة نصوح من الذنوب، ووقفة مع النفس وتكميلها بالمحاسبة الجادة، وإجبارها بالمجاهدة للصعود إلى مراقي الفلاح منشداً:

خل الذنوب صغيرها

وكبيرها فهو التقى

واصنع كماشٍ فوق أرض

الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة

إن الجبال من الحصى

ويؤكد الراشد في «الرقائق»: الأخوّة شعار دعوتنا.

التسبيح في دقائق الأسحار الغالية، والتعامل الأخوي الإيماني؛ ركيزتان متلازمتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وعينان نضاختان تسكبان خيراً للدعاة لا ينضب.

والشاعر إقبال يسير مع زمرة القلب الواحد فيضفي شعاعاً نورانياً أخوياً يؤكد فيه وحدة القلب مع وحدة اللفظ:

نحن من نعمائه حلف إخاء

قلبنا والروح واللفظ سواء

ونحن في مؤسستنا الدعوية لنحتاج هذه القيم والأنوار زاداً ودعماً لتعزيز معايير التميز والقلب الواحد والفريق الواحد، التي وصفها إقبال:

كل فرد بأخيه ائتلفا

مثل در في سموط ألفا

لفهم في عيشهم معترك

كل فرد بأخيه ممسك

من جذاب تتوالى الأنجم

كوكب من كوكب مستحكم

ونختم جولتنا مع التابعي مالك بن دينار يرحمه الله تعالى الذي يعتبر الأخوّة روح الدنيا فيقول: «لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة؛ لقاء الإخوان، والتهجد بالقرآن، وبيت خال يُذكر الله فيه».

المصدران

1- محمد أحمد الراشد، الرقائق.

2- محمد أحمد الراشد، العوائق.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top