مبارك الدويلة

مبارك الدويلة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 21 أكتوبر 2018 16:02

وما زال التدليس مستمراً

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم كله بقضايا الساعة وأحداثها، وتبلغ فيه القلوب الحناجر لهول المصائب، يستمر الليبراليون ورموز العلمانيين بأشغال الناس بتوافه الأمور، ممارسين أسلوب التدليس أحياناً والافتراء أحياناً أخرى!

كتب أحد مثقفيهم في أكبر صحيفه كويتية وأكثرها انتشاراً ما يلي:

"لا شك أن هناك عزوفاً متزايداً لدى الشباب من الجنسين عن القضايا الدينية بسبب كم الفتاوى غير المنطقية.. ومنها رضاعة الكبير وأكل جزء من لحم المرأة حية حال الجوع القاتل بدلاً من تركها للمغتصبين..."، بالله عليكم، متى طرحت هذه القضايا على الساحة الإعلامية؟ ومن سمع بها غير صاحبنا وأتباعه؟ وهل ورود توافه الأمور في سؤال عابر على مدعي المشيخة يكفي لتعميمه واعتباره ظاهره تستحق الكتابة حولها والحديث عنها، أم إنه كره الدين، والظاهرة الدينية التي جعلته ينقب في كتب الخرافات وقنوات الإثارة لعله يمسك شيئاً ينتقد فيه الإسلام ولو بالباطل؟!

ويستمر صاحبنا في التدليس دون رادع أخلاقي ليدعي أن ظاهرة المؤامرة التي يقودها الغرب ضدنا انتشرت بين الشباب لدرجة "طفشتهم" من الالتزام الديني لعدم واقعيتها، ويضرب مثلاً على ذلك مقولة أن مواليد الإناث مؤخراً أكبر من مواليد الذكور في بلداننا العربية والإسلامية! وهذه مؤامرة على مستقبل دولنا! بالله عليكم، من قال بهذه المقولة الساقطة؟ وما مدى انتشارها لدرجة جعلت الشباب "يكتشفون حالة الزيف والخداع في شعارات المتدينين وبالذات قادتهم".

هذا الأسلوب يكون أوضح عندما يكون الليبرالي ملحداً أو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولذلك تجده أحياناً يقول كلاماً يفضح تدليسه وافتراءاته على الدين، ومنها عندما يتحدث عن العمل الخيري ويقول: "ومع هذا نجد أن الغرب وليس غيره هو الأكثر اهتماماً بنهضة أفريقيا وتقديم المساعدات لها"، ثم يختم مقالته بهذا التساؤل: "ماذا فعلت الدول العربية النفطية من أجل أفريقيا؟"، ولو اطلع على تقارير لجنة مسلمي أفريقيا وجهود المرحوم بإذن الله عبدالرحمن السميط فيها واستمرار هذه الجهود في عهد ابنه عبدالله أقول: لو كان منصفاً غير مدلس لذكر ذلك، لكنه التعامي والصدود عن الحقيقة التي تستدعيها الأمانة الصحفية، كما أن لجنة الرحمة العالمية التي كافأتها الحكومة بتحويلها إلى جمعية نفع عام مؤخراً لها نشاط دعوي وتنموي لا يقل عن لجنة مسلمي أفريقيا، حيث بناء المدارس والمساجد والمنازل وحفر الآبار وتوفير المستشفيات وغيرها، وبصراحة أكاد أجزم أن صاحبنا يعلم يقيناً بكل ذلك، لكن ضياع أمانة النقل وتعمد تشويه الخصم والفجور في خصومته يجعله يدلس ويفتري دون رادع!

قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) (النمل: 14)، صدق الله العظيم.

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الإثنين, 15 أكتوبر 2018 11:23

تدليس الملاحدة

تعودنا على تدليس العلمانيين والليبراليين وافتراءاتهم على الإسلاميين والدعاة إلى الله، وفي الكويت اتَّبع غلمان العلمانية أسلوب «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس»، ولعلنا نذكر ادعاءهم أن وزارة التربية كانت تحت قيادة التيار الإسلامي وتسببت في تردي مخرجات التعليم، وعندما استرجعنا أسماء قياديي الوزارة منذ تأسيسها إلى اليوم اكتشفنا حجم افترائهم بعد أن تبين أن معظم هؤلاء القياديين من أصحاب التوجهات الليبرالية!

إلى هنا والأمور مهضومة، كما يقول الإخوة اللبنانيون، لكن تعال "شوف" عندما يكون المدلس ملحداً! هنا يكون الافتراء والتدليس بدرجة تتجاوز أخلاقيات المهنة، لأن الملحد هنا يمارس أسلوب "الغاية تبرر الوسيلة"! ويفجر حقده على الظاهرة الدينية في قياسات غير منطقية القصد منها تشويه الصورة الناصعة للدين والمنتمين إليه!

يقول أحد هؤلاء: إن المتدينين الذين يعملون في مجال العمل الخيري كثير منهم "حرامية"! قياساً على سرقة وافد مبلغاً مالياً من إحدى اللجان الخيرية، وهذا تدليس واضح، لأن القياس على حادثة هنا وأخرى هناك لا يقدح في سلامة العمل الخيري الذي نطقت بنزاهته وقوة تأثيره الإيجابي في أدغال أفريقيا وسهول بنجلاديش وجبال أفغانستان ومخيمات اللاجئين في بلاد الشام وأقاصي آسيا الوسطى والقفقاس (القوقاز) والبلقان والعديد من البلدان!

ومن إسقاطاتهم المشينة اعتبار "داعش" نموذجاً لمخرجات التيارات الإسلامية والجماعات الدعوية، وهم يعلمون قبل غيرهم أن «داعش» صناعة الاستخبارات الغربية ومباركة "السافاك" الإيرانية، لكن هؤلاء الملاحدة يروجون لأفعال هذه المنظمة الإرهابية لتشويه أهل السُّنة والجماعة! والدليل على ما نقول أن نظرة سريعة لنتائج ظهور هذا المسخ المسمى "داعش" نجد أن تهمة الإرهاب تم لصقها بالإسلاميين في كل مكان، وأنه جرى التضييق على المسلمين وعلى ممارستهم شعائرهم في كثير من دول العالم!

والملحد يكره رؤية المظاهر الإسلامية تنتشر بين الناس، ويصيبه ضيق تنفس وهو يرى الإسلام ينتشر في أوروبا والصين وأستراليا، ولذلك تجده يحذر دائماً من الظاهرة الدينية وخطورتها على تطور المجتمعات، فينتقد الحجاب ويسخر من اللحية، ويطالب بإغلاق المدارس الدينية ويراها سبب تخلف الأمة! لأنه يرى الدين "أفيون" الشعوب، لهذا لا نستغرب عندما يكتب أحد هؤلاء مقالات عدة يدعي فيها كذباً وزوراً وتجنياً على العلم والحقيقة أن أصل الإنسان قرد، وأن الله لم يخلقه على هيئته كما ذكر القرآن بل تطور من حيوان زاحف إلى حيوان يمشي على رجلين! مع أن الله ذكر في القرآن: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {4}) (التين).

سيستمر الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيذهب الملاحدة إلى مصيرهم الذي وعدهم الله؛ (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً) (الزمر: 71)، عندها سيعلمون أنهم كانوا مخالفين للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فاقد الشيء لا يعطيه

عندما يتحدث كاتب عن الفضيلة، وينتقد المتدينين وأخلاقياتهم، ويشوه صورتهم في مقالاته "بالطالعة والنازلة"، هنا تتوقع أنه نموذج رباني بالأخلاق، وتسري الفضيلة في دمه، لكن المشكلة عندما تكتشف فجأة أنه بخلاف كل هذه الفضائل، وأنه يبعد عن الاستقامة بعد السماء عن الأرض، هنا لا تملك إلا أن تشكر حميداً الذي وضع النقاط على الحروف، ونتمنى بعد اليوم ألا نقرأ له في المدينة الفاضلة شيئاً، وأن يبلع العافية أبرك له!

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 30 سبتمبر 2018 15:37

صدق وهو كذوب

في مقابلتي التلفزيونية على قناة "العدالة" قبل أسبوع، كنت أتحدث عن مخطط قديم لشرق أوسط جديد، وذكرت فيما ذكرت أن إيران سُمح لها بالتمدّد في العراق وسورية من دون مقاومة تُذكر من الغرب لتشكيل الهلال الشيعي، وتصبح "تل أبيب" في مرمى نيران مدفعية الحرس الثوري! وذكرت أن هذا الوضع سيرعب الدول الخليجية، وبالأخص السعودية والكويت والبحرين، التي سترفع شعار «أوقفوا الزحف الإيراني» مع حملة إعلامية عالمية لتهيئة المنطقة لحرب مقبلة، طرفاها الظاهران إيران ودول الخليج!

وخلصت في حديثي إلى أن أمريكا ستضرب إيران من خلال الآلة العسكرية "الإسرائيلية" التي ستبدو للشعوب أنها منقذتهم من الزحف الإيراني، وأنها -أي "إسرائيل"- أرحم للعرب من إيران الطائفية!

بالأمس، وفي الأمم المتحدة، وأثناء كلمة «النتن ياهو» أمام الجمعية العمومية، استعرض هذا الخبيث مواقع مصانع «حزب الله» في لبنان، واستمر في شحن الرأي العام العالمي ضد إيران، وهذا أمر متوقّع، لكن المفاجئ في كلمته أنه قال: «مع تمكين إيران تم التقارب بين "إسرائيل" وعدد كبير من الدول العربية»! لاحظ كلمة «تمكين»، مما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن إيران تم تمكينها من احتلال العراق والتواجد المؤثر في سورية! وسمح لها بفعل كل المجازر في هاتين الدولتين، إمّا دعماً للحشد الشعبي في العراق وإمّا تمكيناً للنظام الدموي «البعثي» في سورية! وطبعاً هذه هي خلاصة هذا التحرّك الصهيو - أمريكي، إنهاء المقاطعة والتطبيع مع دولة الصهاينة وإنهاء الصراع العربي - "الإسرائيلي" وإيجاد شرق أوسط جديد! وبما أن إيران تحكمها أيديولوجية طائفية تتبنّى منهج تصدير الثورة؛ فلذلك لا نتوقّع أن تخرج بسهولة من هذا القمقم الذي أدخلتها أمريكا فيه، وستكون هناك حرب سريعة تنهي تواجد حكومة آية الله في طهران، بعد تدمير برنامجه النووي، لكنها ستُنشئ واقعاً جديداً في المنطقة، ولا أستبعد أن يتم تكليف التيار الليبرالي والرموز العلمانية في المنطقة بالمطالبة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وبما أن التيار الإسلامي الوحيد والقادر على وقف هذا المخطط الصهيو - عربي مشلول بعد «شيطنته» من معظم دول المنطقة، فلذلك من المتوقّع أن ينجح العلمانيون في ترسيخ المصالح الصهيونية في المنطقة وتحقيق الحلم الأمريكي القديم/الجديد برؤية «حكماء بني صهيون» يتجوّلون في أسواق دول عربية معزّزين مكرمين!

أبطال لا مجرمون

في الوقت الذي يخطط فيه أعداء الأمة للنيل من كرامتنا وتهديد أمننا ومستقبلنا، يتبجّح البعض برؤية عدد من أبناء الوطن يعيشون في المنفى، ويسميهم «المجرمين الهاربين»!

إن الوطن اليوم في أمسّ الحاجة إلى جهود هؤلاء الشباب وإعادتهم إلى المشاركة مع إخوانهم لبناء الوطن، هذه الإعادة التي ستشكل نموذجاً رائعاً للحمة الوطنية، وقد حان الوقت لتحديد أولوياتنا كمجتمع يعيش وسط حقل ألغام قابل للانفجار في أي لحظة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية دور الإرادة السامية لتحقيق ما نصبو إليه!

بداية سيئة

كما توقّعنا، كتب أحد أعضاء مجلس إدارة هيئة حقوق الإنسان في الكويت، والمعيّن حديثاً، مقالةً في "القبس" يطالب فيها بقمع أحد مكوّنات المجتمع الكويتي، ومقتدياً بإحدى دول المنطقة!

فاقد الشيء لا يعطيه!

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 23 سبتمبر 2018 12:20

حتى المحاصصة محرومون منها!

في الغالب، عندما يتم تشكيل حكومة تكون المحاصصة هي المحور الذي يدور حوله التشكيل، فتتم مراعاة مكونات المجتمع الكويتي الصغير من عوائل وقبائل وتيارات سياسية وتجمعات مهنية وهكذا، وفي الغالب كان التيار الإسلامي الوسطي والمحسوب على الحركة الدستورية الإسلامية يُستَبْعَد من معظم الحكومات، باستثناء عدد من التشكيلات التي لا تصل في مجموعها إلى عدد أصابع اليد الواحدة، واثنان منهم تم فصلهما من الحركة بعد التوزير أو أثنائه! لذلك لم يجد خصوم التيار لتغطية كذبتهم بأن التيار ابن الحكومة المدلل وهم أمام هذه الحقيقة إلا نسب كل من هو متدين أو محافظ من الوزراء إلى الحركة!

قد نتقبل هذا الوضع، بل تقبلناه على مضض، لكن أن يتم استبعاد التيار من كل تشكيل على مستوى الهيئات والمؤسسات الحكومية بل حتى اللجان التخصصية! هذا صراحةً أمر مستغرب وفيه تجن وظلم لتيار يعتبر الأعرض والأوسع والأكثر انتشاراً، ويكفي أنه مع الحملة الإعلامية الجائرة ضده استطاع إيصال عدد من مرشحيه للبرلمان فاق أعداد كل القوى السياسية المشاركة في الانتخابات، بل فاق أعداد ممثلي بعض القبائل الكبيرة!

وقد يقول قائل: إنكم خالفتم توجهات الحكومة مؤخراً! وللحقيقة خطنا السياسي لم يتغير منذ وجودنا، بل يتأقلم مع الأجواء السياسية في حدة المعارضة وقوتها مداً وجزراً حسب ما نراه يتوافق ومصلحة المجتمع، لكن المبادئ ثابتة في وسطيتها واعتدالها، لدرجة أن خصومنا احتاروا في طبيعة التهم التي يلفقونها علينا دائماً، فمنهم من يتهمنا بأننا الابن المدلل للحكومة كما ذكرت، والبعض الآخر يتهمنا بالتطرف والعنف لدرجة اتهامنا بالإرهاب! والحمد لله على العقل!

بالأمس شكلت الحكومة هيئة لحقوق الإنسان، وهو أمر جيد ومطلوب أن تدعم الحكومة حقوق الإنسان، لكن الأغلب من الشعب انصدم من نوعية اختيار أعضائها، ومع احترامي وتقديري للجميع، ومع أن البعض منهم مناسب للعضوية في هذه الهيئة، لكن الأغلب لا أظنه يستطيع أداء الدور المنتظر منه، إما بسبب الخبرة أو بسبب تجربة سابقة له! فأحدهم لنا معه تجربة في لجنة شعبية لحقوق الإنسان وقد أثبت فشلاً ذريعاً فيها، وها هم يعيدونه ولكن بصفة رسمية، حتى قال الناس: "ما بهالبلد غير هالولد"!

الحكومة تحتاج إلى إعادة النظر في أسس تشكيل هيئاتها، إن كان من غير الممكن إصلاح تشكيلها نفسه، فتبتعد عن المحسوبيات، وتتجرد من الضغوط، وتختار على أساس القوة والأمانة «إن خير من استأجرت القوي الأمين» ولا تحرم نفسها من كفاءات بقية التيارات، صحيح قد لا يوافقون توجهاتها أحياناً، لكن –رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي– وأكبر خطأ أن أشترط لمن يكون عضواً أن يسير وفقاً لهوى مسؤول في الوزارة أو في مجلس الوزراء!

كفاءات عالية تمتلئ بها الكويت، لكنها لم تعط فرصة لخدمة الإدارة الحكومية ومؤسساتها، والسبب أن أسس الاختيار الحكومي لا تنطبق عليها، ولعل هذه الأسس هي السبب في تخلفنا الذي نعيشه الْيَوْمَ في الوقت الذي سبقنا فيه الآخرون!

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 16 سبتمبر 2018 17:27

دروس من عاشوراء

في السنوات الأخيرة، وأثناء حملة التضييق على التيار الإسلامي المعتدل في الكويت، وعلى مؤسساته الخيرية، تم إغلاق عدد كبير من فروع جمعية الإصلاح الاجتماعي، وعدد آخر من لجان الزكاة، مع إن معظمها كان مرخّصاً ترخيصاً رسمياً من وزارة الشؤون! وعندما كانت الجهات الدعوية للتيار تطلب إقامة أسبوع دعوي في أحد المساجد، غالباً ما يتم رفض الطلب، وعندما يتم أخذ الإذن لدعوة أحد الرموز الدينية من الخارج لإلقاء محاضرة في الكويت يحال الطلب إلى الجهات الأمنية وهناك «روح دور طلبك!».

ومع هذا كنّا ندور السلامة، ونسكت؛ لأننا نعلم حجم الضغط على الدول لمزيد من التضييق على كل ما يمت للمتدينين بصلة، وخاصة توجه الحركة الدستورية الإسلامية، أو جمعية الإصلاح، وندرك أبعاد هذه الحملة الظالمة على هذا التيار بسبب وسطيته واعتداله الذي أحرج خصومه، لدرجة أنهم لم يجدوا حلاً لمواجهته إلا بـ«شيطنته» ونعته بالإرهاب!

هذه الأيام تمر علينا ذكرى عاشوراء ومذبحة الحسين (رضي الله عنه وأرضاه)، وسبط رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومع إنها مليئة بالعبر والمواعظ التي يجب أن تستفيد منها الأمة اليوم، فإنني لن أكرر ما ذكره الخطباء والمحاضرون، وسأتحدث عن موضوع مقدمة هذا المقال!

خلال شهر كامل تقريبًا ستقام المجالس الحسينية في عدد كبير من الأماكن المنتشرة في عموم البلاد، يقيمها عدد ممن تم استقدامهم من العراق وإيران، وستنتشر مظاهر الحداد، وهنا أنا لا أعترض على شيء، بل أتمنى أن نرى المواعظ الدينية والدروس التثقيفية وجمع التبرعات للمشاريع الخيرية موجودة في كل مسجد، وليس فقط في الحسينيات، لكن الذي يحز في نفسي أن أرى فروع الجمعيات الخيرية تغلق ولجان الزكاة التابعة لها تسكر، بينما في كل عام نشاهد نفس الأعمال متاحة لغيرنا! لكنني أصدقكم القول: إنني عندما اطلعت على تصريح لأحد النواب بالأمس يستنكر اعتراض البعض على جمع التبرّعات بالحسينيات، مدعياً أنها لا تخضع لرقابة وزارة الشؤون وليس لديها ترخيص من هذه الوزارة؛ لذلك ليس لأحد حق الرقابة أو التفتيش على أماكن العبادة هذه! عندها أدركت أن الأمور عندنا تسير غالباً بالأهواء، وليس بالقانون!

هذا الموضوع نتحاشى ذكره في كل عام، خوفاً من نعتنا بأننا أصحاب فتنة أو باحثو إثارة، لكن الأمور وصلت إلى حد لا يمكن السكوت عنه، بعد أن قام بعض النواب يتبجّحون بأنهم يعملون من دون ترخيص ومن دون رقابة أي جهاز من أجهزة الدولة!

كلنا ندرك جيداً أن إرسالك خمسة دنانير، ولو عن طريق البنك، يتم سؤالك: من أين؟ وإلى أين؟ بل كلنا سمعنا عن جمعية تم سحب ترخيصها لأنها جمعت تبرعات نقدية في أحد المساجد! لذلك، عندما نعرف حجم الاستثناءات غير المبررة يشعر الإنسان بالغبن؛ لأنها كلها دور عبادة، وكلها جمع تبرّعات!

نحن لا نطالب بوقف التبرعات في الحسينيات، بل نطالب بأن تكون القرارات المنظمة تطبّق على الجميع! فإن اعتبرت الحسينيات دور عبادة يجب أن تكون مراقبة من وزارة الأوقاف وخاضعة لأنظمتها، وإن تم اعتبارها مؤسسات دينية وليست دور عبادة يجب أن تخضع لوزارة الشؤون! وكما أن هناك رقابة على تحويل الأموال في عموم البلاد، فمن الطبيعي أن تكون هناك رقابة على أموال الحسينيات التي يتم تحويلها خارج البلاد.

لا نعارض إعطاء المذهب الجعفري خصوصية في التشريعات، ووفق علمي هذا موجود، لكن هيبة الدولة وسلطتها يجب أن تُطبّقا على الجميع.

 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 02 سبتمبر 2018 12:45

حان وقت التغيير

بعد تكرار «سقوط المزيد من الضحايا في الكلية العسكرية التابعة لوزارة الدفاع»، أصبح لزاماً على الأخ الوزير إجراء تغيير سريع في هيكل الوزارة وفي خطط الكلية لتفادي المزيد من سقوط الضحايا الأبرياء!

باعتقادنا، أول خطوة على الوزير اتخاذها أن يُوقف عن العمل من له علاقة في الكلية العسكرية من حيث القبول فيها إلى الفحص الطبي إلى التدريب في ساحاتها إلى التدريس فيها، ثم إعطاء اللجنة التي شكلت أثناء كتابة هذه السطور، الحيادية وعدم توجيهها أو التدخل بعملها من أحد، على أن يتم إصدار تقريرها خلال فترة قصيرة.

عقلية السبعينيات التي مازال يتبنّاها معظم المسؤولين في وزارة الدفاع يجب أن تتغيّر، النموذج المستورد (لنظام منظم) والتدريب في الكلية العسكرية والقائم على الضغط النفسي والإجهاد البدني لم يعد مفيداً في زمن الحرب الإلكترونية! وما نسمع عن أسلوب الشتم والسباب والاستفزاز للمشاعر وعدم مراعاة المشكلات الاجتماعية للمتدرّب لا تصلح لتخريج عسكري متوازن عقلياً ونفسياً، بل قد تساهم في تخريج عسكري مطيع ذليل ومنكسر النفس داخلياً، وجاهز للانتقام في أي لحظة! صحيح.. قد تكون هذه المنهجية نافعة في السابق، ولكن اليوم نحن أمام جيل مختلف، جيل الإنترنت والريد بول والوجبات السريعة آخر الليل!

ما حدث للطالبين المتوفيين مؤخراً يوجب اتخاذ إجراءات صارمة وقاسية في حق المتسبّبين، خصوصاً فيما يتعلق بقصص سمعتها شخصياً من ذوي الفقيد، وأتمنى عدم دقتها!

ولا أخفيكم امتعاضي مما بدأنا نسمعه من أن الفقيدين كانا مريضين (!!) فلماذا لم تظهر عليهما بوادر المرض وتداعياته في السنتين الأولى والثانية؟ علماً بأنهما في السنة الثالثة!

أتمنى أن تكون هذه الحادثة آخر الحوادث، وهذا لن يتم ما لم نحسن التصرّف منذ اليوم الأول، وإلا «فلا طبنا ولا غدا شرنا..»!

نهاية رجل عظيم

صالح الفضالة رجل فاضل، وصاحب تاريخ ناصع البياض سياسياً واجتماعياً، ومن عائلة معروفة أباً عن جد، ولا أظنه يحتاج مني شهادة! لكن هذا كله لا يمنع أن أقول: إنه لم يوفق في إدارة ملف «غير محددي الجنسية»؛ ففي عهده زاد عدد «البدون»، وزادت معاناتهم، وفي عهده تعرّضت الكويت لانتقادات شديدة من اللجان الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي عهده بدأنا نشعر بالحرج من وجود معاناة «البدون» الإنسانية، فزادت أعداد العاطلين من «البدون» بعد عدم تجديد بطاقاتهم الأمنية، وتبعاً لذلك زادت جرائم «البدون»، وشعرنا بأنهم قنبلة موقوتة، ولأول مرة تصدر قرارات من الجهاز المركزي لـ«البدون» تطالب الجمعيات الأهلية واللجان الخيرية، بل حتى المدارس الأهلية الخاصة، بعدم التعامل مع «البدون» الذين لم يجددوا بطاقاتهم الأمنية! ظنّاً منهم بأن هذه أفضل وسيلة للضغط عليهم لاستخراج جوازات دول أخرى! ومع هذا لم نشاهد إلا المزيد من المعاناة لـ«البدون» والمزيد من العناد من اللجنة.

أعتقد حان الوقت للأخ الكبير أبو يوسف بأن يترجل من هذا المنصب، ويفسح المجال لمن لديه استعداد للحل الإنساني في بلد الإنسانية.

 

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الثلاثاء, 28 أغسطس 2018 15:04

تكاثرت الظباء..!

زميل وجار لنا في صفحة "اتجاهات" بـ"القبس" يتبلى علينا بين فترة وأخرى، ولا نستطيع أن ننفذ فيه وصية شاعر الكويت الكبير صقر النصافي عندما قال في نصيحته لأولاده:

والقصير (يقصد الجار) امشوا بحقه لو تجي منه المشقة

وإن كثر بالقلب دقه طوّ (اهدم) بيتك واشلعه

لكننا بدلاً من أن نشلع البيت ونطويه سنحاول التعليق على بعض ما ورد في مقالته من ابتلاءات، شجعنا بذلك مقال مشابه لجار آخر نُشر أمس الإثنين!

البعض مع الأسف يعتقد أن ما يكتب سيصدقه القرّاء ولو كانت مخالفته للحقيقة واضحة، فتجده يوحي أن تيار الحركة الدستورية الإسلامية ما زال على تواصل مع مكتب الإرشاد للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين! وهو شخصياً يدرك أن ذلك غير صحيح! ودليله الذي قدمه للقراء أنني أكتب دفاعاً عن الإخوان!

ومن جرأة البعض بالباطل ادعاؤهم بأن فساد التعليم بسبب تيار الإخوان بينما كان التعليم ممتازاً والمناهج كانت معتدلة (قبل أن نبتلى ويكتم أنفاسنا الفكر الثوري القومي الفاسد والمنهزم)! ويبدو أن جارنا مضيّع، فما علاقة تيار الإخوان المسلمين بالفكر الثوري القومي المنهزم؟! لقد أصبحت مقولة: إن الإخوان مشكلة التعليم في الكويت أسطوانة «مشروخة»، بعد أن أدرك الجميع أن التيار الليبرالي هو من تولى وزارة التربية منذ نشأتها إلى يومنا هذا!

(فنساء الحضر بالعباءة والبوشية ونساء البدو بالعباية والبرقع، هذه هي جذور أهل الكويت قبل أن نبتلى بكم)! تعرفون المثل اللي يقول: «يمشي مطفي ليتاته»؟ هذا حال صاحبنا، فهل يقصد أن تيار الصحوة في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات نزعوا العباية والبرقع من النساء؟ الذي يعرفه الجميع أن تيار الصحوة جاء بالحجاب الإسلامي الذي انتشر بين نساء الكويت بسرعة البرق لوجود فطرتهن الدينية، ومع هذه الصحوة المباركة انحسر لباس «الميني جوب» واللباس الفاضح، ومع الصحوة اختفت مزارع سلوى ومحلات مكينزي!

(كانت الفتيات سافرات محتشمات.. قبل أن تكتموا أنفاسنا)! هذه صدقت فيها «قبل أن تكتموا أنفاسنا» فعلاً مما نتج عن الصحوة المباركة انزعاج الكثير من خصوم الدين الذين شعروا بضيق في التنفس نتيجة مشاهدتهم لترسيخ مبادئ الفضيلة والتضييق على مصادر الرذيلة! الصحوة التي بسببها انتشرت ظاهرة الندوات الدينية وأشرطة الكاسيت التي حلت محل أشرطة الأغاني الماجنة، فصار الشباب يتدافعون على ندوات الشيخ حسن طنون، والشيخ حسن أيوب، والشيخ طايس الجميلي، والشيخ أحمد القطان، والشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، الصحوة الإسلامية التي حفظت النشء من خلال رحلات العمرة وحلقات القرآن والأسابيع الثقافية في المساجد، الصحوة التي عندما دخل شبابها مجال العمل السياسي في الثمانينيات طالبوا باحترام الدستور وساهموا في ترسيخ حرية الرأي وطرحوا القوانين الداعمة للحريات العامة من دون الإخلال بمبادئهم الدينية، فوقفوا ضد مشروع الحكومة لتعديل الدستور في مجلس 1981، وعارضوا حل مجلس 1985، ولَم تتغير مبادئهم كما فعل الليبراليون ودعاة العلمانية الذين سقطت أقنعتهم مع أول هزة أثناء ثورات "الربيع العربي" ضد الأنظمة الدكتاتورية والحكومات القمعية! ومن سخافة تبريرهم لهذا الموقف المتخاذل قولهم: إنها كادت تصل إلى بعض دول الخليج (!!) وهم يعلمون خصوصية هذه الدول واختلاف شعوبها وحكامها عن بقية الأنظمة القمعية!

هذه هي أجواء الصحوة الإسلامية التي قادها تيار الإخوان المسلمين وتيار السلف الصالح، واليوم يأتي من يعلن تحديه لمن يذكر له فائدة واحدة جنتها الأمة من تيار الإخوان المسلمين على مدى تسعين عاماً!

يا زميلي، أنت لست أهلاً لهذا التحدي، فقد تحديناك في عدة مقالات في "القبس" ولَم تجرؤ على قبول تحدينا لك! وتحديناك للمناظرة التلفزيونية مع الزميل عبدالوهاب العيسى ورفضت! فاترك التحدي لأهله، واليوم أتحداك أن تخبرني عن ماذا قدم التيار العلماني والليبرالي للعالم العربي منذ ظهوره مع "سايكس – بيكو" إلى الْيَوْمَ؟ ماذا قدم سوى الهزائم والتخلف والحكم الاستبدادي؟ ماذا قدمت حكوماته غير التجاوزات المالية والسرقات المليونية؟ ماذا قدم مفكروه غير الطرح التحرري والتجرد من أخلاقيات الأمة؟ مائة عام كاملة لم يكن للإخوان المسلمين ولا للسلف ولا لغيرهم دور في تقرير مصير الشعوب، وكانت الأدوار فقط لمن يحمل فكراً ضد الدين والتدين، ومع هذا كانت المائة عام ممتلئة بالمآسي والنكبات! حتى عندما وصل الإخوان إلى الحكم عن طريق الانتخابات لم تستطيعوا تحملهم والتعايش مع الرأي الآخر، وعندما تم الانقلاب عليهم عسكرياً لم تخجلوا وتصمتوا بل بررتم وأيدتم! ويأتيني الْيَوْمَ من يقول: ماذا قدم الإخوان للأمة؟ يا أخي أنا ألاقيه منك وإلا من جاري الثاني!

تكاثرت الظباء على خراشٍ

فما يدري خراشٌ ما يصيد

 

 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 26 أغسطس 2018 10:51

مَن يغرق مع ترمب.. إذا غرق؟

عاصرت فترة «ووترجيت» بين عامي 1973 - 1974م عندما كنت أدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الفضيحة التي أسقطت الرئيس الأمريكي نيكسون عندما تجسّس على الحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي!

وما أشبه الْيَوْمَ بالبارحة!

ها هو الرئيس ترمب يواجه اعترافات أقرب مساعديه بالحملة الانتخابية، التي تكشف فضائح سوء سلوك هذه الحملة وإساءتها للخصم المنافس واستعمال المال السياسي بطرق غير مشروعة، ناهيك عن بعض القضايا اللاأخلاقية المصاحبة لهذه الحملة! ما يجعل محاكمة قضية عزله أمراً حتمياً!

العالم كله يترقّب ما سيحدث في المقبل من الأيام لهذا الرئيس، الذي أشغل العالم وأزعجه بتصريحاته اللامسؤولة، وبقراراته المتضاربة والخالية في كثير منها من الحكمة والموضوعية، ونحن العرب وأمة الإسلام جزء من هذا العالم ونترقّب، كما هم يترقّبون، ليس لأننا ننتظر أن يأتي رئيس يحابينا أو يراعي مصالحنا، أبداً فلن يأتي إلى البيت الأبيض إلا من يقدم مصالح "إسرائيل" على مصالح أمريكا نفسها، لكننا نتأمل في أن يكون أقل سوءاً!

اليوم تزداد أهمية تسارع الأحداث في واشنطن عند بعض الذين يربطون مصيرهم ومصير مخططاتهم بوجود ترمب من عدمه!

أوروبا تتمنى زواله بسبب سياسته معها في قضايا الاتفاق النووي مع إيران وفِي حلف شمال الأطلسي، والصين تتمنى إقالته بسبب سياساته الاقتصادية المتهورة ورفع الضرائب على صادراتها لأمريكا، وكذلك تركيا التي تحمّل واشنطن مسؤولية محاولة الانقلاب الفاشلة!

أما نحن العرب فننقسم إلى قسمين؛ قسم يرى أن ترمب جاء لينهب أموال العرب، وبالذات دول الخليج، وأنه إذا استمر في سياساته المعلنة فسيؤدي إلى إفلاس بعض دول الخليج النفطية، ولعل أقرب مثال لهذه السياسة مطالبته دول الخليج بتحمّل تكاليف تواجد القوات الأمريكية في سورية وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب! وكلنا نعرف أن الدمار الذي نشاهده في المدن السورية نتيجة البراميل المتفجّرة التي تلقيها قوات النظام على المدن والأحياء السكنية، وما يتبقى منها يدمره الطيران الروسي أثناء قصفه المتواصل للمدن! وكان الأولى أن يطالب موسكو بإعادة إعمار هذه المدن! أما القسم الثاني فهو يعتقد أن هذا الـ«ترمب» هو الأنسب له ولمخططاته في المنطقة، وأنه لولا الضوء الأخضر الذي حصل عليه من واشنطن لما تمكن من إعادة المنطقة إلى المربع الأول وإثارة القلاقل والاضطرابات من جديد للمنطقة، بعد أن هدأت نتيجة سقوط الكثير من أنظمة القمع الدكتاتورية! لذلك، تجد هذا النوع من البشر لا يتمنى غياب شمس ترمب، فغيابه يعني غياب هذه الأنظمة التي عاثت في الأرض فساداً، وغرقه مقدمة لغرق هذه الرموز معه، مع إنني شخصياً أعتقد أن نائب الرئيس الأمريكي الذي سيحكم في حال عزل الرئيس هو يهودي الهوى والميول!

الحمد لله أن ترمب نصراني، وإلا لخرج علينا من أبناء جلدتنا من يعترض على انتقادنا لسياسة العم ترمب بحجة أنه ولي أمر مثلاً!

ما أكثر من سيغرق مع ترمب، ويومئذٍ سيُهزم الجمع ويولون الدبر!

 

 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 19 أغسطس 2018 12:30

من يملأ الساحة بعد الإخوان؟

يقول عادل إمام في إحدى مسرحياته يصف حالة المشاركة في الفوضى بعلم ومن دون علم «واللي يحب النبي يضرب».

هذا المشهد تذكرته وأنا أشاهد حالة الفوضى النفسية والفكرية في تحميل جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية كل ما يحدث من جرائم وإرهاب وتخلف وتقصير في الخدمات نواجهها في حياتنا منذ أحداث "الربيع العربي"!

بعد أحداث سبتمبر 2001م، بدأت الحرب على الجماعات المتطرفة حتى تم القضاء عليها، وعندما ثارت الشعوب الجائعة والمقهورة على الاستبداد والظلم، وجدوها فرصة للقضاء على الجماعات المعتدلة، بحجة أنها وراء انتفاضة هذه الشعوب الهائجة، فأوجدوا لهم «داعش»، وبحجة القضاء على «داعش» تم القضاء على التيار الإسلامي المعتدل، بعد شيطنته وتكميم أفواه دعاته، فقتلوا من قتلوا، وسجنوا من سجنوا، حتى أصبح الحديث عن الفكر المعتدل جريمة يعاقب عليها القانون! ولَم يبق في الساحة الإسلامية إلا تياران: تيار لا يرى الإسلام إلا في طقوس وروحانيات تأخذه إلى الملأ الأعلى كما يتخيل، وتيار يتبنى قاعدة فرعون «لا أُريكم إلا ما أرى»، فما يقوله السلطان هو الحق الذي يجب أن يُتبع «وإن زنى وإن سرق في اليوم نصف ساعة»!

اليوم تعيش الأمة "فوبيا" الإخوان، فكل من ينتقد الفساد والظلم هو «إخوانجي متطرف»، وكل من يطالب بحرية الرأي وحرية التعبير هو من حزب الإخوان! وإن فكرت أن تنتقد الصوفية أو الجامية، فأنت بالتأكيد من الجماعة إياها، حتى إن أوباما عندما انتقد النظام القمعي في سورية خرجت علينا الناشطة السياسية الفلتة وأكدت أن أوباما من الإخوان المسلمين!

اليوم حتى المظهر الخارجي للإنسان يتم التصنيف وفقه، فتشاهد الكثير من الأشقاء العرب إذا أراد أحدهم العودة إلى وطنه في الإجازة الصيفية يحلق لحيته خوفاً من تصنيفه، علماً بأنه لا ينتمي إلى أي تيار!

اليوم أي إنسان ذي خلق ودين إذا تم اختياره لأي منصب إداري انتشر الذباب الإلكتروني يلطم في كل مكان، لأن "إخوانجياً" تم تعيينه في منصب قيادي! ولا أبالغ إن قلت: حتى الديمقراطية والانتخابات لأي جمعية أو نقابة كرهوها وكرّهوا الناس فيها لأنها ممكن أن تأتي بالإخوان!

اليوم انحسر التيار الإسلامي المعتدل من الساحة، وحلّت محله تيارات لا علاقة لها بما يدور حولها إلا الدعاء: عاش الوالي ومات الوالي.. فماذا كانت النتيجة؟ امتلأت السجون في معظم الدول العربية بأصحاب الرأي الحر، وانتشر الفساد المالي والأخلاقي في كل مناحي الحياة، وخفت صوت الآمرين بالمعروف وعلا فحيح الآمرين بالمنكر، وأصبح الحرامي هو المرتاح، والمخلص هو الشقي! وها نحن نشاهد أحرار الأمة بين مشرد من وطنه ومطارد أو مسجون مقهور! بينما حرامية الملايين يتسكعون في شوارع لندن وضواحي باريس!

البعض كان يعوّل على التيارات الليبرالية أن يكون لها دور في هذه المرحلة، ولكن تأييدها للجريمة منذ بدايتها نزع عنها ثوب الوطنية والنزاهة وأفقدها مصداقيتها عند عامة الناس، كذلك بعض التيارات الطائفية كشفت عن وجهها القبيح عندما أظهرت تأييدها لكل ما تفعله إحدى الدول الطائفية من جرائم ضد الإنسانية في العراق وسورية!

اليوم وفي هذه الظروف تنطلق دعوة من ديوان الأخ الكبير أحمد السعدون لتأسيس تيار شعبي جديد للمحافظة على مكتسبات الأمة، ونحن بدورنا نبارك هذه الخطوة الرائدة، ونتمنى أن تكون إضافة إيجابية للساحة السياسية المحلية وداعماً لمسيرة الإصلاح المتعثرة.

 

 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الأحد, 12 أغسطس 2018 13:09

طاعة ولي الأمر

كثر الحديث في السنوات الأخيرة، وبالذات بعد مرحلة «الربيع العربي»، عن مفهوم وجوب طاعة ولي الأمر وما يستلزم ذلك من عدم جواز الخروج عليه! واستنفرت وسائل الإعلام الرسمية في معظم دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج ومصر وسورية وغيرها! وظهر لنا علماء ومشايخ، بعضهم لم نسمع بهم من قبل يؤكدون حرمة الخروج على ولي الأمر، خصوصاً بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي واستقرار الأمور لخلفه! وظن البعض أن «الربيع العربي» سيمتد إلى بعض دول الخليج فبادروا بضربات استباقية لبعض التكتلات السياسية، وشيطنوا البعض الآخر، وشدّدوا الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقيّدوا الحريات العامة بقيود غير مسبوقة، وفتحت السجون والمعتقلات في بعض الدول العربية، وامتلأت أروقة المحاكم بقضايا النشر والانتماء إلى أحزاب محظورة، وأصبحت بعض الدول سجناً كبيراً الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود!

نحن في دول الخليج لم نكن في حاجة إلى كل هذه الإجراءات لخصوصية أنظمة الحكم عندنا؛ فالحكم هنا عشائري أو عائلي، والشعوب الخليجية راضية بحكم هذه العوائل؛ لأنها عنصر استقرار للبلد، والجميع يدرك أن زوال هذه العوائل يعني الفوضى والخراب وضياع الأمن والاستقرار.

هذه الحقيقة -مع الأسف- لم يكن يدركها بعض من كان يخطط لبعض هذه العوائل الحاكمة، فأوحى لهم بضرورة ضرب هذه التيارات قبل أن يستفحل أمرها!

قد يقول قائل: إن هذه التيارات خرجت في تظاهرات ومسيرات في الكويت، ولولا استعمال القوة معها لحدث ما لم تحمد عقباه! ونقول: إن هذا الفهم هو أساس المشكلة التي نعاني منها اليوم وسبب تخلّف بلداننا وتعطل التنمية لدينا! فالجميع يدركون أن المسيرات -ولم تكن تظاهرات- كانت سلمية، ومطالبها معلنة ومشروعة، حيث كانت تطالب بمحاربة الفساد الذي استفحل في تلك الفترة، وكان يقودها عدد من ممثلي الأمة من النواب ومن مختلف التوجهات السياسية، ولما تم التعامل معها بالعنف غير المبرر لجأت إلى الاعتصامات بهدف توصيل رسالتها! وكلنا نذكر "دواوين الإثنين" في نهاية عام 1989 ومطلع عام 1990م، حيث كانت اعتصامات تنادي بالإصلاح وعودة العمل بالدستور، ولم يقل أحد: إنها كانت تسعى إلى الحكم.

الخلاصة؛ لا تجد كويتياً عاقلاً يطالب بتغيير أسرة الحكم، ولا يوجد تيار سياسي كويتي يضع ذلك ضمن أهدافه، بل أقصى ما يطمحون إليه الإصلاح والنزاهة وتطبيق القانون على الجميع، وأظن أن هذه القاعدة تنطبق على معظم مواطني دول الخليج وقواه السياسية، إن وجدت.

لذلك، نتمنى ألا يزايد علينا علماء البلاط بالتأكيد المستمر على حرمة الخروج على ولي الأمر، فهذا الموضوع من أبجديات العمل السياسي لدينا، وطاعة ولي الأمر متمثلة طوال مسيرتنا السياسية، مع التأكيد على عدم الخلط بين الصدع بالحق وإنكار المنكر والمطالبة بالإصلاح وبين معصية ولي الأمر، فاليوم بسبب هذا الخلط المتعمد تتم المطالبة بالسكوت عن كثير من أوجه الفساد وقبوله كأمر واقع! وانظروا إلى واقعنا اليوم تجدوا أن ما كان يميزنا من هامش جيد للحريات العامة واحترام الرأي الآخر قد فقدناه بسبب بعض بدع الفتاوى من اعتبار ذلك من معصية ولاة الأمر!

 

 

(*) ينشر بالتزامن مع صحيفة "القبس" الكويتية.

الصفحة 1 من 17
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top