د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بدعوةٍ من الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة، وتحت عنوان "الوعد الحق"، "فلسطين بين وعد بلفور والوعد الإلهي"، وتحت شعار "معاً نقاوم.. معاً ننتصر"، التقى في العاصمة اللبنانية بيروت، عاصمة المقاومة العربية، وقلعة الصمود التاريخية، التي هزمت مقاومتها الكيان الصهيوني وطردته، وأخرجته من أرضها ودحرته، وأدبته بعزم رجالها وأوجعته بقوة سلاحها، وأفشلت مخططاته بوعيها، وأسقطت مشاريعه بيقينها، وصمدت أمام تحالفاته وبقيت، وقاتلت جيشه وما وهنت، وأثبتت للعالم هشاشة جيشه وضعف كيانه، وأن بيته وإن بدا قوياً وظهر منيعاً فهو بالنسبة لها أوهى من بيت العنكبوت وأضعف.

ازدانت بيروت بثوبٍ قشيبٍ ولا أزهى، وازيَّنت بصورةٍ بهيةٍ ولا أروع، وتزنرت بقلادةٍ مزخرفةٍ ولا أبدع، إذ التقت فيها ثلةٌ من علماء الأمة الإسلامية، وجمعٌ كريمٌ من أئمتها، يمثلون أكثر من سبعين دولةً عربيةً وإسلاميةً، ويشكلون طيف الأمة الإسلامية العظيمة ومذاهبها السمحة، وأفكارها المعتدلة، ومفاهيمها المتزنة، واجتهاداتها الواعية، تدفعهم فلسطين وإليها يندفعون، ومن أجلها يجتمعون ويلتقون، فهي ناظمة العقد، وجامعة الكلمة، وموحدة الأمة، وموجهة البوصلة، وهي الحق الذي لا زيف فيه، والهدى الذي لا ضلال بعده، والرشد الذي لا سفه يعيبه، فهي آيةٌ في كتاب الله تتلى، وقرآنٌ إلى يوم القيام سيبقى، وفيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء.

التقى الجمع العلمائي الموحد الرؤية والمسدد الوجهة والاتجاه، في الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، الوعد الباطل المكذوب، الذي أسس للظلم وبنى للبغي على أرض فلسطين كياناً، وجعل للصهاينة في أرضنا مكاناً، في ظل غفلة العرب وضعفهم، وتفكك المسلمين وانشغالهم، حيث تآمرت بريطانيا والمستعمرون في حينها معها، على الأمة العربية والإسلامية، فاقتطعوا بوعدٍ باطلٍ وعقدٍ فاسدٍ جزءاً عزيزاً من أرضنا العربية، ومنحوا بغير حقٍ أرض فلسطين لمرابين قذرين وسياسيين فاسدين، وجعلوها لليهود وطناً وسكناً، وداراً ووطناً، متجاوزين بذلك الحقوق والعهود، ومخالفين للقوانين والأصول، إذ أخرجوا من فلسطين شعبها، واستجلبوا إليها غرباء من غير أهلها، ووافدين أجانب إلى أرضها، فاستوطنوا فيها واستولوا عليها، وطردوا أهلها ودنسوا مقدساتها، وغيروا معالمها وشطبوا هويتها، وزوروا تاريخها وبدلوا ثقافتها.

وعد بلفور هو الذي أسس للظلم، وهيأ لحالة عدم الاستقرار في المنطقة، عندما زرع البريطانيون في أرضنا جسماً غريباً عنّا، ووطنوه في أرضنا رغماً عنّا، ومكنوه بالسلاح، وعززوه بالقوة، وحصنوه بالسياسة، وما زالوا يكلؤونه بالرعاية ويكفلونه بالوصاية، ويغدقون عليه بالمساعدة، ويتعهدونه بالتفوق والتميز، وهم يعلمون أنه يستقوي بهم على أصحاب الحق، ويرهب بسلاحهم سكان الأرض، ويهدد بدعهم دول المنطقة وشعوبها.

ولعل بريطانيا قديماً واليوم، تتحمل كامل المسؤولية عن هذه الجريمة النكراء، التي هي أكبر جرائم العصر وأشدها قبحاً وسوءاً عبر التاريخ، ويشاركها في جريمتها دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، الذين سكتوا عن فعلتها وقبلوا بها، بل أيدوها وساندوها، وتعاهدوا معها على حماية الكيان الصهيوني وتحصين وجوده، وضمان أمنه وسلامة مستوطنيه، وتأمين مستقبله والحفاظ على مصالحه.

اليوم وبعد مائة عامٍ على هذه الجريمة، ينبغي على حكومة بريطانيا أن تتراجع عن هذا الوعد، وأن تعتذر لشعب فلسطين وللأمة العربية والإسلامية عنه، وأن تعلن أسفها عن خطأها التاريخي وجريمتها الكبرى ضد المسلمين خصوصاً والإنسانية جمعاء، وأن تبادر من موقعها في مجلس الأمن الدولي ومعها الولايات المتحدة الأمريكية إلى المباشرة في إبطال مفاعيل هذا الوعد، وإعلان فساد الكيان الذي نشأ عليه وعدم شرعيته، في الوقت الذي يجب عليها أن تعوض الفلسطينيين عما أصابهم، وأن تعيد إليهم حقوقهم المغتصبة وأرضهم المحتلة وممتلكاتهم الضائعة، وسيادتهم المفقودة في وطنهم وأرضهم التاريخية فلسطين.

وعلى العالم الحر والإنسانية الحضارية أن تحاكم بريطانيا على جريمتها، وأن تعاقبها على فعلتها، وأن تحاسبها عما ارتكبت في حقنا، وأن تدين السياسيين على جرمهم القديم وسلوكهم المشين، وألا تبرؤهم من بشاعة ما اقترفوا، وهول ما قاموا به، خاصةً بعد تصريحات رئيسة الحكومة البريطانية التي أعلنت فيها فخرها بدور بلادها في تأسيس الكيان الصهيوني، واحتفت بإحياء الذكرى المئوية لـ"وعد بلفور"، ورفضت الاعتذار إلى الشعب الفلسطيني، لهذا فإن على المحاكم الدولية أن تعيد النظر في هذه الجريمة، وأن تكيفها قانوناً وتصدر أحكامها فيها وفقاً لحجم الضرر الذي نشأ عنها، والآثار السلبية التي لحقت بالفلسطينيين جميعاً، والأضرار التي تعرضوا لها وجعلت منهم لاجئين مشتتين، ونازحين مطرودين من أرضهم.

وعليها أن تدعو اليهود الذين وفدوا في ظل انتدابها، وجاؤوا إلى فلسطين مهاجرين إليها واستوطنوا فيها، مستفيدين من سلطاتها ومستغلين تعاطفها، إلى مغادرتها فوراً، والعودة إلى بلادهم التي جاؤوا منها وأوطانهم التي ينتسبون إليها، في الوقت الذي يجب عليها أن تعيد المواطنين الفلسطينيين إلى أرضهم، وأن تمكنهم من العودة إلى ديارهم ومدنهم وبلداتهم وقراهم، التي دمرها الكيان الصهيوني وأخرجهم منها، وعليها أن تعلن عن بطلان كل الإجراءات التي بنيت على هذا الوعد الباطل، وفساد كل التشريعات التي تلته واستندت عليه، وعدم شرعية ما تم البناء عليها، وعدم قانونية التغييرات التي جرت على أرض فلسطين التاريخية كلها، وهي الأرض التي كانت تحت سيطرة الانتداب البريطاني منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى.

لكن الحقيقة أنه لا شيء يبطل "وعد بلفور" وينهي مفاعيله، ويعيد فلسطين إلى أهلها سوى المقاومة، التي تبدو اليوم فتيةً عنيدةً قويةً، تقف في مواجهة العدو الصهيوني شامخةً، وتتحداه وتهدده، وتصده وتمنعه، وتخيفه وتردعه، وترعبه برسائلها وتقلقه بإشاراتها، وتجمده مفاجآتها في أرضه وترعده تصريحاتها، إذ باتت المقاومة تراكم القوة، وتعد العدة، وتجهز للمواجهة، وتحذره من مغبة المغامرة وعاقبة المجازفة، فهي مقاومةٌ لم تعد تصد عدوانه وحسب، وتقاتله على أرضها وتكتفي، بل باتت تهدده في حصونه، وترعبه في مستوطناته، وتتوعده حيث يكون، وتنصحه بالرحيل والمغادرة، فهذه الأوطان ليست له، وهذه الأرض ملكٌ لأصلاء غيره، وأصحابها يتمسكون بها وإليها مهما طال الزمن سيعودون، وفيها سيعيشون، ولها من رجسهم سيحررون.

 

للتواصل:

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تبدي بعض الحكومات الأوروبية التي أشرفت على بناء مشاريع صغيرة أو كبيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأنفقت عليها أموالاً ضخمةً جبتها من جيوب مواطنيها الذين يؤدون الضريبة لها، ويتخلون عن بعض رفاهيتهم من أجلها، غضبها الشديد مما ترتكبه الحكومة "الإسرائيلية" بحق مشاريعها، التي أقدمت عليها بعد نيلها الموافقة الرسمية عليها، وباشرت بتنفيذها وفق دفتر الشروط الأمنية "الإسرائيلية"، ورغم ذلك فإن جيشها يقوم من وقتٍ لآخر بتدمير هذه المؤسسات، وقصف المقرات، وإفشال المشاريع، وتفتيت الجهود الكبيرة التي بذلتها.

كأنه ليس هناك ثمة حرمةٍ أو حصانةٍ للمشاريع الأوروبية والأممية، رغم القوانين التي تحميها والاتفاقيات التي ترعاها، إذ ليس هناك محرمٌ لدى الكيان الصهيوني، ولا يوجد لدى جيشه مناطق ممنوعٌ عليه العمل فيها، أو قصفها وتدميرها، فكل شيء أمامه مشروع وله هدفٌ، وما من دولةٍ أوروبية إلا استباحت "إسرائيل" حرمتها واعتدت على سيادتها، فدمرت مشاريع مولتها، وخربت مؤسساتٍ تديرها، وصادرتٍ أموالاً حولتها، واعتقلت فلسطينيين وظفتهم فيها، وطردت مواطنين يحملون جنسيتها.

ولعل الحكومة البلجيكية واحدة من بين العديد من الحكومات الأوروبية التي أبدت غضبها وعبرت عن استيائها الشديد من ممارسات جيش الاحتلال، الذي أقدم على تدمير مدارس ومؤسسات أنشأها الاتحاد الأوروبي بتمويل وإشراف من حكومتها، وطالبت الحكومة البلجيكية سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بدفع تعويضات كاملة لها، وإعادة بناء ما دمرته، وتعهدها بعدم المساس بهذه المؤسسات في حال أعيد بناؤها، أو غيرها من المؤسسات القائمة أو تلك التي هي قيد التأسيس والتشييد.

وقد بدأت بعض الجمعيات والمؤسسات الحقوقية الأوروبية، بالتعاون مع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بدراسة جدوى تقديم شكاوى ضد سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" إلى محكمة الجنايات الدولية، وإلى المحاكم الوطنية في بلادهم، يطالبونها بعد إدانتهم للجرائم التي يرتكبها جيشها، بتقديم تعويضاتٍ كاملة عن الأضرار التي تسبب بها هذا الجيش، وتمكين الجهات الراعية والممولة من إعادة ترميم أو بناء ما دمروه.

كثيرةٌ هي مشاريع دول الاتحاد الأوروبي مجتمعةً أو متفرقةً في فلسطين المحتلة، وهي مشاريعٌ متنوعة الأشكال ومتعددة الوجوه، منها المؤسسات التعليمية والهيئات الإنسانية، ومنها مشاريع متعلقة بمياه الشرب وأخرى بمياه الصرف الصحي، وصناديق مالية صغيرة لإعادة البناء والتأهيل وإعمار ما دمره العدوان "الإسرائيلي"، وهنالك اهتمام بشؤون المرأة ومشاكل الطفل والأمومة، وذوي الحاجات الخاصة، والأمراض المزمنة وغيرها مما يصنفه الاتحاد الأوروبي بأنها مشاريع إنسانية مدنية لا علاقة لها بأي أعمال عسكرية، وليس من شأنها تعزيز أو مساعدة القوى الفلسطينية المقاومة، وأنها لا تعود بالنفع المباشر أو غير المباشر عليها.

لكن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تحاول دوماً التشكيك في براءة وسلامة هذه المشاريع، وتتعمد إثارة الشبهات حولها وجمع المعلومات المريبة عنها، لتثبت لدول الاتحاد الأوروبي أن هذه المشاريع مشبوهة، وأنها تشكل غطاءً وستاراً لأعمال مقاومة "تخريبية" ضدها، وأن المنظمات الفلسطينية تستغل الحصانة التي تتمتع بها هذه المشاريع، وتستفيد من مميزاتها الأممية، وتستخدمها كمخازن لأسلحتها ومعبراً لأنفاقها، أو ملاجئ لقيادتها، أو مقراتٍ لاجتماعاتها، أو تقوم باستخدام الأطفال وتلاميذ المدارس دروعاً بشرية، وغير ذلك من المهام التي تضر بأمنهم، وبذا تمهد الطريق لقصفها وتدميرها، أو لتجميدها وتعطيلها ومنع وصول المساعدات الأوروبية والأممية إليها.

وقد قام جيش الاحتلال بارتكاب جرائم دولية موصوفة ضد هذه المؤسسات المصنفة بأنها دولية وأممية، والمحمية بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية التي توفر لها الحصانة والحماية حتى في ظل الحروب الشاملة، فضلاً عن المعارك المحدودة التي تخضع للسيطرة والتحكم، وتتبع القرار السياسي والمسؤولية القانونية للجهة المعتدية، ولم يستثن جيش الاحتلال من غاراته المدمرة المدارس ومؤسسات التموين والإغاثة التابعة للأونروا، التي ترفع علم الأمم المتحدة، وتدار من قبل موظفين أمميين تابعين لها وخاضعين لسيادتها.

وقد عجز المسؤولون الدوليون عن حماية هذه المؤسسات وتحييدها عن العمليات الحربية "الإسرائيلية"، رغم اقتناعهم بأن التنظيمات الفلسطينية تحترم خصوصيتها، وتحافظ على امتيازاتها، ولا تخرق حصانتها، ورغم ذلك فإن جيش العدو يعتبرها إحدى مقومات البنية التحتية للشعب الفلسطيني، وحاضنةً لمجتمعه المدني المقاوم، ولهذا يستهدفها باستمرارٍ ويدمرها، ويطالب الأمم المتحدة ودول أوروبا بتفكيكها وعدم السعي لترميها أو تجديدها، ويمارس ضغوطه عليهم ويسوق الوسطاء إليهم ليستجيبوا لمطالبه.

ولعل المجزرة الدموية التي ارتكبها جيش العدوان في مدرسة الفاخورة بمخيم جباليا إبان عدوانه على القطاع عام 2008-2009، خير شاهدٍ على الجرائم النكراء الذي يرتكبها بحق المؤسسات الأممية، إذ استهدف بجريمته هذه مئات العائلات الفلسطينية المدنية التي هربت من عمليات القصف، ولجأت إلى مدرسةٍ تتبع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" وترفع علمها، إلا أن قذائف مدفعية دباباته وصواريخ طائراته لم ترحم المدنيين، ولم تصن حقهم في اللجوء إلى مقرات الأمم المتحدة الآمنة، وهذه الجريمة تذكر بمجزرة قانا الكبرى التي ارتكبها بحق المدنيين اللبنانيين خلاله عدوانه على لبنان عام 2006، حيث استهدفت دباباته أحد مقرات قوات الأمم المتحدة المتعددة الجنسيات، فقتلت المئات ممن لجأوا إليها واحتموا فيها.

وبعيداً عن الحروب والمعارك وعمليات القصف والتدمير، تقوم سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" في مناطق عديدة في الضفة الغربية بهدم أو إغلاق العديد من مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، الممولة تحديداً من دول الاتحاد الأوروبي، وتعتقل العاملين فيها، وتصادر أوراقها ومستنداتها وأموالها وحواسيبها، بحجة أنها بنيت من غير ترخيص، وأنها تخالف القوانين العسكرية "الإسرائيلية" المرعية الإجراء.

في الوقت الذي يصدر المجتمع الدولي تقاريره الدورية عن حجم مساعداته الإنسانية للشعب الفلسطيني، ويفتخر بالمؤسسات التي يديرها، والمشاريع التي يقيمها، والمساعدات التي يقدمها، ويقف عاجزاً عن لجم جيش الاحتلال "الإسرائيلي" وكبح عدوانه، ويسكت عنه وهو يراه يرتكب جرائم بحق مؤسساته ومقراته، ويدمر مشاريعه ويفسد خططه، ويهدر أمواله ويبدد طاقاته، ويعرض حياة العاملين معهم للخطر.

يعلن الفلسطينيون أنهم في حاجةٍ إلى مشاريع دولية إنمائية وإنسانية، غوثية وتشغيلية، صحية وتعليمية، تأهيلية وتدريبية، لكنهم في حاجةٍ أكبر إلى حمايةٍ أممية من هذا العدو المتغول عليهم، المعتدي على حياتهم، المفسد لخططهم، والمدمر لمشاريعهم، الذي لا يحترم الاتفاقيات الدولية ولا يراعي الحرمة الأممية، وإلا فما قيمة هذا الدعم المعرض للقصف، وهذه المشاريع المهددة بالتخريب، وهذه الأموال المعرضة للمصادرة، فهم في غنىً عن الوعود الكاذبة والأماني المعسولة والأحلام المغشوشة.

للتواصل:

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


• اليوم الحادي والأربعون للإضراب...


أثبت الأسرى والمعتقلون رغم أنهم معزولون ومنفيون في السجون والمعتقلات، بين جدران الزنازين وخلف الأسلاك الشائكة والأسوار العالية، وفي عمق الصحراء وبعيداً عن مناطق سكناهم، أنهم أكثر تأثيراً من دبلوماسية الكيان الصهيوني، وأعظم أثراً من وسائل إعلامهم المسمومة وأبواقهم الزائفة، وأقلامهم الملوثة، وأن صوتهم الخافت الذي لا يكاد يصدر من بين شفاههم التي يبسها الجوع والعطش، وأضناها الإضراب والعذاب، أعلى من كل أصواتهم، وأبلغ من كل خطبهم، وأقدر على الوصول إلى كل المنابر وجميع المنصات، وأن محاولاتهم المحمومة لمنعهم أو التأثير السلبي على إضرابهم قد باءت كلها بالفشل، ولم تجدِ في تبهيت قضيتهم، أو لفت الأنظار عن معاناتهم، أو حجب الأضواء عن إضرابهم، فلم يستمع إليهم إلا المنحازون لهم والمؤيدون لظلمهم، ممن يمدونه بالسلاح لقتلنا، ويدعمونه بالسياسة للفتك بنا.
فقد شهدت مختلف العواصم الغربية وكندا وأستراليا ومدن الولايات المتحدة الأمريكية، مسيراتٌ ومظاهراتٌ واعتصاماتٌ حاشدةٌ، شارك فيها مواطنوها الأصليون واللاجئون إليها، تؤيد الأسرى والمعتقلين، وتدعو إلى احترام حقوقهم وتحسين شروط اعتقالهم، وعدم المس بكرامتهم أو إيذاء إنسانيتهم، رغم أن الدبلوماسية الإسرائيلية قد نشطت في الخارج، على مستوى السفراء والمبعوثين الرسميين، وآخرين موفدين لهذه الغاية فقط، حيث عملوا على تشويه نضال الأسرى والمعتقلين، ونزع الصفة الإنسانية عن مطالبهم وإضفاء المسحة السياسية عليها، واتهامهم بأنهم يهدفون من وراء إضرابهم إلى فرض شروطٍ سياسية على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، بل إنهم يمعنون في الإساءة إلى الأسرى والمعتقلين عندما يصفون إضرابهم بأنه معركة فلسطينية داخلية، وأنه يأتي نكايةً بالسلطة الفلسطينية ورئيسها، ويدعون بأن قطاعاتٍ كبيرة من السلطة تعارض الإضراب ولا تؤيده، وتنسق معها لتطويقه والسيطرة عليه.
لكن إصرار الأسرى على مطالبهم، وثباتهم على موقفهم، وتمسكهم بحقوقهم، وانضمام العديد إليهم والتحاق جميع التنظيمات بهم، جعل دول العالم كلها تصغي إليهم وتتابع قضيتهم وتواكب إضرابهم وتستمع إلى مطالبهم، رغم أنهم بإضرابهم المفتوح عن الطعام يقتربون من الموت، ويعرضون حياتهم للخطر، ويزيدون من احتمالات إصابة أجهزتهم الداخلية بأعطابٍ وأعطالٍ وظيفيةٍ، ولهذا فقد أصبح لإضرابهم مصداقية كبيرة، ولمطالبهم تقديراً ولحقوقهم احتراماً، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى الاهتمام بقضيتهم، ورفع الصوت دبلوماسياً وإعلامياً لحث حكومة الكيان على الاستجابة لهم وحمايتهم بموجب اتفاقيات جنيف الدولية.
لكأن السجون والمعتقلات باتت منبراً بكل اللغات، يبث منها الأسرى والمعتقلون معاناتهم على كل الموجات، فلا يصدهم أحد ولا تحجب القوانين تردداتهم ولا تقوى على منع بثهم الوجداني والإنساني والسياسي، وهو الأمر الذي بات يحرج الكيان الصهيوني وإن بدا أنه غير مكترثٍ أو معنيٍ بالضغوط الدولية، أو أنه لا يعاني أصلاً من أي ضغوطٍ أو طلباتٍ، إلا أن زيارة حليفهم الأكبر والمدافع الأول عنهم دونالد ترامب، قد كشفت عن أن بعض مساعديه قد طلبوا من حكومة نتنياهو دراسة طلبات الأسرى الفلسطينيين والاستجابة لها، ومن المؤكد أن هناك من فريقه من قال لهم أن هذه القضية باتت تحرجهم، وأن استمرار إضراب الأسرى يقلقهم ويحول دون قيامهم بتقديم مبادرتهم السياسية الموعودة.
استطاع الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، أن يرفعوا علم فلسطين فوق المباني الدولية السيادية، وعلى أعلى المنصات العالمية، وأمام البلديات الكبرى، وفي الملاعب الرياضية وأثناء مباريات كرة القدم التي يشهدها عشرات آلاف المتابعين والمحبين لهذا النوع من الرياضة، كما استطاع المناصرون للقضية الفلسطينية أن يرفعوا صور الأسرى والمعتقلين أمام البرلمانات وعلى الطرق الرئيسة التي يرتادها المسؤولون الحكوميون، في الوقت الذي أعلنت فيه حكوماتٌ غربية وغيرها تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في بناء دولته وتقرير مصيره.
أما جنيف عاصمة الاتفاقيات الدولية الراعية لحقوق الأسرى وحقوق الشعوب الخاضعة للاحتلال، فقد أفردت جلساتٍ عديدةٍ ضمن مجلس حقوق الإنسان، لمتحدثين فلسطينيين وعرباً وغيرهم، لبيان قضية الأسرى والمعتقلين، واستعراض معاناتهم، وكشف ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضدهم، وتعريتها أمام القانون الدولي الذي تنتهكه ولا تحترمه، وما زالت جلساتها مفتوحة، يتحدث فيها المعنيون بكل اللغات، ويخاطبون كل الشعوب والحكومات، وما كان لهم أن يعتلوا هذه المنصات الدولية، ويرفعوا من فوق منابرها الصوت عالياً، لولا عدالة قضية الأسرى والمعتقلين وقدسيتها، ولولا المظالم الحقيقية والاعتداءات الفادحة التي يتعرض لها الأسرى على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وعلى الرغم من قيام نتنياهو بتكليف مساعديه في وزارة الخارجية، للقيام بأكبر حملة دبلوماسية لدى عواصم القرار الدولي، لتشويه إضراب الأسرى والمعتقلين والتعريض بهم، وإضعاف حجتهم وبيان عدم صدقهم، إلا أن هذه الحملة قد باءت بالفشل، وأعلن ديوان وزارة الخارجية الإسرائيلية أن دبلوماسييهم في السفارات الإسرائيلية في مختلف أنحاء العالم يعانون من عدم إصغاء المسؤولين لهم، أو عدم اقتناعهم بحجتهم، وأنهم يميلون إلى تصديق الرواية الفلسطينية وتكذيب الرواية الإسرائيلية، في الوقت الذي شكا السفراء الإسرائيليون المعتمدون والقائمون مقامهم، من استدعاءات وزارات خارجية البلدان التي يعملون فيها، حيث يبدون لهم انزعاجهم من ممارسة حكومة كيانهم لسياسة البطش والتنكيل بحق الأسرى والمعتقلين، ومن إهمال المسؤولين لمطالبهم وعدم الاستجابة إلى حقوقهم الأساسية التي تنص عليها القوانين وتصونها الاتفاقيات والمعاهدات.
لو أن قادتنا وحكامنا كانوا بصدق أسرانا وطهر معتقلينا ما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تيهٍ وضياعٍ، وهزيمةٍ وانكسار، وذلٍ وهوانٍ، ولو أنهم عرفوا مذاق التضحية وطعم الفداء، وطريق المقاومة، كنا قد حققنا أمانينا وحررنا أراضينا، ورفعنا أعلامنا الوطنية فوق تلال وربى بلادنا، ولفتحت أمامنا العواصم أبوابها، وأصغى إلينا الملوك والرؤساء، ولكن قادتنا لا يعرفون التضحية، ولا يتقنون الفداء، ولا يحسنون غير الكذب والرياء، والخنوع والاستخذاء، ولا تعنيهم بلادهم إلا بقدر استفادتهم منها وغنيمتهم من خيراتها، ومكاسبهم من مدخراتها وكنوزها، ولهذا كان أسرانا أكثر عزةً منهم، ومعتقلونا أنبل نفساً وأطهر روحاً منهم.
بيروت في 26/5/2017
https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • ·اليوم الرابع والثلاثون للإضراب

قد يستنكر البعض مقالي، وقد لا يعجبه كلامي، وقد يستغرب العنوان ويستهجن المضمون ولا يرضى بما جاء فيه، وقد أجد بعض النقد والاستنكار، وربما التشكيك والاتهام، وقد أتلقى تعليقاتٍ قاسيةً أو ردوداً غاضبةً، وهو ما وطنت نفسي عليه منذ أن قررت خوض غمار الكتابة الإعلامية، فمهنة عرض العقل على الناس يلزمها الصبر على ردودهم وتقبل ردود فعلهم، والحكمة في الرد عليهم والتعامل معهم، وقد آليتُ على نفسي الصبر واتساع الصدر، وتحمل الرأي الآخر والقبول به، شرط أن يكون موضوعياً ومهنياً وبعيداً عن الشخصانية وفي ذات الموضوع، بأدبٍ وخلقٍ دون إسفافٍ أم مهانةٍ.

قد يقول البعض: إن الوقت غير مناسبٍ لتسليط الضوء على هذه القضية، وإثارتها أمام الرأي العام المحلي والدولي، في وقتٍ نحن في أمس الحاجة إليه، ليتضامن معنا ويقف إلى جانبنا، ويساندنا ويتبنى قضيتنا، إذ إن عرض السلبيات وتسليط الضوء على العيوب في هذا الوقت بالذات قد يفقد الآخرين الثقة فينا، وقد يفضهم من حولنا أو يتسبب في انقلابهم علينا، ويرون بدلاً من ذلك أن نسلط الضوء على قضايانا الآنية الملحة، وشؤوننا الوطنية العامة، وأن نستر على بعضنا، ونخفي عيوبنا، وأن نطمس مخازينا، ونتجاوز عن أخطائنا، وأن نزين صورتنا ونحسن هيئتنا ونجمل مظهرنا، لنبدو أمام الآخرين بأجمل صورةٍ وأحسن هيئةٍ، فنضمن وقوفهم معنا وتأييدهم لنا، وإلا فإننا سنفقدهم ونخسر، وسيذهبون بعيداً عنا ونضعف.

إلا أنني وجدت أن أكتب في هذا العنوان بموضوعيةٍ وصراحةٍ، ومهنيةٍ وعلميةٍ، وباعتدالٍ دون غلوٍ، وعدلٍ دون ظلمٍ، غضباً وغيرةً، وحزناً وألماً، وحرصاً وخوفاً، وحكمةً ووعياً، رغم أن الجرح في الكف، والعيب في الأهل، والنقيصة فينا، والشتيمة ترتد إلينا، إلا أن الصمت عن الخطأ خطأٌ أكبر، وهو تكريسٌ لما هو أكبرٌ، وتأسيسٌ لما هو أخطر، لهذا وجب أن يعلو الصوت، وأن يلمس الجرح، وأن نضغط على مواضع الألم ولو تأذينا وصرخنا، إذ بدون ذلك فإننا نضحك على أنفسنا ونخدع شعبنا، ونزيد من خطورة المرض ونعمق الجرح ونبتعد عن الشفاء، ونزرع اليأس أكثر ونؤسس له في قلوبنا أعمق، ولهذا لا بد من الحديث فيما يراه البعض أنه نشرٌ للغسيل الخاص على الحبال، وإذاعةٌ للأسرار الداخلية في المذياع وعبر مكبرات الصوت.

يجب علينا أن نعترف بأن قوانا الفلسطينية وتنظيماتنا السياسية وفصائلنا المقاومة لا تولي إضراب الأسرى والمعتقلين عن الطعام الاهتمام الكافي، ولا تصنفه ضمن أولى اهتماماتها، ذلك أنها منشغلة بهمومها الداخلية ومشكلاتها الخاصة، ويهمها مراكمة الإنجازات وزيادة الأرصدة على حساب معاناة الشعب وضيق حال المواطنين، وهي لا تنسق فيما بينها، ولا تنظم فعالياتها، ولا تشارك بعضها، ولا تساهم في أنشطة غيرها، ويعنيها أن يكون نشاطها هو الأنجح وحضورها هو الأبرز، ولو كان ذلك على حساب صورة الأسرى الموحدة، وظاهرتهم النبيلة المشرفة.

ولعل السلطة الفلسطينية هي أكثر المتهمين قولاً وفعلاً، فقد شغلت الشارع الفلسطيني بانتخاباتٍ محلية، وخلقت أجواءً تنافسية محمومة، في الوقت الذي يخوض فيه الأسرى أعظم معاركهم النضالية، بينما رئيسها يطوف العالم، وينتقل من عاصمةٍ إلى أخرى، ولا يثير مع من يلتقيهم أزمة الأسرى وإضراب المعتقلين، ولا يطالب نظراءه بضرورة الضغط على حكومة الكيان الصهيوني، للاستجابة إلى مطالب الأسرى وتحسين شروط اعتقالهم وظروف حياتهم.

كما تتهم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع المخابرات "الإسرائيلية"؛ لمحاولة الالتفاف على الإضراب، للسيطرة عليه والتحكم فيه، في ظل النوايا المسبقة بعدم الاستجابة إلى مطالبهم، أو القبول بشروطهم، وقد كان بإمكان السلطة الفلسطينية أن تستغل إضراب الأسرى والمعتقلين لتضغط على حكومة العدو، وتفرض عليها شروطها بشأنهم، وتحقق من خلالهم إنجازاً وطنياً يحسب لها، ولكنها أهملت وربما تآمرت، وقصرت وربما خانت، وقد تكشف الأيام القادمة عن بعض الأسرار المخزية التي لا نعلمها.

وبعض القوى تتراخى في فعالياتها وتقصر في جهودها لأنها ترى أن هوية المضربين الحزبية معروفة، وأن السواد الأعظم منهم من أبناء تنظيمٍ واحدٍ، وإن التحق بهم آخرون من مختلف القوى والتنظيمات الفلسطينية، التحاماً معهم أو مساندةً لهم، إلا أن هذا لا ينفي إحساس البعض بأن الإضراب يقوده تنظيمٌ واحدٌ، ويتحكم فيه فصيلٌ بعينه، وأن الهدف من الإضراب سياسيٌ وليس حياتياً وإنسانياً، بل إنه لتعويم بعض الشخصيات الفلسطينية، وممارسة الضغط الدولي على حكومة الاحتلال للإفراج عنها وإطلاق سراحها، تمهيداً لأدوارٍ سياسية مرسومة لها، ومناصب قيادية موعودة بها، ومستقبلٍ منظورٍ قد أُعدوا له.

إن ما أراه من سلوكٍ فصائليٍ مريضٍ، وممارسةٍ سياسيةٍ عليلةٍ، وعقلياتٍ قيادية سقيمة، وسطحية فلسطينية رسمية ومزاجية تنظيمية غريبة، يجعلني أقف مشدوهاً أمام هذا الإهمال، ومصدوماً أمام هذه السياسة، ذلك أن هذا الوقت لا يجوز فيه الالتفات إلى المناكفات الشخصية والتنافسات الحزبية، والتناقضات المسلكية، والصراعات المصلحية، والمكتسبات النفعية، ولا لتسجيل المواقف الحزبية الضيقة، والانتصار إلى الذات والتخلي عن الوطني العام.

فهذا وقتٌ يجب أن يخصص بكليته لصالح الأسرى والمعتقلين، وفيه يجب أن نغض الطرف عن كل اختلاف، وأن نتجاوز كل مشكلة، وألا نقف عند أي مكاسب وهمية ومنافع شكلية، في سبيل أن تبقى قضية الأسرى والمعتقلين في المقدمة، تتصدر الأحداث، وتجذب إليها كل القوى والفعاليات، وتؤيدها الشخصيات والحكومات، وإلا فإننا نتحمل كامل المسؤولية عن إزهاق أرواح أسرانا، وعذاب نفوسهم ووهن أجسادهم، ويأس نفوسهم وإحباط قلوبهم، وإجهاض إضرابهم وهزيمتهم في معركتهم، علماً أنهم يعولون على شعبهم ويركنون إلى أمتهم، ولا يأملون خيراً من المتنافسين على السراب، ومن المتصارعين على التراب، وإنما أملهم في أهلهم الذين أنجبوهم، وشعبهم الذي أنشأهم، وإخوانهم الذين انتصروا لهم وانتفضوا من أجلهم.

للتواصل:

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top