سعد العتيبي

سعد العتيبي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 07 فبراير 2019 09:31

العمل الخيري ليس للفقراء فقط

 لقد خلق الله الإنسان وأمره بعبادته، فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56}) (الذاريات)، وكذلك أمرهم بمهمة أخرى هي إعمار الأرض، يقول الله تبارك وتعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ) (هود: 61)، وجعل أسباباً للقيام بهذه المهمة، ومن أهم هذه الأسباب العلم والعمل.

فبالعلم تدرك أسرار هذا الكون ونواميسه، وطـرق الاسـتفادة مما سخره الله للبشر، وبالعمل والجد والمثابرة يعمـر الإنـسان هـذا الوجود ويستفيد منه.

واقتضت حكمة الله جل شأنه أن يجعل وسيطاً يقوّم به الجهد والمردود، وبه تتبادل السلع والمنافع، وهو ما يعبر عنه في دنيا الناس بالمال، فالمال قوام الحياة، وهـو المحرك للجهـود البشرية نحـو الجـد والعطاء والتسابق في ميادين الحياة المتشعبة.

ومن هنا اهتمت الشرائع بتنظيم كسب المال، ووضعت له أطراً عامة في كسبه وإنفاقه وإمساكه، وجعلت فيه حقوقاً عامة، وحقوقاً خاصة، ليؤدي المال وظيفته التي أرادها الحق سبحانه وتعالى، ولئلا يكون وسيلة أثـرة ونزاع، بـل وسيلة قوام للحيـاة، وتكافـل في المجتمعات.

وقد حث القرآن الكريم والأحاديث النبوية في مواطن كثيرة على الإنفاق الطوعي والبذل والعطاء، ولكن بعض النفوس قد يدفعها حب المال إلى الإمساك والشح، فيحجب المال عن وظيفته ويجعله هدفاً لا وسيلة؛ لذا جعل الله فيه حقاً وواجباً محدداً في جميع أنواع المال من نقود وعروض تجارة أو محاصيل زراعية أو ثروة حيوانية بمقادير وشروط تعرف تفاصيلها كتب الأحكام.

ولأهمية هذا الحق جعله الإسلام أحد أركانه الخمسة وسماه الزكاة، لأنها سبب في تزكية النفوس وتطهيرها، فهـي تزكيـة لنفوس الأغنياء من الشح، وتنقية لنفوس الفقراء من الحقد والحسد وطهارة ونماء للمال.

ووضع مصارف لهذا الحق الذي لا يتجاوز 2.5% من المال، وهو بمعنى آخر يعبر عن الحد الأدنى لدفع الأموال لصالح المجتمع وفق المصارف الشرعية وليس الحد الأعلى في تقديم المساعدة، وهذه المصارف محددة كما ذكرت لكم في الآية الكريمة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {60}) (التوبة).

لن أخوض في تفاصيل مصارف الزكاة وما يترتب عليها من أحكام شرعية، إلا أن حديثي سيوجه الانتباه إلى أن الشريعة السمحاء حثت على صدقة التطوع من غير الزكاة فيما بقي من المال الذي تصل نسبته 97.5%، وليس لها من الضوابط الشرعية سوى تحقيق المنفعة والنية الصادقة، ولَم يحدد الفقه الإسلامي مصارف خاصة لها كما تكلم عن الزكاة، بل ترك تقديرها للناس، إلا أن هناك توجيهات نبوية عامة هي أقرب للتحسينات والتفضيلات الزمانية والقواعد العامة.

فما حدود هذه المنفعة؟ وهل للظرف الزماني والمكاني أثر؟ وما التوجيهات النبوية في مصرف الصدقات؟ لعل الله يعينني على أن أكتب مقالاً آخر أجمع فيه القواعد العامة لمصرف الصدقات.

الأحد, 08 يوليو 2018 10:52

«عولمة» العمل الخيري الكويتي

لقد أصبح من المهم نقل التجربة الكويتية الخيرية من المستوى المحلي في التواصل مع المتبرعين وتلبية رغباتهم ودراسة دوافعهم وتصميم المنتجات بما يتناسب من قدراتهم الاقتصادية إلى الاتجاه العالمي، من خلال تحويل مؤسسات العمل الخيري إلى مؤسسات دولية عابرة للحدود الوطنية.

اليوم وبعكس أي وقت آخر من تاريخ العالم، هناك نمو اقتصادي عالمي ملحوظ، ولأول مرة في تاريخ التسويق العالمي، فإن الأسواق في كل مناطق العالم هي أهداف محتملة لكل مؤسسة خيرية تقريباً على مستوى التكنولوجيا الفائقة والمستوى المنخفض من الخدمات التي يحتاجها العالم؛ مما يستوجب العمل المشترك والوصول لأكبر شريحة ممكنة من المتبرعين في كل بلد.

في المقالة الشهيرة للبروفيسور «شيورد ليفت» التي نشرت في مجلة «الأعمال» لجامعة هارفارد في عام 1983م، التي أثارت الكثير من الجدل حينها حول التسويق العالمي، وكانت بداية الاهتمام بهذا المجال، وكان عنوان المقالة «عولمة الأسواق»، وذكر «ليفت» في المقال أن المسوقين واجهوا ما أسماه بالقرية العالمية المتجانسة، ومن ثم نصح المؤسسات والشركات بتطوير منتجات عالمية موحدة عالية الجودة تقوم بتسويقها في كل أرجاء العالم.

عندما ترسم أي منظمة مخططاتها للتوسع في السوق العالمية، فإنها غالباً ما تكتشف أن الدخل هو العامل الاقتصادي الوحيد في تحديد السوق المستهدفة، ومع ذلك تأتي الرغبة والدافع النفسي كعنصر يمكن التنبؤ به أو تحفيزه لدى المتبرعين حسب ظروف وثقافة كل بيئة.

وهذا يجعلنا نعيد النظر في البيئة القانونية لمؤسسات العمل الخيري، ومدى قدرة القانون الخيري الجديد لاستيعاب متطلبات هذا الانتقال، مستذكرين الدور المهم للكويت كمركز للعمل الإنساني؛ مما يضفي أن تكون هناك رؤية لهذا العمل الخيري ليكون عالمي الإطار على مستوى خدمة المتبرعين، علماً أن هناك رغبات عديدة تصلنا من عدة دول بطلب الخدمة الخيرية لهم لما رأوْا من تميز في الأداء والمتابعة ووجود بيئة تنافسية تحسن من جودة المنتج الخيري الكويتي.

إن الرصيد الذي تملكه الكويت بمؤسساتها الخيرية الرائدة يجعل من فكرة عولمة العمل الخيري الكويتي مقبولة بل ومستحقة، والذي يطلع على تاريخ العمل الإنساني يجد أن أهم المؤسسات الدولية وهي الصليب الأحمر مثلاً يجد أنها مؤسسة انطلقت من رجل سويسري مع مجموعة سويسرية، هي اليوم من أعرق المؤسسات الدولية تجاوز عمرها 150 عاماً، وهناك مؤسسات دولية أخرى نشأت محلية بسيطة ثم أصبحت عالمية.

والمؤسسات الخيرية الكويتية يمكننا أن نجعلها منظمات عالمية، ناهيك عن الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تجنيها تلك المؤسسات من ناحية زيادة الإيرادات ودعم السوق الخيرية بمشاريع نوعية تنموية تساهم بشكل مختلف نحو التصدي للفقر المدقع وتحقيق الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة.

الأربعاء, 08 نوفمبر 2017 09:27

لقاء من نوع آخر

 

تعتمد عملية بناء الإنسان على مجموعة من البرامج والأنشطة والفعاليات ضمن بيئة تربوية يتم تصميمها بشكل مميز؛ لنقوم بعملية التنشئة الصحيحة داخل مجتمع نعمل على تصميمه خصيصاً لهذه المهمة.

ما أتحدث به ليس تعريفاً أكاديمياً يدرّس في الجامعات والجهات الأكاديمية ولا يوجد لها صدى على أرض الواقع، بل هو حقيقة تشهد له الدول التي نعمل بها.

مجمع الرحمة التنموي أحد مشاريع الرحمة العالمية الإستراتيجية في جيبوتي، يحتفل هذا العام بعشر سنوات قضاها في تدريب وتأهيل الأيتام والطلاب في عدة مجالات، والحاصل على جائزة أفضل المبادرات المجتمعية في رعاية الأيتام على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.

دعونا نرجع قليلاً إلى الوراء، كنت أترقب جيداً في مايو الماضي نتائج الثانوية العامة في جيبوتي؛ حيث إن طلابنا الأيتام في تحدّ جديد، ولكنه هذه المرة على مستوى جمهورية جيبوتي ليتنافسوا مع المدارس ذات التعليم الفرنسي وكذلك المدارس العربية والأجنبية الأخرى، كنت متفائلاً من ناحية، وواثقاً بأبنائنا من ناحية أخرى؛ لما وجدته من جهود كبيرة بذلها الطلاب وإدارة المجمع التعليمي في الدراسة والمتابعة الحثيثة، وفي مجال النشاط الصفي واللاصفي، حيث تصدر طلابنا قائمة المسابقات الوطنية سواء في حفظ القرآن أو الشعر أو الخطابة، بل حتى في منافسات الرياضة وكرة القدم، حتى إنه تم اختيار طالبين من طلابنا لتمثيل جيبوتي في مسابقة المناظرات الدولية المنعقدة في قطر الشقيقة، وسأكون صادقاً أنني لم أتفاجأ كثيراً بالنتيجة بحصول طلابنا على المراكز الأولى على مستوى الجمهورية، لكني أيضاً وجدت نفسي شديد الفرح والسعادة لهم وبهم على هذه النتائج الرائعة.

قررت السفر إلى جيبوتي، ورغم صغر مدة الزيارة فإنني أصررت على أن يكون ضمن البرنامج اللقاء بالشباب المتفوقين لنفرح معاً بهذا الإنجاز الجميل، لقد كان لقاءً مفعماً بالسعادة، لم يكن عادياً ولا تقليدياً، لقاء من نوع آخر، لن يشعر به إلا من ذاق طعم الإنجاز الحقيقي، نعم أيتام ولكن قدوتهم سيد الأيتام محمد صلى الله عليه وسلم، شباب ذللوا سبل المعالي فاستحقوا ما وصلوا له عن جدارة.

وجدت فيهم الفخر والاعتزاز بأنفسهم أولاً، ثم بأمهاتهم الكريمات، ثم بهذا المجمع التنموي الذي احتضنهم طوال السنوات العشر الماضية حتى وصلوا إلى هذه نتيجة.

طلبت من محمد روبله، الحاصل على المركز الأول على مستوى جمهورية جيبوتي في مرحلة الثانية، ومن رفاقه المتفوقين، أن يتحدثوا عن أمنياتهم وتطلعاتهم، وكنت سابقاً قد تحدثت معهم أن لديهم ثلاثة مسارات لما بعد التخرج؛ أولاً استكمال دراستهم العليا، وثانياً دخول سوق العمل مباشرة، وثالثاً دخول دورة تدريبية حرفية وإنشاء عملهم الخاص، وإذا بهم يتفقون جميعاً على الخيار الأول وهو استكمال الدراسة الجامعية، فأخبرتهم بأننا سنكون معهم حتى النهاية.

لم يكن الأمر مفاجأة كما قلت، فهذه النتائج هي ثمار لعشر سنوات من التخطيط والعمل والتدريب والتربية السلوكية التي أثمرت بدخول 5 من أيتامنا ضمن 10 الأوائل على مستوى الجمهورية كما ذكرت، فمجمعاتنا التنموية ليست مكاناً يتعلم فيه الطلاب، بل بيئة متكاملة من التغيير السلوكي القيمي، فالتحدي الحقيقي ليس باكتساب المعلومات فقط، بل بتغيير القناعات واكتساب الخبرات، وهذه المنظومة التدريبية وجدنا أثرها من خلال إدارة تم انتقاؤها نحرص على رعايتها والاهتمام بها لتقوم بالمهمة على أكمل وجه.

الثلاثاء, 11 أبريل 2017 14:11

من رحم الآلام تنبض الرحمات

يوجد في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أعلى معدل لانتشار الجوع (بالمقارنة بعدد السكان)؛ حيث يعاني واحد من كل أربعة أشخاص من سوء التغذية ونقصها؛ وهو ما يتسبب في نحو نصف عدد حالات الوفيات (45%) بين الأطفال دون سن الخامسة؛ أي نحو 3.1 مليون حالة وفاة كل عام، ويعاني واحد من كل ستة أطفال – نحو 100 مليون طفل - في البلدان النامية من نقص الوزن.

يعاني واحد من كل أربعة أطفال في العالم من التقزم، وقد ترتفع هذه النسبة في البلدان النامية إلى واحد من كل ثلاثة أطفال، بل هناك 66 مليون طفل في سن المدرسة الابتدائية في البلدان النامية يحضرون إلى الفصول وهم جوعى، 23 مليوناً منهم في قارة أفريقيا وحدها، حسب ما أصدره تقرير حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم، لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، وتقارير منظمة الصحة العالمية.

في ظل هذه الأرقام المخيفة التي يعاني منها المجتمع الإنساني، يتجه العالم إلى منطقة الخليج العربي طلباً للمعونة والمساعدة لكل القضايا الإنسانية من موجات الجفاف أو الزلازل والثورات البركانية، بالإضافة للحروب التي يموت فيها الكثير من المدنيين، فأصبحت تقام هنا المؤتمرات الإنسانية والملتقيات الخيرية التي لاقت اهتماماً كبيراً من القيادات السياسية الخليجية، وكذلك من المجتمع المدني الذي ضرب أروع الأمثلة في تفاعله مع تلك الأزمات وقيادته الجديدة للعالم الإنساني، ومنها إطلاق لقب أمير الإنسانية لصاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، ولدولة الكويت بأنها مركز للعمل الإنساني.

تأتي هذه المساعدات الإنسانية التي يقدمها أهل الخليج بسبب الملاءة المالية وقوة دخل الفرد في هذه المنطقة التي حباها الله بنعمة النفط الذي يمثل مصدراً كبيراً للطاقة يحتاجه العالم ساهم في هذه الوفرة المالية الكبيرة، وهو ما حدا بدول الخليج لإنشاء العديد من صناديق التنمية المالية التي أحدثت قوة في الاستثمار عززت من الدخل القومي لتلك الدول.

وهنا تساءلت: هل كان المال هو السبب الوحيد فيما يقوم به أهل الخليج من مبادرات كبيرة في الملف الإنساني العالمي، أم أن هناك أسباباً أخرى دعتهم لحب مساعدة الإنسان المكلوم والجائع الضعيف، خاصة أنها ليست الدول الوحيدة التي تمتلك المال، فهناك دول كبيرة وكثيرة لديها القدرة المالية لتقديم المساعدات لأهل الحاجة?

لن أتحدث هنا عن الوازع الديني، وأنه أحد أهم الأسباب التي تحرك المسلم، والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المقام، أكتفي بذكر حديث واحد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً كاملاً» (يقصد المسجد النبوي الذي تعادل الصلاة الواحدة فيه بألف صلاة فيما سواه).

حياة ما قبل النفط

دعونا نتعرف على حياة أهل شبه الجزيرة العربية قبل النفط، هل كانوا يملكون شيئاً يساعدهم على مصاعب الحياة في منطقة تعتبر الأكثر قسوة بسبب بيئتها؟ حيث إن درجة الحرارة تصل لمستويات عالية تتجاوز الخمسين درجة مئوية في الصيف، بالإضافة إلى فترات من الجفاف وتوقف هطول الأمطار؛ ما يؤذن ببداية مجاعة يموت فيها الناس والدواب التي تعد مصدر الرزق الوحيد لأهل البادية، ولك أن تتخيل عدد المجاعات التي أصابت الجزيرة العربية خلال آخر ثلاثمائة سنة قبل فترة النفط لتتجاوز أربعين مجاعة بمعدل مجاعة كل خمس سنوات.

بدأ أهل شبه الجزيرة العربية بتسمية سنواتهم بأسماء تلك المجاعات التي أصابتهم التي مات بها أهلهم وأحبابهم، سأذكر بعضها: سنة جلدان (جدب): عام 1623م، سنة ديدبا (جدب): عام 1630م، سنة بلادان (جدب): عام 1637م، وفيها جاءت قافلة إلى نجد، فلم تجد في العارض تمراً، وما اكتالت إلا من الخرج، سنة هبران (جدب): عام 1655م، وفيها أكل الناس الميتة والجلود البالية بعد حرقها، ومات كثير من الناس جوعاً، سنة الحجر: عام 1656م، ولم تذكر تفصيلات عنها، سنة جرمان (جدب): عام 1674م، وفيها أكلت الميتة.

وتستمر سنوات الجفاف والمجاعة، فهذه سنة سمدان (جدب): عام 1703م، وفيها جدب وغلاء شديد، سنة الدبا (جراد): عام 1710م، وفيها كثر الجدب، وفي السنة التي بعدها، سنة سحي (جدب): عام 1724م، وفيها عمَّ القحط من الشام شمالاً حتى اليمن جنوباً، حتى قال الشاعر النجدي:

غدَا الناس أثلاثاً، فثلث شريدة

يلاوي صليب البين عارٍ وجائع

وثلث إلى بطن الثرى دفن ميّتٍ

وثلثٌ إلى الأرياف جالٍ وناجع

سنة قرادان (جدب وغلاء): عام 1741م، سنة خيران (خصب): عام 1742م، وفيها جاء لمنطقة الخرج سيل خربها، سنة شيتة (جدب): عام 1750م، وفيها قحط وغلاء بدأ قبلها بعامين، واشتد في هذه السنة، سنة رجعان شيتة (خصب): عام 1752م، سنة سوقة (غلاء): عام 1765م، وذكر المؤرخ عبدالله البسام في كتابه «تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق» أنها وقعت عام 1767م، وفيها حدث غلاء ومات كثير من الناس جوعاً ومرضاً، ولكن في آخرها نزل الحيا وسمياً مبكراً، سنة دالوب (جدب): عام 1784م.

كما أن الشعراء كان لهم مساهمتهم في توثيق تلك المجاعات التي أصابت أهل منطقة شبه الجزيرة العربية، وهنا سنة رجعان دالوب (خصب): عام 1786م، وقد شبه الشاعر محمد بن لعبون ممدوحه أحمد بن ضاحي العون، فقال:

فكّاك عاقاتي ورجعان دالوب

سمع لندا من ضامه الضد ومجيب

ومن تلك السنين الصعبة سنة ساحوت: عام 1910م، ووقع فيها مرض يصيب المعدة يسبب الشره في الطعام، هي سنة «الجوع» في نجد، سنة الجرب: عام 1922م، ونفقت بسببه أعداد كبيرة من الإبل، سنة البرد: عام 1926م، وحدث فيها برد شديد في نجد استمر أربعين يوماً، سنة الجدري: عام 1939م، سنة جبار: عام 1941م، وتفاءل الناس فيها بالخصب بعد جدب سبقها، تسمى أيضاً سنة الشهاقة حيث انتشر مرض السعال الديكي بين الأطفال، وقضى على أعداد كبيرة منهم، سنة الدبا: عام 1945م، سنة الظلمة: عام 1952م، وهبت فيها رياح شديدة على نجد، وأظلم الجو فيها ثلاثة أيام.

سنة الهيلق (جوع): عام 1868م، وفيها عم الجوع المنطقة، واضطر الكويتيون وغيرهم إلى شرب دماء البهائم، واستمر ثلاث سنوات، ولم ينته إلا في عام 1871م، ونذكر هنا الجهود الخيرة التي بذلها المحسنون من أهل الكويت مثل يوسف البدر، ويوسف الصبيح، وعبداللطيف العتيقي، وسالم بن سلطان، وبيت معرفي، وبيت ابن إبراهيم، وغيرهم، في التفريج عن كربات المعوزين في تلك المجاعة، حتى قال فيهما الشاعر العراقي عبدالغفار الأخرس:

إن الكويت حماها الله قد بلغت

باليوسفين مكان السبعة الشهب

تالله ما سمعت أذني ولا بصرت

عيني بعزهما في سائر العرب

فيوسف بن صبيحٍ طيب عنصره

أذكى من المسك إن يعبق وإن يطب

ويوسف البدر في سعدٍ وفي شرف

بدر الأماجد لم يغرب ولم يغب

وبعد هذه التطوافة في المجاعات التي مرت بأهل الخليج، يتيقن عندي أن هذه الرحمة التي يتصف بها أهل الجزيرة العربية هي من تلك المعاناة الكبيرة التي مروا بها التي حصدت الأنفس؛ فتأصلت فيهم قيمة التكافل المجتمعي وأخلاق من كرم، رغم الجوع والفقر والعوز؛ مما جعلهم يحبون مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم، وهكذا نتعلم أن أكثر الناس شعوراً بالمحتاجين هو من عاش حياتهم وتألم بآلامهم، فمن رحم الآلام تنبض الرحمات.

الصفحة 1 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top