د. سعيد الحاج

د. سعيد الحاج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 10 مايو 2020 10:46

تركيا و”كورونا”.. قصة نجاح

2020-05-10_10h50_20.jpgرغم أنها ليست من الدول العظمى، فإن تركيا رسمت مسار نجاح نسبي في مواجهة «كورونا»، من خلال نموذج توسط بين الصرامة الشديدة والتهاون التام، معتمداً التدرج في الإجراءات لتخفيف حدة الوباء وإبقائه ضمن إطار يمكن للقطاع الصحي التركي التعامل معه وإدارته. 

في أحد إيجازاته الصحفية، قال وزير الصحة «فخرالدين كوجا»: إن وزارته كانت قد أعدت قبل عام من الآن خطة أولية للطوارئ للتعامل مع أي وباء محتمل؛ وبالتالي كيف تتصرف الوزارة ومختلف مؤسسات الدولة إزاءه؛ وهو ما يعني أن تركيا كانت مستعدة جزئياً للوباء قبل وقوعه.

مع انتشار الوباء في الصين، شكلت الوزارة هيئة علمية مختصة لمتابعته مشكّلة من عشرات الأساتذة ذوي الاختصاصات المعنية، وكذلك من مسؤولي وزارة الصحة، لرسم إستراتيجية البلاد لمواجهة الجائحة قبل دخولها للبلاد ثم لاحتوائها بعد دخولها، وكان من اللافت أن معظم القرارات الحكومية استرشدت بتوصيات اللجنة.

بدأت الإجراءات الاحترازية مبكراً، قبل توثيق أي حالة «كورونا» في تركيا، بوقف الرحلات الجوية من إقليم ووهان وإليه ثم عموم الصين، وأعقب ذلك ضبط الحدود البرية مع إيران ثم إغلاقها تماماً، ومع تسجيل الحالات الأولى في البلاد، أُوقِفت الدراسة بمختلف مستوياتها، وألغيت الصلوات في المساجد، ومنعت الأنشطة الجماهيرية، وأغلقت أماكن الترفيه والتجمع.

حظر جزئي

وفي وقت لاحق، بدأت الحكومة التركية بإجراءات حظر تجول «جزئي»، عمرياً لمن هم فوق 65 وتحت 20 من العمر، وجغرافياً في 31 محافظة -هي الأكبر- من بين 81، وزمنياً بحيث شملت عطلة نهاية الأسبوع ومددت أحياناً أكثر من ذلك.

من زاوية أخرى، وبعد انتشار الوباء في الداخل، بدا القطاع الصحي قادراً على التعامل مع الجائحة وأعداد المصابين المتسارعة، دون أن تصل المستشفيات، وخصوصاً وحدات العناية المركزة، إلى حالة الإشباع وبالتالي العجز عن الإدارة.

ولئن كانت أنقرة تمتلك متوسطات غير مرتفعة من أعداد أطباء وأسرّة المستشفيات نسبة لعدد السكان، إلا أنها تتفوق في متوسط عدد وحدات العناية المركزة الذي يبلغ نحو 40 وحدة لكل 100 ألف شخص، وهو متوسط أعلى من عدد من الدول المتقدمة علمياً وطبياً وصناعياً، ويضاف إلى ذلك وجود نحو 100 ألف غرفة إضافية يمكن تحويلها عند الحاجة إلى وحدات عناية مركزة أو عزل، وفق وزير الصحة.

كما أن تركيا عمدت إلى الاكتفاء الذاتي في عدة تفاصيل حيوية في مواجهة الفيروس، فبدأت باستيراد بعض الأدوية المهمة قبل أن تبدأ تصنيعها محلياً، إضافة لمستلزمات الحماية الشخصية الضرورية للعاملين في القطاع الصحي، وفي مقدمتها الكمامات الطبية التي باتت توزع مجاناً على الشعب، كما أن كل إجراءات التشخيص والعلاج أتيحت مجاناً للجميع في مستشفيات الدولة بما في ذلك الأجانب المقيمون.

في الأسبوع الخامس لظهور الحالة في تركيا، بدت البلاد قريبة من الوصول لمرحلة الذروة؛ أي استمرار نفس الوتيرة في تسجيل الحالات الجديدة والوفيات بدون تسارع غير منضبط، ذلك أن الحالات الجديدة بقيت ضمن نسبة 11 - 13% من الفحوصات المجراة، ونسبة الوفاة شبه ثابتة عند 2.1%، ونسبة من يحتاجون للعناية المركزة أقل من 4% من الإصابات، وهي نسب أقل بكثير من تلك التي سجلت في الأسابيع الأولى؛ ما يشير إلى بداية انكسار حدة تصاعد الوباء، في مقابل الارتفاع الملحوظ في أعداد ونسبة المتعافين منه يومياً.

التأثير الاقتصادي

ويعد الاقتصاد من القطاعات الأكثر تأثراً بالجائحة؛ حيث تمر معظم دول العالم بحالة من الجمود والركود على أصعدة عدة في مقدمتها التجارة الخارجية والاستهلاك المحلي والسياحة والترفيه والطيران.. إلخ، هذه الخسائر الاقتصادية البارزة يضاف لها الإجراءات الحكومية الاحترازية؛ مثل تقنين العمل والخروج من المنزل وغيرها، التي تبطئ من عجلة الاقتصاد من جهة، وتستنزف الحكومة مالياً من جهة أخرى.

وقد عمدت تركيا إلى دعم القطاعات والأطراف المتضررة من الوباء والإجراءات الاحتياطية على حد سواء من شركات ومؤسسات وقطاعات صناعية وأفراد ضمن خطة «درع الاستقرار الاقتصادي» التي أعلنتها ووضعت لها مبدئياً ميزانية 100 مليار ليرة؛ أو ما يعادل 15 مليار دولار أمريكي، وتشمل الخطة إعفاءات ضريبية، وتأجيل مستحقات دفع، وتسهيل الحصول على القروض المصرفية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومنح مرتبات شهرية للعائلات المحتاجة.. إلخ.

لكن من المهم الإشارة إلى أن تداعيات الجائحة وخصوصاً الاقتصادية منها مستمرة ومتنوعة ومتغيرة، بحيث احتاجت الحكومة لإجراءات إضافية على الخطة في عدة مسارات، وهو ما زاد من استنزاف احتياطي البنك المركزي بأكثر من 10 مليارات دولار خلال فترة وجيزة، فضلاً تراجع الليرة أمام العملات الأجنبية.

حالة الاستقطاب

سياسياً، أخيراً، لم يكن للجائحة تأثيرات كبيرة على البلاد، على الأقل حتى اللحظة الحالية، فلا البلاد على عتبة انتخابات، ولا أصيب أحد من كبار المسؤولين، كما أن أداء وزير الصحة يُقابل بحالة من القبول شبه المجمع عليه، فضلاً عن أن الكلفة البشرية للمرض -من الوفيات- بدت أقل من دول أخرى مجاورة أو متقدمة.

لكن ذلك لم يمنع استمرار حالة الاستقطاب بين الحكومة والمعارضة وإن بدرجة أقل نسبياً من السابق، حيث تتهم المعارضة، وخصوصاً رئيس بلدية إسطنبول الكبرى «أكرم إمام أوغلو»، الحكومة بعدم التنسيق في المحطات المهمة، ومنها إعلان حظر التجول.

في الخلاصة، ورغم أن أعداد الإصابات بفيروس «كورونا المستجد» تضع تركيا في مرتبة متقدمة عالمياً، فإن المؤشرات الأخرى الأكثر أهمية مثل نسب الوفيات ومرضى العناية المركزة ومن هم على أجهزة التنفس الصناعي تقدم صورة لنجاح نسبي في مواجهة الوباء.

الأهم أن معطيات القطاع الصحي توحي بقدرته على إدارة الأزمة لفترة زمنية أطول، حيث ما زالت نسبة الإشغال في غرف العناية المركزة في إسطنبول (التي تحوي أكثر من 60% من الحالات) دون 60%، بينما هي في المحافظات الأخرى أقل من ذلك بكثير، ومع افتتاح مستشفيات جديدة في المحافظة الأكبر، ومنها المدينة الطبية التي تحوي مئات الأسرّة، والشروع في بناء مستشفيات أخرى، تسعى الحكومة إلى تجنيب القطاع الصحي حالة الإشباع، وبالتالي الابتعاد عن سيناريو العجز والشلل الذي أصاب بعض الدول الأوروبية.

ختاماً، كل ما سبق لم يتحقق فقط بالإجراءات الحكومية على أهميتها، وإنما كذلك بالتجاوب الشعبي -بنسبة مقبولة- معها؛ وهو ما يعني أن استمرار تركيا في مسارها الإيجابي نسبياً وتجنبها السيناريوهات الكارثية مرهون باستمرار الشعب بالالتزام بل ورفع نسبته، وإلا فإن «كورونا» أثبت في أكثر من بلد أن التهاون معه يخرجه عن السيطرة، ويجعل تداعياته كارثية على كافة المستويات، وفي مقدمتها الصحية المرتبطة بحياة البشر.

2020-04-13_17h20_22.jpgفي سبتمبر 2018م، وقع الجانبان التركي والروسي اتفاق «سوتشي» بخصوص منطقة إدلب، بحيث تبقى منطقة خفض تصعيد وتفصل بين قوات النظام والمعارضة السوريين، مع مسؤوليات على كل من روسيا وتركيا –وخصوصاً الأخيرة- باعتبارهما ضامنين للطرفين المحليين.

أكثر من مرة، خرق النظام السوري وبدعم جوي من موسكو الاتفاق متقدماً على حساب المعارضة ومسيطراً على مزيد من المناطق، مرة بذريعة مكافحة الإرهاب، وأخرى بحجة أن تركيا لم توفِّ بكامل التزاماتها في الاتفاق، ودائماً بدعوى سيطرة «الدولة السورية» على كافة أراضيها.

وفي كل تصعيد في إدلب، تجنبت أنقرة لوم موسكو أو الدخول معها في توتر، مفضّلة التواصل السياسي والدبلوماسي معها، وهو ما أثمر عدة هُدنات وتفاهمات بُنيت على ما سبق، لكنها لم تمنع يوماً عودة النظام للتصعيد، كما حصل في الجولة الأخيرة؛ وهو ما أنتج معادلة صعبة بالنسبة لتركيا؛ فروسيا ضامن لا يضبط أداء النظام بل يساعده ميدانياً، بينما هي كضامن للمعارضة غير قادرة على حمايتها ومستمرة في ضبط أدائها الميداني.

حرج تركي مضاعف

ومع استمرار تقدم النظام، بات الحرج التركي مضاعفاً ومركباً؛ فهي في حرج إزاء المعارضة السورية، وموسكو لا تكترث كثيراً بتعدد الخروقات والهدنات ولا بتحفظات أنقرة المتكررة، وتقدم قوات النظام حوّل عدداً من نقاط مراقبتها العسكرية التي أنشئت وفق التفاهمات مع موسكو إلى بؤر محاصَرة من قبلها، بل وصل الأمر أحياناً لاستهداف النقاط وسقوط قتلى من الجنود الأتراك، إضافة إلى توجه مئات الآلاف من المدنيين المقيمين في إدلب نحو حدودها هرباً من القصف والمعارك، فضلاً عن تخوف تركيا من سيطرة النظام على كامل إدلب؛ بما له من تداعيات سلبية على المعارضة السورية والمسار السياسي، وكذلك على وجودها هي نفسها في مناطق عملياتها الثلاث (درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام).

بناء على كل ما سبق، ونظرة تركيا إلى إدلب كخط دفاع أولي عن حدودها، فقد هددت النظام بعملية عسكرية ضده إن لم يسحب قواته إلى الحدود التي ثبتها اتفاق «سوتشي»؛ أي إلى ما بعد نقاط المراقبة.

هذا العنوان العريض حمل بين طياته أهدافاً فرعية ثلاثة للعملية التركية المفترضة:

الأول: فك الحصار عن نقاط المراقبة وتأمينها.

الثاني: تجنيب إدلب موجة نزوح كبيرة من خلال استهداف مركزها.

الثالث: إنشاء منطقة آمنة بعمق حوالي 30 كلم.

لم تتوقف قوات النظام ولم تردعه روسيا، بل حمّلت تركيا المسؤولية بأنها لم تقم بما يتوجب عليها لمكافحة «المنظمات الإرهابية» وفصلها عن المعارضة المعتدلة، تكررت رسائل ساخنة بين تركيا وروسيا في الاتجاهين؛ سياسية وميدانية، حيث جاءت الأخيرة على شكل استهداف النقاط التركية أو تحريك المعارضة شرقي حلب وغربها، وصولاً لاحتكاكات مباشرة بين تركيا وقوات النظام.

في السابع والعشرين من فبراير، استُهدِفت نقطة تجمع للجنود الأتراك في إدلب وسقط العشرات منهم قتلى، أشارت بعض التحليلات إلى احتمالية أن تكون روسيا هي من نفذت الهجوم رداً على دعم تركيا للمعارضة في استرداد بلدة سراقب الإستراتيجية على مفترق الطرق الدولية، إلا أن روسيا نفت ذلك وحمّلت أنقرة المسؤولية للنظام.

وعلى مدى أيام عديدة، استهدفت أنقرة مواقع النظام ومركباته وطائراته المقاتلة ومطاراته بشكل مكثف، ليعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بعد أيام أن هذا الرد المركز هو عملية «درع الربيع» التركية ضد النظام، وأن بلاده لن تتوقف حتى يعود بقواته إلى ما بعد نقاط المراقبة.

بدت خسائر النظام كبيرة خلال الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى للعملية، على الأقل وفق المصادر التركية، وذلك بفضل الطائرات بدون طيار التركية التي يبدو أنها فاجأته ولم تكن في حسبان الجانب الروسي، الذي بدا مطمئناً لسيطرته على الجو بما قد يمنع أنقرة من تنفيذ تهديدها بالعملية.

وكما يحدث في كل مرة، كانت سخونة الميدان وزيادة احتمالات المواجهة المباشرة بين الطرفين التركي والروسي فرصة للتفاوض والتفاهم، ليتفق الطرفان في موسكو مرة أخرى في الخامس من مارس الماضي، وكان نص الاتفاق عبارة عن بروتوكول إضافي على اتفاق «سوتشي» السابق، على وقف إطلاق النار وإنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي «M4" بعرض 12 كلم، وتسيير دوريات تركية – روسية مشتركة.

أهداف مشتركة

حقق الاتفاق للطرفين الهدف المشترك الأبرز لهما، وهو تجنب المواجهة المباشرة بينهما؛ وبالتالي ضمن آنياً عدم انهيار التفاهمات وتعرض العلاقات بينهما لانتكاسة كبيرة، بعد أن تقاربا كثيراً خلال السنوات الماضية وصولاً لمشاريع عملاقة بينهما في مجالات الطاقة والسلاح والاقتصاد، إلى ذلك؛ بدت روسيا أكثر استفادة من الاتفاق الذي ثبتها مرجعية لكافة الأطراف من جهة، وأوقف العملية التركية ضد النظام من جهة أخرى، بينما لم تحقق تركيا تماماً هدفها الرئيس بإرجاع أو رجوع قوات النظام لحدود «سوتشي» وإن كانت حققت المطالب الفرعية لها جزئياً.

الأهم فيما يتعلق بالاتفاق أن ثمة حالة شبه إجماع على أنه هش وغير مستقر؛ أولاً: لأنه لم يحقق الهدف التركي الرئيس المعلن للعملية، وثانياً: لأنه اكتفى تقريباً بالإعلان عن وقف إطلاق النار، بينما تغاضى عن باقي الملفات والتفاصيل المختلف عليها بين الطرفين؛ بما يعني فشلهما في تذليل الخلافات بخصوصها، وثالثاً: لزيادة توقع أن يعود النظام للخروقات والانتهاكات قريباً، ورابعاً: لوجود عناصر وأطراف كثيرة في الميدان يصعب ضبطها، وقد تعمل على إعادة تسخينه عمداً أو عن غير قصد.

ولذلك؛ فقد حملت تصريحات الرئيسين بوتين، وأردوغان إشارات ضمنية على هذا الاحتمال؛ فقد أعاد الأول التأكيد على ضرورة مكافحة الإرهاب، بينما شدد الثاني على احتفاظ بلاده بحق الرد على أي انتهاك قد يصدر عن قوات الأسد، وهي تصريحات لا تخفى دلالاتها.

وفي الخلاصة، كان ثمة سياقات سياسية مهمة أوقفت العملية التركية أو بالأحرى جمّدتها حتى حين؛ في مقدمتها حرص أنقرة وموسكو على العلاقات البينية ورغبتهما في تجنب المواجهة المباشرة، إلا أن المعادلات الميدانية تشير إلى أن الاتفاق المبرم هش ومؤقت إلى حد كبير، وقد يتداعى في أي لحظة بناء على قرار مسبق من أحد الأطراف أو لحسابات خاطئة أو بسبب تدحرج الأحداث بشكل غير مقصود.

يعني ذلك أن العملية التركية مجمدة بشكل مؤقت وقد تُستأنف في أي وقت، إلا إنْ استطاعت أنقرة تثبيت الاتفاق مع موسكو وتعميقه والتوصل لتفاهمات أرسخ بخصوص النقاط الخلافية بينهما من خلال آلية التواصل والحوار الثنائية بينهما، إن كان على المستوى السياسي، أو بين وزارتي دفاع البلدين.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top