د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قبيل رحيله بأيام، كنت أطالع آخر مقال للدكتور محمد عمارة في مجلة «الأزهر» (عدد رجب 1441هـ)، ناقش فيه قضية الحجاب، بوصفها محاولة من أعداء الإسلام وخصومه لنسخ الشريعة الإسلامية، وإشاعة التحلل والانحلال في المجتمعات الإسلامية والشرقية؛ تقليداً للمجتمعات الغربية التي تخلت عن تقاليد الحشمة الموروثة من تاريخها ودينها.

طرح د. عمارة القضية وما يثيره غلاة العلمانيين من بني جلدتنا بدعوة المرأة المسلمة إلى عدم الالتزام بما نصت عليه الآيات القرآنية من ستر عوراتها بالخمار والحجاب، وينتهي مقاله بدحض حجج دعاة التحلل والانحلال، معتمداً على الدليل والبرهان والمنطق.

لم يتوقف عمارة يوماً عن مواجهة ما يثيره أعداء الإسلام وخصومه، منافحة عن الدين والعقيدة والشريعة، بكل ما أوتي من عزم ووعي، مؤمناً أن هذا هو ميدانه الحقيقي في الجهاد دفاعاً عن دين الأمة وهويتها.

وعلى مدى 89 عاماً هي عمره الحافل بالعطاء والفكر، قدّم أكبر عدد من المؤلفات والكتب المحقَّقة، بالإضافة إلى مقدمات للكتب؛ فقد حقق وألّف 311 كتاباً بعضها في أجزاء ومجلدات ضخمة، ونحو 13 كتاباً من الكتب الحديثة صدّرها بمقدمات تلقي الضوء عليها وعلى أصحابها، وما أظن أحداً سبقه في هذا الطريق إلا الأستاذ أنور الجندي –رحمه الله- الذي كان يسابق الزمن لإنجاز ما يريد كتابته من مؤلفات أعدّ مادتها وجمع تفاصيلها قبل أن يرحل.

هذه الكتب لا ينهض بإعدادها في وقت قياسي إلا رجل من أولي العزم والصبر والبصر، تفرغ من أجلها مسلحاً بالعلم والمعرفة والقراءة الدائبة والبحث المضني، وقبل ذلك الإيمان بعقيدة راسخة ومنهج واضح.

ولحسن الحظ؛ فإن عمارة لم يرتبط بوظيفة تقيده بحضور وانصراف أو تفرض عليه التزامات وواجبات تعطل مسيرة الاطلاع والتأليف؛ فقد عكف في بيته ومكتبته على المطالعة والكتابة لا ينشغل بشيء غيرهما، حتى اشتغاله برئاسة تحرير مجلة «الأزهر» لم يعطله عن البحث والاطلاع والكتابة؛ فقد اختار مجموعة من الكتَّاب يطمئن إلى مستواهم الفائق وقدرتهم على الكتابة العلمية الدقيقة، وأحاط نفسه بعدد من مساعديه الفضلاء الذين يدركون قيمة الكلمة وتأثيرها، فازدهرت المجلة في عهده ازدهاراً عظيماً، ووزعت أعداداً كبيرة غير مسبوقة، وقفز التوزيع من ستة آلاف نسخة إلى ستين ألفاً، وهو ما أزعج قوى الشر المعادية للإسلام، وفي الوقت ذاته لم يتوقف إنتاجه العلمي والفكري، وأذكر أنه في مهاتفاته كان يسألني عن بعض الموضوعات والمتخصصين فيها، أو النصوص والمراجع التي تتناولها، كي تكون مجالاً للكتابة في بعض أعداد المجلة.

التحول من الماركسية

لقد خدم الفكر العربي الإسلامي وأضاء كثيراً من المساحات المعتمة، وتصدى لأباطيل أعداء الإسلام وخصومه، ومثّل إزعاجاً لا حدود له للمتآمرين على الدين في الداخل والخارج، فتربصوا به وكثيراً ما اتهموه اتهامات باطلة، وعيّروه بمرحلته الماركسية التي كانوا يرونه من خلالها مفكراً عظيماً وكاتباً كبيراً، أما حين عاد إلى فكره الإسلامي وأصالته الفطرية، فقد رأوه عكس ذلك.

لم يدركوا أنه تحلى بفضيلة المراجعة والتصويب، فيوماً ما كان مفتوناً في مقتبل حياته بالماركسية وانخرط في بعض تنظيماتها مما أدى إلى اعتقاله في الواحات، وفي يوم ما انشغل بالاعتزال، وفي يوم ما انشغل بالسلفية الجامدة، لكنه بعد محنة الاعتقال صفا ذهنه وراجع نفسه، ووجد نفسه عائداً إلى طبيعة الإسلام الوسطية التي تقف مع الحق والعدل ورفض الظلم وإشاعة الرحمة والمودة، وهي الوسطية الإلهية التي اختص الله بها أمة الإسلام؛ (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: 143)، ومنهج كل ابن آدم خطاء وخير الخطّائين التوّابون؛ ولذا لم يكفّر أحداً، ولم يفتش في ضمائر الناس، وكان ضد قتل المرتد إلا إذا كان رجلاً وفارق الجماعة، أي خان الأمة وانضم إلى أعدائها محارباً، فالمرأة المرتدة لا تقتل لأنها غير محاربة.

في كتابه «التفسير الماركسي للإسلام»، يشير إلى هذا الأمر وغيره، وهو يدعو نصر حامد أبوزيد إلى مراجعة تفسيره المادي للإسلام وتصويب أخطائه العلمية والعقدية، ويستشهد بنفسه حين انبهر بالماركسية وتنظيماتها، ولما اكتشف خطأه صوب موقفه ورجع إلى الحق، ويستشهد ببعض الآيات الكريمة الدالة على التوبة والرجوع إلى الحق مثل قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص: 30)، وقوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ {31} هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ {32} مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ {33} ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ {34}) (ق)، وقوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ {2}) (القيامة). (راجع: محمد عمارة، التفسير الماركسي للإسلام، دار الشروق، القاهرة، 1422هـ/ 2002م، ص122).

لقد شاءت إرادة الله أن يخوض التجربة الشيوعية ليفقه أفكارها وتصوراتها، ويخبر دقائقها وأسرارها، ويتعرف على دروبها ومنعطفاتها، فيملك القدرة على كشف مناوراتها وتدليسها، ويفند ادعاءاتها وأباطيلها حول الإسلام والمسلمين، لأنه من أعرف الناس بالمنطق الشيوعي، وتجلياته. (انظر: السابق، ص7-8).

ومن الطريف أن أحد قادة التنظيمات الماركسية الكبار جمعني به مؤتمر أدبي قبل عشرين عاماً تقريباً قال لي: «إن د. عمارة كان يصلّي بنا في المعتقل، ويخطب الجمعة»، وهي شهادة تثبت أن الرجل مع فتنة الماركسية ثم القومية كان يعبر عن توهج العاطفة الدينية في داخله وإيمانه بعقيدة الإسلام بالصلاة والخطابة وغيرهما.

نشأته ومسيرته العلمية

لقد تربى محمد عمارة مصطفى عمارة، المولود في قرية صروة مركز قلين محافظة كفر الشيخ (1350 - 1441هـ/ 1931 - 2020م) تربية إسلامية، فقد حفظ القرآن الكريم في سن باكرة، والتحق بمعد دسوق الديني الأزهري في الأربعينيات، وبعد حصوله على الثانوية الأزهرية من المعهد الأحمدي بطنطا، انتقل إلى كلية دار العلوم؛ فحصل منها على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، والماجستير والدكتوراه من قسم الفلسفة الإسلامية، جاء موضوعه في الماجستير عن «مشكلة الحرية الإنسانية عند المعتزلة» عام 1970م، وموضوعه عن الدكتوراه «نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة» عام 1975م، وتم التصديق على الدكتوراه بعد عام لاعتراض د. محمد ضياء الريس -يرحمه الله- على بعض ما جاء فيها من أحكام.

كانت أشواقه لإصلاح مجتمعه وتقدمه دافعاً له للبحث عن الوسائل أو النظريات أو التنظيمات التي يمكن أن تحقق هذا الإصلاح، فشارك في المظاهرات التي تهتف ضد الاستعمار والسياسيين المتخاذلين، أيام كان في الأزهر، وشارك في الاحتجاجات التي انطلقت من دار العلوم، مما أدى إلى فصله لمدة عام، ثم اعتقل وهو في السنة الرابعة، وأكمل دراسته بعد خروجه من المعتقل ليحصل على الليسانس عام 1965م.

كما انضم في سنيه الأولى إلى حزب مصر الفتاة الذي أسسه أحمد حسين، ونشر في صحيفة الحزب مقاله الأول ضد عدوان العصابات الصهيونية على أرض المقدسات، وكان بعنوان «جهاد في فلسطين»، بيد أنه بعد خروجه من المعتقل وحصوله على الليسانس آثر أن يتفرغ للعمل العلمي، ويقدم مشروعه الفكري الذي تفرعت جوانبه، ونمَت على جذع واحد هو التصور الإسلامي الناضج، وهو ما منحه فيما بعد القدرة على مواجهة خصوم الإسلام ومناظرتهم أمام الجمهور وإفحامهم بالحجة والبرهان، كما أتاح له أن يأخذ مواقف تاريخية دفاعاً عن الإسلام والحرية والإرادة الشعبية، وظل دفاعه عن الإسلام شاغله الشاغل.

وقد روى أنه قال لوزير أوقاف أسبق: لماذا يصرّ رئيسك على الاستعانة بالعلمانيين دون الإسلاميين، ويتيح لهم وسائل الإعلام والنشر ليقولوا ويكتبوا ما يريدون، بينما يغلق المجال أمام علماء الإسلام؟ فطلب منه الوزير أن ينتظر حتى يعرض الأمر عليه كي يلتقي بمجموعة منهم، ولكن الوزير ذهب ولم يعد، حتى قابله د. عمارة في مناسبة ما، فأخبره الوزير أن الرجل لا يطيق رؤية العلماء ولا يحب ذكر الإسلام!

وفي ثورة يناير الموءودة، أعلن تأييده لها، وأصدر البيانات، وأعلن في المقابلات الإعلامية مساندته للشباب الثائر، ودعمه لمطالبه المشروعة، وعندما وقعت الواقعة بقتل الثورة وإلغاء الإرادة الشعبية أصدر بياناً يندد بما حدث، ويطالب بالرجوع إلى الديمقراطية والدستور الذي كتبه الشعب، وكان العقاب طبيعياً؛ فقد حرم -مثل كثيرين- من المنابر الإعلامية والصحفية، وتم التضييق عليه في مجلة «الأزهر» حتى تم إبعاده عنها نهائياً باستثناء مقال شهري ينشر على استحياء في موضوعات بعيدة عن لمس الواقع مباشرة وما يجري فيه، ولكنه لم يتوقف عن البحث والتأليف ومتابعة ما يجري للأمة بالكتابة والتحليل.

أعماله الفكرية

كانت أبرز أعماله الفكرية في مقتبل حياته جمع وتحقيق الأعمال الكاملة لأبرز أعلام النهضة الإسلامية الحديثة؛ مثل رفاعة الطهطاوي، والأستاذ الإمام محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي، وعلي مبارك، وفيما بعد اهتم بالترجمة للنبي صلي الله عليه وسلم وأبرز الصحابة والتابعين ورواد الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، فقد كتب عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن البصري، وعمر بن عبدالعزيز، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب، ود. عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ القرضاوي.. وغيرهم، وتمثل مؤلفاته إحاطة شبه كاملة بالقضايا والموضوعات التي تشغل المسلمين في واقعهم الراهن، ومستقبلهم الموعود، فضلاً عن تاريخهم الماضي.

ومن هذه المؤلفات: التفسير الماركسي للإسلام، المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، معالم المنهج الإسلامي، الإسلام والمستقبل، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، معارك العرب ضد الغزاة، الغارة الجديدة على الإسلام، جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض، الوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ، التراث والمستقبل، الإسلام والتعددية، الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، الإسلام والسياسة: الرد على شبهات العلمانيين، الجامعة الإسلامية والفكرة القومية، قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، القدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار، هذا إسلامنا: خلاصات الأفكار، الصحوة الإسلامية في عيون غربية.

ومنها كذلك: الغرب والإسلام، أبو حيان التوحيدي، ابن رشد بين الغرب والإسلام، الانتماء الثقافي، التعددية: الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية، صراع القيم بين الغرب والإسلام، عندما دخلت مصر في دين الله، الحركات الإسلامية: رؤية نقدية، المنهج العقلي في دراسات العربية، النموذج الثقافي، تجديد الدنيا بتجديد الدين، الثوابت والمتغيرات في فكر اليقظة الإسلامية الحديثة، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، التقدم والإصلاح بالتنوير الغربي أم بالتجديد الإسلامي، الحملة الفرنسية في الميزان، الحضارات العالمية: تدافع أم صراع، إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين، القدس بين اليهودية والإسلام، الأقليات الدينية والقومية: تنوع ووحدة أم تفتيت واختراق، السُّنة النبوية والمعرفة الإنسانية، خطر العولمة على الهوية الثقافية، مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية، بين الغزالي وابن رشد، الدين والدولة والمدنية عند السنهوري باشا، هل المسلمون أمة واحدة، الغناء والموسيقى حلال أم حرام، أزمة العقل العربي، المواجهة بين الإسلام والعلمانية، تهافت العلمانية، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، القرآن، قارعة سبتمبر، العرب والتحدي، الإسلام وحقوق الإنسان، التشيع الفارسي المعاصر - خفايا المؤامرة، الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني.

كان عطاؤه الفكري الأصيل، وشموخ مواقفه الفكرية انتصاراً للإسلام والأمة، مسوغاً ليشارك في عضوية هيئة كبار العلماء، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والمعهد العالي للفكر الإسلامي.

لم تمنحه السلطة جوائزها التي تغدقها على من لا يستحقون، بل إنها منحت جائزتها التقديرية في «الدراسات الإسلامية» لشخص لا علاقة له بالإسلام ولا القرآن، وإن كان حصل على «الجائزة التشجيعية» في صدر حياته، وقدّرته بعض الجهات غير الحكومية ببعض جوائزها وأوسمتها، وكرمه مركز الإعلام العربي في مؤتمر حاشد يوم 2 نوفمبر 2011م بنقابة الصحفيين بمصر، حضره أعلام الفكر والأدب والثقافة، وللأسف لم يتح لي -بسب ظروف خاصة- المشاركة في تكريمه بالبحث الذي أعددته عنه، ولكن سعدت بظهور البحث في الكتاب التذكاري الذي صدر عنه بعد حفل التكريم، إنه فيما أظن كان ينتظر الجائزة الإلهية.

لقد كان -يرحمه الله- مستقيماً متسامحاً، غايته نشر الإسلام بمفاهيمه الصحيحة، يقف إلى جانب الشباب الباحث عن الحقيقة، ويشجع على البحث والاطلاع، وربّى ولديه على القراءة وحب الكتاب والثقافة، وأحسن تربيتهما، وكانت وصيته الأخيرة تركز على إكمال مشروعاته الفكرية ونشر كتبه وأفكاره، وتبرع بكتبه في معرض مسقط الأخير للطلاب والباحثين، ومثلما عاش بسيطاً لا ينظر إلى عرض الدنيا، ودع الأمة بسيطاً خفيفاً، وذهب إلى لقاء ربه مساء الجمعة 28 فبراير 2020م، بعد أزمة صحية عارضة استمرت لثلاثة أسابيع.

رحمه الله وأجزل ثوابه.

السبت, 07 مارس 2020 10:19

«المجتمع» على خط النار!

2020-03-07_10h22_05.jpg

وفي عام 1970م نشرت جمعية الإصلاح الاجتماعي مجلة «المجتمع» «جريدة أسبوعية إسلامية»، هكذا كان وصفها في صدر العدد الأول من السنة الأولى الذي صدر يوم الثلاثاء 9 المحرم 1390هـ/ 17 مارس 1970م، وتدفقت في الكويت بعدئذ إصدارات ثقافية وأدبية على هيئة سلاسل شهرية وفصلية، أشهرها «عالم المعرفة»، و»عالم الفكر»، و»مسرحيات عالمية».. وغيرها.

ولأن «المجتمع» صدرت عن جمعية أهلية، فقد كان ثوبها متواضعاً؛ لأنها لا تمتلك إمكانات الحكومة وإصداراتها الباذخة، ومع ذلك تضمنت «المجتمع» موضوعات قوية مباشرة، يمكن أن نطلق عليها بلغة الصحافة «موضوعات ساخنة» عبّرت عنها افتتاحية العدد الأول.

على صدر العدد الأول اسم أول رئيس تحرير للمجلة (الجريدة كما كانت تصف نفسها)، وهو الأستاذ مشاري محمد البداح، وبيانات الناشر، وعناوين المجلة والإعلانات.

تضمنت الصفحة الأولى رسماً مهماً ذا دلالة، عبارة عن شخص يرتدي عقالاً فوق الغترة الخليجية وسترة سوداء وبنطالاً، وفي يده بندقية ذات «سونكي» مشهر، ويدوس المواطن أو الجندي المسلح ما يشبه القمامة مكتوب على بعض مفرداتها: الفساد، الاستعمار، الصهيونية، مع إشارات ترمز إلى كل مفردة، والدلالة واضحة لا تخفى عقب هزيمة عام 1967م، وهي الاستعداد للقتال والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها.

وفي الصفحة ذاتها مربع يحتوي على كلمة خالدة للبطل المسلم التاريخي صلاح الدين الأيوبي يقول فيها: «إنه متى يسّر الله لي بفتح (تحرير) بقية الساحل (ساحل الشام المحتل من جانب الصليبيين)، قسّمتُ البلاد (نظمتها) وأوصيتُ، وودعتُ، وركبتُ هذا البحر إلى جزائره المختلفة واتبعتهم فيها حتى لا أُبقي على وجه الأرض أحداً ممن ظلم وبغى، وأموت في سبيل الله».

وهذه الكلمة الخالدة متصلة الدلالة بالرسم السابق الذي نشرته المجلة في صدرها، ومضمونها واضح لا يحتاج إلى مزيد، فهذه صفات البطل المسلم الشجاع الذي حرّر القدس بعد عقود من السيطرة عليها، وتعرّض أهلها المسلمون للقتل والتهجير، فالرجل يعدّ نفسه لمواصلة مسيرته الجهادية المباركة ومتابعتها بتحرير بقية نقاط الاحتلال الصليبي، ثم يركب البحر المتوسط لينظف جزره من الظالمين البغاة الذين يمثلون عنصر إمداد وتموين للغزاة الصليبيين.

لا ريب أن هذه الكلمة جاءت في الوقت الذي انهارت فيه الجبهات العربية أمام العدو الصهيوني، وتمثل روح المقاومة ورفض الاستسلام لإرادة العدو، في لحظة الإحساس الزائد بوجع الهزيمة وألمها القاتل، واستدعاء نموذج الظفر والنصر والإصرار على مواجهة العدو في كل مكان.

في الصفوف والأمامية

وهكذا تضع «المجتمع» نفسها على خط النار دون تردد، أو تقف في الصفوف الأمامية دفاعاً عن الإسلام والأمة، وهو ما أكدته المجلة في مقالها الافتتاحي الخاص بشرح سياستها التحريرية ورؤيتها الفكرية، وكان يحمل عنوان «في الضوء»، ويشير إلى صدى الإعلان عن صدور «المجتمع» لدى بعض القوى السياسية، وعدم ترحيبها بوجود منبر إسلامي في تلك المرحلة.

تقول المجلة: «.. بدأت الرجعية تتحرك لتعويق الزحف الثوري وضرب القوى التقدمية، هذه المصطلحات ومئات أمثالها دُفع بها لتلقانا على الطريق، وتعترك معنا»، ثم تشير المجلة إلى الاتهامات والإشاعات التي أطلقها خصوم الحركة الإسلامية، وتعبّر «المجتمع» عن وعيها بمثل هذه الاتهامات ووضعها تحت الأقدام كما تقول.

فالمجلة تصدر عن هيئة أو جمعية الإصلاح الاجتماعي، وتستمد فكرها من الإسلام، وعلى ضوئه ومقياسه سوف تتقبل بصدر رحب كل نقد هادف بنّاء، وترفض النقد الغوغائي والتجريح الذي لا يقبله الخلق الإسلامي، تمد يدها للناس جميعاً، يداً ترفع راية الإسلام وتبشر بالخير والبرّ ولكنها سوف تقف في تحدّ من خصوم الإسلام، كما تقف إلى جانب قضايا الأمة في أرض الإسلام، في كل مكان.

وقد أعطت المجلة اهتماماً خاصاً لآراء القراء، وجعلت الحوار معهم إستراتيجية ثابتة، فالقارئ يمثل مرآة لحركتها وتفاعله معها وتأثيرها فيه، وما إن أعلنت عن نفسها واعتزامها الصدور حتى وردت إليها رسائل متنوعة، فنشرت رسائل تحمل عناوين ذات دلالة مثل: تحذير وتناقض، والباليه في مدارسنا، وهمسة حول الحفلات الراقصة في الفنادق، ودعوة إلى الحرب على الرذيلة.. وكانت الرسائل تنشر بأسماء صريحة أو بالحروف الأولى، ولم يقصّر محرر الباب في دعوة القراء إلى التفاعل مع الجريدة (المجلة) بالنصيحة والتوجيه والإرشاد و»العون على النفس إذا أخطأنا».

مهمة جهادية

ومع هذه الأريحية والسماحة، فإن «المجتمع» كانت حريصة على أن تبرز مهمتها الجهادية ضد الفكر المنحرف أو العدوان الفكري على الإسلام، فقد تصدرت الصفحة الأولى عناوين الموضوعات التي تعالجها المجلة في صفحاتها التي بلغت ثلاثين صفحة، وكان من أبرز موضوعاتها علاقة اليسار بالعمل الفدائي الفلسطيني، وكان اليسار في ذلك الحين محصّناً، والاقتراب منه مكلّفاً، بحكم تبني الحكومات التي كانت تسمي نفسها ثورية الفكر اليساري بتنوعاته المتعددة، كما كان الموضوع الثاني المهم هو الهجوم التبشيري على الكويت الذي يتخذ أنماطاً مختلفة من الأساليب الخبيثة.

وفضلاً عن ذلك، فهناك موضوعات أخرى متنوعة تتناول أخبار العالم، والقضية الكردية، والمشكلات الطبية، ودروس الهجرة النبوية، وشؤون الأسرة، وترجمات لبعض علماء المسلمين؛ مثل غلام شودري محمد، عالم باكستان المعروف، بالإضافة إلى أحوال فلسطين، وسموم التلفزيون الصهيوني، ومسابقات ثقافية وأخبار بلا عنوان.

وقد ضم العدد الأول مقالين لاثنين من الأعلام، أولهما د. عيسى عبده (رحمه الله)، وكان متخصصاً في الاقتصاد، ولعله كان من وراء فكرة الاقتصاد الإسلامي بكتبه العديدة التي ناقشت قضايا الاقتصاد على المستوى المحلي والدولي، وقد تجسدت فيما بعد من خلال البنوك الإسلامية حيث تعتمد المشاركة بدلاً من الربا، والعَلَم الآخر هو د. سالم نجم (رحمه الله)، وكان متخصصاً في أمراض الباطنة، ومثالاً للأخلاق الفاضلة، ولا أزكّيه على الله، وقد عالجني من بعض الأمراض المزمنة في فترة الثمانينيات.

وكان طبيعياً أن تبحث المجلة الوليدة عن دعم مادي يضخ الحياة في شرايينها، فجاءت الإعلانات لتشكل عنصراً مهماً من عناصر الدعم، وقد رأينا في العدد الأول إعلانات عن بعض الأجهزة الكهربائية؛ مثل المكيفات، والسيارات مثل سيارات «فولفو» الجديدة، التي وصفت نفسها بأنها «في قوة الصلب السويدي ومتانته، في أناقة بلاد الشمال وقوتها».

الشجاعة المهذبة

ظلت «المجتمع» في سنواتها التالية حتى الآن ترفع راية الشجاعة المهذبة في مواجهة الباطل وخدمة الحق على المستويات كافة، دون أن تتخلى عن موقعها على خط النار أو الصفوف الأمامية، وكان أفقها الرحب في فهم الأحداث والتعبير دافعاً لها كي تتطور باستمرار شكلاً وموضوعاً، وتتجاوز المصاعب والمتاعب التي مرت بها المنطقة، وتعرضها لتهديدات الأشرار في بعض العواصم.

وحين أُغلقت الصحافة الإسلامية في بعض البلدان العربية وفقاً لخطط شيطانية، فإن «المجتمع» فتحت صدرها لكل صاحب قلم حرّ نبيل، دون منّ ولا أذى، ولا هرباً وراء عباءة شعوبية مقيتة أو نظرة ضيقة عليلة، فكانت بحق منبراً لكل المسلمين من الأقطار العربية والإسلامية، وحين زرت بعض البلاد الإسلامية البعيدة رأيت حرص بعض القراء على متابعة «المجتمع» مع «الاعتصام» و»الدعوة» و»حضارة الإسلام».. وغيرها.

وقد أتيح لي أن أشارك في الكتابة على صفحاتها في الثمانينيات، وزادت مشاركتي في التسعينيات التي شهدت أحداثاً جساماً؛ احتلال الكويت وحرب الخليج الأولى، والبوسنة والهرسك.. وكان الأستاذ إسماعيل الشطي رئيساً لتحريرها في تلك المرحلة (لم أشرف بمعرفته شخصياً)، وظل في الكويت فترة الاحتلال العراقي ولم يغادرها، وشارك أهلها مصاعب الحياة، لدرجة أنه قام بأعمال يدوية مساعدة لإخوته في الوطن الجريح.

أما أحمد منصور – مذيع «الجزيرة»- وكان مديراً للتحرير، فله قصة مثيرة حين تعرض لمتاعب الاحتلال، وكان لما يزل متعاقداً جديداً، وقد عرض لهذه القصة في بعض كتبه، وعرفته في عام 1987م في المنصورة، بوصفه مديراً لدار نشر جديدة، ولكن دوره الصحفي في أفغانستان والبوسنة والهرسك كان مهماً للغاية، فقد زود «المجتمع» و»الاعتصام» و»الدعوة» برسائله الصحفية المهمة عن الأحداث التي تجري في بلاد الأفغان تحت الاحتلال الشيوعي الروسي، وكانت الصحف العربية المحلية والمهاجرة تغضّ الطرف عن مأساة الشعب الأفغاني وما يتعرض له من قصف بالغازات السامة التي كانت تسمى المطر الأصفر من جانب الطيران الروسي، وبالإضافة إلى الرسائل الصحفية، فقد نشر أحمد منصور في «المجتمع» على حلقات كتاباً سماه «مستقبل كابول»، كما تجرأ وذهب إلى سراييفو والتقى بزعماء المسلمين في البوسنة والهرسك، وكشف كثيراً من جوانب المأساة التي تعرض لها المسلمون هناك.

وكان من الكتّاب الدائمين في مجال الشأن العام د. توفيق الواعي (رحمه الله) الذي كان يكتب مقالاً ثابتاً مميزاً له تأثير كبير ومتابعون كثيرون.

وعلى مدى خمسين عاماً، فإن «المجتمع» لم تتوقف عن التطوير والتجديد، واهتمت بمجالات عديدة تخص المسلمين، خاصة الاقتصاد، والتربية، والأسرة، والترويح، والفتاوى، والأعلام، والثقافة والأدب، واحتضنت الشباب الموهوبين الذين صاروا اليوم أعلاماً في الشعر والرواية والنقد، ومما نشرته للشاعر الكبير حسن الأمراني في شبابه، وهو شباب دائم متجدد، قصيدة جميلة عن رأس السنة، يقول فيها:

مضت سنة وأطلت سنة

وفوق الصدور صدى الأزمنة

فلا الثلج يخلع ثوب البهاء

ولا الغيث يحتضن السوسنة

«المجتمع» في حاجة إلى باحث متفرغ في الماجستير أو الدكتوراه يرصد ويحلل ويقوّم الدور العظيم الذي قامت به في حدود إمكاناتها المتاحة.

نرجو لـ»المجتمع» في عيدها الخمسين طول العمر والتجدد، ولموقعها الإلكتروني دوام التوفيق والتحديث، لتكون دائماً في الخطوط الأمامية.

والله من وراء القصد.

السبت, 19 أكتوبر 2019 16:12

جائزة نوبل.. ومكافأة الوحشية!


لم تعد جائزة نوبل العالمية تمثل موقفا إنسانياً ينحاز للقيم العليا والأخلاق والسلام، وخاصة في جوائزها التي تمنح للأدباء والسياسيين ورجال النشاط العام. فقد سبق أن منحتها بعض الأشخاص الذين تجردوا من الإنسانية وولغوا في الدماء وسرقوا حقوق الآخرين ويعملون على حرمان الشعوب من حق الحياة. فقد منحوها مثلا للإرهابي مناحم بيجين، والسفاح شيمون بيريز، والعنصرية القاتلة أون سان سو تشي- رئيسة ميانمار(بورما)،وأخيرا وصلت إلى رئيس وزراء إثيوبيا الذي يصرّ على حرمان الشعب المصري من حقوقه في مياه النيل ليموت عطشا!
في مجال الأدب كانت الجائزة تعطى أحيانا لأدباء مغمورين، لا يمثل إنتاجهم الأدبي قيمة كبيرة، وولاؤهم للثقافة الغربية أو الصهيونية، وفي هذا العام منحت لشخص عنصري فاشي، صفق لجرائم الحرب التي ارتكبها الصرب الصليبيون المتعصبون ضد مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفا. ولم يكتف بالتصفيق بل دافع عنهم وعن جرائمهم، وشيع جنازة أكبر سفاح صربي وهو سلوبودان ميلوسيفيتش، وشهد لتبرئته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي بعد أن عبر عن تعاطفه معه ووقوفه إلى جانبه.
المفارقة أن رعاة الجائزة يرون أنفسهم غير مسئولين عن سلوك الفائز أو أفكاره ولو كانت ضد الإنسانية، ولا مجال عندهم لسحب الجائزة من فائز يضرب بأهداف الجائزة عرض الحائط، فإن رئيسة ميانمار مثلا الفائزة بجائزة السلام، تقود حكومة تمارس التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينجا وتطردهم خارج الحدود بعد أن تقتل منهم ما تستطيع، ولكن هيئة الجائزة تتنصل من مسئوليتها، وترى أنها منحت الجائزة، وانتهى الأمر.
العالم الغربي في جوائزه الأقل يقوم بسحب الجائزة من بعض الفائزين إذا قيل مثلا إن أحدهم معاد للسامية، ولو كان ساميا، أو إنه يؤيد مقاطعة الكيان الصهيوني الدموي الذي يحتل فلسطين ويستعبد أهلها... فقد انتشرت، أخيرا فى ألمانيا، ما يمكن أن نطلق عليه، فوبيا منح الجوائز للمعترضين على الممارسات الإجرامية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. وفى أقل من أسبوعين (أكتوبر 2019) قامت جوائز تمنح في ألمانيا بسحب الجوائز الأدبية والفنية من فائزين ارتكبا في زعم المانحين جريمة دعم حركة مقاطعة الكيان الصهيوني الغاصب.
في الواقعة الأولى أعلنت جائزة "نيللي ساكس" عن فوز الكاتبة البريطانية من أصل باكستاني كاميلا شمسي، بالجائزة من قبل مدينة دورتموند يوم 10 سبتمبر 2019م، قبل أن يصدر منظمو الجائزة بيانا، فى نهاية الشهر نفسه، قالوا فيه إن هيئة المحلفين غيرت رأيها بتكريم كاميلا شمسي، وأن جائزة 2019م لن تمنح هذا العام.
وقال بيان صادر عن الجائزة، إن هيئة المحلفين قررت منح الجائزة للكاتبة كاميلا شمسي لعملها الأدبي الرائع دون أن يكون أعضاء لجنة التحكيم على علم بأن المؤلفة شاركت فى إجراءات المقاطعة ضد حكومة الاحتلال بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين منذ العام 2014م.
وقد أدانت كاميلا شمسي القرار فى بيان نشره موقع ميدل إيست آي، وقالت إنها شعرت بالحزن بسبب خضوع هيئة المحلفين للضغوط.
أما الواقعة الأخرى فتمثلت في قيام مدينة آخن الألمانية بإعلان نيتها سحب جائزة منحتها للفنان اللبناني وليد رعد بسبب دعمه لحملة مقاطعة الكيان الصهيوني.
ولحسن الحظ فقد وجد الفنان اللبناني من يدافع عنه، ويقف في وجه سحب الجائزة لأسباب موضوعية. كان رئيس بلدية المدينة، مارسيل فيليب، أعلن فى بيان رسمي أنّ سبب سحب الجائزة التي تبلغ قيمتها عشرة آلاف يورو هو دعم وليد رعد لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والضغط على حكومة الاحتلال لمنح المساواة للمواطنين الفلسطينيين. وقد رفض "مجلس لودفيج للفن الدولي" تنفيذ القرار، معلنًا أن جائزة عام 2018م ستظل حاملةً لاسم وليد رعد. وأعلن المجلس أنّ أعضاءه لم يتمكّنوا من العثور على أى دليل يثبت أن رعد كان معاديًا للسامية، وفى مقابلة مع المجلة الألمانية "Deutschlandfunk"، قال المدير التنفيذي للمجلس إن المتحف حصل على الدعم والتمويل لمنح الجائزة، ولم يكن بحاجة إلى إذن من بلدية المدينة لتقديمها لرعد.
بيد أن حصول الكاتب المسرحي والروائي والشاعر النمساوي بيتر هاندكه على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام 2019م، كان وصمة عار في تاريخ الجائزة ومانحيها، وقد أثار موجة كبيرة من الغضب والحنق لدى أصحاب الضمير الإنساني في الأوساط الأدبية العالمية والمحلية. لقد سوّغت الأكاديمية السويدية اختيار هاندكه بأنه جاء تقديرًا "للعمل المؤثر الذي اكتشف براعة لغوية في أعماله وخصوصية التجربة الإنسانية"، وتجاهلت الجائزة تاريخ هاندكه وتجربته في دعم الصرب الذين فجّروا حرب يوغسلافيا العنصرية الدموية في التسعينيات، وإنكار المذابح الوحشية التي تمت في هذه الحرب، وهو ما عدّه كثيرون أمرًا غير خلقي وغير قابل للتبرير، فهو قريب جدًا من الزعيم الصربي العنصري السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتشا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، مع أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ "زلة اللسان".
وهناك سؤال تم طرحه بعد إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز هاندكه: لماذا استبعدت اسمه طوال سنوات؟ وما الذي استجد الآن ليجعلها تغيِّر موقفها؟ وهل يمكن أن يكون هذا الاختيار أحد تداعيات صعود اليمين الصليبي المتطرف في أوروبا؟ وماذا لو كان الكاتب متعاطفًا مع خصوم السامية مثلًا هل سينال الجائزة؟ وإلى أي درجة تشفع الأعمال «التي غاصت في عمق التجربة البشرية، مدعومة ببراعة لغوية» مساندة الفاشية أو الوحشية في أعتى صورها؟
لقد قوبل فوز هاندكه بموجة انتقاد ورفض واسعة، ومن العجيب أنه نفسه اندهش من الفوز، و قال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار "شجاع جدًا من قبل الأكاديمية السويدية". وقد أعرب الناقد رون شارليز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استيائه من الجائزة قائلًا عن محاولات الأكاديمية استعادة الثقة في الجائزة: "هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم." مشيرًا إلى أن الجائزة من المفترض أن يكون لها دور كبير في تسليط الضوء على الأدباء من الأماكن التي لا تحظى بالمتابعة الكافية على الرغم من وجود قامات أدبية بها، وكان من الممكن الاحتفاء بهم وبالتالي إعادة الثقة في المؤسسة. ونقل الموقع الالكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية BBC ما كتبه وزير خارجية ألبانيا "جنت كاكاج" على تويتر: "إن الجائزة كانت مخزية وتم منحها لـ "منكر للإبادة الجماعية"، وما كتبه رئيس الوزراء الألباني "إدي راما": "لم أفكر أبدًا في أنني سأشعر بالتقيؤ بسبب جائزة نوبل"، بينما قال رئيس كوسوفو "هاشم باتشي": "قرار جائزة نوبل جلب ألمًا هائلًا إلى عدد لا يحصى من الضحايا".
ومن الطريف أن جريدة الجارديان في عام 1999م، نقلت وصف الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي لبيتر هاندكه بـ "معتوه العام الدولي" على خلفية "سلسلة من اعتذاراته العاطفية عن نظام الإبادة الجماعية الذي نفّذه سلوبودان ميلوسيفيتش"، وبعد الإعلان عن فوز هاندكه بنوبل، نشرت الصحيفة ذاتها تصريحا لرشدي قال فيه: "ليس لدي ما أضيفه اليوم ، لكنني سأبقى على ما قلته سابقًا".( يشير إلى تصريحه السابق عام 1999م).
قال المؤلف هاري كونزرو: "هاندكه خيار مضطرب بالنسبة للجنة نوبل التي تحاول وضع الجائزة على المسار الصحيح بعد الفضائح الأخيرة، إنه كاتب جيد، يجمع بين البصيرة العظيمة والعمى الخلقي المروع".
وحسنا فعل الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي أصدر بيانا يرفض فيه منح جائزة نوبل فى الآداب لعام 2019م للكاتب اليميني والمتطرف النمساوي بيتر هاندكه.
تجدر الإشارة إلى أن الجوائز الأدبية بصفة عامة، المحلية والعالمية، صارت رهينة بأهدافها غير المعلنة من الجهات المانحة، وهو ما نراه في حصول بعض من لا يستحقون علي الجوائز المرموقة والمتواضعة، ولعل القراء يذكرون ذلك الشاعر العربي الطائفي الذي ما زال يتقرب إلى مانحي نوبل بإهانة الإسلام وتجريمه على مدى تاريخه أملا في الحصول عليها، ولكنهم مازالوا ينتظرون منه المزيد! وقد صرح أحد الكتاب العرب ذات يوم أن من يعارض سياسة بلاده لن يحصل على الجائزة المرموقة التي تموّلها حكومته!
لقد صارت الجوائز الأدبية في كثير من أنواعها رشوة غير مقنّعة، لكسب الولاءات وتغيير الذمم، وتسويغ الوحشية!
***

الإثنين, 02 سبتمبر 2019 14:24

لماذا تتحرش الهند بالمسلمين؟

في الأسابيع الأخيرة، قامت الهند صديقة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز على عهد جواهر لال نهرو ببعض الخطوات العدائية ضد المسلمين على المستوى العام والفردي.

أولاً: ألغت قرار الأمم المتحدة المتعلق بجامو وكشمير، وأغلقت الباب في وجه الحل السلمي للإقليم المتنازع عليه، وتبع ذلك اعتقال أعداد كبيرة من المسلمين وقياداتهم، وفرض حظر التجول مع إجراءات قمعية وتعسفية ضد السكان، فضلاً عن الاشتباك مع جنود باكستانيين في القسم الآخر من الإقليم التابع لباكستان ووقوع ضحايا.

ففي 5 أغسطس 2019م، ألغت الحكومة الهندية بنود المادة (370) من الدستور، التي تمنح الحكم الذاتي لولاية "جامو وكشمير"، الشطر الخاضع لسيطرتها من الإقليم، كما تعطي المادة الكشميريين وحدهم في الولاية حق الإقامة الدائمة، فضلاً عن حق التوظيف في الدوائر الحكومية، والتملك، والحصول على منح تعليمية.

ويرى مراقبون أن الخطوات الهندية من شأنها السماح للهنود من ولايات أخرى بالتملك في الولاية، وبالتالي إحداث تغيير في التركيبة السكانية للمنطقة، ونزع صفة الإسلامية عنها بإيجاد أكثرية هندوسية.

ثانياً: بدأت الهند في عمليات التهجير القسري لإقليم آسام (شمال شرقي البلاد) الذي تسكنه أعداد كبيرة من المسلمين، بحجة توثيق الجنسية، وألزمت المسلمين الإثبات بالوثائق أن أجداد الشخص مولودون في الهند، وليسوا مهاجرين من بنجلاديش بعد تفكيك الباكستان عام1971م، وهو أمر من الصعب إثباته، مما يعرض صاحبه إلى الترحيل من البلاد ولو كان في الحقيقة هندياً قحاً.

وقد أقصت سلطات ولاية آسام نحو مليوني شخص عن قائمة المواطنين ضمن حملة "إثبات الجنسية" الموجهة ضد المسلمين، وأكد منسق السجل الوطني للمواطنين في الهند براتيك حاجيلا أن القائمة النهائية التي نشرت في 31 أغسطس2019م، تضم 31.1 مليون من سكان الولاية وتستثني منهم 1.9 مليون نسمة، وتنوي الحكومة تقديم تسهيلات للأقليات الدينية الأخرى، مثل الهندوس والبوذيين والمسيحيين، لا تنسحب على المسلمين.

ثالثاً: تزايدت عمليات قتل المسلمين من جانب الهندوس في عمليات تحرش مقصودة ولأسباب تافهة، لدرجة أن مجموعات هندوسية تقوم بقتل شخص مسلم بالضرب المبرح دون رادع من الأمن أو القانون، ويسهم في ذلك الحركة القومية الهندوسية التي يشجعها رئيس الوزراء ناريندرا مودي المتعصب الذي يعلن جهاراً نهاراً في شتى المناسبات عن عدائه للمسلمين، والحركة القومية الهندوسية التي ينتسب إليها بالعضوية وما زال رئيس الوزراء وبعض أعضاء الوزارة تبدي إعجابها بطغاة مستبدين مثل موسوليني، وهتلر.

وتبدو الأمور في طريقها إلى تصعيد يخسر فيه المسلمون الكشميريون والهنود حريتهم ووطنهم وأمنهم، ولا يخفى على المراقب أن علاقة وثيقة صارت تربط بين الحزب اليميني الحاكم في الهند مع الكيان الصهيوني الغاصب، والولايات المتحدة والروس، وتشمل هذه العلاقة التزويد بأحدث الأسلحة وإقامة المشروعات الاقتصادية العملاقة، وهو ما يشي بمزيد من المتاعب للمسلمين مستقبلاً.

وإذا عرفنا أن بعض الدول العربية تؤيد الهند علناً، وأخرى تدعمها باستثمارات ضخمة تصل إلى عشرات المليارات، وأن باكستان تقف وحيدة في الميدان بدعم خافت من الصين، فإن المسلمين في جامو وكشمير والهند تنتظرهم أيام صعبة بلا ريب.. لم تملك باكستان غير تخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع الهند، وسحب سفيرها من نيودلهي، وأوقفت التبادل التجاري معها، وهو ما شكل ضربة موجعة للسياسة الهندية العنصرية المتمسكة بعدائها للمسلمين، والمصرة على إذلالهم!

وقد تحدث رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان عن الأزمة، فدعا الهند إلى الحوار، وناشد العالم التدخل لمنع اشتعال حرب نووية كبرى ستحدث آثاراً مؤلمة لا يعلم مداها إلا الله، ودعا خان المجتمع الدولي إلى التفكير في مزايا التجارة والأعمال، بدلاً من الحرب بين دولتين نوويتين، وإلى الحوار والمفاوضات في سبيل إنهاء معاناة الشعب الكشميري، وهو ما أكده لاحقاً وزير خارجية باكستان شاه محمود قريشي، حيث أعرب في حوار أجراه مع شبكة "بي بي سي" البريطانية عن استعداد بلاده للتحاور مع الهند، شرط موافقة نيودلهي على تخفيف حدة التوترات في إقليم كشمير.

وأوضح أنه "إذا أقدمت حكومة نيودلهي على رفع حظر التجوّل المفروض منذ 4 أشهر في المناطق الخاضعة للاحتلال الهندي بإقليم كشمير، وحسّنت من أوضاع سكان تلك المنطقة، وأخلت سبيل القياديين في كشمير وسمحت لهم بلقائي.. عندها يبدأ الحوار بين باكستان والهند".

وجدد تأكيده أن إسلام آباد كانت ومازالت تؤيد فكرة حل الخلافات بالحوار، وأن الهند الطرف الذي يرفض الجلوس على طاولة المحادثات.

كما أكد وزير الخارجية الباكستاني عدم رغبة بلاده في خوض حرب مع الهند، وشدد في الوقت ذاته أن قوات بلاده مستعدة لأي احتمال.

إن المسلمين في جامو وكشمير والهند تحت قبضة التعصب الهندوسي العنصري، ودعم العالم الغربي والصهيونية وروسيا للهند، وتجاهل العالم الإسلامي للمحنة الإسلامية، ومشاركة بعض دوله في تأييد الهند ومساندتها اقتصادياً، وهو ما يوجب على الشعوب الإسلامية أن تخاطب الهند باللغة التي تفهمها، فلديها تجارة واسعة مع التجار العرب والمسلمين، ولديها عمالة ضخمة في البلاد العربية، وهناك احتياجات اقتصادية أخرى للهند في عموم البلاد الإسلامية، أظنها كفيلة بجعل السيد مودي، رئيس الوزراء الهندي، يراجع نفسه.

الصفحة 1 من 18
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top