د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 26 أبريل 2016 09:45

المشاة سادة المعارك

لا يزايدنّ أحدٌ علينا في ضرورة أن يكون لنا جيش يفوق جيوش المنطقة قوة وتدريباً واحترافاً، الناس يتحدثون عن الجيش ليقوم بوظيفته الأساسية، وهي تأمين مياه النيل، وحفظ الحدود، وفرض السيادة القومية الكاملة على سيناء، وتحرير أم الرشراش، ومنع العدو النازي اليهودي من إقامة قناة موازية لقناة السويس!

عندما تقوم الجيوش بوظائف الحكم والسياسة فإنها تعرض البلاد والعباد إلى متاعب لا قبل للشعوب بها، أقلها الهزائم المذلة على يد حثالة الأمم من الغزاة والمحتلين، وهو ما حدث قبل يونيو 1967م، وقف البكباشي الأرعن يوم 25/ 5/ 1967م في مؤتمر صحفي عالمي بعد قراره بطرد قوات الأمم المتحدة وإغلاق مضايق تيران ليعلن بصوت مجلجل: "أنا مش خرع زي مستر إيدن"! كان البكباشي يرد على سؤال لصحفي إنجليزي سأله عن صحته، الإجابة تعني أنه واثق من نفسه وجيشه، ولكن جاءت الرياح بما لا يشتهي.

بعد عشرة أيام بالضبط كانت قوات العدو النازي اليهودي تصل إلى حافة قناة السويس الغربية، صارت المضايق في يديها، وأضحى الطيران المصري في خبر كان، واستولى الغزاة على 800 دبابة روسية جديدة (لانج) لم تطلق رصاصة واحدة، وراحت طائرات الهليكوبتر الصهيونية تحصد الشباب المصري والضباط المرفهين بطلقات "الفيكرز"، وهم يهرولون في الصحراء القاحلة نحو القناة.

كان القادة العظام مشغولين بالسياسة والفن وأشياء أخرى أكثر من اهتمامهم بحرفتهم العسكرية، في كرة القدم مثلاً كان المشير (الصاغ سابقاً) عبدالحكيم عامر رئيساً لاتحاد كرة القدم، وقائد القوات البرية الفريق عبدالمحسن كامل مرتجي رئيساً لـ"النادي الأهلي"، أما قائد الطيران الفريق محمد صدقي محمود فكان رئيسا لـ"نادي الطيران"، والفريق سليمان عزت رئيساً لـ"نادي البحرية" (لعله اندمج فيما بعد مع "نادي الترام" لتكوين ما يسمى الآن بـ"الاتحاد السكندري")، ومن لم تسعفه إدارة نوادي كرة القدم، ففي السلة والسباحة وكرة اليد والتنس وغيرها متسع له!

من المفارقات أن الفريق محمد صدقي محمود كان قائد الطيران في عام 1956م، وعندما سئل عن عدم قيام الطائرات المصرية بمواجهة الهجوم النازي اليهودي في سيناء، أفاد أنها لم تزوّد بالوقود، فلم تستطع الطيران، فتم تدميرها دون أدني دفاع، ومع ذلك بقي قائداً للطيران أحد عشر عاماً أخرى حتى تم تدمير الطيران مرة ثانية!

كان جيشنا المفدى مشغولاً بالسياسة والاتحاد الاشتراكي ولجنته المركزية، ومقاومة الإقطاع، وعلى سبيل المثال قام بتجريد أفراد عائلة الفقي في المنوفية من أملاكهم وتعذيبهم وحبسهم لأنهم – كما زعموا - قتلواً شيوعياً من أهل المنطقة، وكان نضال، وكان انتصار على العائلة المذكورة، وتطبيق عربي للاشتراكية المنحوسة التي استبدلت الماركسية بالإسلام.

عقب الهزيمة مباشرة وجدت نفسي مجنداً في الجيش مع عشرات الألوف ممن يسمونهم حملة المؤهلات وأصحاب المستوى الثقافي العالي، ووجدت نفسي مع غيري من الخريجين نحمل أرقاماً، وانتماء إلى كتائب، ولواءات ذات أرقام.

كانت الفكرة أن تجنيد المؤهلين يساعد على بناء جيش يفهم في المعدات المعقدة والأجهزة التي تقوم على الحسابات الآلية وغير ذلك، ثم وهو الأهم فإن الجندي المؤهل سيتعامل مع زميله الضابط المؤهل، وقد يكونان من كلية واحدة أو معهد واحد، فتكون لغة التفاهم ممكنة، ويتلاشى إلى حد كبير الفارق الطبقي الذي كان يعزل الضابط عن الجندي، وخاصة أن الاتجاه الذي ساد بعد الهزيمة أن يعيش الضابط مع الجندي في خندق واحد، ويأكلان من طعام واحد لا تمييز فيه، بعد أن كان هناك "ميس" (مطعم) للضباط، وآخر للجنود أو لا ميس لهم على الإطلاق.

ثم إن التدريب كان يأخذ منحى جاداً، وكان الشعار "نقطة عرق تساوي نقطة دم"؛ أي إن بذل المزيد من التدريب يوفر الدماء والأرواح، وأذكر أن شعاراً ضخماً بطول جدران مركز التدريب في السلاح الذي أنتمي إليه كان يقول: "المشاة سادة المعارك"، وهو شعار تحقق في معارك الدبابات في سيناء عند العبور.

انشغل القادة والجنود بالتدريب والتغلب على القصور الكمي والنوعي في السلاح والصعاب والعقبات التي تعترض المقاتلين، والاستعداد للعبور وكسر الذراع اليهودية المعتدية، والانتقال إلى مرحلة المبادأة بالهجوم التي كانت حكراً على العدو منذ إنشاء كيانه الغاصب.

كان الفريق سعد الدين الشاذلي يعلم الجنود كيف يتعاملون مع العدو، ويوزع كراسات صغيرة مطبوعة فيها الكلمات والعبارات العبرية للتفاهم مع أسرى العدو، ومساعدة جنودنا للتغلب على ما يصادفهم من عقبات وصعاب على المستويين الشخصي والجماعي، لم يتدخل الرجل أو غيره من القادة في قضايا السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، ورفض مع الجمسي في مذكراتهما تدخل الجيش في السياسة، كانت وجهتهما مع قادة العبور هي العدو الغاصب لأرضنا المذل لكرامتنا.

قضيت فترة التجنيد الإجباري، وظننت أني سأخرج للحياة المدنية، ولكن كان هناك قرار بالاستبقاء في الاحتياط لكل من انتهت خدمته الإجبارية، انتظاراً للمعركة الفاصلة، ومرت الأيام ثقيلة وبطيئة دون معركة شاملة ودون خروج نهائي، ويوم جاءت المعركة في العاشر من رمضان كان الأداء رائعاً، وكانت حركة المرور فوق كباري العبور أدق من المرور في ميدان التحرير كما قالت الصحف الأجنبية يومئذ.

هذا الجيش العظيم – مع كل ما يقال عن حرب العبور ودوافعها وغاياتها – قدم أروع ملحمة في التاريخ الحديث لكسر الذراع النازية اليهودية وإعادة الاعتبار للشعب المصري كله، والسؤال: لماذا يفرط الجيش في هذا المجد، ويغرق في أوحال السياسة، ويجعل من نفسه طرفاً في صراع عبثي، ويسمح لنفسه بنشر قواته ومدرعاته وصاعقته ومظلاته في شوارع القاهرة وغيرها ليمنع الشعب من التعبير عن غضبه من الانقلاب والاستبداد وقتل الأبرياء وحبسهم بعشرات الألوف وراء القضبان ومصادرة الأموال، والتفريط في مضايق تيران وصنافير التي ستذهب بلا ريب إلى العدو ليتحكم في الخليج وسيناء والقناة؟!

المكان الطبيعي للجيوش هو الثكنات العسكرية، والسياسة من اختصاص الشعب الذي يصدر أوامره لكل المؤسسات بما فيها الجيش والأمن والقضاء، والإرادة الوطنية هي التي تقضي في أمر السيادة على الأرض، ولا إرادة فوقها.

المشاة سادة المعارك التي تعيد السيادة والقيادة للأمة، وتطيح بالغزاة والمحتلين!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الأربعاء, 20 أبريل 2016 08:02

مزرعة الحيوانات المصرية!

آن الأوان أن نخرج من عهد مزرعة الحيوانات!

بعد جمعة "الأرض هي العرض" يوم 15/ 4/ 2016م صار من الملائم أن نرتب لما بعد مزرعة الحيوانات المصرية: كيف سنبني مجتمعنا المصري الحر الذي يسع الناس جميعاً ويقوم على المشاركة والعدل والكرامة الإنسانية؟

في رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوانات" (نشرت عام 1945م)، نطالع نظاماً يقوم على إرهاب الدولة والقمع السياسي من خلال جهاز الشرطة السرية والعلنية على عهد ستالين، تعرض الرواية فساد الثورة الشيوعية على أيادي قادتها، وتوضح كيف دمر الانحراف وعدم المبالاة والجهل والطمع وقصر النظر أي أمل في المستقبل والكرامة، بالإضافة إلى ذلك تكشف الرواية وقوع فظائع وحشية بسبب عدم تحقق انتقال سلس إلى حكومة الشعب، وعلى امتداد الرواية تسخر شخصياتها وأحداثها من الدوجماتية السياسية، والسلطوية وسذاجة البشر.

أورويل صاحب رواية "1984" الشهيرة أيضاً؛ (نشرت عام 1949م) يواصل فيها العزف على معطيات الاستبداد من ظلم وقهر ووحشية التي تناولها في المزرعة.. هل هناك فارق بين ما نعيشه ومزرعة الحيوانات؟ كلاً بالطبع، ربما كان الواقع عندنا أسوأ، فقد سمعنا مؤخراً من يقول: إنه نصح الرئيس مرسي – فرّج الله كربته – بأن الجيش يقف مع الشعب، وإذا رفض فإن الجيش ينحاز إلى الشعب! أي باختصار: الجيش هو صاحب الكلمة الأولى، وأصوات الناخبين لا قيمة لها عندما يرى الجنرالات أن الرئيس المنتخب غير مريح لهم! أي إننا لابد أن نعيش في مزرعة الحيوانات نسمع ونطيع لستالين وجهاز دعايته الكذوب الذي لا يتوقف عن الكذب، والحمير وحدها هي التي تنجو من الافتراس لأنها لا تتكلم ولا تبدي رأياً.

كانت "جمعة الأرض" استعادة لثورة يناير في صورة مبهرة، وإن كانت في حجم أقل من حجمها الأصلي، ولكنها تشي بما هو قادم - إن شاء الله تعالى - بعد أن بلغ التوحش مداه، وجرى نهر الدم كما لم يجر من قبل، وانتعش تلامذة مسيلمة لدرجة أن صاروا أكذب منه، وجعلوا الشعب المسكين يعيش "فنكوشاً" غير مسبوق، وإذا بالحقيقة اليومية على أرض الواقع تصدمه غلاء وبؤساً وقمعاً وقهراً وتغييباً وراء الأسوار واختفاء قسرياً، وعودة كتاب التقارير، واستشراء العنصرية الفاشية بصورة غير مسبوقة، وأضحى الشرفاء النبلاء هدف التصويب لكل أفاك أثيم.

لابد من النظر إلى المستقبل كي لا تسرق الثورة مرة أخرى؛ كما سرقت بعد اختطاف الرئيس الشرعي الذي حذرنا من سرقتها مراراً وأعلن أن ثمنها حياته، وانصرفنا إلى التلاوم والمشاحنات والإدانات المتبادلة، بينما هناك من يدفعون الثمن في أعماق السجون والمعتقلات والتخشيبات، لا يرون ضوء الشمس، وينكل بهم على الشاشات والصفحات صبيان مسيلمة، لقد كان انطلاق جموع المصريين على اختلاف انتماءاتهم في "جمعة الأرض" مثيراً لإعجاب العالم، وجاء بيان الإخوان المسلمين بعدها ليقدم موقفاً نبيلاً حين أشار إلى أن الإخوان يعملون بين جمهور المصريين ومن ورائه بحثاً عن الحرية والكرامة، وهو ما يوجب على بعض القوى التي استيقظت مؤخراً على كارثة مزرعة الحيوانات أن تكف عن إهانة الإخوان، بل أطالب هذه القوى أن تمتلك الشجاعة الأدبية للاعتذار عما اقترفته في حق التيار الإسلامي كله وفي القلب منه الإخوان؛ لأن المزرعة لا توفر أحداً حتى من انساقوا وراء انقلابها وغدرها، واستهانتها بإرادة الشعب المظلوم!

من الواجب أن يتفق جميع فرقاء الثورة على مجموعة من النقاط الأساسية، حتى لو لم يكن هناك قائد للثورة، وإن كان القائد موجوداً وصامداً وراء الأسوار المظلمة وهو الرئيس المنتخب – ثبته الله على الحق.

يجب استعادة قواتنا المسلحة إلى مهمتها المقدسة وهي حماية الأرض والعرض، وانتشالها من أوحال الحكم والسياسة وعدم توريطها في القتال ضد أي طرف من أطراف الشعب، وينبغي أن يكون جيش العبور هو المثل الأعلى الذي يحتذيه القادة حتى تعود السيادة الكاملة على أرض سيناء.

لقد حكم الجيش البلاد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أكثر من ستين عاماً، فكانت المآسي التي حلت بالشعب غير مسبوقة في التاريخ؛ هزائم مذلة، وضعف اقتصادي، وقمع وحشي، وأجيال من العبيد يحركها الخوف والرعب إلا من رحم الله من الصابرين على البلاء الذين يضحون بأعمارهم وأموالهم من أجل الوطن التعيس.

ثم إن التورم غير الحميد لأجهزة الأمن من خلال وزارة الداخلية وخاصة جهاز أمن الدولة ومن يسمون بأمناء الشرطة، يستوجب جراحة عاجلة، تقدِّم رجل أمن جديداً، يملك شهادة الحقوق والتدريب على حماية المواطن ومساعدته، وليس ترويعه وقهره وتعذيبه والاستهانة به والتعامل معه متهماً حتى تثبت براءته.

يترتب على ذلك أن يكون الأمر للقضاء في أي خلافات بين السلطة والشعب أو بين أطراف المجتمع وبعضها، وهو ما يحتم مراجعة الهيكل القضائي، وإلغاء ما يسمى بالزحف المقدس للمحظوظين، ويجب تعيين أوائل كليات الحقوق ولو كان بعضهم ابناً لأب متواضع وليس وضيعاً (لدينا سبع عشرة كلية يمكن أن تمد الجهاز القضائي سنوياً بما يزيد على مائتين من أفضل العناصر).

ولا شك أن ذلك كله لا يتحقق إلا من خلال اقتلاع جذور الفساد ومحاسبة المفسدين، وخاصة أولئك الذين عملوا لحساب التنظيمات السرية التي أنشأتها الدكتاتورية بدءاً من التنظيم الطليعي حتى أبناء مبارك إلى ما يسمى قيادات المستقبل وغيرهم، ويلحق بهؤلاء أبواق الزور وأقلام التضليل التي شجعت على القتل والفساد والاستبداد.

إن العدالة بين أبناء الشعب تقضي المساواة في الحقوق والواجبات والأجور ورفض الاستثناءات التي تتحول إلى حق دائم، فالتمييز بين فئات المجتمع يمثل عنصرية فاشية غير مقبولة دينياً واجتماعياً وسياسياً، مثلاً ماذا يعني أن يحال شخص إلى التقاعد في سن الستين، وآخر في سن السبعين؟ المساواة ضرورة إنسانية لنزع فتيل الاحتقان والغضب والصراع.

في كل الأحوال يجب أن يتفق الفرقاء أن يكون التصويت في انتخابات حرة نزيهة هو الطريق إلى قيادة الدولة وكراسي الوزارة وقيادة المؤسسات العلمية والإنتاجية والمحلية وفق قوانين عادلة، يلتزم بنتائجها جميع المعنيين، ويفصل القضاء فيما يظهر من خلافات وتظلمات، وينبغي أن تتراضخ المؤسسات جميعاً لإرادة الشعب!

ثم هناك دماء الناس التي سالت في الميادين والشوارع والبيوت والسجون والأقسام قبل سقوط مبارك وبعده، وتفرض على الثوار أن يعيدوا الحقوق إلى أصحابها حتى لا تستباح الدماء مرة أخرى.

يجب ألا نعيش في مزرعة الحيوانات مرة أخرى!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الأربعاء, 06 أبريل 2016 15:31

"أسد" الداخلية جاء يشرب "شاياً"!

أخبرنا النائب جون طلعت، عضو مجلس النواب الانقلابي، أن اتفاقاً نهائياً تم بين الدير المنحوت والدولة يوم السبت 26 مارس 2016م،  لتنفيذ طريق الفيوم/ الواحات بمحمية وادي الريان بالفيوم، والطريق يشق سور الدير المنحوت الذي أقامه الرهبان حول 13 ألف فدان من أراضي المحمية المملوكة للدولة، أضاف طلعت في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه تمت الاستجابة لطلبات الرهبان(!) التي تضمنت إنشاء سور حول مساحة 3 آلاف فدان حول القلايات والمساكن الخاصة بهم، بالإضافة إلى سور آخر حول 1000 فدان مزارع وتسترجع الدولة باقي المساحة حيث يتم إنشاء الطريق! هل سينشئون دولة مثل موزمبيق؟

وأكد النائب أنه تم التوافق بين جميع الأطراف، في حوار وطني(؟) بين الدولة والرهبان لإعلاء مصلحة الدولة، جدير بالذكر أن الأيام الماضية كانت قد شهدت خلافاً كبيراً(!!) بين رهبان الدير المنحوت بوادي الريان بمحافظة الفيوم وبين الدولة عقب بدء تنفيذ طريق الفيوم/ الواحات، الخلاف ليس سرقة أراضي الدولة؟

كان عدد من الرهبان قد قاموا بإشعال النيران في معدة تابعة لشركة المقاولون العرب التي تتولى تنفيذ المشروع، وتم تبادل إطلاق النار وألقى القبض على الأنبا بولس الرياني، وعقب ذلك وقعت انشقاقات بين الرهبان، وقدم الراهب مارتيروس الرياني المؤيد لشق الطريق بلاغاً ضد 12 راهباً وطالبي رهبنة في الدير، وأكد أنهم معارضون لشق الطريق ويقفون ضد تنفيذ إرادة الدولة، ووجه لهم العديد من الاتهامات، وبعد ذلك قرر عدد من النواب البرلمانيين بقيادة النائب جون طلعت التدخل في حوار وطني(؟)، وتم التوصل إلى اتفاق نهائي. (لم يشر أحد إلى استخدام اللصوص للسلاح!).

يذكر أن أزمة الدير المنحوت بدأت منذ عام 1998م، حيث بدأ الدير في الاستيلاء على أراضي المحمية الممنوع البناء عليها وفقاً للقانون وضمها للدير، وازدادت الأزمة في أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م، عندما قام رهبان الدير المنحوت بالتعدي بوضع اليد على ٨٣٠٠ فدان أخرى من أراضي الدولة بمنطقة المحمية الطبيعية، وأقاموا بعض المنشآت عليها واستكملوا تنفيذ سور بطول نحو ١١ كم يرتكز على جبلين؛ الأمر الذي أعاق تنفيذ طريق وادي الريان - الواحات البحرية، وكذلك منع تردد الأهالي على منطقة المحمية الطبيعية والعيون المائية المتدفقة منها.

قام رواد التواصل الاجتماعي بنشر فيديو صادم ومحرج، ظهر فيه الراهب بولس وكيل دير المنحوت يطرد اللواء ناصر العبد مساعد وزير الداخلية، ومدير الأمن، وكذلك المستشار وائل مكرم محافظ الفيوم من دير المنحوت بمساعدة بعض رهبان الدير، فقد كانوا يقومون بزيارة الدير لكي يتوصلوا إلي السبب وراء اعتراض الرهبان على مد طريق الفيوم الواحات، وكذلك لكي يتناقشوا في قيام الرهبان بالاستيلاء على ألف فدان من أراضي الدولة زاعمين أنها ملك لهم، كما قام الرهبان بوصف المحافظ ومن معه من شخصيات مهمة بالخونة والجبناء، ثم انصرفوا جميعاً دون أن يقوموا بنطق كلمة واحدة!

قيل: إن اللواء ناصر العبد تودّد كثيراً إلى الرهبان، وتحدّث معهم بلغة رقيقة مهذبة للغاية، وأفهمهم أنه جاء ليشرب الشاي معهم لا لينفذ القانون، ولكن القوم بحكم انتمائهم إلى طائفة متمردة يقودها الأنبا تواضروس، المرشد الأعلى للانقلاب العسكري الدموي الفاشي، لم يلقوا بالاً للواء ولا المحافظ ولا بقية الرهط الحكومي المبارك! وشيعوهم بالسباب والتهم الغلاظ!

ويعلم القراء أن اللواء العبد اشتهر بأنه الرجل (الحمش) الذي أبلى بلاء غير حسن في استئصال شأفة المسلمين الرافضين للانقلاب في الإسكندرية ثم الفيوم، فقد تعامل معهم بأشد اللغات فظاظة ووحشية وكم شهد الدور الرابع في أمن الإسكندرية كثيراً من الانتهاكات والتعذيب والصعق بالكهرباء لشباب مسلم بريء يقول ربي الله، لم يسرق أو يقتل، أو يستولي على آلاف الأفدنة من أراضي الدولة.. ولكن ماذا تقول في أسد الداخلية الذي يتحول إلى إنسان رقيق مهذب أمام اللصوص الطائفيين؟

الإنسان المسلم في عرف اللواء العبد هو الحائط "الواطئ" وهو المستباح وهو الذي بلا ثمن، أما الطائفي اللص المجرم فالحوار معه ضرورة حتى لا تحدث فتنة طائفية تتحدث عنها الركبان في الإعلام الصليبي الفاشي، وتابعة الإعلام الانقلابي الفاشي، فسرقة 13 ألف فدان أمر يسير وهين، ولا يستوجب أن تنفذ الدولة إراداتها، ولا الحكومة قانونها، ولكنها توجب اقتحام البيوت السحل والتعذيب والقتل للمسلمين ولو كانوا أبرياء، تصور مثلاً لو كان هناك مسلمون استولوا على بضعة أفدنة تعد على أصابع اليدين أو اليد الواحدة، ولا تعترض إنشاء طريق دولي أو محلي، ماذا كان يفعل بهم اللواء العبد ورهطه المبارك ومجموعاته القتالية الملثمة؟

بالتأكيد كان سيتم سحقهم مع من يقف إلى جانبهم أو يتفرج عليهم، ولكن رعايا دولة المرشد الأعلى للانقلاب وزعيم دولة الكنيسة لهم كل المودة والتقدير والحديث همساً، ولو كانوا لصوصاً يسرقون آلاف الأفدنة، ويمنعون إنشاء طريق للمصلحة العامة!

تنزع الدولة الملكية الخاصة من أجل الملكية العامة حين تقيم جسراً أو مشروعاً أو مدرسة أو مستشفى أو حتى مركز شرطة أو قسم بوليس، ولا تتفاوض مع صاحبها المسلم أو أصحابها المسلمين، وتماطل في دفع التعويض البخس سنوات طوالاً، ولكنها مع أبناء دولة الكنيسة شيء آخر، ويتحول لواءاتها إلى حمائم رقيقة مستأنسة تغني أعذب الألحان وتعزف أرق النغمات، اللواء العبد والمحافظ مكرم رفضا أن يعقبا أو يصرحا بشيء عن إهانتهما من جانب الرهبان اللصوص، وامتنعا عن الإفصاح عما جرى لهما، طبعاً من أجل الوحدة الوطنية كل شيء يهون، وليذهب القانون إلى الجحيم!

محمود محمد، طفل "التي شيرت" الذي كان مكتوباً عليه "وطن بلا تعذيب"؛ تم تعذيبه مع زميله الطالب الجامعي إسلام وبقيا في السجن سنتين وسبعين يوماً، ثم أفرج عنهما بعد ضجة عالمية، وكفالة ألف جنيه لكل منهما، ولكن اللواء العبد يتحسس كلامه عن الراهب الذي قبض عليه هارباً من تنفيذ ثلاثين عاماً حبساً تتفاوت أسبابها.

الإعلام الانقلابي لم يتحدث كثيراً عن السلاح الذي استخدمه الرهبان اللصوص لحماية دولتهم التي سرقوها من محمية الريان الطبيعية، وسخر بعضهم: هل في الأديرة سلاح؟ وهل يلجأ الرهبان إلى حرق معدات المقاولون العرب؟

تم التعتيم على تبادل إطلاق النار الذي قام به اللصوص مع السلطة، لأن ذلك من خصائص المسلمين الأبرياء الذي تتم تصفيتهم بالمجموعات القتالية الملثمة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

السبت, 02 أبريل 2016 13:31

يصلي في السجن ويدعو

أذكر في صباي قبل خمسين عاماً أو يزيد قصة طريفة لها دلالتها المعنوية والقيمية، سرق أحدهم معزة أو عنزاً من أحد الجيران، وتصادف حادث السرقة مع زفاف أحد أبناء اللص، وأقيمت الوليمة وأكل الناس وشبعوا، وبعد أيام قلائل شب حريق هائل في دار العريس وأبيه، وفوجئ الناس بأحد الجيران يصيح وسط الناس الذين حضروا للإطفاء:

- كفاية يا محمد.. كفاية يا محمد!

ذهل الناس من هذا الصياح الذي تكرر، وسألوا من يكون محمداً؟ وماذا يقصد الصائح بكلمة كفاية!

عرف الناس أن المقصود بمحمد: صاحب العنز المسروقة، وأن الاتهام يتجه مباشرة إلى أصحاب الفرح الذين شبت النار في بيتهم، وأن صاحب العنز المسروقة رجل طيب، لا يملك إلا الدعاء في كل صلاة على من سرقها وحرمه منها، وهو في حاجة إلى ثمنها، وآمن القوم أن الحريق انتقام إلهي من اللص وابنه!

في تفسيرهم لما يحدث في مصر من فضائح سياسية وأمنية قال أهل البلد البسطاء:

- إن "مرسي" يجلس في سجنه يصلي، ويدعو على الانقلابيين الذين ظلموه، وينتقم الله له ممن غدروا به وآذوه، ونكلوا بالأحرار شر تنكيل!

الرئيس الشرعي المختطف محمد مرسي أمضى ألف يوم في غيابات الجب، ينكل به الجنرال، الذي وثق فيه مرسي، وصعّده رتبتين، واستأمنه على الجيش والبلاد، فإذا به يضعه وراء القضبان، ويتفنن في إيذائه، ومرمطته يومياً في المحاكم، ويقدمه إلى محاكمات متعددة، بتهم ظالمة وملفقة، ويطلق عليه كلاب الحراسة ونعال البيادة في الفضائيات، والصحف، والمنتديات، والمنشورات تشوه صورة الرجل، وتشهر به وبغيره من المسلمين، لدرجة أن بعضهم وصل به الانحطاط والسفالة إلى الادعاء أن العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد مرسي قدم طلباً إلى المسؤولين يطلب فيها أن يوفروا له عنزتين ليكونا معه في زنزانته!

لم يقل لنا هذا الشخص الذي نسيت اسمه: لماذا طلب الرئيس المختطف هاتين العنزين؟ وماذا سيفعل بهما وهو أسير لا يرى النور خارج الجدران العالية؟ ولكنه اللدد والتسافل والخسة التي تتملك من لا يملكون الشرف ولا المروءة ولا النخوة، فيستأسدون على الأسرى والذين لا يملكون من أمرهم شيئاً!

الرئيس مرسي بعد ألف يوم ما زال شامخاً أبياً رائعاً، لم يستسلم، ولم يتنازل، ولم يتخل عن شعبه وحريته، وقال قولته الخالدة التي سمعها العالم: الحرية ثمنها حياتي!

لقد زعم الانقلابيون أنهم سينقذون الشعب من الانقسام والانهيار، وأنهم سيمنعون مصر من العودة إلى العصور الوسطى (بالمفهوم الأوروبي الكنسي)، وأعلنوا أنهم شعب، وطلاب الحرية والكرامة والشورى شعب آخر، فإلى أي مدى وصل الانقلابيون في جريمتهم النكراء؟

سفكوا دماء الآلاف في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح والقائد إبراهيم وأكتوبر وكرداسة وناهيا ودلجا والبسارطة والشوارع والميادين والقرى والنجوع.

غيّبوا وراء الأسوار المظلمة أكثر من ستين ألفاً من أشرف الناس وأنبلهم بدعاوى بائسة وكاذبة، ولأول مرة في تاريخ مصر تنضم المرأة المصرية المسلمة إلى قائمة الضحايا والمعتقلات والمغتصبات على يد الوحشية الدموية الانقلابية، وما زال عدد الأسرى يزداد مع اقتحامات الانكشارية كل ليلة للبيوت الآمنة الوادعة التي تؤمن بالإسلام!

صادروا الحريات والأموال الحلال، وطاردوا الأبرياء في الداخل والخارج، وأغلقوا القنوات والصحف ودور النشر التي تنتمي إلى الإسلام والحرية والشورى، وتركوا المجال لكلاب الحراسة ونعال البيادة كي ينهشوا لحوم الأبرياء والأحرار والشرفاء!

زيّفوا ودلّسوا وضلّلوا وزوّروا، وقالوا لنا كما قال فرعون لقومه الفاسقين: أنا ربكم الأعلى!

محمد مرسي في غيابات الجب منذ ألف يوم لا يملك من أمره شيئاً، يصلي ويدعو ويستجاب له، هكذا يفسر استجابةَ الدعاء، الوجدانُ الشعبي الذي خدعته الأكاذيب قبل قرابة ثلاثة أعوام فخرج يهتف لـ"الدكر"، واليوم يبكي الغافلون والمغيبون والمخدوعون على حالهم المتردية في كل شيء؛ اقتصاداً ودولاراً وتعليماً وصحة وأمناً وسياحة وزراعة وصناعة وتصديراً..!

لو أن الانقلابيين صبروا على الرئيس المسلم، ولا أقول: ساعدوه، لكانت مصر تجاوزت كثيراً من العقبات والفضائح، ولكان وزراء ومحافظون نابهون وممتازون من عينة باسم عودة، ويحيى حامد، وسعد الحسيني، وزملاؤهم حققوا إنجازات يفخر بها الوطن والأمة، وكانت مصر الآن ترتب لانتخابات رئاسية جديدة يتقدم إليها من يجد في نفسه الكفاءة، ويتم تداول السلطة بطريقة متحضرة، ولكن القوم أبوا إلا أن تكون شريعة النبوت والعداء للإسلام هي الدستور والقانون والقضاء والمنهج!

فضائح بلادي تجعل كل من يملك ذرة من إخلاص أو ضمير يتوارى خجلاً مما يجري ويحدث حين يضاء اللون الأخضر للصوص كي يستمروا في نهبهم وعبثهم واستهانتهم بالضعفاء والفقراء والقانون، هل رأيتم ما جرى للرجل الذي يراقب الفساد؟ أقصد هشام جنينة الذي لم يصبروا عليه كي يكمل أربعة شهور تبقت في مدة تكليفه، وذبحوه في منتصف الليل ببيان يخرج لسانه للشعب الذي يبحث عن الطهارة، ويغني لشعب البيادة واللصوص أعذب الألحان.

انظروا مثلاً ما جرى في مجال واحد من مجالات الأمن أثر على مصر سياحياً واقتصادياً وسياسياً وسيادياً؛ أعني أمن المطارات أو أمن الأجانب، سقطت الطائرة الروسية بعد دقائق من إقلاعها في شرم الشيخ، وقُتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، وخُطفت الطائرة المصرية في رحلة داخلية من برج العرب إلى القاهرة، وهبطت في قبرص!

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top