د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 21 مايو 2019 10:26

ما علاقة انشقاق القمر بالهند؟!

رأى ملك مليبار (أدنى يسار القارة الهندية) «شيرمان فرمال» انشقاق القمر فانبهر، فاستفسر من الكهنة عن ذلك، فلم يعرفوا، ولكنه بلا شك أمر عظيم، وبعد أيام رأى شيئاً غريباً في المنام، واعتقد بعض الكهان أن رؤياه إشارة عن بعثة نبي.

وبعد فترة التقى مع تجار عرب عابرين في ميناء مسرس - كدنغلور، وذكر لهم حادثة انشقاق القمر، فأخبروه أن ذلك وقع حقيقة في مكة، وهي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأثاره الأمر وقرر السفر للتعرف عليه.

ترك الملك ابنه خليفة مكانه، وارتحل إلى الحجاز، والتقى هناك النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب به وأكرمه، وشرح له الإسلام بعدما أخبره ما رآه، فأسلم مباشرة هو ومن معه، وسمي بأبي بكر تاج الدين، وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أهدى ملك الهند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة، فأطعمني منها قطعة». (رواه الحاكم في مستدركه).

وعندما أراد الملك العودة إلى بلاده، أرسل معه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل مالك بن دينار رضي الله عنه، وأربعة عشر من أصحابه رضي الله عنهم.

وتعرض الملك في طريق العودة لمرض شديد، فتوقفوا في مدينة ظفار لعلاجه، إلا أن المرض قد زاد عليه، فأوصى أهله في مليبار برسالة مكتوبة بدخول الإسلام، ومساعدة مالك بن دينار وأصحابه في نشر دعوة الإسلام في البلاد، ثم توفي يرحمه الله، ودفن هناك، وما زال قبره موجوداً في ظفار، وبني بجانبه مسجد.

وبدأ مالك بن دينار وأصحابه دعوتهم في تلك البلاد، وبنوا مسجداً ليكون أول مسجد بني في الهند، وانتشر الإسلام سريعاً في تلك المدينة لما رأى الناس من حسن هذا الدين والأخلاق الكريمة للدعاة.

ونظراً لما تتمتع به هذه المدينة من جمال طبيعتها وطيب هوائها، وخيرات كثيرة، سماها التجار العرب «خير الله»، التي ينطقها الهنود بأعجميتهم «كيرلا».

وبنيت المساجد في كيرلا، ومن أشهرها مسجد مالك بن دينار بكاسركود، الذي بني بالقرب من قبره.

وانتشر العلم الشرعي فيها، وجاء إليها كثير من العلماء من اليمن، فكان لهم قبول عظيم، فعينوا قضاة ورؤساء، ومضى الناس في مليبار على مذهبهم الشافعي، إذ إن معظم المسلمين في الهند يتبعون المذهب الحنفي.

ونستخرج من هذه الحادثة الآتي:

1- أثر المعجزات متعدٍّ.

2- أول سفير في الإسلام هو الصحابي الجليل مالك بن دينار رضي الله عنه، قبل الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه.

3- دخل الإسلام الهند بشكل مبكر جداً، بشكل سلمي، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونال الملك شيرمان ورفاقه شرف لقائه وصحبته، وذلك قبل دخول المهلب بن أبي صفرة غازياً من شمالها.

وتحوي الهند حالياً قرابة 200 مليون مسلم، ولولا تقسيم الاستعمار البريطاني لها إلى 5 دول (الهند، وباكستان، وبنجلاديش، وكشمير، ونيبال)، لتجاوز عدد المسلمين في شبه القارة الهندية إلى 600 مليون مسلم، علماً بأنهم كانوا يحكمون الهند طول تلك السنوات، متعايشين مع الهندوس والسيخ والمسيحيين بكل أمان ووئام.

وهكذا انتشر الإسلام بكل سلاسة بين الناس، منتشراً بين القلوب والوجدان، ليحتل المساحة الأكبر على مستوى العالم إيمانياً وبركة، ونسأل الله أن يؤلف القلوب.. وها هم ينتشرون في العالم كله، يعملون بجد واجتهاد، وتصدرت بلادهم الصناعات الذكية والإلكترونية والتقليدية والغذائية والدوائية والذرية والنووية، لتكون الاقتصاد العالمي القادم بعد الصين.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 14 مايو 2019 16:20

القدس ليست ملكاً للفلسطينيين

يزداد أنين الفلسطينيين المرابطين يوماً بعد يوم، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، من أصناف تضييق الكيان الصهيوني في حده الأدنى، والحصار وهدم البيوت وطرد السكان، واعتقال الشباب والفتيات وتعذيبهم وسجنهم ظلماً وبهتاناً، وقصف المدارس والمستشفيات، وقتل الأطفال والنساء والعجائز، وقائمة الاحتلال الصهيوني لفلسطين طويلة لا تنتهي.

وبالمقابل تزداد عزيمة الفلسطينيين المرابطين للبقاء في هذه الأرض يوماً بعد يوم، رغم الأنين والتنكيل، ورغم تخاذل العديد من القيادات الفلسطينية والعربية، لاستشعارهم أنها أرضهم، وأنهم تحت احتلال "إسرائيلي"، وكما تحررت فلسطين من قبل، فإن تحريرها قادم لا محالة، فذلك وعد رباني.. شئنا أم أبينا، وما استزراع الاحتلال لشجر الغرقد إلا إيماناً بذلك اليوم.

وإن حالت ظروف فلسطينيي المهجر أن يكونوا بعيداً عن أرضهم، إلا أنهم يعيشون الأمل، أمل العودة إلى أرضهم، لذا.. كل واحد محتفظ بذكرى من فلسطين، مفتاح البيت.. تراب الأرض وأحجارها.. صورة البيت والحي الذي كانوا فيه، حتى تظل الأجيال التالية مرتبطة بأرضهم الأم.

فلسطين ليست ملكاً للفلسطينيين، بل هي ملك لأرض الإسلام والمسلمين كما قال السلطان عبدالحميد الثاني يرحمه الله، والقدس ليست حكراً لدين، بل هي مهبط الوحي، وجمع الأنبياء، وأرض المحشر والمنشر، فلا غرابة أن نجد تسابق الأمم للاستيلاء عليها، فهي موجودة في كل العقائد.

ويأتي دور المسلمين في كل مكان لنصرة المرابطين في عموم فلسطين، وبالأخص القدس وغزة، وتتعدد وسائل النصرة ما بين النصرة السياسية والإعلامية والمالية والتواصل الاجتماعي لإظهار الحق لمن غاب عنه، ولاستمرار البقاء على الساحة العالمية تأييداً ونصرة.

وبمقارنة الإنفاق.. فإن إجمالي ما يصل من الخارج لدعم القدس عبر المؤسسات الإنسانية 7 ملايين دولار بالسنة، وما تنفقه "إسرائيل" ضد المقدسيين أمنياً وإعلامياً ومصادرة وهدما... الخ 2.7 مليار دولار، أي ما ينفق لصالح المرابطين يساوي 0.038% مما ينفقه اليهود!!

ومع ذلك تجد المرابطين المقدسيين يواجهون الآلة الصهيونية بأجسادهم ومستقبلهم وصحتهم ورزقهم نيابة عن كل المسلمين، حماية للمسجد الأقصى.

لقد حفر "الإسرائيليون" عشرات الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وأكد علماء التاريخ والجيولوجيا اليهود القائمون على البحث عدم وجود أي أثر للهيكل المزعوم، فحولوا الأنفاق إلى أكثر من 130 قاعة، استخدمت مكاتب ومتاحف ومرافق سياحية، كما أن وجود الأنفاق يؤهل هدم المسجد الأقصى بأي وسائل خارجية.

ومع كل التنازلات العربية، وكل اتفاقيات السلام المزعوم، فإن الكيان الصهيوني لم يلتزم بكل اتفاقاته الأمنية مع السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها إلا على شعبها المكلوم.

وحق لي أن أفخر بالموقف الكويتي أميراً وحكومة وشعباً تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، فسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وقف سداً منيعاً ضد الصهيونية، صادعاً بالحق في المؤتمرات الدولية وأمام رؤساء العالم وفي الأمم المتحدة، وكذا رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم بمواقفه المشرفة، والدعم المتواصل من الجمعيات الخيرية الكويتية في نصرة الشعب الفلسطيني، رغم تضييق الكيان الصهيوني، والحصار الظالم.

لنعمل على دعم المرابطين المقدسيين وتثبيتهم أمام عملية التهويد القسرية للقدس، والسعي لهدم المسجد الأقصى، ولندعم المنكوبين في غزة في هذه الأيام المباركة.

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 07 مايو 2019 10:12

السلطان الذي رُفضت شهادته

استدعى القاضي «شمس الدين فناري» السلطان العثماني «بايزيد» الأول للإدلاء بشهادته، فلما دخل السلطان المحكمة ووقف أمام القاضي، وقد عقد يديه أمامه كأي شاهد عادي، رفع القاضي بصره إلى السلطان، وأخذ يتطلع إليه بنظرات محتدة، وقال له: «إن شهادتك لا يمكن قبولها، ذلك لأنك لا تؤدي صلواتك جماعة».

كانت مفاجأة كبيرة للسلطان وللحضور الذين اندهشوا من هذه الجرأة لدى القاضي، ولعلها أقرب إلى الإهانة أمام الناس، فتسمّر الحاضرون في أماكنهم، ينتظرون رد فعل السلطان، فما كان منه إلا أن استدار وخرج صامتاً من المحكمة بكل هدوء.

وأصدر السلطان بايزيد في اليوم نفسه أمراً ببناء جامع ملاصق لقصره في بورصة، وعندما تم تشييد الجامع، بدأ السلطان يؤدي صلواته في جماعة.

لم يأت هذا القرار من القاضي عشوائياً، وإلا لم استدعاه وهو يعلم أنه لا يحضر صلاة الجماعة في المسجد! إنما هي قضية تربوية من الدرجة الأولى، كما حصل في قصة الخليفة عمر بن عبدالعزيز مع أهل سمرقند.

والآن.. من هو بايزيد الذي التزم قرار القاضي؟!

إنه صاعقة الإسلام، سلطان إقليم الروم، الغازي جلال الدين يلدرم بايزيد خان الأول بن مراد بن أورخان العثماني، ويعرف باسم «بايزيد الأول»، أو يلدرم بايزيد، و«يلدرم» كلمة تركية تعني «البرق» أو «الصاعقة»، وهو لقب أطلقه السلطان مراد الأول على ابنه بايزيد لسرعة تحركه وتنقله برفقة الجند، لذلك كثيرا ما يعرف هذا السلطان في المصادر العربية باسم «بايزيد الصاعقة» أو «بايزيد البرق»، وهو رابع سلاطين آل عثمان.

انتزع بايزيد من البيزنطيين مدينة فيلادلفية، وكانت آخر ممتلكاتهم في آسيا الصغرى، وفتح بلاد البلغار والبوسنة وسلانيك وألبانيا، مما دعا البابا بونيفاس التاسع إلى شن حرب صليبية جديدة ضد العثمانيين، لطرد المسلمين من أوروبا، وشارك في هذه الحملة خمس عشرة دولة أوروبية، من بينها إنجلترا وفرنسا والمجر، إلا أن بايزيد سجل انتصاراً ساحقاً على الجيوش الصليبية، في المعركة التاريخية المشهورة «نيكوبوليس» سنة 1396م وردهم على أعقابهم.

وحاصر بايزيد القسطنطينية مرتين متواليتين، ولكن حصونها المنيعة ثبتت في وجه هجماته العنيفة، فتركها وعاد ليحمي أراضيه عندما علم بقدوم المغول، وعمل على تعزيز موقعه في آسيا الصغرى استعداداً للموقعة الفاصلة بينه وبين تيمورلنك، وهكذا خف الضغط العثماني على البيزنطيين، وتأخر سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين خمسين سنة.

نعم.. صاحب هذه الفتوحات، وهازم الصليبيين، «الصاعقة».. انحاز لرأي القاضي ولم يعترض، بل سارع لبناء مسجد يصلي فيه جماعة، وهكذا يكون النصر.

إن تعليم أبنائنا مثل هذه القصص التاريخية، تقدم لهم موائد تربوية جاهزة، لا نتكلف فيها بإيصال الرسالة والقيمة والفائدة، فهي تخترق قلوبهم وأفئدتهم وعقولهم، وتبث فيهم روح الشجاعة والأنفة والتواضع وحسن الخلق، فلا تحرموهم منها.

وهذه مسؤولية أخرى لوزارة التربية ووزارة الأوقاف ووزارة الإعلام لنشر مثل هذه القيم والمفاهيم الرائعة بأساليب مختلفة.

ومبارك عليكم الشهر.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 يفتخر كل مجتمع بقيمه التي يتميز بها، التي يتمسك بها ويحافظ عليها أطول فترة زمنية ممكنة، التي يتفوق بها على المجتمعات الأخرى، وتتجلى هذه القيم عند الأزمات والمواقف الصعبة، والأزمنة الشديدة.

وتتعرض هذه القيم لمحاولات تشويه وإساءة من جهات مختلفة، وبالأخص وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ونجد بعض الأعمال الدرامية تسيء لقيم المجتمعات المحافظة بالدعوة للتفلّت منها، ومخالفة القوانين، والدعوة الصريحة المباشرة أو غير المباشرة لتجاوزها ومخالفتها.

وأكثر الناس تعرضاً لهذه الإساءات النساء والفتيات.. الفئة الأكثر متابعة للتمثيليات التلفزيونية، وكذا الشباب الذين يتابعون الأفلام السينمائية؛ وبالتالي لا غرابة أن نرى أثر ذلك في سلوكهم اليومي، من تخلٍّ تدريجي عن القيم الإيجابية، واختيار قيم غريبة عن مجتمعه.

كما تتعرض تلك القيم للزوال مع المهاجرين لدول مختلفة القيم، وبالأخص الهجرة من دول المشرق إلى دول المغرب، حيث ينشأ الجيل الثاني المولود هناك على قيم بلد المهجر، وتتأكد لدى الجيل الثالث، فينسلخ من هويته وقيمه؛ وبالتالي لا غرابة أن نرى أثر ذلك في سلوكهم اليومي، من تخلٍّ تدريجي عن القيم الإيجابية، واختيار قيم غريبة عن مجتمعه.

ولا يدعم استمرار هذه القيم الإيجابية سوى التربية والتنشئة الحسنة، التي تحصن الجيل الجديد ممن يحاول الإساءة لها، أو يتأثر بعكسها، وبنظرة كاشفة للجاليات المهاجرة لدول الغرب من مختلف الجنسيات المشرقية، نجد المجموعة المتماسكة التي تحفظ عيالها من الانغماس في الفكر الغربي، وتوفر لهم البديل التربوي الأفضل منذ نعومة أظفاره، يحافظ الأبناء على قيمهم وهويتهم حتى وإن حصلوا على جنسية تلك البلاد، فالهوية والقيم ليست بالجواز والجنسية، إنما في السلوك.

ولعل أبرز الجاليات التي تحافظ على هويتها ولو بعد مرور قرن من الهجرة هم الهنود والصينيون بمختلف دياناتهم، حتى إنك ترى لهم أحياء خاصة بهم، (وأشهرها الحي الصيني)، وتنتشر معابدهم المختلفة، ومطاعمهم وملابسهم الشعبية، ويحرصون على مدارس السبت والأحد التي يغذون فيها أبناءهم تلك القيم بأسلوب محبب، وكذا البنغال والباكستان والأتراك واليمنيون.. وغيرهم.

كما أنهم يرسلون أبناءهم فترات طويلة إلى بلدهم الأم حتى يعرفوا أقرباءهم وأحياءهم، ويتعلموا عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم، ويحفظوا لغتهم بشكلها الصحيح، ويفهموا دينهم، فتترسخ الهوية لديهم، مع الاستفادة من التقدم العلمي والفكري لدى الغرب؛ دون خسران قيمهم.

فالمسؤولية القيمية هي مسؤولية اجتماعية بالدرجة الأولى، تنطلق من الأسرة التي تهتم بأبنائها وترسخ فيهم القيم الإيجابية، حتى لا يعيش الشباب صراعاً نفسياً بين ثبات القيم وانسلاخها من هويته الأصيلة، وتنعكس على سلوكه اليومي بشكل سلبي.

وليس أفضل من الالتزام الديني في الحفاظ على تلك القيم، والارتباط بالمسجد، والصحبة الصالحة، ودعاء الوالدين، والتحصين المستمر، والتثبيت والتوفيق من الله عز وجل.

وقد تميز المسلمون كثيراً بقيمهم الإيجابية التي أشاد بها قادة العالم، حافظوا فيها على هويتهم، وخدموا الأمم على اختلاف هويتهم، في الإغاثات الإنسانية تارة، وفي ضبط النفس لما يُحاك عليهم تارة، حتى أثبتت العديد من الأرقام أنهم الأقل أذى على مستوى العالم، فأقاموا صلاة الاستسقاء في السويد، وأنقذوا الناس من عدة حرائق في بريطانيا، فأثبتوا أنهم مواطنون مخلصون لبلدهم حتى لو كان بلد المهجر.. وهكذا هي قيم المسلم الإيجابية.

الثلاثاء, 30 أبريل 2019 13:44

على قدر نوايا النساء.. يخرج الرجال

كتبت تغريدة قبل شهر تقريباً، اعترضت عليها مجموعة من الأخوات الفاضلات لأنني –كما ذكرن- حملت المرأة أكثر مما تحتمل، بل حملتها جزءاً من مسؤولية الرجل، وهذه التغريدة هي:

‏«على قدر نوايا النساء.. يخرج الرجال».. ‏قيل: إن المرأة في سالف العصور كانت عندما ترضع طفلها تدعو الله أن يكون ذا شأن عظيم عندما يكبر (فارساً، عالماً، قائداً..)، ولهذا كان أجدادنا عظماء.

أما اليوم.. فمعظم نسائنا يرضعن أطفالهن على نية أن يناموا، ‏لذلك اليوم معظم الأمة نائمة!

وما قصدته هو تأكيد لدور المرأة التربوي، التي نزلت فيها آيات وأحاديث وأحكام شرعية تكريماً لها، فكان بلاء الأمة من المرأة، ونجاحها من المرأة.. أماً وجدة وعمة وأختاً وخالة وزوجة.

فلا نجد ناجحاً في التاريخ، إلا وتجد وراءه امرأة، إلا ما رحم ربي، أقول ناجحاً ولا أقول مجرماً أو فاسداً.

قال أحمد بن حنبل: «حفظتني أمي القرآن وأنا ابن عشر سنين، وكانت توقظني قبل صلاة الفجر وتحمي لي ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة، وتلبسني ملابسي، ثم تتخمر وتتغطى بحجابها، وتذهب معي إلى المسجد، لبعد بيتنا عن المسجد ولظلمة الطريق».

وتوفي والد محمد بن إدريس وعمره سنتان، فربته أمه وحفظ القرآن الكريم وهو ابن 7 سنوات، وحفظ "الموطأ" وهو ابن عشر، ولعدم قدرته على دفع المال للمعلم، قالت له: اجلس بجانب الأغنياء، وانقل عنهم، فوهبه الله ملكة الحفظ من أول مرة، حتى أصبح يدرس أبناء الأغنياء عند غياب المعلم، واستخدم العظام والقراطيس المستعملة ليكتب في ظهرها، وأجازه الإمام مالك للفتوى وهو في الخامسة عشرة من عمره.

وقال لأمه: «تعلمت الذل للعلم، والأدب للمعلم»، إنه الإمام الشافعي.

أما «هوما خاتون».. فكانت تخرج صباح كل يوم إلى حدود قريتها وبيدها ابنها الصغير، وتقول له: يا محمد، هذه القسطنطينية، وقد بشر الرسول بفتحها على أيدي المسلمين، وأسأل الله القدير أن يكون هذا الفتح على يديك.

فسأل ببراءة: كيف يا أمي أفتح هذه المدينة الكبيرة؟ فردت: بالقرآن والسلطان والسلاح وحب الناس.

واستمرت أمه تغرس فيه هذه المعاني حتى مات أبوه السلطان مراد الثاني، فوجدته يبكي فقالت له: ما لهذا خلقت، ما ولدتك لتبكي على الملك، أنا أنجبتك لتفتح القسطنطينية، وتحقق الحلم، فكان محمد الفاتح.. «فلنعم الأمير أميرها».

هذه نماذج بسيطة من تاريخنا الإسلامي الطويل، تؤكد دور الأم في التنشئة، ففي الوقت الذي يحارب فيه الرجال، ويكدون ويرتحلون للعمل، أو يموت الأب أو ينفصل، تجد المرأة تبني أمجاداً.. نساءً ورجالاً، ولا تتحجج بالطلاق أو اليتم أو الفقر أو العوز، لذا.. لا غرابة أن يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بحسن صحبة الأم ثلاثاً، فماذا تنتظر النساء أكثر من هذا الشرف؟ ولله در الشاعر القائل:

الأم مدرسة إذا أعددتها               أعددت شعبا طيب الأعراق

«على قدر نوايا النساء يخرج الرجال»، فأحسن نواياكن لله عز وجل، يبارك لكن في ذرياتكن، وابتعدن عن القيل والقال وكثرة السؤال، فالمرأة هي استقرار البيت واهتزازه، وهي أمان الأسرة وافتتانها.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

وجدت شاباً مختلاً عقلياً يأتي للمسجد وفرع الجمعية، وكان الكل يتعامل معه برفق ولطف، ويقدمون له فاكهة أو كاكاو أو عصيراً أو غير ذلك، فيفرح بها ويتناولها بسعادة غامرة، فسألت عنه أهل الحي، فقالوا: لقد كان ولداً عاقلاً يلعب مع أقرانه، ويذهب للمدرسة، إلا أن أهله كانوا يعاملونه بقسوة شديدة جداً، فيها من الإهانة والضرب والقهر الشيء الكثير، فتأثر بهذه المعاملة السلبية تدريجياً، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.

يفتقد الكثير من الآباء الحس التربوي مع الأبناء، وبالأخص الآباء الجدد، فيتعاملون معهم وفق نظام التجربة والخطأ، ليكون الابن الأكبر هو الضحية الأكثر لتلك التجارب، والأكثر تعرضاً لأي أثر سلبي نفسياً، وهذا ما يجعلنا نجد اختلافاً في أطباع الأبناء، لاختلاف أنماط التربية التي تلقوها من الوالدين.. ابناً بعد ابن.

وقد يكابر الأب فيصر على ممارسة ذات الخطأ لقناعات ذاتية، أو ضعف تربوي، أو انهيار نفسي، ليتكرر تعرض الأبناء لضغوط نفسية سلبية.

ولعل الظروف السلبية التي يتعرض لها بعض الآباء في حياتهم تجعل ردود أفعالهم تجاه أبنائهم أكثر قسوة، كالفقر أو التهديد أو الضعف أو سخرية الآخرين منه، أو سوء معاملة الزوج، أو تعرضهم للإهانة اليومية، أو لاعتداء ما، أو خسارة مالية، مع ضعف إيمان، وكبر، واستسلام للهوى ولنزغات الشيطان.

ويشارك في تربية الأبناء الحي والمدرسة والديوانية والأرحام والأصدقاء ووسائل الإعلام التي يتعرض لها، لتكون في مجموعها طبيعة الابن السلوكية والوجدانية.

ورغم كل تنبيهات المختصين التربويين والاجتماعيين المتكررة لسنوات طويلة بعدم استخدام العنف مع الأبناء والسلوك اللفظي السلبي، سواء من الوالدين أو الأقارب أو المعلمين أو الكبار سناً وجسماً، إلا أنه مازال كثير من الناس يمارس هذا السلوك غير التربوي مع الآخرين، بجهل تربوي.

ولعل السلوك اللفظي أحياناً يكون أكثر قسوة من العنف الجسدي، وكما قيل: جرح السيف يبرأ، وجرح اللسان ما يبرأ.

سيقول قائل: لقد تعرضنا جميعاً لكل ذلك ولم يصبنا شيء.

فأقول له: الحمد لله أنك لم تصب، لكن ثق تماماً بأن كل فرد معرض في أي لحظة لأي انتكاسة نفسية، وقد تعرض كثيرون بسبب هذا السلوك العنيف لأمراض نفسية مختلفة، من خجل مبالغ وفوبيا واكتئاب ووسواس وقلق وسلوك عدواني وتنمر ومزاجية.. وغيرها، وكل ذلك دون أن ندري، ولا المصاب يدري، وقد يعيش بيننا بسلام ووئام، وابتسامة وضحك، لكنه في حقيقته يعيش حالة نفسية خاصة، ولكن بدرجات مختلفة.

يقول الطبيب النفسي د. عبدالله العزيري: إن 25% من الناس لديهم مرض نفسي، قد لا نلحظه ولكنه موجود، ويمكن معالجته مثل أي مرض آخر بالأدوية أو الرياضة أو غير ذلك، إما بسبب الوراثة، أو المؤثرات الخارجية، وأقلها الضغط النفسي.

إن جسم الإنسان كيمياء تتفاعل، فيه معادن ومواد كثيرة، وطبيعة خلطها تكويناً ووراثة، تكون شخصية الفرد الخلقية والنفسية، ومع إضافة المؤثرات الخارجية اليومية منذ أشهر الحمل حتى يكبر، تصقل شخصيته.

ويستمر ذلك التغير في شخصيته ما دام الفرد يتناول الكيميائيات المختلفة من أطعمة وأدوية وأشربة، وما دام يتعرض لمؤثرات خارجية متنوعة.

لذا.. هي دعوة للانتباه في التعامل مع الأبناء بشكل خاص، ومع الآخرين بشكل عام، فلا بد من العطف ولين الجانب، فالقسوة والعنف لن يجديا، «إنما الحلم بالتحلم»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، من تركه الناس اتقاء فحشه»، والفحش هنا هو العنف اللفظي.

فلنحافظ على صحتنا النفسية بعيداً عن القهر والعنف اللفظي، وبالأخص تجاه الأبناء.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

ترتبط وزارة التربية بالفرد منذ دخوله رياض الأطفال، حتى تخرجه في أعلى درجة علمية، ثم يعود الارتباط مع الأبناء والأحفاد، ويزيد الارتباط فاعلية عندما يعمل الفرد معلماً، ويتدرج في عمله لعدة مناصب واختصاصات تربوية، وإذا شارك في مجالس الآباء، لذا لا فكاك من التفاعل اليومي مع وزارة التربية.

وتعمل وزارة التربية بعدة اتجاهات على مدار العام، فبالإضافة إلى التعليم عمود عمل الوزارة، فهي تقدم خدمات مجتمعية، وأنشطة طلابية، وكشافة، ومكتبات مدرسية وعامة، وتنسيق المخرجات، وتطوير المناهج، وطباعة الكتب المدرسية، وإعداد المعلم، ولجان الترقية، وصيانة المدارس، والنقليات، والتغذية، والتأثيث، والتدريب، وتوفير الأجهزة، والإشراف النفسي والاجتماعي والتربوي، ومقابلات المعلمين الجدد، والتقنيات، والنظافة والحراسة.. وغير ذلك، فكان الله في عونهم.

ولي هنا بعض الرسائل التي آمل أن تصل إلى أصحاب القرار بكل سعة صدر:

الرسالة الأولى: تسابقنا الأيام نحو اختبارات نهاية العام الدراسي، وما زالت الكويت تعيش نظام تصحيح الاختبارات الموحد على مستوى الكويت، أو ما يسمى «الكونترول»، وهو نظام تقليدي يحتاج إلى شيء من التطوير، فقد نجحت الوزارة في الحد من الغش بنسبة كبيرة بتغيير إدارات المدارس فترة الاختبارات، وتستطيع النجاح من خلال كونترول في كل مدرسة، وإعطاء الثقة للإدارة المدرسية، كما حصل في نظام الفصلين، فهذا سيوفر الوقت والجهد والمال، وعدالة التكليف.

وأدعو الوزير لإصدار قرار صرف مكافأة التصحيح بعد ظهور النتائج مباشرة، كما هو حال لجان الوزارة، فيكفي الوقت الذي مكثه المعلمون يومياً حتى الليل من أجل التصحيح ورصد الدرجات، وإدخالها في الكمبيوتر في وقت ضيق لإسعاد الطلبة وذويهم، وبالأخص المعلمات والإداريات اللائي تركن بيوتهن وأولادهن طيلة هذه الأيام.

الرسالة الثانية: شارف العام الحالي على الانتهاء، ولم تنته الوزارة من إعداد الوظائف الإشرافية للعام القادم، ولم تجر الاختبارات التحريرية ولا المقابلات الشخصية، والوقت ضيق جداً، والامتحانات على الأبواب، وسيعيشون ضغطاً نفسياً لأنهم هم من سيختبر الطلبة، وهم مصححو الاختبارات.

الرسالة الثالثة: لا يتوقف عمل الوزارة في العطلة الصيفية، ففيها تبدأ لجان إعداد وصيانة المدارس، وطباعة الكتب.. وغير ذلك، وإعداد خطة العام الدراسي الجديد والخطة البديلة، وكل ذلك في شهرين سريعين، يكون معظم الموظفين في إجازة، فماذا أعددنا للعام القادم من استعدادات؟!

هل تم تشكيل لجان الاستعداد للعام الدراسي القادم في المناطق التعليمية والوزارة؟ وهل رصدت لها الميزانيات، وإعطاؤهم الصلاحيات؟ وهل صدر قرار تكليف المديرين لمتابعة مدارسهم قبل بدء العام القادم بثلاثة أسابيع؟

وهل تم الانتهاء من عقود الصيانة والحراسة والخدمات والنقل والنظافة.. إلخ؟ وهل تمت صيانة دورات المياه وبرادات الماء وخزانات الماء والتكييف.. إلخ؟

وهل تم تحديد عدد المعلمين، وإجراء عقود المعلمين الجدد، ونقل المعلمين والهيئات الإدارية؟ وهل تم الانتهاء من عقود طباعة الكتب؟

أعلم أن الهم كبير، لكنها فرصة ليتعرف القارئ على كم العمل والجهد الكبير الذي يبذله العاملون في وزارة التربية مشكورين.

الرسالة الرابعة: تزخر الكويت بأبنائها المخلصين الأوفياء والكفاءات ممن ليسوا على سدة العمل من المتقاعدين، وهم بأعمار متوسطة، وجميل أن تنتقي منهم المناطق التعليمية للعمل في مختلف المجالات.. في التعليم (خصوصاً مع النقص الحاد في المعلمين بعد سياسة الإحلال)، وفي اللجان الاستشارية والتخصصية، وذلك على بند المكافآت، فهم كنز وطني لا ينضب، وخبرة عملية وتربوية وإدارية طويلة، من الممكن أن يخدموا الوزارة، ويكون رأيهم استشارياً ومهنياً، فهم ذوو خبرة من معلمين ومديري مدارس وموجهين وقياديين سابقين.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأربعاء, 10 أبريل 2019 15:24

ما علاقة "الفايكنغ" بالإسلام؟!

يرتبط ذهنياً اسم «الفايكنغ» بالدول الإسكندنافية؛ النرويج والسويد والدانمارك وفنلندا وآيسلندا، وكل ما نعرفه عنهم -لغير المختصين- ما نقل إلينا شفوياً أو عبر مقالات ومعلومات مجتزأة، وتاريخ مبتور هنا وهناك، ولكنهم بالنهاية حضارة بحرية واقتصادية فرضت نفسها على أوروبا فترة من الزمن، ووصلوا إلى كندا وأمريكا الشمالية والشمال الأفريقي بجدارة.

عرف رجال «الفايكنغ» بالقوة والمهارة بنفس الوقت، فمن استطاع أن يعيش في الشمال الأوروبي لأكثر من 2000 سنة، حيث الثلوج والبرد القارس، والغابات والوحوش الضارية، والمحيط الأطلسي الهادر، جدير بأن يقود العالم فترة من الزمن، فقد اشتهروا بمهارة صناعة السفن بأشكالها الرائعة، ومنحوتاتها الخشبية الجميلة، فسادوا البحار قوة وقدرة، وكانوا تجاراً متميزين، نقلوا في سفنهم الكبيرة البضائع لمعظم دول أوروبا، كما عُرفوا بالموانئ الضخمة، فلا أساطيل ولا تجارة بحرية ناجحة بلا موانئ كبيرة.

إضافة إلى قدراتهم الجسدية الضخمة والقوية، فكانوا محاربين أشداء بما تعني الكلمة، سيطروا خلالها على البر والبحر، لذلك أطلقوا عليهم «الفايكنغ»؛ أي ملوك البحار.

كانوا وثنيين، ثم تحولوا إلى المسيحية البروتستانتية، ثم المدرسة اللوثرية.

ونظراً لاختلاف المذاهب المسيحية وصراعاتها، يقال: إن بعض رعاة الكنيسة الأوروبية اتهموا "الفايكنغ" آنذاك بأنهم مجرمون وقراصنة، وقتلة وأكلة لحوم البشر، وهو ما لم يثبت تاريخياً، سوى ما ذكر من حروب بينهم وبين الدول الأخرى لأجل السيطرة، وهذا يحتاج لبحث علمي دقيق.

ومن لطائف الأمور أن المسلمين وصلوا إلى الدول الإسكندنافية منذ القدم، ذكرتها عدة روايات تاريخية، لعل أشهرها طلب ملك "الفايكنغ" من الخليفة العباسي إرسال جيش لمساعدته في مواجهة العدوان الوحشي من بعض العصابات، فأرسل له «ابن فضلان» الذي كان سفيراً وعالماً وطبيباً ومحارباً بنفس الوقت، لما يتمتع به من خبرات وعلم غزير، ووثق رحلته فيلم «المحارب الثالث عشر».

وصدر مؤخراً كتاب أكاديمي بعنوان «الإسلام في السويد خلال 1300 عام»، ذكر فيه التاريخ القديم والحديث للمسلمين وتطور العلاقات والتواجد في السويد منذ عصر الخلافة العباسية والأندلس إلى يومنا هذا، حيث تطور عدد المسلمين إلى قرابة مليون مسلم، وتحدث فيه عن المساجد والمؤسسات الإسلامية وتنوعها، والأدوار التي تقوم بها، والشعائر والطقوس والأعياد والاحتفالات.

وذكر المؤلف Simon Sorgenfrei في المقدمة رواية لطيفة بعنوان «الثعبان الأحمر» حول بحار سويدي في زمن "الفايكنغ" يلقب بالثعبان الأحمر، تم أسره مع المجموعة التي كانت معه في السفينة من قبل أمير قرطبة المنصور، وانفرد به المنصور وقال له: في ديننا الإسلام الله هو إله واحد أبدي، ومحمد رسول الله، وأنتم مع عدة آلهة، وسنقوم بالحرب على مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا، وأريد منك أنت وجنودك أن تشهروا إسلامكم لتحاربوا معي.

توجه الثعبان إلى جنوده وقال لهم: يقول المنصور: إنه يجب أن نؤمن بربه، المنصور لديه رب واحد اسمه الله، وهو يكره الآلهة الأخرى، وباعتقادي أن إلهه قوي في هذه البلاد، وآلهتنا ضعاف ما دمنا بعيدين عن وطننا، سيكون وضعنا أفضل إن فعلنا ما هو متعارف عليه هنا، وليس من الحكمة أن نفعل ما لا يرضاه المنصور.

فقبلوا ودخلوا الإسلام، وأصبحوا جنوداً في جيشه، وشاركوا في فتوحات الأندلس.

فمن هو يا ترى "فايكنغ" العصر الحديث؟!

هي الأيام كما شاهدتها دول          من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد          ولا يدوم على حال لها شان

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

التقيت قبل 20 سنة تقريباً في أحد مساجد مدينة مونشلادباخ الألمانية بخطيب الجمعة هناك، وكان رجلاً فاضلاً من أصل سوري، تعرفت عليه بعد الصلاة، وعرفت أنه طبيب، وأصرّ على استضافتي في منزله؛ طبيعة الكرم الشامي، واتفقنا على الالتقاء في منزله الساعة الخامسة مساءً، بعد أن ينتهي من عيادته، وأنتهي من جولتي في المدينة.

ذهبت في الموعد أنا وأسرتي لمنزله، ووجدت زوجته الفاضلة تستقبلنا أجمل استقبال، ولا كأن هناك ضيفاً جديداً واستعدادات فجائية، وأخذت زوجتي وأبنائي إلى حديقة المنزل ليلعب الأطفال هناك، وجلست مع الطبيب في جانب آخر من الحديقة نشرب القهوة الألمانية بصناعة شامية، نتجاذب أطراف الحديث.

سألت د. أحمد عن اختصاصه؛ فقال: طبيب نفسي، فقلت باستغراب: طبيب نفسي في ألمانيا؟! هذا البلد الجميل الذي يقدم الخدمات على أعلى المستويات، ووجود تعليم عالٍ، وعلاج راق، وخضرة دائمة، ووجوه باسمة، ودخل مناسب، وأجواء لطيفة، وطقس بديع، ومناظر خلابة، فمن أين يأتي المرض النفسي؟! فقال: نعم.. هذه القارة مقبلة على انتكاسة نفسية كبيرة، لذا.. فالمستقبل للطب النفسي.

فسارعته: كيف؟!

قال: كل ما ذكرته من أجواء طبيعية خلابة، قد ألفها الناس وأصبحت معتادة، كما اعتدتم أنتم على الطقس الحار، وأما الخدمات الراقية التي تجعل الإنسان يتوافر له كل شيء، فقد جعلته كالآلة اليومية بلا تجديد في حياته، ما لم تكن لديه روح المبادرة، وكلما بالغنا في التدليل دون إشراك الطرف الآخر بالمسؤولية؛ بالغ بالاسترخاء وقلة الإنتاج والعمل، وهنا ينشأ الفراغ ما لم يملأه بنشاط ما.

أضف إلى ذلك الفراغ الروحي الذي يعاني منه معظم الناس، حتى أصبح الكثير منهم يقول: إنه لا ديني، إضافة لأمور كثيرة أخرى جعلت الإصابة بالاكتئاب والقلق والوسواس القهري والتوتر وغيرها من الأمراض النفسية أمراً قادماً وبجدارة.

هذا ملخص حوار لأكثر من ساعة مع د. أحمد المراياتي، استشاري الطب النفسي المعروف، الذي له مشاركات علمية في مؤتمرات دولية.

وأستذكر هنا كلمة طبيب نفسي في الكويت: المتدينون غير معفيين من الإصابة بالأمراض النفسية، فهم يبقون بشراً، ويتعرضون لأمور وضغوط تسبب آثاراً نفسية عديدة، وكذا الأغنياء معرضون للإصابة بأمراض نفسية.

وهذه الأمراض النفسية ما لم تعالج أولاً بأول، فقد يصاب صاحبها بانتكاسة، وهذا ما نرى أثره من ارتفاع نسبة الانتحار في الدول الراقية، وارتفاع نسبة الإدمان في الدول النامية، وانتشار الاعتداء اللفظي والحركي والجنسي في العالم كله.

ويستدعي هذا الأمر لانتباه الأسرة لأبنائها، فهم يتعرضون يومياً لاختراق تربوي وسلوكي في المدرسة والحي والنادي والتلفزيون والألعاب الإلكترونية والإنترنت والأصدقاء، إضافة للجانب الوراثي، فسوف يحظون بكم كبير من المتلقيات خارج نطاق السيطرة.

ويعد المعتقلون ظلماً والمهاجرون ذلاً الأكثر تعرضاً للأمراض النفسية؛ لذا نرى أن الحروب بشكل عام تطغى عليها روح الانتقام المرضي، فيكون القتل بلا حساب، والاغتصاب بلا حدود، ولنا في الحروب العالمية الأولى والثانية والمائة يوم، واليابان والصين، واستعباد دول أفريقيا، وإبادة الهنود الحمر والأبروجينيز.. وغيرهم أنموذج حديث لذلك.

ولعلها فرصة للمراكز البحثية لمناقشة الآثار النفسية للمهاجرين والمغتربين بشكل عام، وسبل مواجهتها قبل أن تتفاقم إلى آثار سلبية، فكم منهم من فقد دينه وقيمه لأسباب هو لا يعلمها! ولتكن لدينا صحوة للصحة النفسية، بإقامة ندوات وورش عمل حولها، وتدريب العاملين في المراكز الإسلامية والإغاثية عليها، ومراجعة الأطباء النفسانيين بلا حرج، كما نراجع طبيب العائلة، وليكن الارتقاء بالصحة النفسية هدف الجميع.

استوقف معلم اللغة العربية والشريعة كلام الأديبة الروسية د. فاليريا بوروخوفا في مؤتمر ثقافي في الجزائر، عندما كانت تتمجد باللغة الروسية متعة وجمالاً، وبعد المحاضرة قال لها: لن تجدي أمتع ولا أجمل من اللغة العربية، وأدعوك لتعلمها، فطلبت مساعدته، فزودها ببعض المراجع، وبدأت تستفسر وتسأل حتى بدأت تقتنع بكلامه، فعرض عليها د. محمد سعيد الرشد الزواج فقبلت، وهنا بدأت تسأل عن الإسلام، فاقتنعت وأسلمت، وأضافت قبل اسمها إيمان.

وعندما قرأت بعض تفاسير القرآن، قالت له الأديبة الضليعة باللغة الروسية: هذه الترجمة لا تحقق مراد القرآن، ونحتاج لإعادة الترجمة، وسنتعاون جميعاً بحكم تخصصك الشرعي، وتخصصي الأدبي، لترجمة القرآن الكريم من جديد.

وبالفعل بدأا بترجمة جديدة للقرآن الكريم مستعيناً بوالده الشيخ سعيد الرشد، أحد مشايخ الشام، حتى انتهوا من ترجمته إلى اللغة الروسية بشكل احترافي بعد ثماني سنوات، وتم اعتماده من المراجع الشرعية في العالم الإسلامي.

وطبعت من هذه الترجمة عشرات الآلاف من النسخ، في خمس عشرة طبعة، وانتشرت في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة.

وقامت د. إيمان فاليريا وزوجها بجولات في مدن روسيا ودول آسيا الوسطى لإلقاء المحاضرات في هذا المجال.

وقبل فترة قليلة اكتشف الأطباء وجود خلايا غير حميدة بين الضلعين الخامس والسادس، واضطرت للسفر إلى ميونيخ (ألمانيا) للعلاج، رغم أنها لا تملك المال الكافي للعلاج، سوى للفحوصات والعلاج الأولي، فهي تركت أعمالها الأكاديمية، وتفرغت لترجمة القرآن الكريم.

وقد تأثر الكثيرون في روسيا وآسيا الوسطى بهذا الخبر، وكانوا يدعون لها بالشفاء العاجل، منتظرين عودتها بالسلامة لتتابع نشاطها في خدمة القرآن الكريم وتعريف المسلمين بشرع الله الحنيف باللغة الروسية.

دخلت د. إيمان فاليريا الإسلام عن قناعة ورغبة، ولم تكن كغيرها من المسلمين الجدد عالة على غيرها، تنتظر من يوجهها، بل بادرت بخدمة هذا الدين العظيم بترجمة كتاب الله عز وجل إلى اللغة الروسية بأسلوب علمي رصين، فكانت لها بصمة تاريخية لم يقدم عشرها من سبقها بالإسلام، وكانت لها مبادرات عدة في خدمة المسلمين.

وهي الآن بأشد الحاجة لمن يدعمها بالدعاء أولاً، ثم بالمساهمة في علاجها، لعل الله عز وجل أن يمن عليها بالشفاء العاجل، وتعود إلى الساحة الدعوية من جديد حيث ينتظرها الآلاف.

ودعا الشيخ نفيع الله عشيروف، نائب رئيس مجلس إفتاء روسيا الاتحادية، والمفتي العام للقسم الآسيوي من روسيا الاتحادية، دعا العالم الإسلامي للمسارعة بدعم علاجها، من باب تنفيس الكرب «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، سائلاً الله لها الشفاء العاجل.

اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 18
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top