د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم تكن مذبحة نيوزيلندا تجاه الأبرياء وهم في المساجد الأولى، ولن تكون الأخيرة، فالتاريخ القديم والمعاصر مليء بمثل هذه المذابح تجاه المسلمين وغيرهم، لكن بحسب القراءة التاريخية والمعاصرة، نجد أن الاعتداءات على المسلمين هي الأكثر بفارق كبير جداً عن اعتداء المسلمين على غيرهم، وهم الأكثر تعرضاً للمذابح من غيرهم.

ونذكر مذبحة النرويج عام 2011م، التي راح ضحيتها 77 شاباً وشابة من مختلف الأعراق والديانات، من قبل المتطرف اليميني أندرس بريفيك، الذي استسلم طواعية، ليعلن هدفه من هذه العملية.. القضاء على الوافدين بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص.

ويعلن نفسه امتداداً لـ"فرسان الهيكل" المعادي للإسلام، ويمكنكم مشاهدة التفاصيل في فيلم "JULY 22".

إلا أن المسلمين لم يردوا عليهم، بل قدموا أنفسهم مواطنين صالحين في بلادهم الغربية التي آوتهم، ولذلك شواهد كثيرة، دعت الأمير شارلز لزيارة دار الرعاية الإسلامية في لندن أكثر من مرة، لتقديم العزاء تارة، ولشكرهم على إنقاذ البريطانيين من عدة حرائق (انظر: مقال إمام مسجد ينقذ أسرة بريطانية من الحريق).

ورغم أن المجرم الأسترالي برينتون تارانت الذي قتل بدم بارد ومصور 50 قتيلاً وعشرات الجرحى في مسجدين في نيوزيلندا، قد أعلن في وقت سابق عن عزمه قتل مسلمين عبر موقعه الإلكتروني، ولم تحتط السلطات الأمنية لها، إلا أن المسلمين لم ينساقوا وراء الاستفزازات، لضمان استقرار البلاد.

وهذا ما دعا رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن للحضور للتعزية مع الاعتذار، التي أكدت أن هناك تزايداً عالمياً في خطاب اليمين العنيف، وأن حكومتها تدرسه، وطلبت من وكالات الاستخبارات جمع معلومات أكثر عنهم.

لقد أصبح لدى المسلمين خبرة من هذه الأحداث المتكررة من أقصى الأرض لأقصاها، ومن شمالها لجنوبها، بأن وراء ذلك عصابات صهيونية متطرفة، تتخفى بأسماء وهمية، فالمدنيون العزل الأبرياء يقتلون يومياً بالمئات في ماينمار (الروهنجيا)، وتركستان الشرقية (الأويجور)، والشام وفلسطين ومالي.. وغيرها، على أيدي المتطرفين تارة، وجيوش خارجية تارة أخرى.

لذا.. كان قرارهم ضبط النفس، خصوصاً مع من لا يعتبر ذلك إرهاباً ولا إجراماً، كما تظهر في تصريحاتهم وبياناتهم.

الإشكالية الأكبر عدم التعامل سياسياً وإعلامياً مع قتل المسلمين تحديداً، مثل قتل غيرهم، ووفرت تلك السلبية قناعة لدى الشعوب بأن الأمر عادي، وما تصدر بعض الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة عدة حكومات غربية إلا مؤشر على ذلك، فالإعلام الغربي يصنع ثقافة لدى الشعوب تجعله يقبل القتل.

الإرهاب مادة عالمية، تستخدمها عصابات دولية بقتل آلاف البشر باسم محاربة الإرهاب، ويتهم بها الضعفاء حتى لو ذبحوا خروف العيد.

لن تقف حركات "فرسان الهيكل" عن التوقف في تصفية المسلمين، يساندهم في ذلك الصهيونية العالمية، وانظروا إلى إشارة المجرم عند حضوره المحكمة لنعلم إصراره، وكلهم واثقون بعدم الإعدام وفق القرارات الدولية، ويعيش بعضهم في سجون راقية، لكن علينا أن نوعي أبناءنا للحذر منهم، والتحرك عبر المؤسسات الرسمية لمكافحتهم، علَّ وعسى أن يخف خطرهم.

ورحم الله شهداء المسجدين.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

يقوم رجال المرور بجهود كبيرة على مدار الساعة، في جميع الشوارع، لتنظيم السير وتخفيف حدة الازدحام، متحملين تقلبات الطقس وبالأخص فترة الصيف اللاهب.

وتستقبل الإدارة العامة للمرور الاقتراحات، وتحاول تطبيق المفيد منها، والعديد من الأمور المطبقة حالياً هي أفكار مواطنين.

والكل يعلم أن أي قطاع بأي وزارة يستمد قوته وتطويره وفاعليته من خلال دعم الوزير مباشرة، ومنها الداخلية، التي يعرف الناس بتغير الوزير أو الوكيل من خلال مدى انتشار سيارات المرور في الشوارع مساء.

ونقدر تحمل رجال المرور الحوادث ونفسيات الناس المرهقة، وعدم مبالاة المستهترين وبعض المتنفذين للقانون، فلهم كل الشكر والتقدير.

وأود ذكر بعض الملاحظات التي تعرقل الحركة المرورية، وتسبب المشكلات للناس، فإن كانت الوزارة لديها علم بها، نحتاج إلى تفسير لعدم حلها.

1- تمتلئ الشوارع بالشاحنات بمختلف أنواعها، باستثناء أوقات ممنوعة، والغريب أنه في عدة دول أوروبية لا نراها إلا في الخطوط السريعة، بمعنى أنها لا تدخل الشوارع الرئيسة والداخلية إلا فترة الليل.

2- تسير بعض الشاحنات الكبيرة والصغيرة بأوزان تفوق طاقة السيارة، مما يتسبب في بطء الحركة وتعطيل حركة السير.

3- يتسبب ذلك الوزن الثقيل في إتلاف الشوارع، لعدم وجود «الميزان».

4- لا تراعي بعض الشاحنات الارتفاعات المحددة، مما تسبب في حوادث اصطدام الجسور.

5- كما في السرعة خطر، ففي البطء خطر أيضاً، فالبطء يعرقل السير، ويمنع التجاوز الصحيح، ويؤدي إلى الحوادث.

6- معظم الازدحامات تكون عند مخارج الجسور، لدرجة أن يصل دخول السيارات من الحارة الثالثة، ويمتد الازدحام إلى مسافة طويلة جداً، مما يسبب توقف حركة الشارع.

7- الكثير من الحافلات لا تلتزم بالقانون، ولا تحترم الآخرين، وتسير بسرعة عالية، وتتجاوز السيارات من حارة لأخرى، ويقفون صفين عند الإشارات.

8- قلة احترام القانون لدى كثير من الناس، وبالأخص العمالة الجاهلة، مما يتسبب في عرقلة السير والحوادث.

9- ازدياد عدد دراجات توصيل الطلبات في الشوارع، وهم يتمايلون بين السيارات غير مبالين، مما يعرقل السير.

10- عدم توافر خدمة النقل بشكل راق، وعدم توافر القطارات الداخلية، وتدني مستوى الحافلات التي كان الكويتيون يستقلونها حتى الثمانينيات، وعدم وجود رسوم على دخول المدينة والأسواق (السالمية وحولي)، ستجعل الناس يتجهون إلى السيارات الخاصة.

11- العديد من سائقي سيارات التاكسي والحافلات مطلوب منهم دخل يومي يسدد للكفيل، لذلك تجدهم يتحركون مثل المجانين لتوفيره.

12- يشترط في دول أوروبا اجتياز سائق التاكسي أمرين، معرفة المناطق بشكل دقيق، ولغة البلد، وهذا غير متوافر لدينا.

كل ذلك سيؤدي إلى المزيد من الازدحام والمشكلات المرورية، التي تحتاج إلى حلول جذرية لتخفيفها، ونأمل أن نرى نتائج إيجابية عن قريب.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأربعاء, 06 مارس 2019 23:15

التوحد في "الأوقاف"

تقدم رجل لوزارة الأوقاف بطلب لتعيينه إماماً، فلما جلس أمام لجنة الاختبار، سألوه في الفقه الحنبلي فقط، فقال: أنا شافعي.

فقالوا: إذن عد وادرس كتاب «دليل الطالب» ثم ارجع إلينا لنختبرك! ولا يوجد تفسير لذلك سوى أمرين: فرض المذهب الحنبلي على أئمة الوزارة الجدد، أو ضعف أعضاء لجنة الاختبار في المذاهب الأخرى، وذلك يعني أن كل أعضاء اللجنة حنابلة.

لا يختلف اثنان على قوة مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، فهو تلميذ الإمام الشافعي النجيب، وفقيه عصره وفريد زمانه، لكنني أتكلم عن فكر إداري لا يصلح فيه التفرد بالرأي أو الفكر أو المذهب، في بلد منفتح متعدد الاتجاهات، فضلاً عن فرضه في مؤسسة حكومية.

وسبق أن نبهت إلى أسلوب «التوحد» الذي تمارسه وزارة الأوقاف منذ أكثر من 15 سنة، والآخذ بالازدياد، رغم أن تاريخ الكويت زاخر بعشرات العلماء والمشايخ الأفاضل منذ أكثر من قرن، على مختلف المذاهب والأفكار، ولم يسبق لأحد من قياديي الوزارة أن فرض رأياً أو فكراً أو مذهباً بشكل مباشر أو غير مباشر، في حين أن المذهب السائد مؤخراً هو المذهب الحنبلي، والفكر السائد معروف، سبق أن أشرت إليه في مقال سابق "الشيخ محمد بن عبدالوهاب كويتي"، وهو فكر مستورد لا يتناسب مع الفكر الكويتي المستنير المنفتح على الآخر.

ومما يلفت النظر أن العديد من المشايخ والأئمة في الكويت -من ذات المدرسة- يستندون في فتاواهم ودروسهم إلى مشايخ محددين من خارج الكويت (مقدرين ومحترمين)، في حين أن «الموسوعة الفقهية» تعد أكبر وأشمل موسوعة على مستوى العالم الإسلامي، وتستوعب جميع المذاهب، وأعدها علماء أجلاء على مستوى رفيع من العلم الشرعي، ونادراً ما أسمع جملة «جاء في الموسوعة الفقهية»، حتى في قناة «إثراء» و«إذاعة القرآن الكريم».

وإذا تكلم أحدهم في مسألة فقهية ما ذكر آراء العلماء، واختتمها بكلمة «والصحيح»، التي تعني لغة أن ما سبقه غير صحيح، في حين أن قول «والأصح» أو «أنا أميل إلى..» أسلم، لكن المتكلم -مع كل الاحترام- لم يصل بعد إلى مرحلة الترجيح، والأفضل أن يرجح قول الجمهور والموسوعة الفقهية.

أنا أعلم أن هناك انقسامات فكرية شديدة، وأقدر الأثر التربوي الذي تلقوه عبر سنوات طويلة، وأستشعر التبعية اللاشعورية للمدرسة الخارجية، والحرج الشديد من السلبيات التي تحصل هنا وهناك، وأثمن تقدير (لا تقديس) العلماء المعنيين، ولكن ثقوا بأنها مرحلة، فلا تجعلوا الوزارة متنفساً لها، ولا المساجد سبيلاً إليها، واتركوا بصمة إيجابية للمجتمع كله، لا لمجتمعكم وفكركم فقط، فالكويت للجميع، والدين للجميع.

وأسأل الله لي ولكم الهداية والمغفرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (رواه البخاري ومسلم).

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 05 مارس 2019 11:59

نعم.. ما زال «الأقصى» في خطر

ما زال الكيان الصهيوني جاثماً على قلب فلسطين، والقدس، والمسجد الأقصى، ويمارس عسكره البلطجة مع أهل البلد الأصليين؛ مسلمين ومسيحيين، دون مراعاة لحقوق أصحاب البلدة القديمة، مستنداً إلى دعم الدول الكبرى، وصمت الصغرى.

ومما يثير الاستغراب تسارع بعض الدول العربية في التطبيع مع الكيان المسخ، في الوقت الذي يرفض فيه رياضيون وفنانون وسياسيون وحقوقيون غربيون التعامل معه؛ لأنه مغتصب أرض فلسطين، ولأنه مجرم قاتل الأطفال في مدارسهم، والنساء في بيوتهم، والشيوخ في مساجدهم.

وزاد الطين بلة سياسياً مشروع نقل السفارات إلى القدس.

وأعلن الكيان الصهيوني مؤخراً عن بناء كنيس ضخم مقبب من 6 طوابق (طابقان تحت الأرض و4 فوقها)، على مساحة 378 متراً مربعاً، بارتفاع 23 متراً، ويهدف ذلك الارتفاع لإخفاء منظر المسجد الأقصى من تلك الناحية مقابل حائط البراق.

ولم يحترم عسكر الكيان الصهيوني المصلين قط، فلطالما اقتحموا المسجد الأقصى عدة مرات، وأغلقوا أبوابه، وضيّقوا على رواده، واستحوذوا على «حائط البراق» الذي زاره لاعبو «برشلونة» الإسباني الذي يعشقه نصف العرب لابسين الكوفية، رغم أنه وقف شرعي إسلامي.

وزعموا أن بقايا الهيكل الذي بناه سليمان عليه السلام موجود تحته، وفشلوا في إثبات ذلك، رغم كل الحفريات التي تمت حول الحائط والمسجد الأقصى، وتحتهما دون جدوى.

أما حائط البراق فليس ثابت لديهم أنه مكان تعبديّ، ولكنهم حوّلوا هذا الحائط إلى رمزٍ دينيٍ وقومي، وجعلوه مزاراً دينياً ربطوه بشعائر وعباداتٍ وصلوات، وأقاموا في ساحاته المؤتمرات والمناسبات والاحتفالات الوطنية، وكانت بداية تواجد اليهود هناك عندما سمح لهم السلطان العثماني آنذاك بالمكوث في القدس، بعد هروبهم من محاكم التفتيش، وبدأت صلوات اليهود عند الحائط عام 1625م.

وجاء في كتاب «القدس.. مدينة واحدة.. عقائد ثلاث» للمستشرقة البريطانية «كارين آرمسترونج»: «لم تكن تقام هناك طقوس رسمية للعبادة، غير أن اليهود كانوا يحبون قضاء فترة ما بعد الظهيرة هناك يقرؤون المزامير ويقبّلون الأحجار، وسرعان ما اجتذب الحائط الغربي أساطير كثيرة، وتم ربط الحائط بأقاويل مِن التلمود تخص الحائط الغربي، وهكذا أصبح الحائط رمزاً لليهود».

هذا التوسع العمراني في ساحات المسجد الأقصى وما حواليها وتحتها؛ بناء وحفراً واستحواذاً، والتجاوزات اللاأخلاقية بالاعتداء على المصلين كبشر، وعلى المسجد كمبنى عبادي، وطرْد سكان البلدة القديمة من بيوتهم، والتضييق عليهم في معيشتهم، تؤكد أن المسجد الأقصى ما زال في خطر، وسيزيد الخطر ما لم يتوقف ذلك الكيان عن الاستمرار في مشاريع الحفر والهدم والبناء.

إنها وقفة إنسانية مطلوبة من قادة المسلمين والساسة الغربيين وجمعيات حقوق الإنسان في كل مكان بالعالم، تجاه هذه الاعتداءات على البشر قبل الحجر، وعلى الإنسان قبل البنيان، وألا ييأس أحد من الاستمرار بدوره مهما قلّ، فقليل مستمر خير من كثير منقطع؛ إنسانياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً واتصالياً.

وتحية كبرى لدولة الكويت أميراً وحكومة وبرلماناً وشعباً على مواقفهم الرائدة والثابتة والمتميزة تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام، والقدس والمسجد الأقصى بشكل خاص، وأسأل الله فرجاً عاجلاً للمسجد الأقصى والقدس وغزة وعموم فلسطين.

الثلاثاء, 26 فبراير 2019 12:50

الشيخ العالم.. والتاجر الغامض

يروى أن عالماً ذا حكمة وبصيرة، كان جالساً مع طلبة العلم، وبينما هم كذلك، إذ دخل عليهم رجل غريب لا يعرفه أحد منهم، ولا يبدو عليه مظهر طلاب العلم دخل وسلم، وجلس حيث انتهى به المجلس، وأخذ يستمع للشيخ بأدب وإنصات، وبيده قارورة فيها ما يشبه الماء لا تفارقه.

أنهى الشيخ حديثه، والتفت إلى الرجل الغريب، وتفرس في وجهه، ثم سأله: ألك حاجة نقضيها لك، أم لك سؤال فنجيبك؟

فقال الرجل: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر، سمعت عن علمك وخلقك ومروءتك، فجئت أبيعك هذه القارورة التي أقسمت ألا أبيعها إلا لمن يقدر قيمتها، وأنت دون ريب حقيق بها وجدير.

تناول الشيخ القارورة وأخذ يتأملها ويحرك رأسه إعجاباً بها، ثم التفت إلى الرجل فقال له: بكم تبيعها؟ قال: بمائة دينار.

فرد عليه الشيخ: هذا قليل عليها، سأعطيك مائة وخمسين. فقال الضيف: بل مائة كاملة، لا تزيد ولا تنقص.

فقال الشيخ لابنه: اذهب البيت وأحضر مائة دينار.

أخذ الشيخ القارورة، وتسلم الرجل المبلغ، ومضى في حال سبيله حامداً شاكراً، ثم انفض المجلس وخرج الحاضرون، وجميعهم متعجبون من هذه القارورة التي اشتراها شيخهم بمائة دينار.

دخل الفضول ولده، فلما عادا إلى البيت، فحص القارورة لمعرفة ما فيها، فتبين له أنه ماء عادي، فذهب إلى والده مسرعاً في غرفته وهو منفعل: لقد خدعنا الغريب، فوالله ما زاد على أن باعك ماءً عادياً بمائة دينار، ولا أدري أأعجب من دهائه وخبثه، أم من طيبتك وتسرعك؟!

فابتسم الشيخ الحكيم ضاحكاً، وقال لولده: يا بني.. لقد نظرت ببصرك فرأيته ماءً عادياً، أما أنا.. فقد نظرت ببصيرتي وخبرتي فرأيت الرجل جاء يحمل في القارورة ماء وجهه الذي أبت عليه عزة نفسه أن يريقه أمام الحاضرين بالتذلل والسؤال، وكانت له حاجة إلى مبلغ يقضي به حاجته لا يريد أكثر منه.

والحمد لله الذي وفقني لإجابته وفهم مراده وحفظ ماء وجهه أمام الحاضرين. ولو أقسمت ألف مرة ان ما دفعته له فيه لقليل، لما حنثت في يميني. انتهى.

تروي هذه القصة موقفاً إنسانياً، فيه من الحكمة والشهامة، فقد يكون أقرب الناس لنا بحاجة ما لكنه لا يطلب أحداً عزة في نفسه، وينبغي علينا التفرس بأقربائنا وجيراننا وأصدقائنا كوننا أقرب الناس لهم، ولكن الحياء والعفاف وحفظهم لماء وجوههم قد منعهم الكلام، ومن ثم تبني حاجتهم، وقد جاء في الأثر: ارحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر.

أعجبني موقف لأحد التجار عندما زاره صديق متقاعد، فعرض عليه وظيفة إشرافية تليق به، وراتباً مجزياً في إحدى شركاته، فتصنع الاعتذار ثم قبل، فقد كان هذا الصديق مسؤولاً قيادياً له وضعه الاجتماعي، وخدم الناس بما استطاع، فلما تقاعد فقد الوضع الاجتماعي والراتب العالي، فكف عنه حرج السؤال وبادره بالعرض.

نعم.. إن استطعت أن تفهم حاجة أخيك قبل أن يتكلم بها فافعل، فإذا لم تستطع أن تسمع صمت أخيك، فلن تستطيع أن تسمع كلماته.

الثلاثاء, 19 فبراير 2019 17:23

تزوج رجل مسن شابة ومات!

تزوج رجل مسن ثري زوجة ثلاثينية بعد وفاة زوجته، فاعترض إخوانه وأبناؤه على هذا الزواج خوفاً على الورث، وقالوا له: هذه لا تصلح لك، هذه صغيرة وأنت مسن.

فقال: أنا أحتاج زوجة قوية تساعدني في حياتي، أتكئ عليها، وتسندني عند القيام والمشي، وأريد زوجة تعالجني لا أعالجها.

فقالوا: إنها من عائلة بسيطة، وأنت من عائلة كبيرة.

فقال: أريد زوجة تخدمني في خصوصياتي، في الملابس والاستحمام.. وغير ذلك، ولو تزوجت امرأة غنية ومن عائلة كبيرة، فلن يسمح لها وضعها الاجتماعي (برستيجها) بخدمتي، وستطلب لي خادماً شخصياً.. وباءت محاولاتهم بالفشل.

استمر الزواج عدة سنوات بشكل مستقر، حتى توفي الثري، فأعطوا الزوجة الأرملة مبلغاً من المال كبيراً بالنسبة لها، وضئيلاً بالنسبة لهم، واشتروا لها بيتاً صغيراً في منطقتها، ورضيت بالقسمة، لأنها لا تعلم أملاك زوجها.

وصل الخبر لمحام نشط، فقال لها: حقك أكثر من ذلك، فعملت له توكيلاً، وكسب القضية، ونالت حقها عدة ملايين، وحصل على نسبة منها.

أعلم أن كل شخص سيبدأ يتساءل.. من المقصود بهذه الحكاية؟ والرد باختصار: القصة متكررة بفكرتها، متعددة بطريقتها بين عدة أسر، والمقصد هنا هو العبرة من الظلم الذي يمارسه البعض من أجل الاستحواذ على الورث بحجج واهية، وأن الزوجة دخيلة، أو خدعته، أو سحرته.. إلخ من قصص النساء، أو أن الزوج مخرف، و"يدلع روحه".. وغير ذلك من قصص الرجال.

ولعلنا سمعنا عن قصة مشابهة لمسن تزوج وافدة لنفس الهدف، وقامت على خدمته، وتحملت أذاه ومشاكله، وعندما توفي أعطوها مبلغاً من المال، وقالوا لها إننا نريد الغرفة لأولادنا، أو سنبيع البيت، وقد كبرت فلا هناك من يتزوجها، فتهيم على الأرض لتعيش بقية حياتها ذليلة.

الفكرة ذاتها، ولكن بأسلوب آخر.

والله إنه لأمر معيب أخلاقياً قبل أن يكون محرماً دينياً، فتلك الزوجة أصبحت جزءا من الأسرة، وقد خدمت زوجها المسن بما لا يعلمه إلا الله، والذي لن يستطيع أو يبادر أحد من أبنائه أو إخوانه بالقيام به، ولعلها لم تستمتع معه كزوج بقدر ما خدمته كرجل، وأخذ منها شبابها لأجل خدمته، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

ثم إن من اختارها هو الزوج.. الأب أو الأخ، فهل هذا بر الوالد، أو تقدير الأخ؟! والله ما هذا إلا كبر وظلم.

لقد كان من الأولى عدم الاعتراض على الزواج من حيث المبدأ، ولن يستطيع تقدير الحاجة إلا من عاشها، والأجدر بعد وفاته إعطاؤها حقها كاملاً من الورث، فهذا أمر شرعي لا اختياري أو مزاجي، وأن تكرم بشكل يليق بزوجة خدمت والدهم، فالأبناء أصبحوا محارم لها.

فلنتق الله في الأمانات.
_____________________


ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

انتشرت في الآونة الأخيرة دورات تدريبية، أقل ما يقال عنها: إنها مشبوهة فكرياً وعقدياً وقيمياً، تختص بالطاقة وغيرها، فيتم نقل أفكار إلحادية أو وهمية أو استفزازية، بجهل أو كبر من المدرب، ويلحقه تلقائياً المتدرب.

إن من أبرز آفات التدريب التقليد والنقل دون فلترة، مما زاد من انتشار تجار التدريب، أو مدرب شنطة، الذي يتكلم بكل فن دون سقف أو حد، ودون مراعاة للبيئة والدين والقيم الاجتماعية، ودون تقدير لمستوى المتلقي فكرياً وثقافياً ودينياً، وتحول التدريب إلى تجارة أسماء وهمية متواضعة المضمون، حتى إذا تم اختبار المتدرب لا تجد مستواه يتعدى "جيداً".

ودخل عالم التدريب آفات جديدة، أدت إلى أمرين خطيرين في المجتمعات العربية:

أولاً: مشكلة دينية تبدأ بالضعف الإيمانية، وتنتهي بالإلحاد.

فالمدرب يدعو للتفكير وإعمال العقل، ويضرب المثل في العبادات، وبغروره يبدأ بانتقاد علماء الدين دون غيرهم، ويطلب الأدلة والتبريرات الفكرية والعقدية من أناس غير شرعيين، وغير محصنين عقدياً، معتقداً أنه نما التفكير لديهم، فيبدأ الشك يدخل في قلوبهم، ويدخل الغرور في نفوسهم بأنهم قادرون على الفهم والاختيار، وينسفون ما قاله العلماء، حتى رأينا بعض النساء ألقين الحجاب، وبعض الشباب تطاول على الصحابة، ووصل الأمر لدى قلة منهم إلى بوادر الإلحاد، وكل ذلك باسم الفهم والعقل، وهم رجال ونحن رجال، نتيجة لتلك الدورات التخريبية.

ثانياً: مشكلة اجتماعية، تبدأ برفض المرأة للضوابط الاجتماعية، وتنتهي بالطلاق، فالمدرب يدعو المرأة إلى أن.. عيشي حياتك، ‏ابحثي عن ذاتك، ‏استمتعي بعمرك.. إلخ، من الشعارات الجاذبة، دون وضع أطر أو حدود لها، فتتطاول على المجتمع وقيمه، ولا تضع وزناً لا لزوج ولا أب أو أم، ويبقى همها نفسها فقط.

وانتقلت العدوى إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي يستسلم لها الناس بشكل غريب، وكأنه كلام منزل.

يقول د. حمود القشعان: نبهت من طلاق العشرينيات والخمسينيات بعد علم وخبرة ودراسات أكاديمية ميدانية مع حالات منذ عام 1989م، بهدف «التحذير من أشباه المدربين والدخلاء على الاستشارات»، فكم من بيت هدموه بدورات وهمية، والنهاية خراب بيوت، ‏فالأول طلاق متعجل والثاني طلاق مؤجل، ‏وكلاهما يأتي نتيجة تأثير الصديقات، وأشباه المدربين والمدربات بما يسمى دورات التنمية البشرية والطاقة. (بتصرف).

وعادة لا تتدخل الحكومات في مثل هذه الأمور، لاعتبارها اختيارات شخصية، لكن لا بد من رموز المجتمع من التدخل للتحذير والتوعية، قبل أن تقع الفأس في الرأس، فما ترونه اليوم، قد يصل إليكم في الغد، وفي الفم ماء.

ألا هل حذّرت، اللهم فاشهد.‏

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 05 فبراير 2019 14:53

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم

دعا موظف وافد بسيط مديره عند زيارته دوام المساء على العشاء، فاستجاب له، وتكررت الدعوة كلما حضر المدير الذي استغرب من الأكل الذي يحضره، فالكمية كبيرة، والنوعية من الأسماك الطازجة الغالية، فسأل صاحبه عن حكايته، فقال: بدأ هذا الموظف عمله في الكويت منذ 20 سنة، وأحضر زوجته، ورزقهما الله الذرية، إلا أنه كان يقتر على نفسه في المأكل والملبس، ويرسل المبلغ لإخوته لعمل استثمار مشترك للمستقبل، وبعد سنوات اكتشف أنهم استحوذوا على كل الاستثمار، وحملوه الديون، فصدم من عمل إخوانه المقربين، فقرر بعدها أن يمتع نفسه وأسرته بما أنعم الله عليه من خيرات في الكويت، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لا يختلف اثنان على أن كل وافد إنما جاء للعمل لأجل الاسترزاق، وزيادة دخله في بلده، سواء في الخليج أو أوروبا أو أميركا، ولا شيء في ذلك، فهذه سنة الحياة، إلا أن الفرق يكون في خطة ذلك الشخص، رجلا كان أو امرأة، هل هناك نية استقرار أم عودة؟ هل سيعمد إلى التقتير على نفسه من أجل الآخرين (أهله، أقربائه، قبيلته..)، أو لأجل بناء مستقبله في بلده (استثمار، عمارة..)، على حساب نفسيته ومظهره وصحته؟ هل سيعمل ليل نهار لتحقيق أهدافه المالية؟ أم يعيش حياته في بلد العمل (المهجر) بالاستمتاع بما أنعم الله عليه هو وأسرته، واستقطاع مبلغ محدود لأهله وللاستثمار بحسب مستوى دخله؟

نعم.. هو صراع نفسي عند اتخاذ القرار، تحكمه ظروف عديدة، وفق البيئة والتنشئة ومستوى الدخل، والطموح.

عزيزي المقيم في أي بلد.. لا تكن حارسا للمال ليأخذه غيرك، بل كن فاعلا ومستثمرا له، واستمتع بحياتك، ولا تنس أقرباءك بالحسنى، والبس جيدا، واحرص على صحة عيالك، وادخر لمستقبلك، كل وفق دخله وإمكاناته.

ولا أعني الإسراف بأي حال من الأحوال، إنما الحكمة.

يقول أحد المهاجرين في بريطانيا: جئت قبل 55 سنة، والنية أن أقضي عاما أو اثنين بالكثير لأجني المال، ثم أعود إلى وطني، وتجري بي الأيام ليتبين لي أنني لم أحقق الهدف المالي، فأخذت أمدد سنة بعد أخرى، وتزوجت ودرس عيالي في بريطانيا، ولم أحقق الهدف المالي، وتوفيت زوجتي وتقاعدت ولم أحقق الهدف المالي، ولم أملك بيتا لا في وطني ولا في بريطانيا، ولم أستمتع بحياتي.

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم، فالأرزاق بيد الله.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الأحد, 03 فبراير 2019 10:39

قبل أن نصل إلى أزمة المياه

بدأت دول كثيرة تدق جرس الإنذار المائي؛ إما في مستوى الهدر والإسراف، أو الشح المائي، وأنا لا أتكلم عن الصحاري والقفار وما يصيبها من جفاف، فالخطر قد شارف المدن الخضراء، وما أكثرها، فقد قرأنا عن الجفاف الذي أصاب مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، وبدأ الناس يحصلون على المياه عن طريق تعبئة جالونات في مراكز خاصة، وكادت تصل إلى مرحلة الصفر لولا رحمة الله، وسبقتها في الجفاف مدينة ساو باولو البرازيلية.

ولعلنا نذكر موجة الجفاف التي أصابت السويد، لعدم هطول الأمطار لأكثر من 4 أشهر؛ مما تسببت في عشرات الحرائق التي حولت آلاف الهكتارات من الغابات إلى رماد، وجعلت المزارعين في وضع صعب للغاية، وكانت مبادرة رائعة من مسلمي السويد عندما أقاموا صلاة الاستسقاء في العاصمة أستوكهولم، أسعدت الناس لهذه المشاعر الوطنية والإنسانية.

ولا يخفى على أحد أن الصراع العالمي القادم سيكون حول المياه، فبوادره الأولى واضحة من مشكلات سدود الأنهار الشهيرة التي تغذي عدة دول؛ مثل النيل ودجلة والفرات، وبلا شك فإن شح المياه سيؤدي لنزاعات وحروب، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط.

ولأزمة المياه مظاهر عدة، أبرزها قلة المياه الصالحة للشرب، وقلة مياه استخدام الصرف الصحي، ونضوب المياه الجوفية وتأثيرها السلبي على الإنتاج الزراعي، وتلوث موارد المياه بسبب المجاري والمخلفات الكيميائية والنووية، وانتقال الأمراض عن طريق المياه الجارية، حتى نجد أنفسنا بين تصحر وجفاف.

لقد استطاعت البرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهما من الدول تجاوز المحنة بتطبيق نظم صارمة بخصوص الإسراف، ولكنها ما زالت على حافة الخطر، حتى الدول الإسكندنافية الباردة والمليئة بالثلوج عانت من الجفاف، وستعاني دول كثيرة ما لم تمتنع عن الإسراف، فقد بين تقرير للأمم المتحدة أن عدم كفاية المياه في كثير من الأحيان بسبب سوء الإدارة والفساد.

وكم أعلن قياديون في وزارة الكهرباء والماء عن تصدر دولة الكويت الهدر المائي في العالم (استهلاك الفرد)، وهذا مؤشر خطير لبلد صغير، بعدد سكان قليل، وسط صحراء، وقرب بحر مالح، وتحرق ملايين براميل النفط في المصافي؛ لأجل الحصول على الماء الصافي.

فينبغي على الدول أن تعي هذه الخطورة بشكل مسبق، حتى لا نصل إلى مرحلة «لا علاج، ولا دواء»، بما فيها الدول الغنية بالماء، ويكون ذلك بسن قوانين الهدر، وتقسيم تعرفة الماء وفق شرائح؛ فكلما ارتفع الهدر؛ ارتفعت معه التعرفة.

ومن الضروري بمكان استمرار التوعية بأهمية عدم الإسراف بالماء، فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ؛ فقال: «ما هذا السرف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم.. وإن كنت على نهر جار»، وقال: «إن للوضوء شيطاناً يقال له ولهان فاتقوا وسواس الماء»، فإذا كان ذلك في الوضوء وهو ركن الصلاة، فكيف بباقي حياتنا اليومية؟!

إن المحافظة على استهلاك المياه يدخل ضمن الأمن القومي لأي بلد، فلنستدرك ما يمكن إدراكه قبل أن نصل إلى أزمة المياه، ونجد أنفسنا نستجديه.. أو نهاجر!

الثلاثاء, 29 يناير 2019 15:12

أمون عليك ولا أمون على أخوي

كنا نتحاور في إحدى الديوانيات حول بعض النباتات المفيدة في الوقاية والعلاج، وذكر رجل ستيني نبتة «المورينغا» وفوائدها العديدة، والكل منتبه إليه، وهي نبتة مفيدة للعديد من الأمراض المستعصية، يعود أصلها إلى الهند، وتنمو في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وهناك من جرب زراعتها في الكويت ونجحت، وقال إن أخاه زرعها في مزرعته، وأحضر ورقة منها عرضها علينا، فبادره أحد الحضور بطلب أوراق منها لأنه يعاني من مرض ما ويرغب في العلاج بها، فرد عليه وهو مطأطئ رأسه: اعذرني.. فأنا لا أستطيع أن أطلبها منه، فوالله إني أمون عليك ولا أمون على أخوي. فصمت الجميع أمام هذه الكلمة، وتم تغيير الموضوع.

كم آلمني هذا الرد المفاجئ، واستوقفتني جملته «أمون عليك ولا أمون على أخوي»، فماذا بعد هذا العمر بين أخوين وقد شارف على السبعين؟ وكيف يسمح أخوه لنفسه بأن يمون عليه ربعه، ولا يمون عليه أخوه الأكبر؟ ما هذا التفكير الذي ضيق بين أخوين؟

يقول أحد الشباب: اتصل عليّ صديق عزيز، وقال أنا محتاج الآن 150 ديناراً، فقلت له: حياك الله.. وجاءني فوراً وأعطيته المبلغ، ورحل.. سألته فيما بعد: أعرف أن لديك إخوة كثيرين، وبعضهم يملك مالاً لا بأس به، ومبلغ 150 ديناراً ليس كثيراً، فقال: العلاقة بيني وبين إخواني وأخواتي شبه رسمية، صحيح نلتقي أسبوعياً على غداء وعشاء، لكني لا أستطيع طلب شيء من أي أحد، وأمون عليك أكثر منهم.

يا إلهي.. ما هذه الحياة الجافة بين الإخوة، وكيف يهنأ لهم بال بهذه النفسية القاسية، وقد انتزعوا المحبة والمودة من قلوبهم؟

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن عدداً كبيراً من الأسر تعيش هذه النفسية، ولكنها لا تعلنها، وما أعلنها إلا من ضاقت به نفسه، والأسباب في ذلك عديدة ومختلفة، ولسنا بصدد علاجها، لأنها أمراض اجتماعية مزمنة، ولكن لابد من التعايش معها بما يحقق التعامل الإنساني بين الإخوة، واستخدام التغافل، وافتعال المودة ولو مجاملة، دون إهدار كرامة أو إذلال أو إهانة، ودون كيديات، فسلوك غير أخلاقي أن تعامل الآخرين أفضل من أخيك.

أكرر.. عندما تعامل الآخرين أفضل من أخيك، فذاك سلوك غير أخلاقي.

أعرف رجلاً غنياً أدخل إخوانه البسطاء في تجارته، فأصبحوا أسماء لامعة، ويقدم أخاه الأكبر في المجالس، ولا يتمنن عليهم أبداً، وغنيا آخر أشرك أخاه البخيل الميسور في بعض تجارته، فلما رآه لا ينفقها على نفسه ولا عياله، بدأ يصرف عليه بشكل غير مباشر، رأفة به وبعياله، ولا يشعره بأي فضل.. كل ذلك من باب تجاوز الاختلافات، ولم الشمل.

"الدنيا زائلة".. كلمة نرددها كل يوم، ونتخذها شعاراً عند الحديث عن الآخرين، ولكننا قد نفتقد تطبيقها على أنفسنا، والسبب باختصار شعور «النقص» الذي أدى إلى «الكبر»، وليس بالضرورة أن يكون الكبر من الغني فقط، فقد جاء في الحديث «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر»، والعائل هو الفقير، لذا جاء التحذير.

أعرف أن الكلام ثقيل على النفس، ولكن لابد من التذكرة، فلا أجمل من تحقيق معاني الأخوة بشموليتها، قولاً وفعلاً، وما أجمل أن يقول ذلك الستيني أمام الناس وبكل فخر: نعم.. أمون على أخوي.

معلومة: «المورينغا» شجرة طويلة ونحيفة، ومن أسمائها «البان»، لذا توصف المرأة الطويلة الممشوقة القوام عند العرب بأنها مثل "غصن البان".

________________________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة " الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 15
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top