د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 08 أكتوبر 2019 12:20

البر بالأب البخيل

 

لا يعد البر بالوالدين أو والديهما منة، بل إنه واجب شرعي أخلاقي اجتماعي، التقت عليه جميع الأديان والأعراف والمجتمعات، لذلك تجد البركة فيمن يبر والديه حتى لو كان قليل الفكر والثقافة والدين.

ومن اللفتات الجميلة في بر الوالدين أن أقام رجل حفل زفاف ابنه في مركز التلطيف الذي يقيم فيه الجد وألبسوه البشت، وأحضروا له فرقة عرضة، وعقدوا الزواج في المركز، فأسعدوا الجد وأسعدوا المقيمين في المركز، فهم هنا اهتموا بوالدهم قبل أن يهتموا بالناس.

ويزيد الأمر إحساناً عندما يكون الأبناء متضررين من أبيهم، أو أن أباهم كان مقصراً معهم، فيقابلون الإساءة بالإحسان، كيف لا وهو والدهم.

وقد لفت نظري بر بعض الأبناء بآبائهم البخلاء، والبخل آفة ذميمة في الشرائع والمجتمعات، ووصف بعض الأقوام والأعراق تاريخياً بالبخل، وكتب الجاحظ فيهم كتاباً لنوادرهم أسماه «البخلاء»، كما أن هناك فرقاً بين البخل والحرص، فالأول مذموم، والثاني محمود إن لم يبالغ.

وهناك البخل والشح، فالأول يبخل على الآخرين، ويعيش صراعاً بين البخل والحرص، والثاني يبخل على نفسه وعلى الآخرين، وهذا لا علاج له سوى هداية الله أو التراب!

والبخيل لا يشعر بأنه بخيل، لأنه يمارس البخل بشكل طبيعي منذ صغره، لأسباب نفسية واجتماعية، إما بسبب الفقر أو الحرمان في فترة ما أو غير ذلك، كما أن البخل درجات، حتى إن بعض البخلاء ينتقدون من هم أشد بخلاً منهم!

ومن نماذج بر الأبناء بالأب البخيل أو الحريص المغالي، أنهم يشترون أشياء غالية لوالدهم (ساعة، قلماً.. إلخ)، ويدفع الأب ربع السعر، ويدعون أنهم حصلوا على خصم خاص، وأحياناً يدفعون كل الفاتورة.

أو يحجزون لوالدهم عند السفر على درجة رجال الأعمال، وفنادق فخمة، ولأنه لا يقبل الدفع المرتفع حتى لو كان من أبنائه، فإنهم يقولون له: إنهم حصلوا على عرض خاص من السفريات، وهم يدفعون الفرق، أما عند الولائم، فإنهم يقومون بكل شيء، سواء من بيوتهم أو مطاعم فاخرة، ويزعمون أنهم حصلوا على أسعار مخفضة، أو أن كل واحد ساهم بشيء ما، كما يشترون له بعض الألبسة والأحذية الراقية ليلبسها عند زياراته ولقاءاته، وغيرها من الممارسات بهدف إسعاد والدهم، وليس تجملاً أمام الآخرين، وتعويضه سنوات الحرمان التي عاشها في طفولته قسراً، وفي شبابه خوفاً، وغالباً سيغير ذلك من سلوك الأب البخيل إيجابياً مع الوقت عندما يعيش الأمن المالي والأمان النفسي والاجتماعي، فنعم البر ذاك.

وفي المقابل، رأيت أبناء لا يهتمون بوالدهم، ويعتبرون أن البخل اختياره، وليس لديهم أي استعداد لأن يدفعوا له من جيوبهم.

تقول إحدى النساء: كدنا ندعو على والدنا بعد وفاته، عندما اكتشفنا أنه يمتلك أموالاً طائلة، فقد ذقنا المر ببخله، وبالأخص أمنا المسكينة التي كانت تطبخ وتنفخ، ثم عندما تزوجنا وأثقلت كاهلنا الديون بسبب صعوبة الحياة، لم يمد يد العون لأحد أبداً!

قد يعذر الفقير بالبخل أو الحرص، لكن الغني ومتوسط الحال لا يعذر، فهو يعيش حياته محروماً هو وأسرته، ويستدعي الأعذار الواهية لعدم الإنفاق (إسراف، توفير، عدم قناعة.. إلخ)، ليكون «حارساً» على المال، ينتظر الناس وفاته.

اللهم إني أعوذ بك من البخل والشح والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

الخميس, 03 أكتوبر 2019 13:35

تقسيم المقسم

 

اهتمت الصهيونية العالمية بتوحيد الجهود الدولية لإسقاط الخلافة الإسلامية، تمهيداً لتفتيت دول العالم الإسلامي، وذلك عندما رأت استحالة قدرتها بذلك وحدها، أو دولة ما منفردة، فقد كان العالم الأوروبي في أوج انتصاراته في حروبه الخارجية، واستطاعت عدة دول مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وروسيا وغيرها احتلال عشرات الدول الأفريقية والآسيوية وأمريكا الجنوبية منذ عدة قرون، واختلفت في أسلوب الاحتلال من إبادة واستعباد وفرض الدين المسيحي ولغة المحتل، وبين ترك البلاد للعباد والإدارة عن بعد.

كما انتشرت البعثات التنصيرية والمستشرقون، واستطاعت أن تتوغل في البلاد الإسلامية، وتخترق القيادات السياسية والدينية والفكرية، وكوّنت قاعدة بيانات لتنطلق بعدها لتفتيت تلك الدول بأساليب عدة، ومن خلال رموزهم الوطنية.
وبدل أن تقوم الصهيونية بهذه الأدوار، فقد أوكلتها لتلك الدول الكبرى، لأن الصهيونية لا دولة لها ولا كيان، فكان «وعد بلفور» (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، وخيانة الشريف حسين مع «لورانس»، وغرس مبادئ القومية العربية في مصر وبلاد الشام بغلو غير طبيعي، واتفاقية «سايكس بيكو»، حتى إذا تهيأت الأجواء؛ أسقطت الخلافة العثمانية، وتشرذمت الأمة الإسلامية.
ولتدعيم التفتيت، أُنشئت جامعة الدول العربية؛ لترسيخ القومية العربية، ونسيان الخلافة الإسلامية، ونادى العلماء بإنشاء جامعة للدول الإسلامية دون مجيب، وكان البديل «منظمة التعاون الإسلامي».
وتم احتلال فلسطين، وحرق المسجد الأقصى، وتأسيس حزب البعث (ميشيل)، والأحزاب الشيوعية والاشتراكية من منطلقات عروبية، ونشر العلمانية والليبرالية؛ لتتشرذم القومية العربية بذاتها أكثر وأكثر.
هل اكتفوا بذلك؟ لا.. فهم يخططون ونحن ننفذ.
فقد تم إسقاط الملكيات السابقة باسم الثورات العربية، وكلها بتنسيق العسكر (المنقلبين) مع أوروبا ثم أمريكا، وأسقطت هيبة الأزهر، وأضعفت مؤسسات الدعوة في العالم الإسلامي، وانتشر الجهل، وأُنشئت ديانات جديدة (الأحمدية أو القاديانية)، ودعم العلوية.
وكان الاتجاه التالي نحو تأسيس تيارات إسلامية جديدة، لمواجهة القومية والليبرالية والعلمانية، وضربوا الإخوان بالسلفية، والسُّنة بالشيعة، والعرب بالأكراد والأمازيغ، وطالبان بالمجاهدين الأفغان، وظهور القاعدة وداعش والجامية، وتغير مصطلح العالم العربي إلى الشرق الأوسط.. والحبل على الجرار.
لم تتوقف الآلة الغربية التي تعمل بالوكالة عن الصهيونية العالمية، فتم إسقاط الشاه، واحتلال العراق للكويت، والسيطرة على العراق سياسياً، وأعلنت انطلاق «الفوضى الخلاقة» التي عصفت بالعالم العربي، ثم «خارطة الشرق الأوسط الجديد»، وحروب «الوكالة» في الشام واليمن وليبيا.
وبدأ ما يسمى «تقسيم المقسم»، فبعد تقسيم «سايكس بيكو»، بدأ فصل جنوب السودان بقرار أممي، ودعم غربي، في حين أن قضية كشمير ظلت معلقة إلى الآن، ودارفور بالانتظار، والحبل على الجرار.
لقد وصلت مرحلة الانقسامات إلى العنق، وأي انقسام قادم سيكون إلى الأسوأ، لأنه سيكون ذا قاعدة قومية عرقية قبلية دينية مذهبية، تلك الأمور التي يلعب على أوتارها الاحتلال البارد، ويطبقها بنو جلدتنا بالوكالة بكل فخر، متناسين مصير الشريف حسين الأخير!
نحتاج إلى وقفة تأمل لدراسة كيفية الخروج من هذا المأزق الكبير الذي نشترك بتنفيذه، حتى لا يكون مصيرنا كدويلات الأندلس، وحينها لا ينفع الندم.

الثلاثاء, 01 أكتوبر 2019 10:53

ثمانية مواقف غيّرت سلوك تلميذ

سأل التابعي الإمام إبراهيم بن أدهم تلميذه حاتم الأصم: منذ متى صحبتني؟

فقال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة.

فقال ابن أدهم: فما تعلمت مني في هذه المدة؟

قال حاتم: ثماني مسائل.

قال ابن أدهم: ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل فقط! هات ما عندك لأسمع.

قال حاتم:

المسألة الأولى: رأيت كل واحد يتخذ صاحباً، فإذا ذهب إلى قبره فارقه صاحبه، فصاحبت الحسنات، حتى إذا دخلت القبر دخلت معي.

الثانية: نظرت في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى {41}) (النازعات)، فأجهدت نفسي في دفع الهوى، حتى استقرت على طاعة الله.

الثالثة: رأيت أن من معه شيء له قيمة حفظه حتى لا يضيع، ونظرت إلى قوله تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) (النحل: 96)، فكلما وقع في يدي شيء له قيمة، وجهته لله ليحفظه عنده.

الرابعة: رأيت كلاً يتباهى بماله أو حسبه أو نسبه، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً.

الخامسة: رأيت الناس وهم يتحاسدون على نعيم الدنيا، ونظرت إلى قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، فعلمت أن القسمة من عند الله، فتركت الحسد عني.

السادسة: رأيت الخلق يعادي بعضهم بعضاً، ويبغي بعضهم بعضاً، ويقاتل بعضهم بعضاً، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) (فاطر: 6)، فتركت عداوة الخلق، وتفرغت لعداوة الشيطان وحده.

السابعة: رأيت كل واحد يكابد نفسه ويذلها في طلب الرزق، حتى أنه قد يدخل فيما لا يحل له، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) (هود: 6)، فاشتغلت بما لله عليَّ، وتركت ما لي عنده.

الثامنة: رأيت كل مخلوق متوكلاً على مخلوق مثله، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، فتركت التوكل على المخلوق، واجتهدت في التوكل على الخالق.

فقال إبراهيم بن أدهم لحاتم الأصم: بارك الله فيك، نعم التلميذ الصالح أنت. (انتهى، منقول بتصرف).

تمر على الإنسان مواقف كثيرة في حياته، يتفاعل معها بمشاعره وعواطفه، وينعكس ذلك على كلامه وسلوكه، فينسى كثيراً مما تعلمه، حتى إذا فات الفوت ندم على ما قاله أو فعله، فتكون الخسائر أكثر من المكاسب، ومنها الاستجابة للغضب، متناسياً قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

لنستدرك أقوالنا وأفعالنا قبل أن تخرج، ولندرب أنفسنا على الصبر وضبط النفس، وبالأخص مع الوالدين والأبناء والأرحام والأصدقاء، ولنترك فضول الكلام والملام، ولنحيي حسن النية وصفاء القلوب.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 24 سبتمبر 2019 10:26

اليمين الخليجي غير

يعد «التيار اليميني» مصطلحاً سياسياً يرجع إلى زمن الثورة الفرنسية عام 1789م، وهو تيار موال للملكية، وتطورت أهدافه وسياساته مع تطور السياسة العالمية، إلا أنهم ما زالوا متمسكين بتقاليد المجتمع، ووجود طبقية اقتصادية واجتماعية بحسب الأصول والأعراق، والتمسك بالدين المسيحي حتى لو كانوا علمانيين.

وكلمة «اليمين» كان سببها جلوس أعضاء البرلمان المؤيدين للملكية والأرستقراطية في الجانب الأيمن، وانتشر المسمى لكل من يحمل هذا الفكر.

وظهر «اليمين المتطرف» الذين يستخدمون العنف لفرض التقاليد والقيم.

ومن أبرز عوامل انتشار اليمين واليمين المتطرف في السنوات الأخيرة:

1- بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظهرت قوميات من آسيا الوسطى في أوروبا الشرقية تم تهجيرها قسراً في الماضي، فحصلت ردة عرقية أوروبية.

2- تسبب إلغاء حدود دول الاتحاد الأوروبي في هجرة الآلاف من أوروبا الشرقية (الفقيرة) نحو أوروبا الغربية (الغنية)، فانشغل الأوروبيون الغربيون بأصولهم القومية.

3- تزايد الهجرات الإنسانية إلى أوروبا الغربية بإشراف الأمم المتحدة، فضلاً عن التهريب، بسبب الحروب والمجاعات، أدى لانتشار البطالة والركود الاقتصادي في أوروبا، فرأوهم مزاحمين لهم على الوظائف.

4- التصعيد الإعلامي ضد المهاجرين بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص.

كل هذه الأمور تسببت في ردود أفعال عدائية تجاه المهاجرين، وأصبحت برنامجاً انتخابياً للأحزاب اليمينية الأوروبية للتضييق عليهم، لدرجة تأسيس منظمة «مدن ضد الأسلمة» في بلجيكا، شاركت فيها عدة أحزاب أوروبية دعت فيها لإيقاف بناء المساجد، ووقف وصول مهاجرين مسلمين.

وهذا ما دعا كبار السن البريطانيين للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، وكذا تأييد كبار السن لموقف الرئاسة الأمريكية تجاه المهاجرين، والحملة الإعلامية في فرنسا، واستخدام المتطرفين في أستراليا والنرويج وغيرهما بقتل الأبرياء.

وبنفس التفكير.. يتفاعل بعض المواطنين الخليجيين تجاه الوافدين و«البدون»، ليس كرهاً بهم أو حسداً أو حقداً، ولكنهم يرون أنهم هم أهل البلد وهم المؤسسون، وهم من بنوا البلاد أيام الفقر والغوص وبناء الأسوار وحماية الدار، فهم أولى بخيرها.

ففي الوقت الذي لا يجد كثير من المواطنين وظيفة مناسبة، وراتباً معقولاً، يتمتع بعض الوافدين بوظائف راقية ورواتب عالية، وللخروج من لوائح الدرجات الوظيفية، فقد توسع بعض الوزراء بشكل غير مسبوق بتعيين وافدين بوظائف مختلفة باسم «مستشار» بعقد خاص، وراتب ومزايا خاصة لا يحلم بها المواطن.

واختلط حال «البدون» الأصليين بـ«البدون» الجدد، فلا هم حصلوا على الجنسية، ولا «البدون» الآخرون تركوهم.

وللأسف.. يدعم ذلك كله بعض أعضاء مجلس الأمة، صاحب أسوأ قرارات بتاريخ الكويت بهذا الاتجاه.

لذا.. تجد انفعالاً من أهل البلد القدامى ضد هذه التجاوزات، وتقديم الآخرين عليهم، وهم أبناء البلد الأصليون.

وهؤلاء هم اليمينيون في الخليج، ولكن بشكل تلقائي ومبسط ودون تخطيط أو حملات إعلامية.

وأسأل الله أن يؤلف القلوب، ويحفظنا جميعاً من كل شر.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 25
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top