محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 11 يونيو 2020 10:40

السودان وأزمات التغيير

انطلقت، أمس الأربعاء، في السودان مظاهرات شعبية ضد الحكومة التي يرأسها عبدالله حمدوك بعد أشهر من الانقلاب العسكري على نظام البشير، وتشكيل حكومة ذات مجلس سيادي عسكري مدني برئاسة عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني.

إذ فشلت الحكومة ومجلس السيادة في إحداث أي تقدم في مجال التنمية والإنقاذ الاقتصادي للبلاد، ويواجه السودان احتمالات الانهيار الاقتصادي بسبب العجز المالي والظروف الاقتصادية والتدخلات الدولية في ظل جائحة كورونا وتهالك المنظومة الصحية للبلاد.

وقد تحركت حشود من المسيرات الشعبية التي تعتصم أمام مقر قيادات الجيش السوداني بسبب سياسة الحكومة في إقالة عدد كبير من موظفي الدولة، ومصادرة الكثير من الشركات والأملاك لأشخاص لم يقدم فيها محاكمات عادلة، ودون إذن من النائب العام في السودان، عدا ما تم من إقالة آلاف الموظفين العاملين في الحكومة تحت إطار الخدمة المدنية في الأشهر السابقة تدعي الحكومة أنها تعيينات نفعية.

بالإضافة إلى أن وزير المالية اتخذ قراراً فردياً بزيادة رواتب العاملين في الحكومة بما يعادل أكثر من 550 ضعفاً من الراتب! دون وجود ميزانية مالية حقيقية، فقد تم دفع رواتب موظفي الدولة شهراً واحداً ثم عجزت الحكومة عن دفع راتب الشهر الذي يليه؛ مما أوقع الحكومة والناس في مشكلة كبيرة.

ولكن مما فجر الوضع بشكل أكثر هو ما سماه معارضو الحكومة بـ"الخديعة للشعب السوداني"، وهو قيام رئيس الحكومة حمدوك منفرداً بتوجيه من البريطانيين بإرسال خطاب إلى لجنة الأمم المتحدة بوضع السودان تحت بندي "الفصل السادس" و"الفصل السابع" من ميثاق الأمم المتحدة؛ حيث إن حفظ السلم والأمن الدولي معرض للخطر في السودان، وإن السودان يقع تحت تهديد السلم والعدوان، واستطاع أن يمرر هذا الطلب عن طريق عاجل، وخلال ثلاثة أيام تمت الاستجابة للطلب وعرض الأمر على مجلس الأمن.

عندما اتضح الأمر، اجتمع مجلس الأمن القومي، ورفض الخطاب، وأرسل خطاباً بديلاً، هو الذي تم اعتماده من مجلس الأمن.

لذلك، فالجيش أحس بالخديعة لوضعه تحت القوى الأممية والسيطرة على قيادة الجيش السوداني.

لذا، فإن الوضع المعيشي والاجتماعي والسياسي والأمني قابل للانفجار، وتأتي المسيرات، أمس الأربعاء 10 يونيو 2020م، تعبيراً عن إرادة المعارضة لسياسات الحكومة التي لا تعبر عن حاجيات المواطنين ولا إرادتهم الوطنية.

وتواجه الدولة احتمالات الانهيار الشامل؛ إذ إن السودان يعاني أزمة في الوقود والكهرباء والماء والديزل والغاز والغذاء، والحكومة لم تنجز أي نجاح في هذا المجال خصوصاً مع عدم وجود مخزون إستراتيجي للدولة.

لقد أتت جائحة كورونا واستغلت الحكومة تمديد فترات الحظر من أجل عدم تحرك الجماهير والشعب السوداني ضد الحكومة، وبمجرد رفع الحظر فإن الجماهير السودانية تحركت وملأت الطرقات وأغلقت الكباري وعملوا المتاريس واتجهوا إلى مقر القيادة السودانية.

جبهة الحكومة

منذ أيام، حدث خلاف بين مكونات تجمع المهنيين السودانيين، وحدث انشقاق كبير في هذا التجمع، وقد أقر هذا التجمع بفشل الحكومة وفشل الثورة في تحقيق أهدافها واعتذروا للشعب السوداني، حيث إنهم يدعون أن الحزب الشيوعي قد سرق الثورة واستأثر بالأغلبية في الحكومة والمناصب الجديدة والتعيينات.

وهذا التجمع هو الأساس الرئيس للثورة، ووعاء الشباب السوداني الذي سعى للتغيير.

أما مجموعة الأحزاب، وهي مجموعة من الأحزاب الكبرى والأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي، فقد حدث بينهم خلافات، واستطاع الحزب الشيوعي بخبرته وتكتيكاته المناورة أن يستأثر بالحكومة والمناصب؛ مما أدى إلى تفكك هذه الجبهة.

الجيش السوداني

يتمثل الجيش السوداني في مجلس السيادة، حيث بدأت الخلافات تكبر فيما بينه وبين مدنيي الحكومة، وقد أصيب الجيش بصدمة كبيرة نتيجة الخديعة التي مني بها بسبب محاولة وضعه تحت إمرة وهيمنة القوة الأممية، لكن ما زال المجلس العسكري تحت إمرة عبدالفتاح البرهان الذي لديه تميز من العلاقات مع الإمارات، في حين أن حميدتي، نائب الرئيس، لديه مصالح مع الإمارات، ولموقفه في دعم التحالف في اليمن كذلك، مع ضعف أعضاء المجلس العسكري لمواجهة التغول على السلطات السيادية الوطنية للسودان، ليظل مجلس السيادة تحت سيطرة المتغيرات الدولية والتدخلات الإقليمية؛ بما انعكس سلباً على معنويات الوطنيين في الجيش السوداني؛ مما ينبئ بعدم استقرار السودان.

كما أن حميدتي لم يستطع التوصل إلى حلول مع القوى المسلحة التي تحارب الدولة في جوبا، وأنها مدعومة خارجياً، وأن هدف هذه الجماعات السيطرة على مناطقها دون الالتزام بالدولة، ولم تتوصل هذه القوى بالتفاهم مع الحكومة السودانية.

فهل السودان مقبل على ثورة شعبية جديدة، أم تغيير عسكري داخلي تصحيحي؟

عادة ما تكون المحن والابتلاءات أو المتغيرات الكبرى في حياة البشرية وقفات تفكير وتقويم لتعديل مسارات خاطئة في نظام الحياة البشري، أو مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تتشكَّل الكثير من النظم والسياسات والأدوات على نتائج جدليات الأحداث الكبرى عندما تقوم النظم السياسية بمراجعة موقفها الواقعي وتطلعها المستقبلي، واليوم تأتي جائحة "كورونا" أمام العالم لتصيبه بعدم اليقين، وتختبر قدرته البشرية بإعادة النظر في مجمل قيم وأساسيات بناء النظام الدولي والاقتصادي والاجتماعي.. العالم الذي يبدو عاجزاً تماماً أمام هذه الجائحة، منتظراً جهود الباحثين الأطباء والمتخصصين، لاكتشاف علاج للبشرية ربما يطوِّق اجتياح هذه الجائحة وانتشارها في كل دول العالم.

هذه مقدمة لازمة للانتقال إلى ما يمر به عالمنا العربي في ظل هذه الأزمة، فهو عالم من البشر في جغرافيا ممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، لا يختلف عن باقي دول العالم في تأثير هذه الجائحة عليه صحياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

إلا أن العالم العربي منذ عقود وهو يعيش أزمة النظام السياسي العربي، إذ إنه بالإضافة إلى الكارثة الصحية المتوقعة؛ لضعف بنيان النظام الصحي في هذه المنطقة، وضعف البنيان الاجتماعي؛ من نظام العدالة، وتوزيع الثروة، وانتشار الفقر، والأمية فيه، فإن النظام السياسي العربي ما زال يتمتع بخصائص تختلف عن النظام السياسي الدولي، حيث يعجز النظام العربي السياسي عن دراسة واقعه من جديد، فهو لا يفكر في إعادة حساباته ومراجعاته، ويفكر في طريق صحيح للنهضة واستثمار ما لديه من إمكانات اقتصادية، وقوى اجتماعية، وبنيان سكاني من الشباب الطامح للعمل والتغيير، وللأسف فإن أزمة هذا النظام ما زال عند كل فشل في إدارته للأزمات، يلقي بعجزه على شماعات من الأوهام والفزَّاعات، ويعتقد أنه بذلك يلقي عن كاهله تحمل مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المنطقة العربية، من ضعف في البنيان الصحي والاقتصادي والاجتماعي، ويحيل ذلك الفشل إلى فزَّاعات الإرهاب والإخوان، والجماعات السياسية المعارضة، والليبرالية والعلمانية، والتدخل الأجنبي، ويقوم بدلاً من الإصلاح إلى تغذية الانقلابيين ومجموعة من الجماعات الدينية المحسوبة على النظام السياسي، ودعم الحروب الأهلية، وتفتيت الجغرافيا والاقتصاد والمجتمعات العربية، وانشغال هذا النظام بحروب وهمية، ويستخدم إعلاماً أقرب إلى تطويع المجتمعات للاستكانة والخضوع لنظريات الواقع من السلام المزيف مع الكيان الصهيوني، أو تفتيت الوحدة الوطنية في مجتمع عربي تتدهور حالته ومناعته الفكرية أمام العولمة ومنتجاتها، حتى تحوّل النظام السياسي العربي اليوم إلى كتل متشاكسة لا يجمعها مشروع ولا نهضة ولا جامع واحد.

إن المستقبل لمنطقتنا العربية غامض غير وامض، وهو ما يدعو إلى أن تقوم كل القوى الحيّة في هذه المجتمعات بالتوقف والاستفادة من فرصة ابتلاء جائحة "كورونا"، لتعيد ترتيب حساباتها، وتعيد حيويتها للنظر في مشتركات نهضوية تضع لهذه المنطقة إطاراً سياسياً جديداً يدفع بها نحو نهضة اقتصادية واجتماعية وصحية وثقافية، وإلا فإن عقوداً طويلة من الكوارث ربما ستسود المنطقة في هذا القرن الذي نعيشه.

الخميس, 26 مارس 2020 16:25

الإسلام.. وزمن "الكورونا"

نستقبل التقارير العالمية حول نجاح الصين في حصار فيروس "كورونا" الذي أردى 21.116 ضحية حول العالم، وأصاب 465.274 إنساناً -حتى تاريخ كتابة هذا المقال 26 مارس 2020م- لكن تظل الصين، بسبب سياستها الترويجية الخائفة من فقدان المصداقية والثقة بمنتوجاتها الاستهلاكية، لا تعترف أخلاقياً عن مسؤوليتها عن هذا الوباء العالمي؛ الذي أثر على حياة البشر في هذا العالم؛ بتأخرها عن إبلاغ منظمة الصحة العالمية عنه.

ومن جهة أخرى، يتضح قمة الكبر والغرور الإنساني في أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث ظن قادة تلك الدول أن الوباء صينيّ؛ فليكن هذا الجنس الأصفر وقوداً لهذا المرض؛ وأن هذا الفيروس ربما يميز بين الجنس الأبيض والأصفر، وأتت التحذيرات متأخرة بعدما فتك الفيروس بالآلاف من الناس في أوروبا والولايات المتحدة؛ بسبب حمأة الرأسمالية المتوحشة، التي ترى أن امتصاص ملكية الإنسان من خلال العمل والضرائب هي الأولوية على حياة الإنسان؛ لأنها تخدم الطبقة الرأسمالية في مجتمعاتها، إنها تريد جني المال على حساب الحياة البشرية والإنسانية.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ما زال غرور ترمب مستمراً؛ إذ إنه على مضض يوافق على إيقاف العمل لمدة أسبوعين، لكنه مُصِرّ على أن تفتح الشركات والأعمال الحكومية مجدداً بعدها، ولا يضره ذلك، لأن الأساس هو الناتج الاقتصادي.

في الولايات المتحدة من أجل إنقاذ "وول ستريت" على حساب الإنسان تم ضخ تريليون ونصف تريليون دولار.

ولإنقاذ قطاعات الشركات الكبرى في النظام الرأسمالي فهو يسعى لتحقيق الأرباح، لقد كشف الفيروس عن عوار الرأسمالية والنظام العالمي السياسي، ففي الولايات المتحدة لا تستطيع الدولة تقديم الرعاية الصحية لكامل الشعب الأمريكي.

إذاً؛ أين رفاهية الرأسمالية؟! فغالبية الشعب الأمريكي إذا حاول طلب العلاج فإنهم سيصبحون مدينين؛ لأن كل شيء إما بالتأمين الصحي، وهذا يغطي فئة محدودة في الولايات المتحدة، أو الاقتراض من البنك، وهذا يركب فوائد كبيرة على المقترض، هذه هي حقيقة الرأسمالية المتوحشة، يهمها المنفعة المادية على حساب القيمة الحياتية للإنسان؛ الأرباح أهم من الناس.

فالرعاية الصحية الخاصة والرسمية لا تستطيع التعامل مع الأزمة بكل بساطة.

  • 30 مليون أمريكي لا يملكون تأميناً صحياً.
  • 15 مليوناً منهم لديهم تأمينات خاصة.
  • 60 مليوناً آخرون عليهم دفعات مسبقة عالية لدرجة أنهم سيصبحون مدينين بآلاف الدولارات إذا ما حاولوا أن يطلبوا العلاج.
  • 45 % لا يمتلكون أو يدخرون دولاراً واحداً.
  • 24 % لديهم أقل من 1000 دولار.

إن زيارة واحدة إلى غرفة الطوارئ أو العناية المركزة لفيروس "كورونا" تكلف الفرد الواحد 10 آلاف دولار، وهذا يهدد بمحو الملايين من مدخرات الأمريكيين، كما أن هناك 34 مليوناً من الناس في الولايات المتحدة لا يملكون يوماً واحداً إجازات صحية مدفوعة الأجر.

علماً بأن 45% من العاملين في فنادق الولايات المتحدة وخدمات المطاعم فقط يحصلون على تعويض إجازات مرضية، وهم أمام خيارين؛ فقدان العمل، أو الفيروس.

وكذلك فإن المدارس العامة في الولايات المتحدة، زعيم النظام العالمي، ظلت تعمل لأن الطلاب يعتمدون عليها لأجل الطعام المجاني؛ حيث إن 22 مليون طفل في الولايات المتحدة يعتمدون عليها.

وسيتم طرد 700 ألف من إيصالات الطعام المجانية في الأول من أبريل؛ وهذا سيشكل جزءاً من المجاعة، علماً بأن الملايين من الأطفال في الولايات المتحدة مشردون ويعيشون في مآوٍ مكتظة، وسيكونون على اتصال مع أشخاص حاملين للفيروس، كل ذلك لا يعادل قيمة "وول ستريت".

يقول جوزف إستيفال، الاقتصادي الحائز على جائزة "نوبل": "إن ديمقراطيتنا واقتصادنا في خطر كبير إذا استجبنا إلى مطالب الشركات ذات الأصوات الأعلى والأقوى، بدلاً من التفكير فيمن في الحقيقة يحتاجون الدعم".

الحقيقة أن النظام العالمي اليوم نظام أثبت فشله وفساده ومرضه وهو قادم على كارثة اقتصادية، ومن الطبيعي ستصبح جائحة اجتماعية متطرفة ربما تتحول إلى حرب شاملة لا يعلم مداها إلا الله؛ بسبب طبيعة وغايات تركيبة النظام الذي يقود البشرية إلى الصراعات والهاوية.

1- فعلى المستوى الصحي، فالفيروس ما زال يتفشى ويكسب الحرب ويثبت عجز أكبر العقول على حل معضلته.

2- وعلى المستوى السياسي، فإن هذا النظام أثبت أنانيته وفشله في قيادة ثقافية للعالم لمواجهة حرب الفيروس الصغير، وانحاز إلى الأنانية والمصلحة القومية.

3- وعلى المستوى الأخلاقي، فلا حدود للتفلت الأخلاقي العولمي؛ إذ إن كل شذوذ مباح وكل خبيث جائز أكله وشربه.

4- وعلى المستوى الاقتصادي، فالرأسمالية المتوحشة وبحثها عن المنفعة والربح أغلى من حياة الإنسان.

5- وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فإن التراحم والتكافل والاعتناء بالضعفاء والفقراء وكبار السن مفقود.

لقد كشف فيروس "كورونا" زيف البناء الحضاري الغربي والنظام العالمي السياسي وضعف النظام الصحي في العالم المتمدن وتراجع الأخلاقيات الاجتماعية والمدنية.

ولكن هل هذا سيدفع المسلمين إلى إعادة النظر في عمق الأخلاق الحضارية في دينهم "الإسلام العظيم"؟ وهل سيستطيع المسلمون أن يتقدموا بنموذجهم الحضاري في فرصة قد أزفت، وأن العالم اليوم يفكر بالحل الشامل لاحتمالات سقوط النظام العولمي وثقافة الحضارة الاستهلاكية المتوحشة؟

فعلى المستوى الصحي:

يستطيع المسلمون أن يقدموا للعالم أساسيات الطهارة التي يدرسها صغار أبناء المسلمين في مدارسهم ويتعلمونها في بيوتهم.

الطهارة البدنية والحسية التي أسست لنظافة البدن وصحة النفس ورقي التهذيب.

نحتاج اليوم إلى الفقيه والمفكر والطبيب من المسلمين الذين يجتمعون ليطلقوا مبادرة "الصحة الحضارية في الإسلام".

التي تقوم أساساً على "رفع الحدث وإزالة الخبث"، لقد قدم الإسلام تعاليم ثابتة في الاهتمام بالبدن والعورة ونظافة الملبس والمكان.

إن تلك التعليمات وضعت أساساً صحياً لمواجهة أي مرض وفيروس أياً كان نوعه ومصدره، لقد قدم الإسلام نموذجاً في الطيبات التي يجب أن تتناولها البشرية، والخبائث والمحرمات التي يجب أن تتركها في النظام الغذائي للإنسان المسلم، وآداباً صحية للمأكل والمشرب واللباس والزينة.

وعلى المستوى الاقتصادي:

فإن الإسلام وضع شرائع البيع والشراء، فأحل البيع وحرم الربا، ووضع قواعد العمل والكسب الحلال، وقدم نموذجاً في الاقتصاد المتوازن الذي يثبت الملكية ويطلق حرية السوق وضبطها بالأخلاق بعيداً عن الغرر والكسب الباطل "الحرام" والغش والاحتكار، لكنه أيضاً يضع المسؤولية الاجتماعية على عاتق المستثمر بأن يؤدي زكاة ماله للأصناف الثمانية في المجتمع.

وعلى المستوى الاجتماعي:

 

فالإسلام حث على التكافل والتعاون والحب والإخاء والتعارف بين البشرية، وإنّ رقابة الله أو تقواه مع البشر هي المعيار لكرامة الإنسان، فلا يترك ذا حاجة وإلّا على المجتمع أن يتعاون في استيفائها له.

وألا تعلو طبقة على طبقة أخرى في المجتمع الإنساني الذي ينشئه الإسلام مهما كانت ألوانهم أو لغتهم أو جنسهم أو دينهم.

إن لغة المساواة والحب والكرامة التي تشكلها المبادئ الحضارية للإسلام جاهزة لمعالجة الاهتزاز الاجتماعي العولمي.

أما على مستوى الصحة النفسية:

  • فإن العقيدة الإسلامية التي أساسها أن القدر مكتوب خيره وشره، وأن المسلمين يتقبلون قضاء الله وفق مشيئته، وأن الموت لا يؤخر أو يقدم لإنسان من غير أن يحل أجله المكتوب، لهي عقيدة تغذي روح الإنسان بالطمأنينة والراحة والسعادة.
  • وإذا عرفنا أن الإنسان إذا أمسى آمناً في سربه معافى في بدنه يملك قوت يومه فقد حيزت له الدنيا، فلا صراع على المال ولا المادة ولا صراع أو خوف أو هلع من جوع، فتصبح الروح الإنسانية آمنة مطمئنة، فأي صحة نفسية عالية تلك التي يؤسسها الإسلام في حياة الناس.

إذاً؛ من سيتجرأ لهذه المهمة "مهمة تبليغ العالم أن الإسلام لديه حل شامل لنظام الحياة الحضاري في العالم".

وأن قادم الأيام سيثبت أن النظام الحضاري الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب سيتهاوى، وسينشأ نظام عالمي جديد، إنها فرصة للمسلمين ليُهدوا العالم أغلى كنز للبشرية وهو "الإسلام العظيم".

إن لدينا مئات من المنظمات الإسلامية والعربية والأوروبية المتخصصة في الفكر الحضاري الإسلامي والأبحاث الشرعية سواءً كانت تلك المنظمات رسمية أم أهلية.

إننا ندعو المنظمة الإسلامية للعلوم والثقافة واتحاد الجامعات الشرعية والمؤسسات الإسلامية للقيام بواجب الوقت.

إن البشرية قد مرت بثلاث موجات حضارية؛ الموجة الزراعية، تلتها الموجة الصناعية، ثم أخيراً موجة "البتات"، فهل يستطيع المسلمون أن يقدموا للبشرية الموجة الرابعة؟ وهي موجة "عالم القيم"؛ حيث إن كل قيمة من قيم الإسلام العظيم لها وزن ماديّ ومعنويّ يعادل كل مكاسب الرأسمالية وتقنية "البتات" وحضارتها، وتستطيع البشرية أن تحول تلك القيم إلى "سلعة حضارية" قابلة للتداول بما يحقق الرفاهية والسعادة للبشرية.

 

عندما تضع مجلة «المجتمع» أقدامها على أعتاب يوم 17 مارس 2020م، فإنها تتجاوز بذلك خمسين عاماً من جهاد القلم المبارك في تفاعل حركة الدين مع الحياة، وهي في مسيرتها التاريخية إنما رسمت الحالة العامة للمسلمين في مختلف مراحلها خلال نصف قرن مضى، ولم تفتر لحظة عن الدفاع عن قضاياهم، وتعبر عن آلامهم، وتخاصم من يخاصمهم، وتحسن إليهم في محنهم، حتى أصبحت «مجلة كل المسلمين في العالم»، تحملت في سبيل ذلك ما يقارب 70 قضية رفعت ضدها وصبرت على أذى خصومها من العلمانيين، وجور المكابرين، والأعداء الحاقدين.

لقد كانت رعاية الله قبل كل شيء تحف هذا العمل، والعلم النافع للمسلمين، وكانت جهود مخلصة، وقلوب صادقة، خلف هذا السفر العظيم من تاريخ الفكر والتحليل والثقافة الإسلامية، تلكم هي جهود من تعاقبوا على رئاسة تحريرها من الإخوة الزملاء والعاملين، لقد كان لكل منهم بصماته الواضحة في توجيه مساراتها نحو أهدافها الإسلامية، فالأخ مشاري البداح (أبو أسامة) رحمه الله، الذي تولى رئاستها في نشأتها الأولى 17 مارس 1970م، حتى نهاية عام 1975م، استطاع أن يضعها هو وزملاؤه من العاملين بين مصاف المجلات الإسلامية؛ حيث بدأ الفكر الإسلامي يتفاعل مع حركة «المجتمع» على صفحاتها، وانتقل بها السيد بدر القصار (أبو أحمد)، الذي تولى رئاستها منذ يناير عام 1976، وحتى أكتوبر 1979م، ليضعها إصداراً متكاملاً يتفاعل فيه فقه الدعوة مع قضايا المجتمع الإسلامي، وفي فترة رئاسة د. إسماعيل الشطي (أبو عبدالله)، منذ أكتوبر 1979 وحتى عام 1992م، تمددت في عطائها المتزايد مع عالمية فكرتها وتأثيرها في السياسات المحلية، كما أثمرت جهود الدكتور  محمد البصيري (أبو عبدالله)، في 15 ديسمبر 1992، حتى عام 2009م، لتحقق عالميتها وتخترق في تأثيرها أسوار السياسة الدولية، وليتسع نطاق توزيعها ليشمل أكثر من 120 دولة إسلامية وغير إسلامية، ويرتفع رصيدها من القراء ليكونوا أكثر من ربع مليون قارئ، وقد كان خلف كل هذه الجهود المباركة رعاية العم عبدالله علي المطوع (أبو بدر) رحمه الله، الذي ظل طوال هذه الفترة يساند أبناءه رؤساء التحرير والعاملين في المجلة بخالص جهده وتوجيهه منذ نشأتها المحلية حتى شبّت ونمت وأينعت.

ومنذ أن ترأس تحريرها العم حمود الرومي (أبو محمد) منذ عام 2009 حتى نهاية عام 2014م، كانت المجلة تسير بين عواصف المتغيرات في المنطقة، ووجّه إدارتها بشكل آمن في محيط الصعوبات الإعلامية.

لقد انطلقت المجلة منذ عام 2012م لتدخل عالم التنافس الإلكتروني العالمي، واستطاعت إدارة المجلة ومحرروها أن يرتقوا بها في سلم التنافس والتقدم؛ حيث تقدمت المجلة في ترتيبها العالمي من المركز (8 ملايين) لتصبح اليوم في الترتيب (22.968)، وعلى المستوى المحلي من الترتيب (10.459) لتصبح رقم (5) على مستوى الصحف والمجلات المحلية مع نهاية فبراير 2020م.

لقد كانت «المجتمع» وهي تتحرك بحركة الفكر الإسلامي تتعامل مع معارك صعبة وتتصادم مع مصالح متضاربة، وكان القفز فوق هذه المعادلات والانحناء حولها وتحمل تبعات ما ينتج عن ذلك جهاداً صعباً، وعملاً معقداً، فالتعامل مع مخاطر السياسة الدولية (على سبيل المثال)، وتبيان أثرها السلبي على بلاد المسلمين في المنطقة، والوقوف مع المسلمين في قضاياهم العادلة، ونقد سياسة الكيل بمكيالين، والوقوف مع قضايا حقوق الإنسان والحريات والعدالة، احتاج منا -وما زال- إلى جهود بالغة، ولغة مناسبة، حتى نأمن وصول الكلمة الصادقة والرأي المتزن لقارئنا، وحتى نتكيف مع عدم مخالفة قوانين الصحافة، ونأمن فُجر الخصومة، وتأليب الحاسدين، وحتى تصل مطبوعتنا بسلاسة وسلامة إلى منازل قرائنا الكرام، إنها رحلة شاقة وصعبة منذ التفكير بالكلمة وصياغتها وإخراجها وطباعتها وإصدارها طيلة نصف قرن.

وإذا كانت تلكم جهود إدارتها، فإن كتَّابها الذين ساهموا في الكتابة فيها منذ نشأتها إلى اليوم، منهم من قضى نحبه بخاتمة سعيدة، وطواه الزمن تحت الثرى وتبقى أثره وعلمه في الناس، ومنهم ما زال يمتطي صهوة جواد الكلمة ويقارع ويصارع أفكار العلمانية، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولهؤلاء الأموات منهم والأحياء -الذين نتمنى لهم عملاً صالحاً مقبولاً- أدوار لم تكن بخافية على أحد، إنه تاريخ الكلمة الصادقة المجاهدة لحركة الدين في المجتمع الإسلامي.

أما قراؤها الكرام الذين تابعوها منذ صغرهم فقد كبروا معها، وأيقنوا أهميتها، ورسمت كلماتها في قلوبهم أبلغ الأثر الإيماني، وأنارت عقولهم بفكرها المتميز، وألهبت عواطفهم ومشاعرهم تجاه إخوانهم وتواصلهم من خلال صفحاتها بالمسلمين في كل مكان، لقد كبروا معها وكبرت عواطفهم وشعورهم الإيماني وعقولهم.

وكبرت معهم «المجتمع»؛ لتصبح «قصة» تتلوها أجيال الصحوة الإسلامية عن جهاد مجلتهم في بحار اضطراب عالم السياسات الدولية والمحلية المتعاقبة، وخصومة الكثير من المنافقين والمخالفين، وثباتها على كلمة الحق.

الصفحة 2 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top