د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 15 أغسطس 2019 15:21

الحج وترقية شؤون المسلمين

 

لو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض، لكفاها ذلك عاملاً قوياً في دفعها إلى تبادل الوسائل والتعاون على سد المفاقر، ولوصلت جميعاً على هذا النحو من التكافل إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم.
ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله من الحج، فإن المشاهد لدى أكثر المسلمين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادراً.
إذا تقرر هذا كان من أوجب واجباتنا أن ننوه بمنافع الحج للدين والدنيا معاً، وأن نكثر من ترويج هذه الحقيقة في الأذهان، وأن ننبه خطباء المساجد إلى ملاحظة هذا الأمر الجلل في شهور الموسم من كل عام.
حين جاء الإسلام جعل الحج ركناً من أركانه الخمسة، وهو أشد أركانه كلفة، لذلك أحاطه بكثير من وجوه الإعفاء جرياً على أسلوبه الحكيم في دفع الحرج عن متبعيه مصداقاً لقوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) سورة الحج: آية 78. وقوله: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)) سورة المائدة: آية 6. فاشترط له الاستطاعة من صحة ومال، وكره أن يرهق فيه أحد نفسه ولو تطوعاً وتطلباً لزيادة الأجر.
لقد أقر الإسلام الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الأجساد رجالاً ونساءً مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقد سجل الله عليهم ذلك، فقال تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية)) سورة الأنفال: آية 35. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قوي سلطان الإسلام أن لا يدخل البيت عريان.
ونظم صلوات الله وسلامه عليه الحج فجعل له أميراً يتقدم الناس ويتفقدهم، ويدفع بوائق الطريق عنهم، حتى إذا انتهوا إلى البيت تولاهم هو وخطباؤه بالإرشاد لخيري الدنيا والدين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تعميم العلم بأمر من الأمور خطب به الناس في الموسم، أو أوعز إلى أميره أن يخطب الناس به هنالك.
فحوَّل الإسلام الحج على هذا الوجه من عبادة جسدية لا روح فيها إلى عبادة اجتماعية روحية ذات أثر بليغ في ترقية شؤون المسلمين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المزايا العظيمة بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)) سورة الحج: الآيتان 27ـ28. وقد فسَّر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، وهذا شأن الإسلام في كل ما فرضه على الناس: يراعى فيه مصلحة الحياتين جميعاً.

____________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 04 أغسطس 2019 11:31

رحلة الحج زاد الجسد والروح

أوضح علماؤنا أن من الممكن قياس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام، فلدفع هذه الشبهة نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة: 198)؛ أي تطلبوا عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والاسترباح منها.

كما أن في الآية إشارة إلى أن ما يبتغيه الحاج هو من فضل الله مما يعينه على قضاء حقه ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدّين، فهو محمود، وما يطلبه لاستبقاء حظه، أو لما فيه نصيب نفسه، فهو معلول.

ثم إن الشبهة كانت حاصلة في حرفة التجارة في الحج من وجوه، منها: أن الله سبحانه منع الجدال وفي التجارة جدال، وأن التجارة محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: لما أمر الله سبحانه بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخّص في التجارة وهي من فضل الله.

ومن رحمته سبحانه أن سمّى إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، ابتغاءً من فضله، ليشعر مَنْ يزاولها أنه يبتغي من فضله، حين يتجر، وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق.

ومتى ما استقر في قلب الحاج إحساس بأنه يبتغي من فضل الله حين يكسب ويحصل على رزقه، فهو، إذن، في حالة عبادة لله تعالى، لا تتنافى مع عبادة الحج.

ومن أجل ذلك، فلقد أمر عز وجل عباده المسلمين الحجاج بالتزود لرحلة الحج، فقال سبحانه: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197).

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: أمر الله سبحانه عباده باتخاذ الزاد، حيث كانت طائفة من العرب تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد.

وغير خاف أن التزود يشمل التزود للأسفار الدنيوية، والتزود للأعمال الصالحة، فقد قال علماؤنا: أمر عز وجل بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده التقوى والعمل الصالح.

كما أن في الآية دعوة للتزود في رحلة الحج، زاد الجسد وزاد الروح، فقد جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام، والتقوى زاد القلوب والأرواح.

إن الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر بشري عظيم، يجد فيه المسلمون أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، الحج مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع المادية الاقتصادية والمعنوية الفكرية والثقافية والإعلامية.

يقول عز وجل في كتابه العزيز: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26} وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}) (الحج).

قال المفسرون رحمهم الله: إن الله سبحانه لما أمر بالحج في قوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، ذكر حكمة ذلك الأمر بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

واختلف المفسرون في هذه المنافع، إذ حملها بعضهم على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم الآخر حملها على منافع الدنيا، وهي التجارة في أيام الحج.

والأولى حملها على الأمرين جميعاً، يقول ابن الجوزي رحمه الله في تفسيره: والأصح مَنْ حملها على منافع الدارين جميعاً، لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع.

ثم إن المنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة، فهناك المنافع الروحية التي تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وهناك المنافع الاقتصادية المادية إذ يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية، كما أن في الحج رواجاً اقتصادياً للمسلمين من خلال توزيع وتبادل وبيع وشراء السلع والخدمات اللازمة، إضافة إلى منافع البُدْن والذبائح للفقراء والمساكين والمحتاجين، ومنافع التجارة وكسب المعيشة أيام الحج خاصة. ولذا، قال عز وجل في محكم كتابه وهو يخاطب سبحانه عباده المؤمنين الحجاج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ).

 

___________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 01 أغسطس 2019 14:58

البطالة من منظور اقتصادي

 

يحتاج الاقتصاد إلى كفاءات متنوعة، وطبيعة المواهب المكتسبة لا تتوقف عن التبدل وذلك بوتيرة متسارعة، فاليد العاملة شديدة التنوع، والاقتصاد الحالي مختلف جداً، وخصب جداً، ومتنافر جداً، وجيوب الركود مجاورة للفروع الصناعية المزدهرة، والنتيجة هي أنه من غير الممكن منذ الآن فصاعداً إيقاف البطالة بفضل ترسانة التدابير البسيطة والعمومية؛ لأن البطالة نفسها أكثر تنوعاً في أصولها.

لذا، يمكن إحصاء سبعة تيارات متميزة على الأقل وهي ترفد البطالة الشاملة.
قبل كل شيء، هنالك البطالة البنيوية التي تدين لاستبدال صناعات الموجة الثانية بصناعات الموجه الثالثة، وهذه ظاهرة عالمية، إن الصناعات التقليدية العتيقة التي تتصدع أو تهاجر تترك ثقوباً فاغرة في اقتصاديات البلدان المصنعة، ويجد ملايين من الناس أنفسهم محرومين من العمل.
وتثير هذه البلبلة، إلى جانب أمور أخرى، اشتداد المنافسة على مستوى المبادلات العالمية، ولجوءاً إلى إغراق الأسواق بالبضائع، واختلالات، واندفاعات محمومة مفاجئة، وارتباكات مباغتة تهز السوق العالمية، هذا الوضع يخلق تياراً ثانياً من فقدان الوظائف: أي البطالة المرتبطة بالتجارة.
ثم إن هناك توتراً عاماً آخر يهدد الوظيفة، ويبرز بمقدار ما ترتقي التقنية، ومع التساوي على صعيد الإنتاج تتناقص الحاجة إلى الأشخاص بالتدريج، وهذه هي البطالة التقنية الشهيرة التي يدور حولها جدل كثير.
وهناك بطالة أسبابها محلية محضة أو إقليمية، فائض منتظم في الإنتاج، تغير في أذواق المستهلكين، اندماجات، مشكلات بيئية.. إلخ، ونطلق عليها اسم «البطالة العادية».
كما أننا نذكر معدلاً لبطالة تخمينية أن مستوى البطالة الذي لا يمكن تجنبه هو بشكل جوهري مؤقت وتنشئة الحواس –عمل بانتظار وظيفة جديدة– أعلى من المعدل العادي، وإنه لمن الواضح كلما سارت الأمور بسرعة؛ تسارع التغيير وتضخم هذا الرقم.
شكل آخر من البطالة هو البطالة التي تعود بمجملها تقريباً إلى انقطاع المعلومات، فالوظائف القابلة للتبادل فيما بينها تزداد ندرة بمقدار ما يصبح تقسيم العمل أكثر دقة، والمشكلة التي تتمثل في إقامة توافق بين الكفاءة والمهمة المتوجب إنجازها سهلة الحل نسبياً عندما كانت توكل إلى العمال أعمال روتينية وقابلة للتبادل فيما بينها، وهي تصبح الآن شاقة إلى درجة كبيرة، ولكي نواجهها لا بد من نظام للمعلومات أكثر حداثة بكثير من هذا الموجود حالياً، وإلى أن يصبح هذا النظام حقيقة قائمة سيكون علينا أن نتوقع للبطالة الإعلامية مستوى يزداد ارتفاعاً.
وسوف نذكر أخيراً ما يطلق عليه اسم «البطالة الخرقاء»؛ وهي البطالة التي تغذيها -دون تعمد- سياسة حكومية خرقاء، ترمي في الغالب إلى زيادة عدد الوظائف، وأظن أن جزءاً مهماً من البطالة غير البنيوية يرتد إلى هذه المقولة الأخيرة، إنها مرض يحدثه الطبيب ولا شفاء منه على الأرجح، ولسوء الحظ أنه لا يمكن ملاحقة السياسيين والاقتصاديين أمام العدالة بسبب خطأ مهني لا علاج له.
ومن الممكن أيضاً تعداد كثير من التيارات المغذية للبطالة وهي تتقاطع فيما بينها، وتتراكب بعضها فوق بعض، ولقد كان الهدف من وضع هذه القائمة أن نبرهن بوضوح على أننا لا نجابه مشكلة واحدة وحسب، بل نجابه عديداً من المشكلات المتشابكة ذات التعقيد الهائل.
وعليه، يجب ألا يغرب عن بالنا، مثلاً، أنه عندما يقال: إن التقنية يمكن أن تلد البطالة، فإنه لا يؤخذ بالاعتبار غير واحدة من نتائجها؛ إذ يمكن أن تخلق كذلك وظائف في أماكن أخرى، ولكن دائماً داخل النظام، وهذا هو ما يجري بصورة عامة.
والحقيقة أن البطالة ذاتها تخلق الوظيفة، فهي تقود إلى تجنيد عمال اجتماعيين وأطباء وجهاز شرطة، وفي بعض الصناعات تغير سلم الأجور ويمكنها أيضاً أن تفتح إمكانات جديدة لتشغيل العمال بأصغر كلفة ممكنة في المشاريع المعنية.
إن جميع المبادرات التي اتخذت كانت لها نتائج متعددة، وهذه بدورها كانت لها نتائج من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة والدرجة الألف، وكلما تجرد النظام من طابعه المكثف وتخلص من التعقيد؛ فقدت الصيغ الموجودة القوة التي كانت لها في الماضي.
وفي كل حال، إن الفكرة القائلة بأن البطالة هي مشكلة إجمالية وبأنها من طبيعة كمية لا كيفية، هي فكرة تصنيعية نمطية تم تجاورها، وهي مبنية على أساس أننا ما نزال نواجه اقتصاداً مكثفاً تقليدياً.
وعلى غرار ما يجرى في الاقتصاد ذاته، فإن أسباب البطالة وبالتالي العلاجات المقترحة لإيقافها هي مختلفة دائماً، فكل شكل من أشكال البطالة يتطلب تدابير مقابلة له، ونحن ما نزال نحاول أن نداوي المرض بمساعدة مضادات الحيوية ذات الطيف الواسع بدلاً من اللجوء إلى علاجات «ذكية» ونوعية بالمعنى الضيق.
____________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الثلاثاء, 30 يوليو 2019 10:28

نشوة من التبذير وإسراف في السرعة

أن يكون المصير الثقافي للفرد تابعًا مباشرة للتنمية الاقتصادية، وأن تكون إدارة هذه التنمية قضية سياسية في جوهرها، فإن هذا نوع من الإشكالية يسلِّم به الاقتصاديون وعلماء الاجتماع والفلاسفة.

بيد أنه كذلك حقيقة تبقى وسائل تحقيقها محصورة؛ إما في الدائرة التقنية، وإما في منطقة العموميات.

والمراد في الحالة الأولى رفع التناقضات التي يمكن أن توجد بين الغايات الفردية، والغايات الجماعية من خطة التنمية؛ من أجل عقلنة العلاقة بين الأهداف، والوسائل الواجب استخدامها.

والمراد في الحالة الثانية أن نؤيد بحرارة أهداف الأنسنة التي ينبغي على كل خطة تنموية اقتصادية واجتماعية أن توضحها كبيان عن مبادئ، وتؤكد هذه العموميات أن تكاليف الإنسان لا يمكن أن تقتصر على نفقات صيانة قوة العمل، بل ينبغي أن تأخذ بالحسبان حاجات الفراغ والإعلام والثقافة.

إذ إن الفراغ يظل في المجتمع الصناعي عملاً استهلاكيًّا والإعلام تكييفًا دعائيًّا، والثقافة نثارًا مؤذيًا من بيوت أو ندوات.

إن كلفة الإنسان لا تبنى عليها قيمة الإنسان، إلا إذا كان المقصود قيمته التجارية أو الاقتصادية.

ومن الأسئلة المهمة في هذا المجال، كيف يمكن للنظام الاقتصادي أن يهتم بسد الحاجات الأنفع؟ وهل من العقلانية أن التسلُّح والمخدرات والكحول، أو السلع البدائية والحيوية التي أصبحت اقتصادية في حساب موجودات الإنتاج؟

فلو طُبق المفهوم الاقتصادي للاستهلاك على الإنسان والبيئة، لرأينا أن هناك أُممًا وفئات اجتماعية دخلها سالب؛ أي إن طاقتها الكامنة البشرية والتقنية تستنفذ بأكثر مما تنمو مواردها الظاهرة.

كتب بول فاليري يقول: إن العالم الحديث منهمك في استغلال الطاقات الطبيعية استغلالاً يزداد على الدوام فعالية وعُمْقًا.

ويقول أوزيريس سيكوني في كتابه "التنمية الاقتصادية والتخلف الثقافي": إن الإنسان الحديث في نشوة من التبذير؛ من إسراف في السرعة، وإسراف في الإنارة، وإسراف في المخدرات والمنشطات، وإسراف في كثرة المطبوعات، وإسراف في التسهيلات وإسراف في العجائب، إن كل عيش حالي لا ينفصل عن هذا الإسراف.

لا ريب في أن جميع الناس لا يعرفون أنه قد قدر لكلِّ فرد منهم أكثر من طن من المتفجرات، إن مؤلفات التخيُّل تغذي من آن لآخر ذهان الرعب والعجب، إنه تعارض يقويه المحللون النفسيون، ولكنه يدل على استخدام القوة لا على معنى النزعة.

إن المعرفة العلمية التقنية يمكن أن تصنع من الكرة الأرضية جنة عدن، وهذا مدعاة للعجب، ويمكنها أن تسبب كارثة أرضية هائلة لا تُرد وهذا مبعث الرعب!

إن الوسائل الإعلامية المختلفة من صحافة وتلفزيون وسينما وقنوات فضائية وبث مباشر تُحدث في جهازنا العقلي والأخلاقي قلقًا يفسد نمط العيش؛ فلا ثقافة تحت التهديد المباشر للحرب، بل بالعكس شعور منتش بالقلق، ومن هنا كانت الحاجة إلى التناسي في اللذة.

إن عالمًا بدون ثقة تنذر فيه القوة بموت المستهلك المفاجئ، وإذا قلنا: قلق لا خوف، فذلك لأن غرض التهديد وموعده وأسبابه ونتائجه كلها ليست معينة ومحددة بوضوح، إنه خطر مادي، اجتماعي، حياتي.

فبعد سنين من قنبلة هيروشيما، بقي سرطان الذرّة يفتك بالناس، هذا بشأن الخطر المادي الذي لا يزال قائمًا، رغم أنه يبدو في طريق الاضمحلال منذ أن قلَّ عددُ التجارب النووية، والخطر البيولوجي يصعب حصره كذلك، قد يتعدى الماديات إلى نفس الكائنات الحية بحيث تَنسِف مستقبل الجنس.

كتب روستان يقول: إذا لم تؤثر البيئة والظروف البتة في عناصر الوراثة، وإذا بقيت طريقة عيش الفرد وفاعليته وتجربته دون أثر في الإرث، فإنه يمكن أن يحدث تحول يؤثر بصورة عامة في اتجاه الانحسار: عمى الألوان، نزق المزاج، زيادة عدد الأصابع، فقدان البصر، الصمم والبكم، البلاهة الولادية.

والحال أن شروط العيش الحالية تتيح أن يبقى على قيد الحياة أفراد كان سيقضي عليهم نمط العيش القديم.

وفي الوقت الذي تزيد فيه الحضارة دون توقف من كمية الحياة البشرية، ومن كمية البروتوبلازما البشرية الموجودة على الكرة الأرضية، فإنها تقلص من نوعيتها البيولوجية.

إن الكرة الأرضية في وقتنا الحاضر تتميز قبل كل شيء بالفارق الذي يتزايد خطره بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، والحال أن خبراء الأمم المتحدة يسلِّمون على ما يبدو بأن معيار التخلُّف سكاني.

وربما كان هناك مجال لبحث ما إذا كان الانفجار السكاني سببًا للبؤس أم نتيجة له، أو ما إذا كان يقيم مع التخلُّف علاقة سلبية.

وبعد هذا، فإن مجموع العلاقات بين المجتمعات الصناعية والعالم الثالث يتركز على الانتقال الضروري من الإحسان إلى العدالة.

إن العالم الثالث يؤلف، من الناحية الكمية ثلثي العالم، إن لم نقل ثلاثة أرباعه، والعالم الثالث من الناحية النوعية العالم المقصي عن التنمية الاقتصادية، والخاضع لسيطرة الغرب، وللأشكال المتعددة من الاستعمار الجديد أو الاستعمار الخفي الاقتصادي والسياسي.

والازدحام السكاني: هو تلوث ولده التخلف الذي به تضمن البلدان المصنعة لنفسها قسطًا كبيرًا من وفرتها، وازدحام المدن ينتج هو أيضًا عن نمو اقتصادي نموًّا عشوائيًّا.

والازدحامان؛ الأول: بسبب نمط العيش البائس، والثاني: بسبب نمط العيش المترف، ليسا من طبيعة واحدة، فهما يعكسان سبيبتين متنافرتين، سبيبة الفاقة، وسبيبة الأنانية.

إن جميع تحليلاتنا تتجه آخر الأمر نحو المعنى الثلاثي لانحطاط نمط العيش الصناعي: انحطاط البيئة وتدهورها، والطابع الاجتماعي المفكك، وأنانية الإنسان وتسلطه الذي تلخصه عبارة: تنمية اقتصادية وتخلف ثقافي.

والعلاج الذي يقترحه الاقتصاديون الغربيون ليس سوى علاج كاذب؛ فَهُم يعتقدون بتحقيق عقلانية اجتماعية بمجرد تأخير التنمية كميًّا؛ أي: دون تغيير البِنَى التقنية الاقتصادية.

فإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط البيئة وتدهورها الذي يزداد أثره السلبي، فإن المحاسبة الاجتماعية تستطيع مواجهتها، مع مراعاة أن الهواء النقي والهدوء والفراغ الحقيقي سلع اقتصادية ذات مغزى ثقافي.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الطابع الاجتماعي المفكك، فإن التحليل الاجتماعي الاقتصادي الموجهين في حدود معيارية ينبغي أن يلاحظا أن كل خلل في توازن العلاقات الاجتماعية ينتج عن اعتداء على مجموع العلاقات التي يقيمها الإنسان مع وسطه، ويكن لهذا المجموع أن يكون ماديًّا، بيولوجيًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا، ثقافيًّا، اقتصاديًّا.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الإنسان نفسه، فإننا نعود بطبيعة الحال إلى التأمل في الوضع الصناعي للمزدوجة حاجات قدرات؛ حيث إن نمو الحاجات يتجاوز بمراحل تطور نمو القدرات.

وحاصل القول:

فإن البشرية لا تطرح على نفسها -ولا ريب- سوى القضايا التي تستطيع حلها، فكيف يمكن للبشرية أن تتكيَّف مع الأنسنة والعقلنة في هذا القرن الجديد؟

 

_____________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 31
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top