د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 09 يونيو 2018 16:00

أتدرون ما الاقتصاد؟


جاء في تراثنا في بيان معنى الاقتصاد قول سفيان بن حسين - رحمه الله - لأصحابه وتلاميذه: أتدرون ما الاقتصاد؟! هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير؛ أي: ليس فيه إسراف ولا بخل.

وليس ذلك إلا تبيين وتفسير للقوام الذي جاء في قوله - سبحانه -: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، فالاقتصاد هو المنزلة بين المنزلتين المتطرفتين؛ منزلة البخل والتقتير، ومنزلة الإسراف والتبذير.
وقد بيّن لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيمة هذا الاقتصاد ومكانته في الإسلام، حين جعله من أجزاء النبوة، وذلك بقوله - عليه السلام -: ((السمت الصالح، والهَدْي الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة)).
كذلك، فقد ورد أن عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - كان يقول: "إن من أحب الأمر إلى الله - عز وجل - القصد في الغنى والعفو في المقدرة".
ولهذا، فقد كان الاقتصاد وعدم الإسراف من العلامات التي تميِّز المؤمن عن غيره؛ فعن الحسن البصري - رحمه الله - قال: "إن من علامة المؤمن: قوة في دين، وحزمًا في لين، وإمامًا في يقين، وحِلمًا في علم وكيسًا في مال، وإعطاءً في حق، وقصدًا في غنًى، وتجمُّلاً في فاقة، وإحسانًاً في قدرة..".
ولما كان التبذير يؤدي إلى الفقر، فقد لزم أن يؤدي الاقتصاد إلى الغنى، لهذا فقد نفى رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - الفقر عن المقتصد، فقال - عليه السلام -: ((ما عال مقتصد))، وفي رواية أخرى: ((السؤال نصف العلم، والرفق نصف العيش، وما عال من اقتصد)).
ولما كان المأكل والمشرب ضروريين لحياة البشر، فقد لزم عليهم الحفاظ عليهما وعدم الإهمال أو التفريط فيهما؛ إذ لا قوام لهم إلا بهما، وقد دعانا الله - سبحانه - لهذا، فقال - عز وجل -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وقيّد لنا - سبحانه وتعالى - هذا المأكل والمشرب بكونه حلالاً خالصًا بعيدًا عن شبهة الحرام، فقال - جل ذكره -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، وذلك بشرط عدم الإسراف أو التبذير؛ لأنه - تعالى - لا يحب المسرفين، ومن هنا فقد كان القصد طريقًا إلى نيل محبة الله.
وقد أظهر رسول الهدى - عليه السلام - بشاعة من يسرف في مأكله، وسمَّى ذلك شرًّا، بقوله - عليه السلام -: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات (لقيمات) يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، ثلث شراب، وثلث نفس)).
وقد أدرك الكثير من العلماء المتخصصين في العلوم الطبية في عصرنا الحاضر هذه الحقيقة، وبدأوا بعلاج الكثير من الأمراض انطلاقًا من مبدأ التقليل من الطعام.
ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قوله: "أيها الناس، إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مؤشرة للسقم، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أدنى من الإصلاح، وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله - عز وجل - فإنه لن يُهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه".
ومن هنا، فقد كانت البطنة مؤدية إلى الفقر؛ إذ هي في أولها إسراف في الأموال من أجل توفير الكثير من الطعام والشراب، وهي في آخرها إهدار للأموال لمعالجة ما لحق الإنسان المسرف من أمراض ومتاعب.
والأمر بالاقتصاد والاعتدال والتوسط يسري في كل مناحي الحياة الملبس والمسكن، والمركب والخادم، ووسائل الاتصالات والمواصلات والترفيه.
بيد أن هناك قضية مهمة، هي أن الاقتصاد في الحاجات الأساسية لا يعني أن يعيش المسلم بعيدًا عن التمتع في هذه الحياة وفق الضوابط الشرعية والقيود الأخلاقية.
ذلك لأن التمتع بهذه الدنيا ونعيمها لا يتنافى مع نظرة الإسلام الاقتصادية؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من نعيم الدنيا، وإن كانت لا نعيم لها، المسكن الواسع، والزوجة الصالحة والمركب الموافق)).
ورحم الله الحسن البصري القائل: إن المؤمن أخذ عن الله - تعالى - أدبًا حسنًا، إذا وسع عليه وسع، فإذا قتّر عليه قتر.
وصدق الله القائل: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 04 يونيو 2018 22:24

الصحة من منظور اقتصادي

يُعدُّ رفع المستوى الصحي للسكان هدفاً أساساً يتوجب الوصول إليه سواء من أجل تأمين الرفاهية للفرد أو لرفع إنتاجية العمل.

إن الطبيعة المزدوجة للصحة وسيلة وغاية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد لتؤكد ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية، بحيث تكون قادرة على النهوض بالخدمات والبرامج الصحية، وكذا قادرة على معالجة أية مشكلات صحية جديدة قد تظهر في المستقبل.

فالصحة هدفها الإغاثة والعناية بالمريض، وذلك بالاستناد إلى الأخلاق المهنية للأطباء، أما الاقتصاد فهدفه المعرفة الموضوعية للظواهر ذات الارتباط بالاستهلاك والإنتاج والتوزيع والموارد على ضوء التكلفة. ومن ثم فكيف نجمـع بين هذين الاختصاصيين المتناقضين ظاهريـاً من حيث المفهوم؟!

بداية ينبغي أن نتذكر تطور المشاكل الصحية، إذ قبل خمسين عاماً كانت المشاكل الصحية والأمراض، لا تستدعيان النظر إليهما لا من الوجهة الاقتصادية، ولا حتى من الأوجه التي تهم المجتمع، عدا الأمراض الوبائية، فلقد كان الطب طباً فردياً.

وفي بداية هذا القرن أصبح الهدف الأساس هو وضع نظام للتأمين الطبي، وذلك لصالح المعوزين والعاجزين خاصة. والهدف الثاني هو تنمية وتطوير شبكة المستشفيات والمؤسسات للعناية والوقاية، والتي تسمح بدورها بنشر التقنية الجديدة المعروضة من خلال العلوم الطبية.

ففي أقل من نصف قرن انتقلت المشاكل الصحية من الحيز الفردي إلى الحيز الجماعي.

ومن ثم، فينبغي أن نحلل وبأسلوب علمي طبيعة الظواهر ذات الصلة بالاستهلاك الطبي لتكاليف السلع والخدمات المستخدمة في قطاع الصحة وإدارة مؤسسات الخدمات التي تتنافس في الحماية الصحية. وهذا هو المبرر الأول لظهور اقتصاديات الصحة.

ويترتب على هذا مبرر ثان، يتمثل في أهمية توفير الموارد الصحية الكافية لتحقيق المشاريع الصحية اللازمة لرفع المستوى الصحي.

إن هناك مجموعتين كبيرتين من الدراسات الاقتصادية الممكن عملها : تلك التي تحاول تحديد القسم الملائم تخصيصه للقطاع الصحي داخل مجموع اقتصاد البلد، حيث نهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى للاستثمار الجماعي كالزراعة والصناعة والنقل.

ويبدو أنه من المتعذر تنفيذ مثل هذه الدراسة في الوقت الحاضر. وذلك بسبب غياب وحدة قياس تبين الفوائد – التكاليف للاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. حيث إن الوحدة المالية يصعب استخدامها في نطاق الصحة وخاصة أنه لا يوجد سعر للصحة. أما المجموعة الثانية من الدراسات الاقتصادية فهي التي تحاول تحديد نصيب كل قسم من أقسام القطاع الصحي من مجمل الموارد المخصصة لهذا القطاع ككل.

حيث نهتم بالاختيارات الداخلية الملائم عملها ضمن القطاع الصحي، وهدفها تحديد سلم الأفضلية لنماذج مختلفة من الأعمال، فهل نبدأ بالعناية في المستشفيات أولاً أم بالعناية الطبية المتنقلة (كالتلقيح)، أم بالطب المهني المتعلق بحوادث العمل ؟ وهل ترتكز الجهود الصحية لصالح فئة من السكان (كالقوة العاملة مثلاً) أم لفئة أخرى من السكان (كالمسنين). وهنا، نستطيع أن نتساءل على سبيل المثال، كيف توزع الجهود الجماعية بين العناية والوقاية والبحث العلمي الطبي؟!

ويبدو أن هذه الدراسة أكثر صلابة وعقلانية من الدراسة الأولى التي تهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى.

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة: 183).

أتى شهر رمضان، ونحن غافلون عن الثواب الكثير، ساهون عن الملك الكبير، لاهون عن لباس السندس والحرير، متقاعدون عن اليوم العبوس القمطرير، نائمون عما أتى به محمد البشير النذير، مصرون على الذنوب والعصيان، مقيمون على الآثام والعدوان، متمادون في الجهالة والطغيان، متكلمون بالغيبة والبهتان، قد تمكن من قلوبنا الشيطان، فألقى فيها الغفلة والنسيان.

أتى شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران شهر البر والإحسان، شهر مغفرة الديّان، شهر العتق من النيران.

قـل لأهـل الذنـوبِ والآثـام قابلوا بالمتابِ شهر الصيام

إنه في الشهور شهرٌ جـليلٌ واجــبٌ حــقه وكـيدُ الزِّمام

شهر فيه جزيل الثواب، وهو شهر المتاب، لياليه أنور من الأيام، وأيامه مطهرة من دنس الآثام، وصيامه أفضل الصيام، وقيامه أجل القيام.

قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "بستان الواعظين" عن شهر رمضان: شهرٌ فضّل الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شهرٌ جعله الله مصباح العام، وواسطة النظام، وأشرف قواعد الإسلام، المشرق بنور الصلاة والصيام والقيام.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

أيـن أهـلُ القـيـام لله دأبـاً بذلوا الجهدَ في رضا الجبار

أنتم الآن في ليال عـظام قدرُهـا زائــدٌ عــلى الأقــدار

يقول ابن الجوزي رحمه الله: الصيام ينقسم إلى أحد عشر ضرباً، صيام الفرض (صيام شهر رمضان)، وصيام الظهار (كقول الرجل لامرأته أنت عليَّ كظهر أمي)، وصيام النقل (أي الانتقال من دين إلى دين الإسلام) وصيام الوطء في رمضان (وهو كفارة لمن وقع منه مثل ذلك)، وصيام كفارة اليمين، وصيام فدية الأذى، وصيام التمتع والقِران، وصيام إفساد الحج، وصيام كفارة قتل الصيد، وصيام النوافل، وصيام النذر.

وليحذر المسلم من صيام ستة أيام هي يوم الفطر (عيد الفطر)، ويوم الأضحية (عيد الأضحى)، (وثلاثة أيام بعد التشريق) (ويوم الشك اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أم من رمضان) على خلاف بين الفقهاء في بعض هذه الأيام، كما أن بعض العلماء يضيف إلى هذه الأيام أياماً أخرى، مثل يوم الجمعة الذي يكره صيامه منفرداً.

والصوم ثلاثة: صوم الروح وهو قصر الأمل، وصيام العقل وهو مخالفة الهوى، وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.

الـصـوم جــنـة أقــوام مــن الـنـار

والصوم حصنٌ لمن يخشى من النار

والصومُ سترٌ لأهل الخـيـر كـلهم

الـخــائــفــيـن مـن الأوزار والـعـــار

فـصـام فـيه رجــالٌ يـربـحـون به

ثــوابــهــم مـن عــظيـم الشأن غـفار

فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا

مـن بـيــن حــور وأشــجـار وأنهـار

مَرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقِه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.

وقد قيل: ليس في العبادات أفضل من الصيام، لأنه باب العبادة. وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب العظيم وليس في الذنوب إلا عظيم، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم. وقد قالوا لا تنظر إلى صِغر ذنبك ولكن انظر إلى من عصيت!!.

والحكمة في فرض شهر رمضان، أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع، لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء. فما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال.

وقد قيل شعراً:

تجوّع فإن الجـوعَ يُورث أهله عواقب خير عمّها الدهرُ دائمُ

ولا تكُ ذا بطن رغيب وشهوة فـتصبح في الدنيا وقلبُك هائمُ

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "رياض السامعين" الله الله عباده الله صوموا جوارحكم عن المنكرات، واستعملوها في الطاعات، تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات، والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسموات.

وشهـر الـصـوم شاهـده عـلينا بأعمال القبائح والذنوبِ

فـيا رباه عـفـواً مـنك والطف بفضلك للمجير والكئيب

وهذا الصوم لا تجعله صوماً يُصيِّرنا إلى نـار اللهيب

فالصوم الشرعي هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا يخفى على كل لبيب وجه التناسب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للصيام.

إن شهر الصوم شهر عظيم، زكيّ مبارك كريم، من أطاع فيه الملك الجبار واتبع فيه السنة والآثار، غفر الله له ما قد سلف من الذنوب والأوزار، وخاصّه برحمته من عذاب النار، ومن عصى فيه الملك الجبار، وخالف القرآن والآثار، وعمل بأعمال الفجار، ولم يوقر شهراً عظمه الإله القهار، غضب عليه مقدر الأقدار، ولعنه كل شيء يختلج بالليل والنهار.

قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) البقرة/185.

وما جعله الله سبحانه وتعالى هدى فلا يكون ضلالة، وما جعله بياناً فلا يكون جهالة، وما ضُعف فيه الأجر فلا يجعل بطالة.

قيل: سُمي شهر رمضان بهذا الاسم، لشدة الحر فيه (يقال أرض رمضاء أي شديدة الالتهاب لشدة حرارتها)، وقيل أخذ من حرارة الحجارة لما يأخذ القلوب من حرارة الموعظة والفكرة والاعتبار بأمر الآخرة، فسمي رمضان بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقيل سُمي بذلك لأنه شهر يغسل الأبدان غسلاً، ويطهر القلوب تطهيراً. وهو شهر الإيقان، وشهر القرآن، وشهر إغاثة اللهفان، وشهر التوسعة على الضيفان، وشهر تفتح فيه أبواب الجنان، ويصفد فيه كل شيطان، وهو شهر الأمان والضمان.

يقول ابن الجوزي رحمه الله: شهر رمضان شهر تزهر فيه القناديل، وينزل فيه بالرحمة جبريل، ويتلى فيه التنزيل، ويُسمح فيه للمسافر والعليل.

رمضان للعباد مثل الحرم في أم البلاد، رمضان في الدنيا، مثل الجنان في العقبى: سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، ملكه خلود.

قيل: الشهور الاثنا عشر كمثل أولاد يعقوب عليه السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف عليه السلام بين إخوانه، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب.

فهذا شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات، والنعمة والخيرات، والعتق من النار، والغفران من الملك القهار، ما يغلب جميع الشهور.

وقد ورد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله: " لو يعلم الناس ما لهم في شهر رمضان لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان..." وقال كذلك " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وقال أيضاً: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" وقال عليه الصلاة والسلام: "إنّ الجنة لتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، وقال صلى الله عليه وسلم (أتاكم شهر رمضان شهر خير وبركة...).

وفي الحديث القدسي قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى"... الصوم لي وأنا أجزي به"، فالله لله والحرمان، والتمادي في العصيان والرضى في أدياننا بالنقصان، في الشهر الفاضل شهر رمضان.

ثم إن اختصار وجبات الطعام اليومية من ثلاث وجبات إلى وجبتين اثنتين فرصة طيبة لخفض مستوى الاستهلاك، وهي فرصة مواتية لاقتصاداتنا خصوصاً ونحن أمة مستهلكة، أشارت كل الإحصاءات إلى أن أقطارنا كافة تستهلك أكثر من إنتاجها وتستورد أكثر من تصديرها، وما هذا الاستهلاك الزائد دائماً والاستيراد الزائد غالباً إلا عاملان اقتصاديان خطيران تشقى بويلاتهما الموازنات العامة وموازين المدفوعات.

ومن الواضح أن هناك علاقة طردية أصبحت بين شهر رمضان المبارك والاستهلاك المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الذي يستشري لدى الناس في هذا الشهر الكريم. فالكل يركض نحو دائرة الاستهلاك، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً، ومصحوباً بألوان الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت، ومن خلال أكثر من وسيلة.

وبالتالي يكون المرء مهيأً تماماً للوقوع في دائرة الاستهلاك الشره، والتي ليس لها حدودٌ دُنيا أو قصوى، وإنما هي حالة تستوطن الإنسان في شهر رمضان ولا تتركه إلا بعد أن تتجرد جيوبُه وحساباته، خاصة أصحاب الدخل الثابت والمحدود.

إن خطة شاملة لمكافحة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان.

إن الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية، التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر، وما نصنعه في رمضان هو بكل تأكيد هدر لإمكانات مادية، وهدر لقيم سامية، وهدر لسلوك منزلة القناعة.

إنّ هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا تدل على مدى التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، وتعكس واقع المسافة بين المبدأ والفعل، والتي تتسع يوماً بعد يوم.

إن التأمل من بُعدٍ لصناديق وأكياس القمامة يؤكد أننا في حاجة إلى ضرورة إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية، وذلك بتعديلها لتصبح قيماً إنتاجية، أو قيماً استهلاكياً رشيدة.

والاستهلاك أو تزايد الاستهلاك معناه المزيد من الاعتماد على الخارج، ذلك لأننا لم نصل بَعدُ إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، أو مستوى معقول لتوفير احتياجاتنا الاستهلاكية اعتماداً على مواردنا وجهودنا الذاتية، وهذا له بُعدٌ أخطر يتمثل في وجود حالة تبعية غذائية للآخر الذي يمتلك هذه الموارد، ويستطيع أن يتحكم في نوعيتها وجودتها، ووقت إرسالها إلينا.

ومن ثمَّ، كان للاستهلاك أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الشراهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسم بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة، وهو جسمها وروحها من داء عضال، هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟!

إن بعض معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض الاستهلاك، أو على الأقل ضبط الاستهلاك.

إن استهلاك المسلم هو الكفاية لا التبذير، وإن منفعته وإشباعه يتحقق ليس فقط بالإشباع المادي، بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه. وإن منفعته تتحقق حتى من قيامه بواجبه نحو أهله وزوجه وولده. ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نِعمه، ويحمده كلما وفقه إلى استهلاك شيء من رزق ربه. والمسلم ينفق ماله ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته، والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله، ونيل ثوابه عز وجل.

إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي، ثم فرصة لترتيب سُلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.

إن شهر الصوم فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، هذه القاعدة ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

إن شهر رمضان فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، بما يحدثه الصوم من أثر حقيقي في نفوس القادرين إزاء المحتاجين.

ومما سبق يمكن القول بأن الخصائص الاقتصادية المرتبطة بشهر رمضان هي خصائص كامنة في جوهر الصيام، باعتباره مرتبطاً بقوىً اقتصادية، مثل الاستهلاك والإنفاق والإشباع، ومقدار المنفعة ودرجة الحاجة.

وتحريك هذه الخصائص، وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر، على مستوى الأفراد لضبط استهلاكهم، وعلى مستوى المؤسسات بتوفير الوسائل الكفيلة بحسن توجيه الأموال، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

ثم إن الصوم من أقوى العبادات على تهذيب النفوس والسمو بالأرواح، إذ فيه إعداد للنفوس، وتهيئة لها على تقوى الله ومراقبته.

وفي الصوم تربية على قوة الإرادة، وكبح جماح الشهوات وأنانية النفوس، ليقوى صاحبها على ترك ما يضره من مألوفاته، أكلاً، وشرباً، أو متاعاً.

والصوم ينمي في النفوس رعاية الأمانة، والإخلاص في العمل، وألا يراعي فيه غير وجه الله، دون مداهنة أو مجاملة.

والصوم يمثل ضرباً من ضروب الصبر، الذي هو الثبات في القيام بالواجب في كل شأن من شؤون الحياة.

ثم إن للصوم أسراراً يحسن العلم بها، وتتبين هذه الأسرار من خلال مراتب الصوم الثلاث، وهي: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. فصوم العموم: هو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة. وصوم الخصوص يعني: كف النظر، واللسان، واليد، والرجل، والسمع، والبصر، وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة.

الصوم تربية لروح المسلم وأخلاقه؛ حتى يشعر الغني بحاجة الفقراء والجوعى، فيزداد إيمانه بالله، ويقينه بضرورة أداء حق الفقراء في أمواله، بل ويزيد على ذلك الحق عندما يشعر بألم الجوع والعطش.

ومن الأسف أن بعض الناس اعتاد على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان، والتي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي، وهي ليست من الإسلام. فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية أسرية أكبر بكثير إن لم تكن ضعف الميزانية في الأشهر العادية، تبدأ بمضاعفة استهلاكها. ويكون النهار صوماً وكسلاً، والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.

إن الطعام الزائد في الليل وبإفراط يؤدي إلى فقدان الكثير من تلك الفوائد، بل قد ينعكس ذلك بشكل سلبي على صحة الإنسان، فإذا أكل كثيراً في الليل يصبح كسلاناً بسبب تخمر الطعام في جهازه الهضمي.

والنصيحة التي يمكن أن نوجهها إلى المسلمين هي عدم التفريط في تناول الطعام في ليالي رمضان، والتزام القوام والاعتدال، ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلت بنا اليوم هي البطر والإفراط في الاستهلاك، والتبذير والبعد عن الدين القيم. قال تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (سورة النحل، الآية: 112). وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص/76ـ83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية، والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذماً كبيراً، حيث وصف الله المبذرين بأنهم إخوان الشياطين ، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة، منها ما يدركها العقل البشري، كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه. فطوبى لمن اقتدى، في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إن من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن... إلخ من الضروريات، لصيانة دِينه، ونفسه، ونسله، ولحفظ عقله وماله. كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان. وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي، وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إن الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرِّر مستوى رفاههِ ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إنْ كان نهمَ الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مُصرين على أن الدولة وسياساتها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرروا أن المستهلك والمنتج هم أسيادُ اللعبة. فيوم يُربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً على المجتمعات الغربية، التي جعلت من الحرية المطلقة بلا ضوابط إلهاً يُعبَدُ من دون الله. فلقد كان هناك من يعتبر هذا النمط من التربية اعتداءً غير مبرر على حق المستهلك في أن يستهلك ما يشاء، وقت ما يشاء، وكيفما يشاء. ولكن اكتشفت العديد من المجتمعات أن تدليل المستهلك إلى هذا الحد باهظ الثمن، وأنها إذا استطاعت أن تلبيه اليوم، فقد لا تستطيع ذلك في الغد.

ولذلك عادت مفردات التدبير والتوفير، وحسن التصرف في المال تشق طريقها إلى الدراسات الاقتصادية الحديثة.

ووجدنا من الاقتصاديين من يقول: لقد تحدثنا كثيراً عن قوانين الاقتصاد، ورسمنا المزيد من المنحنيات والمعادلات، ولكننا نسينا المتغير الأكبر الذي يقرر صلاحية أو عدم صلاحية كل ما تحدثنا عنه وتوقعناه وهو الإنسان.

إن رمضان هو محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد، وعملية تدريب مكثفة تستغرق شهراً واحداً تفهم الإنسان أن بإمكانه أن يعيش بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياته اليومية، ولساعات طويلة كل يوم. وإنه محاولة تربوية لكسر "النهم الاستهلاكي" الذي أجمعَ علماء النفس المعاصرون أنه حالة مرضية، وأن مجال علاجه في علم النفس وليس علم الاقتصاد. وإن كان يصيب بتأثيراته أوضاع الاقتصاد وأحواله.

إن رمضان مناسبة للمسلمين ليتذكروا بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصوم، وإنّ إمكان تحمل الجوع والعطش لفترات طويلة، والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاءً وحالة جسدية أكثر انتعاشاً وخفة، أمرٌ وارد ومشاهد.

وهذا الاكتشافُ الذي يتكرر مع كل قدوم للشهر المبارك هو الخلاص من الوقوع في الديانة الاستهلاكية التي أصُيبت بها بعض المجتمعات، والتي أصبح فيها السوبر ماركت هي أماكن عبادتها الجديدة، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان في مؤلفه "مصر.. دراسة في عبقرية المكان".

وفي الختام نود أن نؤكد حقيقة مُسلمة أنه لابد من بناء الإنسان المستهلك باعتدال.

 

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأربعاء, 23 مايو 2018 14:22

ومضات رمضانية

 

ومضة (1)

لئن كان لكل خير مواسم، ولبعضها مناسبات أفراح فإنَّ شهر رمضان هو موسم جميع المسلمين الذي تتنافس فيه معطيات الخير في نفوسهم وتبرز معاني فطرهم الطيبة متحدية كل نوازع الشر والعبث.

شهر الصيام سيـد الشهـور         كـما أتى في الأثر المشهور

ولم يزل في سالف الدهور         مـحـتـرماً ذا بـهـجـةٍ ونــور

فيه كما في الخبر المذكور نـُزِّل بـالتـوراة يـوم الطـور

والذكر والإنجـيل والزبور فاستكثروا فـيه من القصور

في جـنة الخـلد بـلا قصور         واجتنبوا اللغو وقول الزور

وانتبهوا للعـرض والنشور قـبـل حـلـول ظـلـمـة القبور

ومضة (2)

 

إنَّ مَنْ يحرم إشراقات أيام وليالي رمضان المباركات وما خصها بها عز وجل من نعماء ومن جزيل العطاء، فإنه بلاشك قد حُرم الخير الكثير والفضل الذي لا يعوض في باقي الأيام.

أيا معشر الصوام وافتكم البشري        

وقـد نـشـر الباري بـمـدحـكم ذكرا

خُصصتم بشهر فيه عتق ورحمة

وقد أجزل الرحمن للصائم الأجرا

ولله فـي الـعـشـر الأواخـر لـيـلـة

لقد عـظمت أجـراً كما مُلئت خيراً

فطوبى لقـوم أدركـوها وشاهدوا

تـنـزل أمـلاكٍ بـهـا أيـــة كـبـــرى

وفازوا بغـفـران الإله فأصبحـوا

يُشم عليهم من شـذا عَرْفِها عِـطرا

ومضة (3)

كان أحد الحدادين يعمل في ظهيرة يوم صار من أيام شهر رمضان، وكان جبينه يتصبب عرقاً، فقيل له: كيف تتمكن من الصوم والحر شديد والعمل مضني؟ فأجاب: مَنْ يدرك قدر مَنْ يسأله، يهون عليه ما يبذله!!.

طـوبى لـعـبدٍ صـام لله عـــــن     مطعومه شهراً ومشروبه

وصانَ عن قول الخنا صومه     ولـــم يَـــشُــبـه بـأكـاذيـبه

والـتمـسَ الأجـرَ على صومه     من ربه في ترك محبوبه

فــالــصــومُ لله صـــح عـــــن     نــبــيــه والله يـجــزي به

ومضة (4)

لقد خضَّ الله عز وجل شهر الصيام شهر رمضان بخصائص منها: أنه سبحانه وتعالى جعله شهراً مباركاً وجعله شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وجعل فيه ليلة خير من ألف شهر، وجعل صيامه فريضة، وقيام ليلة تطوعاً، وهو شهر المواساة، وهو شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الظمأ والجوع من حدتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب.

ومضة (5)

طلب بعض الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم عن شهر رمضان هذا الشهر العظيم، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الجنة لتـُزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق أشجار الجنة، فتنظر الحور إلى ذلك فيقلن: يا ربنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا. ثم قال عليه الصلاة والسلام ((فما عبد يصوم يوماً في رمضان إلا زُوِّج زوجة من الحور العين في خيمة من درة.

إنَّ شهر الصيام مضمار نـُسك    وسباق إلى رضا المعبود

حـلبة خـيلها الصيام مع النـُسك    وإدخـالهـا جــنانَ الخــلود

ومضة (6)

كان المسلمون يقولون عند مقدم رمضان استقبالاً له: اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له وارزقنا صيامه وقيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط وأعدنا فيه من الفتن.

ورد عن معلى بين الفضل رحمه الله قوله: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.

أتـى رمـضـان مزرعة العـباد     لتطهـير القلوب من الفـساد

فـــأدِّ حــقــوقـه قـولاً وفــعـلاً     وزادك فـــاتـخــذه لـلـمعــاد

فمَنْ زرعَ الحبوبَ وما سقاها     تـأوّه نــادمـاً يــومَ الحـصاد

ومضة (7)

إنَّ لشهر رمضان في الإسلام أسماء منها: أنه شهر القرآن، وشهر الغفران، وشهر العتق من النار، وشهر الله، وشهر الآلاء، وشهر النجاة، وشهر الصبر، وشهر المواساة، وشهر الخير، وشهر الكرم، وشهر البركات والخيرات، وشهر إجابة الدعوات، وشهر الإحسان، وشهر الرحمة.

يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: من قواعد النفس أنَّ الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم. إذ يبالغ المرء أشد المبالغة ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء وسبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة. فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس.

ومضة (8)

قال بعض السلف: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

إذا لـم يكـن في الـسـمع مـنـي تصاونٌ

وفي بصري غضٌ وفي منطقي صَمْتُ

فحظيَّ إذا من صومي الجوعُ والظمأ

فإن قلتُ إني صُمْتُ يومي فـمـا صُمْتُ

أية معجزة إصلاحية أعجب من معجزة شهر رمضان المبارك التي تقضي أن يُحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوماً في كل سنة، ليحلَّ في محله تاريخ النفس.

ومضة (9)

ورد أنَّ مَنْ أتى عليه رمضان صحيحاً مسلماً، فصام نهاره وصلى ورداً من ليله، وغضَّ بصره، وحفظ مزجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته جماعة، وبكر إلى الجمعة، فقد صام الشهر واستكمل الأجر وفاز بجائزة الرب، التي لا تشبه جوائز الأمراء.

وصدق قتادة رحمه الله حين قال: مَنْ لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر له.

نرحلَ شهر الصبر والهفاه وانصرما

واختصَّ بالفوز في الجنات مَنْ خدما

وأصـبـح الـغـافـل الـمـسكين منكسراً

مـثـلـي فياويحه يــا عُـظـم مـا حُــرم

مَنْ فـاتـه الزرع في وقت البدار فما

تــــراه يـحــصــدُ إلا الــهـمَّ والنـَّدما

ومضة (10)

أتى شهر رمضان، ونحن غافون عن الثواب الكثير، ساهون عن المُلك الكبير، لا هون عن لباس السندس والحرير.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

أيــنَ أهـلُ القـيام لله دأباً             بذلوا الجهدَ في رضا الجبّار

أنتمُ الآنَ في ليال عظام             قـدُرهــا زائدٌ عــلى الأقـدار

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top