د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 12 نوفمبر 2016 14:18

الاقتصاد.. بين الغموض والسطحية!

كثيرًا ما يُساء فَهْم طبيعة علم الاقتصاد، وكثيرًا ما تكون النظرة إليه نظرة تشوبها الحيرة، وتعوزها الثقة، ومن ثَمَّ يُنتقص قدره بصورة تدعو إلى الأسف، فهو يُتَّهم بالغموض من جهة، ويوصف بالسطحية من جهة أخرى، ويقول منتقدوه بوجه عام: إنه أخفق في وضع حلول ذات قيمة عملية في معالجة ما يجد من مشكلات عالمية عاجلة.

إنّ أيّ كاتب أو باحث يتناول موضوعًا كبيرًا قد يترك بالضرورة كثيرًا من التفصيلات، إلا أنّ عرض الخطوط العريضة في علم الاقتصاد ربما يساعد على إبراز أهمية هذا العالم في عالمنا الحديث، وربما يبعث على الاهتمام بذلك العلم الاقتصادي ويقويه، وهذا الاهتمام بدوره ربما يؤدي إلى تقدير ذلك العالم التقدير الذي يستحقه.

وهذا أهم هدف يساعد أيَّ كاتب أو باحث اقتصادي متخصص على مناقشة مشكلات عصره الاقتصادية، وقضايا بلده الاقتصادية، ومبادئ العلوم الاقتصادية؛ لأن علم الاقتصاد يعين الناس على تفهُّم مشكلاتهم التي تعرض لهم باعتبارهم أفرادًا في المجتمع.

عندما نتأمل نشاط الناس رجالاً ونساءً في ساعة من ساعات الصباح ليوم من أيام العمل، نرى غالبيتهم تنصرف إلى أعمال مختلفة، وتنهمك في مشاغل كثيرة متنوعة في المصانع والحقول، والمكاتب والسكك الحديدية، والمدارس والمستشفيات، والمصارف والأعمال الحكومية المختلفة.

إنّ نشاط جميع هؤلاء على اختلافهم واختلاف أعمالهم يشترك في أمرين:

أولهما: أنهم جميعًا يهدفون من وراء أعمالهم إلى تحصيل أسباب عيشهم، فما يكسبونه مقابل ما يبذلون من نشاط وجهد يمكِّنهم من تحقيق حاجاتهم الضرورية؛ من طعام وشراب، ولباس وسكن، وقد يفيض عن الحاجات الضرورية لهم، فيستخدمونه للترفيه والترف، أو يدخرون جانبًا منه.

وثانيهما: أنهم في الوقت الذي يعملون فيه لتحصيل عيشهم، يسهمون في إنتاج سلع أو تقديم خدمات يحتاج إليها غيرهم من أفراد المجتمع.

هذا النشاط المشترك الذي يدور حول تحصيل أسباب العيش عن طريق إنتاج سلع وخدمات، هو ما يعرف بـ"النشاط الاقتصادي"، ومجموع أوجه هذا النشاط الذي يقوم به أولئك الأفراد هو ما يُسمَّى "النظام الاقتصادي".

وعلى الرغم من أهمية النظام الاقتصادي وأثره البالغ في حياتنا اليومية، فإن الذين يهتمون بمعرفة أي شيء عنه قليلون، مع أنّ علم الاقتصاد يلقي الضوء على الحياة المادية للإنسان، ولا تقل أهمية الإلمام بقدر منه عن أهمية فَهْم القواعد الأساسية في الصحة، أو في التعليم والتربية.

إنّ المعلومات الاقتصادية تساعدنا على فَهْم لماذا نسعى لتحصيل أسباب العيش؟ ولماذا يختار كل منا مهنة خاصة يقبل عليها بذاتها؟ وكيف ننظم ما نكسب أو نحصل عليه من دخول؟ وما النظام الذي يخضع له في شراء ما نحتاج إليه من سلع؟ وكيف تصل السلع إلى المستهلكين منَّا؛ سواء أكانت من الإنتاج الخارجي أم من الإنتاج المحلي؟ وما الأسس التي تتحدد عليها أسعار السلع التي ندفعها، وقليل الحصول عليها؟ ذلك لأن هذه الأمور كلها من موضوع علم الاقتصاد.

السبت, 05 نوفمبر 2016 14:10

أهمية مواردنا المالية!

من الخطأ أن يجسّم الناس أهمية مواردنا المادية، ويقللوا من وسائلنا غير المادية، فالغالبية العظمى من الناس لا تفكر في الموارد إلا بمدلول الماديات، ويغفلون عما تملكه الإنسانية من موجودات وطاقات أعظم أهمية بكثير، هي العقلية الإبداعية والوسيلة الصناعية الضخمة لاستخدامها.

إن أكثر ما يقلقنا الكوارث والمجاعات والأوبئة، خاصة أن السجل الطويل للتاريخ الإنساني حافل بالحقائق والوثائق التي تؤكد تأثير تلك الكوارث والمجاعات والأوبئة على تفكيرنا منذ قديم الزمن وحتى الآن.

فمنذ قرنين من الزمن ضمَّن أحد الكهنة ويُدْعى توماس روبرت مالتس تلك المخاوف الإنسانية نظريته التشاؤمية والمعروفة بـ"المالتوسية"؛ حيث رأى غالبية الناس المحيطين به يتألمون؛ لأن لديهم من الأطفال أكثر مما يستطيعون إمدادهم بالطعام والرعاية، وربما طال الموت كثيرًا من الأطفال.

يقول مالتس في نظريته: إن المجاعة تقلل من زيادة السكان، وهدفه من ذلك تخفيف بعض الشقاء الذي يقاسيه الناس الذين من حوله بحثهم على إنجاب عدد أقل من الأطفال.

بيد أنه وآخرين عملوا على امتداد هذه الفكرة لتشمل معظم الناس، وأصبحت نظريته بمثابة عقيدة يعتنقها المتشائمون حتى يومنا هذا.

والواقع فإن الكفاية الممتازة لدى الناس اليوم في تهيئة أسباب الراحة والتسلية لأنفسهم جعلت فيرفيلد أوسبورن يبكي على "كوكبنا المسلوب" الذي سوف نجرده في القريب من الوسائل التي تضمن حتى كياننا.

وأفزعت دافيد برادلي قوة الطاقة الذرية واستنتج أنه ليس لدينا مكان للاختفاء منها. 

وأفزع ويليام فوجت سوء استغلالنا بإهمال وإسراف للأرض، مما لا بد من ملاقاته؛ لكي نمهد الطريق لمن يواصلون من بعدنا الحياة.

وهناك غيرهم من المالتسيين الذين لا يرون إلا المستقبل الحالك السواد لسلالتنا؛ لأن ما لدينا من علم وتقنية وصناعات مبنية عليها بلغت بطريقة غريبة مرتبة الكمال، وهم يعتقدون أن الناس عاجزون أمام ذلك النذير المخيف.

وقد ازداد هذا التشاؤم واتسع نطاقه ليشمل عددًا متزايدًا من الناس؛ لأنهم ليسوا على بينة ودراية بمجريات الأحداث، وبما استجد من أسباب، وكيف أن تلك الأحداث والمستحدثات تستطيع التأثير في حياتنا.

ولذا، عنّف كيرتلي مازر الإنسان لخوفه من أن ازدياد عدد السكان سوف يلقي بعبء مستحيل على مصادر الطعام الممكن الحصول عليها، وقال: إن الاستغلال الذكي للمصادر المتجددة، والتنظيم الحكيم للتراكيب والعادات حسبما تمليه الظروف البيئية، يبدو كافيًا لطرد ذلك الشبح المخيف.

يقول كلفر: وإذا كان هناك أي شيء مؤكد عن عالمنا الذي نعيش فيه، فهو أنه لا يوجد ما يقدّر له الاستمرار على الدوام، بل إن كل شيء يعتريه التغيير باستمرار.

إن التحليل اللغوي لكلمة (جامعة) يشير إلى عمق وقدم الممارسات والجذور التي تستند إليها الجامعات الحديثة، فكلمة (جامعة) في اللغة العربية اسم فاعل من جمع.

يقول د.عبدالعزيز السنبل: أخذت المؤسسة التعليمية العالمية الحديثة اسمها (جامعة) انطلاقًا من الممارسات القديمة جدًّا والتي ترجع إلى ما قبل الميلاد، والتي استمرت وقويت حتى وقت انتشار التعليم الجامعي الحديث؛ من اجتماع طلاب العلم وأساتذتهم في جامعة واحدة؛ لغرض طلب العلم، ونشره، وتوسيع حدوده في استقلالية تامة.

وأقدم تلك المؤسسات التي نبعت منها فكرة الجامعة هي المؤسسات الهندية المعروفة بـ(مدارس الغابة) التي يرجع تاريخها إلى عام 1500 ق.م في تلك الخلوة للتأمل والمناقشات الفلسفيَّة؛ حيث الهدوء والتفرُّغ، وهذه المدارس لا تشكل أصلاً تاريخيًّا من أصول نشأة الجامعات فحسب، بل إن فكرة الانقطاع التام عن العالم الخارجي للتأمل والبحث قد لازمت فكرة الجامعة وممارساتها حتى عهد قريب.

والمؤسسات الحضارية الإسلامية كثيرة، أهمها في بغداد (بيت الحكمة)؛ حيث وفر مادة العلم من كتب ومراجع، وجو علمي بمتطلباته، وقد أسسه المأمون.

وقد كانت هذه الدار مركزًا ثقافيًّا يقصدها العلماء من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتخرَّج منها عديد من العلماء؛ لذا يحق أن نقول: إنها تعد من الأصول التي تستند إليها جامعات اليوم.

وهكذا كانت أيضًا (دار الحكمة) في القاهرة جامعة إسلامية اجتمع فيها العلماء، والباحثون والطلاب.

ولم يقتصر الأمر على (بيت الحكمة) في بغداد، و(دار الحكمة) في القاهرة، بل إن أنواعًا من التعليم تشبه التعليم في المرحلة الجامعية اليوم انتشرت في عديد من بلدان العالم الإسلامي في المشرق والمغرب والأندلس؛ حيث وجدت مكانًا لها في المكتبات والمساجد، والصالونات الأدبية، كما أن المسلمين خطوا خطوة أكثر قربًا من جامعات العصر الحديث ببناياتها الخاصة، وأساتذتها المأجورين وشروط التحاق الطلاب بها، وتتمثل تلك الخطوة في تأسيس المدارس النظامية في القرن الخامس الهجري.

يقول د. نور الدين عبدالجواد: يبين التاريخ أن الجامعات الأولى التي ظهرت؛ سواء في الشرق أم في الغرب - ظهرت في أحضان دور العبادة، ففي الشرق اتخذت في البداية من المساجد مقرًّا لها، ومن الإسلام والثقافة الإسلامية منهجًا وموضوعًا للدراسة.

ومما يجدر تأكيده أن الجامعة اليوم متأثرة بالحركة الاجتماعية التي قوي تيارها في القرن الماضي؛ حيث بدأت تعدل من فلسفتها، وأخذت تتجه نحو المجتمع تتلمس حاجاته، وتعمل على تلبيتها وترتبط به ارتباطًا وثيقًا؛ لأنها لم تعد كما كانت خارج الكيان الاجتماعي العام، بل أصبحت في بؤرته، كما أنها لم تعد شيئًا منعزلاً عن عصرها، بل على العكس أصبحت تُعبِّر عن روح العصر، كما أنها بالتالي لم تعد تؤثر في الحاضر، بل امتد تأثيرها لينال الحاضر والمستقبل سواء بسواء.

جاء في كتاب "الاقتصاد المجنون" قول كريس هارمن : إن قليلاً من الذين يؤيدون النظام العالمي القائم كانوا يتوقعون أن تتحسن الأمور وتتحسن أحوال الفقراء بالتوظيف الكامل, والإنفاق أكثر على الرعاية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء, ولكنهم اليوم يقولون إن هذه الأفكار أصبحت موضة قديمة.

وبالطبع, فإن الفقر والمرض والجوع والألم واليأس والإحباط لا تُعد أشياء جديدة على المجتمع البشري, بل وجدت على مدى معظم تاريخه المسجل, ولكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف, لأنه يوجد جنباً إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقراء إلى الأبد.

وللأسف فإن الجوع يتواجد جنباً إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية, والدليل على ذلك جبال الأغذية.

قبل خمسين عاماً كان الخمس الأغنى 20% من سكان العالم يمتلك 30% من الدخل, واليوم يمتلكون 60% من هذا الدخل, في نفس الوقت, فإن الخمس الأفقر20% من البشر يقتسمون 4% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

لقد حذر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأن السبب الرئيس في زيادة الصراعات الداخلية في العالم هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض. ويلاحظ أن الدول, صغيرة وكبيرة, تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب.

إذ وسط هذا البؤس وتلك القذرات, انتعشت مئات الشرور, فقد عادت للظهور أمراض قاتلة وانتشر إدمان المخدرات, حيث يعتبر بعض الناس ذلك هو الطريق الوحيد للهروب, ولو مؤقتاً, من معاناتهم, وارتفعت معدلات الانتحار وتزايدت الجريمة حيث إن أقلية من الفقراء يرون فيها الطريق الوحيد للحصول على الثروة التي تتيح تقليد الحياة الفاخرة للأغنياء التي تتباهى بها أمامهم وكالات الإعلام. وفق كل ذلك جاء التأثير الفظيع للحرب.

إنَّ لغزاً كبيراً يواجهنا ولم نستطيع بَعْدُ فهمه, فبينما يتم إنتاج ثروات أكبر مما كان يُنتج من قبل في التاريخ, وتوجد اختراعات تزيد من إنتاج أشياء متنوعة, شاملة أغذية أساسية حرمت منها أجيال من البشرية, كما استطاع البشر اقتحام الفضاء الخارجي واكتشفوا أعماق المحيطات واستطاعوا استخدام الماكينات للقيام بالأعباء الضخمة, وكذا إرسال المعلومات من جانب من العالم إلى الجانب الآخر في جزء من الثانية.

ومع ذلك, وبدلاً من ضمان تخفيف أعباء البشرية, تصبح هذه الأعباء أشد حدة, وبدلاً من أن يتطلع الناس إلى حياة أكثر رغداً وراحة, غالباً ما يعيشون في خوف من أن تزداد الأمور سوءاً, وبدلا من أن يختفي البؤس نجده يتزايد.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top