د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 14 ديسمبر 2015 10:04

تشكيل الرأي العام وصناعته

يقول جيري ماندر: أنا شخصياً لم أصادف أي رجل إعلان يعتقد صراحة بوجود أي حاجة لـ99% من المواد الاستهلاكية التي تملأ موجات الأثير، وصفحات الصحف والمجلات.

إن في الغرب مفكرين يطلقون الصرخات بين الحين والآخر، منذرين قومهم، ومشيرين إلى مكمن الداء، وإن لم يوفقوا بَعْد في الوصول إلى حلول تناسب فطرة الإنسان ومتطلباته.

ومن هؤلاء جيري ماندر، المفكر الأمريكي الذي أفزعه ما تحقق لديه - نتيجة خمسة عشر عاماً عاشها مدير دعاية وعلاقات عامة - من آثار التلفزيون كإحدى وسائل الإعلام المدمرة للإنسان، فألف كتاباً دعا فيه إلى التخلص من التلفزيون أسماه "أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون"، استطاع من خلاله الإشارة إلى مكامن الخطر في هذا الجهاز العجيب، وكانت آراؤه وليدة تجربة حقيقية لطبيعة عمله في مجال الإعلام، مما أتاح له ملاحظة ما لأجهزة الإعلام من تأثير انحرافي في هذا العالم، يتعذر اجتنابه أو تفاديه.

لقد فاقت جاذبية التلفزيون قديماً وللأسف حالياً الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي كل حد، حتى أضحت إدماناً استسلمت له طوائف كثيرة من الناس، ودخلت الهواتف الذكية إلى المصنع والمتجر، ورافقت المسافرين في مركباتهم، والمتنزهين في نزهاتهم، حتى أصبحت الرفيق الدائم الذي لا يُمل، وطاب لكثير من الناس أن يتناولوا طعامهم أمام شاشة التلفزيون أو شاشة الجوال، ليساعدهم على تناول الطعام والتهام أكبر كمية منه، حتى أطلقوا في أمريكا على طريقة الأكل هذه "غذاء التلفزيون"، والتي تشير إلى أن الناس غدوا يتناولون وجبات طعامهم أثناء مشاهدة التلفزيون؛ إذ يستسلم شعورهم وإحساساتهم للبرامج، فلا يدرون كم أكلوا وشربوا.

ومما لاشك فيه أن للتلفزيون - وغيره من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي - آثاراً خطيرة على اقتصاد الفرد والجماعة؛ إذ هي أصلاً سلعة ليست رخيصة، وابتياعها يعطي دافعاً قوياً للإعلام الاستهلاكي والنظام الاستهلاكي.

إذ تعتبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة محرضاً قوياً على الاستهلاك؛ بما تمتلكه من الثقة لدى معظم المشاهدين والمتابعين، وبما تبثه من البرامج المعدّة خصيصاً لتوجيه الجمهور ودفعه إلى الاستهلاك.

ولعل الأسر التي تقتني مثل هذه الوسائل تشعر منذ أن تقوم بدفع ثمنها بانتقالها إلى مرحلة جديدة في نمط جديد للحياة اليومية، وما دامت اللحظات الأولى لامتلاك وسيلة الإعلام والتواصل تقترن بدفع مبلغ من المال ليس باليسير بالنسبة لمعظم الأسر على امتداد وطننا الإسلامي؛ فإن هذا يعني تدريب هذه الأسر على اقتحام مجال الإسراف الذي تبدو أهم ملامحه في تلك الفوضى التي لا تعرف توازناً بين الحق والواجب، والأهم والمهم، والضروري والكمالي.

وقد قيل: إن اقتناء التلفزيون أو الجوال أو أحدهما يعدّ إشارة واضحة لتخطي الأسرة حدود الاقتصاد في المعيشة، إلى الانغماس في حمى الاستهلاك التي يعمل منتجو السلع على تعميمها وإشاعتها.

وهكذا، يتبين لنا بشكل واضح ما لهذه الأجهزة والوسائل من آثار سلبية على الفرد والجماعة، ولذلك فإن من الخير لنا - أفراداً وأمة - أن نقدم الأهم على المهم والضروري على الكمالي، والنافع على الضار، وألا نصدق أن مقالة اللحاق بركاب التقدم تعني الاستمساك بأسوأ ما لدى الأمم من التطلعات السُّفلية التي ما هبّت رياحها على قوم إلا حاولت أن تقتلع منهم جذور الخير والطهر والكرامة.

إن الإعلام الآن بتعدد وسائله تحول إلى سلطة من جهة، وأداة لتشكيل الرأي العام وصناعته من جهة أخرى.

الثلاثاء, 08 ديسمبر 2015 17:14

الصمت أنفع للناس

تحت باب مدح الصمت ذكر عبدالملك الثعالبي في كتابه "الظرائف" أن من حكم لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله.

وكان يقال: الصمت أنفع للناس، والسكون أنفع للطير؛ لأن الطير إذا نبش قُبض وحُبس.

قال أحد الشعراء:

الصمتُ يُكسب أهله صدق المودّة والمحبّة

والقول يستدعي لصاحبه المذمة والمسبّة

فاترك كلاماً لاغياً ولا يكن لك فيه رغبة

وقد قيل: أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك، كأنها رميت عن قوس واحدة.

قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مراراً.

وقال قيصر: إني على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت.

وقال ملك الصين: إذا تكلمت بكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها.

وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن رُفعت ضرته، وإن لم تُرفع ما نفعته.

قال أحدهم نظماً: ولو يكونُ القولُ في القياس من فضة بيضاء عند الناس؛ إذاً لكان الصمتُ من خير الذهب فاسمع هداك الله تلخيص الأدب.

قيل: من علامات العاقل حسن سمعه وطول صمته.

قال بعض الحكماء: أول العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره.

قال شاعر:

مُتْ بداءِ الصمت خيرٌ لك من داء الكلامِ         إنما العاقل من ألجمَ فاه بلجامِ

وجاء في ذم الصمت قول بعض الحكماء: إنك تمدح الصمت بالمنطق، ولا تمدح المنطق بالصمت، وما عبّر به عن شيء، فهو أفضل.

قال رجل بين يدي عمر رضي الله عنه: الصمت مفتاح السلامة، فقال: نعم، ولكنه قفل الفهم.

وقيل: من تكلم فأحسن، قدر أن يسكت فيُحسن.

وقيل: اللسان عضو، فإن مرنته مرن، وإن تركته حرن.

وأختم بهذه الأبيات الرائعة:

إن كان يعجبك السكوتُ فإنه              قد كان يُعجب قبلك الأخيارَا

ولئن ندمت على سكوتٍ مرة              فلقد ندمتُ على الكلام مرارَا

إن السكوت سلامةٌ ولربما                زرع الكلامُ عداوة وضرارَا

أخرج الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الشتاء ربيع المؤمن"، وأخرجه البيهقي رحمه الله وغيره وزاد فيه: "طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه".

يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه النفيس "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف": إنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، ويتنزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسَّر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة الصيام.

وفي المسند وعند الترمذي رحمه الله عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة"، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء، ومعنى كونها غنيمة باردة، أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفواً صفواً بغير كلفة، وأما قيام ليل الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن وقد أخذت نفسه حظها من النوم، فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراك ورده من القرآن، فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه.

يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرحباً بالشتاء؛ تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام، وعن الحسن البصري رحمه الله قال: نعم زمان المؤمن الشتاء؛ ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه، وعن عبيد بن عمير رحمه الله أنه كان إذا جاء الشتاء، قال: يا أهل القرآن، طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا، قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف.

ولهذا بكى معاذ رضي الله عنه عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلَق الذكر، بخلاف ليل الصيف، فإنه لقِصره وحرِّه يغلب النوم فيه، فلا تكاد تأخذ النفس حظها دون نومه كله، فيحتاج القيام فيه إلى مجاهدة، وقد لا يتمكن فيه لقِصره من الفراغ من ورده من القرآن، جاء في كلام يحيى بن معاذ رحمه الله ناصحاً: الليل طويل يا مسلم فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك، ثم إن قيام ليل الشتاء يشق على النفوس من وجهين:

أحدهما: من جهة تألم النفس بالقيام من الفراش في شدة البرد، والثاني: بما يحصل بإسباغ الوضوء في شدة البرد من التألم، وإسباغ الوضوء في شدة البرد من أفضل الأعمال، روى ابن سعد بإسناده أن عمر رضي الله عنه وصى ابنه عند مماته، فقال له: يا بني عليك بخصال الإيمان، قال: وما هي؟ قال: الصوم في شدة الحر أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهد أصحابه، وكتب لهم بالوصية أن الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعاراً ودثاراً، فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه، وإنما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه، فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى بالبرد - برد الشام - وذلك من تمام نصيحته وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه.

وليُعلم أنه ليس المأمور به أن يتقي المرء البرد حتى لا يصيبه منه شيء بالكلية، فإن ذلك يضر أيضاً، وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد بالكلية؛ حتى لا يحس بهما بدنه فتلف باطنه وتعجل موته، فإنَّ الله تعالى بحكمته جعل الحر والبرد في الدنيا لمصالح عباده، فالحر لتحلل الأخلاط، والبرد كجمودها، فمتى لم يصب الأبدان شيء من الحر والبرد، تعجل فسادها.  

إنَّ المأمور به اتقاء ما يؤذي البدن من الحر المؤذي، والبرد المؤذي المعدودين من جملة أعداء ابن آدم.

قيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتشدد يعني في العبادة، فقال: وكيف لا أشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدواً؟ قيل له: لك خاصة؟ قال بل لجميع مَنْ يعقل، قيل له: وما هذه الأعداء؟

قال: أما أربعة فمؤمن يحسدني، ومنافق يبغضني، وكافر يقتلني، وشيطان يغويني ويضلني، وأما العشرة، فالجوع والعطش، والحر والبرد، والعري والمرض، والفاقة والهرم، والموت والنار، ولا أطيقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهن سلاحاً أفضل من التقوى، فعدّ رحمه الله الحر والبرد من جملة أعدائه.

قال الأصمعي: كانت العرب تسمي الشتاء الفاضح، فقيل لامرأة منهم: أيما أشد عليكم القيظ أم القرّ؟ قالت: سبحان الله، مَنْ جعل البؤس كالأذى؟! فجعلت الشتاء بؤساً والقيظ أذى، قال أبو عمرو بن العلاء: إني لأبغض الشتاء لنقص الفروض، وذهاب الحقوق، وزيادة الكلفة على الفقراء، وقال بعض السلف: البرد عدو الدين، يشير إلى أنه يفتر عن كثير من الأعمال ويثبط عنها، فتكسل النفوس بذلك، وقال بعضهم: خلقت القلوب من طين، فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه.

    

الثلاثاء, 17 نوفمبر 2015 12:54

حكمة الاقتصاديين

كلنا يتأثر بالسياسات الاقتصادية الحكومية وبالقرارات الاقتصادية للقطاع الخاص، ولا يمكن لأي فرد أن يكون ناخباً مستنيراً أو قارئاً متفهماً للجريدة اليومية دون معرفة بالاقتصاد، ومن يمكنه أن يخطط للمستقبل الذي سنحيا ونعمل فيه نحن وأطفالنا دون أن يكون على دراية بالقوى التي تشكل الحياة الاقتصادية؟!

إن قضايا السياسة الاقتصادية كالسياسة التجارية، والتضخم، والدور المناسب للحكومة، والقضاء على الفقر، ووسائل رفع معدل النمو الاقتصادي ناقشها الاقتصاديون لأكثر من قرنين، وكثير من السياسات الاقتصادية الحالية - الجيد منها والسيء - هي نتاج لأفكار أولئك العلماء الراحلين، ولن يتمكن من فهم الكثير من المناقشات الدائرة حالياً حول السياسة الاقتصادية إلا أولئك الذين لديهم على الأقل قدر من الدراية بأفكار الاقتصاديين السابقين.

كان عمالقة الاقتصاد خلال المائتي عام الماضية أناساً مهمومين بالقضايا السياسية المهمة في عصرهم؛ فدرسوا آلية عمل الاقتصاد ليصوغوا سياسات اقتصادية أفضل، لكن على الرغم من اهتمامهم بالسياسة فلم يكونوا من المجادلين أو السياسيين، بل كانوا أناساً سعوا لإقناع معاصريهم في الحكومة وفي أوساط العامة الأوسع بآرائهم من خلال التحليل والبرهان المستوفيين لمعايير النقاش المهني.

ومثل أي مجال علمي، يتقدم علم الاقتصاد من خلال كشف مواطن قصور الأفكار السابقة، ومع أن علم الاقتصاد لا تتوافر فيه فرص التجريب المتاحة للعلوم الطبيعية، فإن الاقتصاديين يمكنهم استخدام الملاحظة المنهجية وتحليل التجارب لرفض النظريات القديمة وصياغة نظريات جديدة.

ينظر الكثيرون - بمن فيهم الكثير من خبراء الاقتصاد – إلى الاقتصاد بالطريقة عينها التي ينظر بها أحد الأفراد الراغبين في شراء منزل إلى أحد نماذج المنازل المعروضة عليه.

إن العبارة التقليدية "الموقع، ثم الموقع، ثم الموقع" قد تصلح لشراء منزل بثلاث غرف نوم ، إلا أنها عديمة القيمة عندما نكون بصدد تحليل اقتصاد دولة.

تركز كتب الاقتصاد التقليدية بشدة على عامل الموارد الطبيعية، الذي يقول: إن الدولة التي تنعم بكميات كبيرة من المعادن والموارد الطبيعية تتميز عن غيرها، هل هذا صحيح حقاً؟!

إن وجود قدر كبير من الثروات في بلد ما قد يكون نعمة ونقمة، إن الأرض في أجزاء كثيرة من أفريقيا مليئة بالمعادن، لكن دولها تعاني التخلف الاقتصادي نظراً لسيطرة طبقة صغيرة على السلطة تمنع المجتمع من أن ينال نصيبه من رأس المال.

إن تاريخ الفكر الاقتصادي يعلمنا أن النجاح لا يحالف إلا الجوعى والمتواضعين والمرنين.

لقد أعطتنا التسعينيات الكثير من الفرص الجديدة لكي نختبر حكمة الاقتصاديين ونقيم أفكارهم، والآن يطرح القرن الحادي والعشرون تحدياته، وستكون أفكار الاقتصاديين القدامى معنا كي تقدم لنا المساعدة.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top