د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تم ميلاد المصارف الإسلامية مع ميلاد أول بنك إسلامي قطاع خاص في العام 1975م؛ وهو بنك دبي الإسلامي، ليشكل ذلك علامة فارقة في تاريخ المسلمين الاقتصادي المعاصر، وإثبات بصورة عملية خطأ شعار «لا اقتصاد بغير بنوك ولا بنوك بغير فوائد» الذي رفعه من تبنى استحالة وجود مصارف إسلامية.

حرص الآباء الأوائل المنظرون للبنوك الإسلامية على أن تكون بنوكاً تنموية اقتصادياً واجتماعياً؛ لذا كان جل تركيزهم على التمويل بالمشاركات، وتحت ضغط مخاطر المشاركات وفلسفة وعقلية جل القائمين على المصارف الإسلامية الذين أتوا إليها من بنوك تقليدية تم التوجه من المشاركات إلى المداينات من خلال استحواذ المرابحة للآمر بالشراء على غالبية صيغ التمويل بالمصارف الإسلامية، وقد كان التبرير لذلك بأن هذه فترة مؤقتة من خلالها يتم انتقاء العملاء المميزين في المرابحة للتعامل معهم بالمشاركة، ولكن حدث ما لم يكن متوقعاً؛ فقد اتجه العديد من المصارف الإسلامية إلى ما هو أشد وأنكى من خلال ترسيخ التعامل بالتورق المصرفي المنظم أو ما يطلق عليه تجميلاً «المرابحة السلعية»، وبعد أن كان هذا التعامل يتم حياء بات تبجحاً.

والتورق لغة مصدر تورق، والورق بكسر الراء: الدراهم المضروبة، وقيل: الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، والتورق في الاصطلاح الشرعي أن يشتري سلعة نسيئة، ثم يبيعها نقداً -لغير البائع- بأقل مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد، ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إلا عند فقهاء الحنابلة، أما غيرهم فقد تكلموا عنها في مسائل بيع العينة.

بين التورق الفردي والمنظم

والتورق بهذه الصورة يسمى بالتورق الفردي، وهو يمثل شراء سلعة بثمن آجل مساومة أو مرابحة ثم بيعها إلى غير من اشتريت إليه للحصول على النقد بثمن حال، وهو بخلاف العينة المحرمة من جمهور العلماء والمجامع الفقهية التي فيها يتم شراء سلعة بثمن آجل وبيعها إلى من اشتريت إليه بثمن حال أقل.

وجمهور العلماء على إباحة التورق الفردي سواء من سماه تورقاً وهم الحنابلة، أم من لم يسمه بهذا الاسم وهم من عدا الحنابلة؛ لعموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: 275)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم، لعامله على خيبر: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً» (رواه البخاري)، ولأنه لم يظهر فيه قصد الربا ولا صورته، وكرهه عمر بن عبدالعزيز، ومحمد بن الحسن الشيباني، وقال ابن الهمام: هو خلاف الأولى، واختار تحريمه ابن تيمية، وابن القيم؛ لأنه بيع المضطر، والمذهب عند الحنابلة إباحته.

وهذا بخلاف التورق المصرفي المنظم الذي يشتري فيه المستورق (العميل) سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية ونحوها بثمن مؤجل، ويتولى البائع (البنك المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ مع المستورق، بثمن حال أقل غالباً، وكذلك لو كان التورق عكسياً في حالة كون المستورق هو البنك والممول هو العميل.

وقد حرمت المجامع الفقهية هذا التورق المنظم باعتباره رباً، فالعينة واضحة جلية في المعاملة، والغرض من التورق المنظم واضح منذ البداية بتواطؤ أطراف المعاملة على بيع نقد بنقد بزيادة مع توسيط السلعة تحايلاً، وقد جاء بقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بذات الخصوص «لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي)؛ وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا»، كما قرر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي عدم جواز التورق المصرفي المنظم للأمور الآتية:

1- التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر أو ترتيب من يشترطها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة.

2- أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.

3- أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه التي هي صورية في معظم أحوالها، هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل.

تحايلات مردودة

ورغم الحجج الواضحة في حرمة التورق المصرفي المنظم، ما زلنا نجد من يتبجح بأن هذا التورق المصرفي المنظم بيع والأصل فيه الإباحة وأنه فتح مبين، وأنه رئة البنوك الإسلامية الذي تتنفس به، وهو في حقيقته فتح لكبيرة أعلن الله عليها الحرب، وتلويث ليس لرئة البنوك الإسلامية فحسب بل لروحها وجسدها وسمعتها، وهو بيع باطل واضح فيه ما يؤول إليه العقد في نهايته من بيع نقد بنقد بزيادة مع جرم المقصد والتحايل المذموم والأمور بمقاصدها.

بل إن بعضهم استدل بحديث تمر خيبر مبررين ذلك بأن «الشيء قد يكون محرماً لعدم اتفاق صورته مع صيغته الشرعية، فإذا استطعنا أن نخرجه إلى صيغة شرعية مقبولة أصبح مباحاً، والتورق صيغة بيع صحيح مشتمل على شروطه وأركانه ومنتفية عنه أسباب الفساد والبطلان، وغايته الحصول على السيولة النقدية ليتجنب الناس الوقوع في الربا، والحاجة تدعو إلى مثل هذه المعاملة، فليس كل من يحتاج إلى مال يجد من يقرضه».

وهذا انحراف في الفهم وبُعد عن البصيرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وسط النقد في بيع التمر وما في حكمه حتى لا يقع الناس في الربا وليخرجوا من الحرام إلى الحلال، وهؤلاء يوسطون السلعة ليقع الناس في الربا وينتقلون من الحلال للحرام، فشتان بين توسيط النقد كوسيط للتبادل ومقياس للقيم ومعيار للمدفوعات الآجلة وبين بيع النقد بزيادة من خلال توسيط سلع بالتحايل المذموم، كما أن التداول على تلك السلع لا يحقق أي قيمة مضافة، اللهم سوى ارتفاع أسعار السلع لا سيما أن القبض فيها وهمي والتعامل عليها مستمر.

ثم إن القول بأن التورق المصرفي المنظم بغرض توفير السيولة النقدية لتجنب الوقوع في الربا هو كلام يهدم نفسه، فالتورق المصرفي المنظم هو عين الربا، كما أن الغاية لا تبرر الوسيلة، فالوسيلة يجب أن تكون حلالاً كالغاية، ومهمة البنوك الإسلامية ليست توفير سيولة نقدية للناس لاستخدامهم الشخصي وفتح الشهوات الاستهلاكية دون معرفة الاستخدام الحقيقي للتمويل، كما أن القول بأن الحاجة تدعو إلى مثل هذه المعاملة قول متهافت، فهذه الحاجة لا صلة لها بالحاجة المعتبرة شرعاً، وليست الحاجة ثوباً فضفاضاً تحركها الأهواء وأصلاً لا استثناء.

كما استدل البعض لتبرير التورق المصرفي المنظم بأن المصارف الإسلامية يجب عليها عدم تفويت أي فرصة للزيادة في ربحها، وتوفير ظروف التمويل لعملائها من خلال التورق المصرفي المنظم في ظل المنافسة المحتدمة مع المصارف الربوية، التي تقدم لعملائها منتجات مصرفية متنوعة تفوق بكثير منتجات المصارف الإسلامية، كما أن التورق المنظم صيغة مهمة تستطيع الحكومات بواسطتها تمويل العجز التجاري والحصول على السيولة اللازمة.

وهذا تبرير متناقض، فمنافسة البنوك الإسلامية للبنوك التقليدية لا تكون إلا بالطيب الحلال، كما أن المصارف التقليدية لا تحمل من صيغ التمويل سوى ثلاث صيغ جميعها محرم؛ القرض بفائدة، والحساب الجاري المدين، وخصم الأوراق التجارية، أما التمويل المصرفي الإسلامي فيصل إلى أكثر من عشرين صيغة تمويلية ما بين المداينات والمشاركات، ولكن أبت تلك البنوك إلا أن تلبس ثوباً واحداً هو المرابحة والتفنن في تجميله بالتورق المصرفي المنظم.

كما أن القول بأن التورق المنظم يوفر السيولة للحكومات هو قول استسلامي ترقيعي، فالحكومات أولى من الناس بتطبيق الحلال والبعد عن الحرام، والله تعالى يزع بالسلطان ما لم يزع بالقرآن.

استغلال «كورونا»!

وقد عكست تطبيقات التورق المصرفي المنظم رغم حرمته إهمال الضوابط التي وضعها من أجاز ذلك المنتج المذموم، حتى وصل البعض باسم أزمة «كورونا» إلى استخدام التورق المصرفي المنظم لقلب الدين وسداد متأخرات عملاء التمويل بصورة لا تختلف مطلقاً في المآل عن فوائد التأخير في البنوك التقليدية.

إن التورق المصرفي المنظم ما هو إلا بيع العينة المحرم شرعاً، والذين ظلموا الإمامين الشافعي، وابن حزم وافتروا عليهما بالقول بأنهما أباحا بيع العينة مطلقاً جانبهم الصواب؛ فالشافعي، وابن حزم وإن كانا ربطا صحة المعاملة بسلامة إجراءاتها من الناحية الشكلية (الإرادة الظاهرة) دون الأخذ في الاعتبار نية الطرفين المتعاقدين أو أحدهما (الإرادة الباطنة)، فإنهما ربطا ذلك إذا لم يتم التعبير أو الإعلان عن هذه الإرادة، وبذلك لم يتركوا الحكم مستباحاً، بل ربطوه بحد واضح المعالم؛ وهو وجود ما يدل على النية الفاسدة من عدمه، فإذا كانت هناك قرائن أو دلائل على أن نية المتبايعين في العينة هي التحايل والوقوع في الربا، فإن الشافعي، وابن حزم يتفقان مع غيرهما من العلماء في تحريم العينة.

إن الذين يروجون لمنتجات تمويلية باسم الهندسة المالية الإسلامية وهيكلتها من خلال التورق المصرفي المنظم إنما يرسخون للهندسة المالية الشيطانية بفقه ترقيعي معوج، وأولى بهم الالتزام بما شرع الله دون تحايل على الحرام؛ فالتحايل على الحرام حرام، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التساهل في الاقتراب من المحرمات في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب» (رواه مسلم)، فكيف بمن يعرفون المحرمات ويغمسون الناس فيها باسم توفير السيولة؟!

وقد حذر القرآن الكريم من تتبع الخطوات التي تستدرج العبد نحو الهاوية، فقال تعالى: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 168)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (النور: 21).

إن الهندسة المالية الإسلامية تنظر بعين الاعتبار إلى المقاصد والأمور الكلية في الاقتصاد الإسلامي، من خلال النظر في بيان الحكم الشرعي إلى الجزئيات والكليات وإلى الفروع والمقاصد، ولا مكان فيها للحيل الشيطانية التي تقوم على المخادعة والتلبيس والتدليس وتتخذ كوسيلة للوصول إلى محرم أو تمويه الباطل أو إدخال الشبه فيه، وتهدم بذلك الأصول الشرعية وتناقض المصالح الشرعية، فالحيل تناقض سد الذريعة، وهي جرأة على استحلال محارم الله.

ومن يتأمل أحاديث اللعن يجد عامتها لمن استحل محارم الله، أو أسقط فرائضه بالحيل، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (رواه ابن ماجة)، وقال: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» (رواه البيهقي)، وقال: «لعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَهُ، وَكَاتِبَهُ» (رواه أحمد)، وقرن بين آكل الربا وموكله، والمحلل والمحلل له، وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس؛ (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63).

الأربعاء, 07 أكتوبر 2020 08:52

الفساد من منظور الاقتصاد الإسلامي

الفساد آفة العصر، وإذا كانت الأمم المتحدة اتخذت من التاسع من ديسمبر يوماً دولياً لمكافحة الفساد، وعرفت الفساد بأنه: «سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص»، فإن الإسلام ونظامه الاقتصادي حارب الفساد على مدار الوقت، وجعله آفة ومعرة ومهلكاً للأمم، فالفساد نقيض الإصلاح، ومن خلاله تضيع الحقوق وتُنتهك المصالح وتقتل الروح المعنوية تقتيلاً.

أشار القرآن الكريم إلى الفساد كسلوك شائن بغيض ومصيره مهلك مهين في العديد من آياته، منها قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة)، (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: 27)، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ {204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205} وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة).

وقد قال الله تعالى في حق فرعون: (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 4)، وفي حق قارون: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77)، وعن طغاة قوم ثمود ورؤوسهم: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (النمل: 48)، وعن قوم شعيب: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ {84} وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود)، وعن اليهود: (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة: 64).

وبيَّن عز وجل أن الفساد نتيجة طبيعية للطغيان والاستبداد، وهو يصل بصاحبه في نهاية المطاف إلى النهاية المحتومة من هلاك ودمار وعذاب؛ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ {6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ {7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ {8} وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ {9} وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ {10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ {11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ {12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ {13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر).

مضار الفساد: 

يمكن إبراز أهم مضار الفساد فيما يلي:

1- الفساد يمثل سرقة لثروات الأمة؛ فهو يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل وقدرة أكبر على الحصول على المسكن والطعام والمياه وغيرها من ضروريات الحياة.

2- الفساد يؤدي إلى إهدار سيادة القانون، والتشكيك في فعاليته وفي قيم الثقة والأمانة، إلى جانب تهديده للمصلحة العامة من خلال إسهامه في خلق نسق قيمي تعكسه مجموعة من العناصر الفاسدة أو ما يسمى «Public bads"؛ وهو ما يؤدي إلى ترسيخ مجموعة من السلوكيات السلبية في المجتمع؛ ومن ثم انتشار الجريمة وتهديد الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني، وسيادة الشعور بالاغتراب لدى المواطن العادي، وبأن القانون لا يطبق سوى على الفقراء ومن ثم انهيار منظومة القيم الأخلاقية.

3- الفساد يعوق عمليات التنمية ويضعف النمو الاقتصادي؛ حيث يؤثر على استقرار وملاءة مناخ الاستثمار، ويزيد من تكلفة المشروعات ويهدد نقل التقنية، ويضعف الأثر الإيجابي لحوافز الاستثمار بالنسبة للمشروعات المحلية والأجنبية؛ ومن ثم تطفيش رأس المال سواء أكان محلياً أم أجنبياً، ويؤثر على روح المبادرة والابتكار ويضعف الجهود لإقامة مشروعات استثمارية جديدة.

4- الفساد يؤثر على كل من العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية، ويحول دون التخصيص الأمثل للموارد، نظراً لارتباطه بإعادة توزيع أو تخصيص بعض السلع والخدمات، حيث يسهم الفساد في إعادة تخصيص الثروات لصالح الأكثر قوة، لا سيما في حالة زواج السلطة بالمال، وقد تعرض ابن خلدون لذلك في مقدمته بتناوله "الجاه المفيد للمال".

5- الفساد يعمل ضد الشورى والعدالة؛ لأنه يزيد من سلطة ونفوذ الأثرياء ويوجه قرارات نظام الحكم وفقاً لمصالح المفسدين، ويوسع الفجوة بين الطبقات، ويؤذي الشريحة الفقيرة من المجتمع ويزيدها فقراً، ويزيد من البطالة ونسبة المهمشين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

6- الفساد يؤدي إلى إضعاف جودة البنية الأساسية والخدمات العامة، ويدفع ذوي النفوس الضعيفة للسعي إلى الربح غير المشروع عن طريق الرشى والإيرادات الريعية بدلاً من المشاركة في الأنشطة الإنتاجية، ويحد من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات، ويفضي إلى معدلات ضريبية متزايدة تجبى من عدد متناقص من دافعي الضرائب، ويزيد من الأموال المحولة للخارج لغسلها؛ وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة العجز في ميزان مدفوعات الدولة ومن ثم عجزها عن توفير الخدمات العامة الأساسية.

7- الفساد يقوم بتغيير تركيبة عناصر الإنفاق الحكومي، إذ يبدد أصحاب الثروة والسلطة موارد عامة أكثر على البنود التي يسهل ابتزاز رشى كبيرة منها مع الاحتفاظ بسريتها، ويلاحظ أن الأجهزة الحكومية التي ينتشر فيها الفساد تنفق أقل على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وتتجه إلى الإنفاق بشكل أكبر على مجالات الاستثمار المفتوحة للرشوة وغسل الأموال. 

علاج الفساد:

علاج الفساد يتطلب إلى من يقف أمامه ويزيله من جذوره، فلا إصلاح مع فساد، فهما نقيضان لا يجتمعان، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أهمية مقاومة الفساد وعدم الركون إليه وعدم اليأس من الإصلاح، فقال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ {116} وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود)، وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم خير الأمم بشرط أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر؛ (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران: 110)، ومن أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قطع دابر الفساد وإعلان الحرب على المفسدين، من خلال ما يلي:

1- وجود شورى وعدالة حقيقية يشعر من خلالها المواطن بكرامته والقدرة على التغيير، ويشعر الجميع أنهم متساوون أمام القانون، وأنه لا يوجد شخص فوق القانون؛ «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يديها»، والتأكيد على استقلالية القضاء وفاعليته، والفصل بين السلطات، واحترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية، ومنح مؤسسات المجتمع المدني حريات الرأي والتعبير والاجتماع.

2- إرساء مبادئ النزاهة والشفافية والإفصاح والحوكمة في جميع العمليات الحكومية، وإرساء مبدأ المساءلة قيداً على سلوك القائمين على شؤون السلطة، وإصلاح الجهاز الإداري وتحقيق الكفاية المعنوية والمادية له، ببناء كادر حكومي يتقاضى أجوراً جيدة، مع الاعتماد في التعيين والترقي على الكفاءة لا الولاء، ووضع بنية تشريعية -كماً وكيفاً- لمكافحة الفساد وتفعيل تنفيذها.

3- تكاتف قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص والدولة في جهود مكافحة الفساد، وإتاحة الفرصة لوسائل الإعلام المسؤول والصوت الحر المسموع في مكافحة الفساد، مع بذل الجهود المكثفة لتحسين الاقتصاد ورفع مستويات المعيشة وتعزيز بيئة الأعمال التجارية.

4- تفعيل القيم الإيمانية والخلقية وإرشاد وتربية الأفراد على حرمة المال العام، فذلك أقرب الوسائل لمنع الفساد؛ لأن الوازع النفسي أقوى وأعم من الوازع الخارجي، وإن كان لا بد من الجمع بينهما.

5- ترسيخ مبدأ من أين لك هذا؟ وتطبيق العقوبة الشرعية الرادعة للقضاء على الفساد والمفسدين جزاء نكالاً لفسادهم وجشعهم في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: 33).

6- ترسيخ مفهوم الإدارة بالقدوة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيَّنها القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: 21)، وسار على نهجه خلفاؤه الراشدون من بعده حتى قال علي بن أبي طالب، لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قولته المشهورة: «عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا»، كما أن لنا عبرة حسنة في عمر بن عبدالعزير وحربه على الفساد، حتى إنه في نحو ثلاثين شهراً فاض بيت مال المسلمين بالأموال، وعجز أن يجد فقيراً محتاجاً.

السبت, 05 سبتمبر 2020 13:33

التغريب.. والاقتصاد الإسلامي

قضية التغريب من القضايا التي تفرض نفسها في الساحة الإسلامية، وتشهد لهيباً محموماً في هذه الأيام، خاصة في ظل دعاة العلمانية في عالمنا العربي الذين يتقبلون أي دين أو مذهب وضعي إلا دين الإسلام، ولم يقتصر التغريب على الجانب السياسي والاجتماعي، بل الجانب الاقتصادي أيضاً.

عرَّفت الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة التغريب بأنه «تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي؛ وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية».

فالتغريب لا هدف من ورائه سوى صبغ حياة المسلمين باللون الغربي بحلوه ومره، خيره وشره، والدعوة إليه والتغني به باسم التقدم والحداثة، ومنها الحياة الاقتصادية، مع أن الحداثة بمفهومها الصحيح لا غبار عليها إذا كانت لا تصطدم بالأحكام الشرعية، فـ»الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها»، وشتان ما بين التغريب والحداثة، فالأخيرة تعني الانتقال من حالة قديمة إلى حالة جديدة، تشمل وجود تغيير ما، وتيسر لنا الاستفادة من كل جديد نافع، بينما التغريب يبدل ثقافة شعوبنا ويقوم على نبذ القيم والثقافة الإسلامية، وإحلال القيم الغربية مكانها، فهو انسلاخ من حضارتنا وقيمنا، وتكريس للتبعية الغربية المادية فينا.

ولو تطرقنا إلى التغريب في الاقتصاد لوجدنا الرأسمالية المتوحشة هي سيدة الموقف بويلاتها وأزماتها وثقافتها التي جعلت الربا أمراً لا فكاك منه، والمقامرة من مشتقات مالية ونحوها دواء لا بد منه، والاستهلاك الترفي متاعاً لا بد من التمسك به، وحرية السلع دون الأفراد مسلكاً محموداً، وفرض الضرائب وإهمال الزكاة منهجاً، وحصر دولنا الإسلامية في الإنتاج الريعي والتقنية المتقادمة، وتحويل الدولة من راعية للاقتصاد إلى حارسة له، بل وتفريغ العديد من البنوك الإسلامية من منهجها بالتحايل المقيت ببيع العينة والتورق المصرفي المنظم.

ومن أشد أساليب التغريب في الاقتصاد أيضاً الركون إلى المنهج التجريبي وحده دون غيره، والاستسلام لمقولة العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، ولا مكان للدين والأخلاق سوى التحييد.

إن المعرفة تشمل كل ما يتجمع لدى الإنسان من المعلومات العامة أو الحقائق القائمة على التجربة أو الإدراك الحسي أو التأمل الفلسفي أو الجهد الفكري المنظم، والعلم هو المعرفة المنظمة التي تنشأ عن الملاحظة الحسية التي تعرضت للفحص والتدقيق والتحليل والتجريب بغرض تحديد طبيعة وأسس وأصول ما تم دراسته، ولا علم بدون منهج، ولا ممارسة للعلم بدون قاعدة علمية وضوابط منهجية، والمنهج هو الطريقة الواضحة التي ينتهجها العقل للتوصل إلى الكشف عن الحقيقة التي يريد الباحث الوصول إليها، مستعيناً في ذلك بمجموعة من القواعد العامة التي يخضع لها العقل في عملية البحث عن طريق بعض أدوات التحليل، ومنها: أدوات التحليل المنطقي التي تضم الطريقة الاستنباطية والطريقة الاستقرائية.. إلخ، وذلك بهدف التوصل -من خلال عملية التحليل- إلى أفكار ومقولات عامة.

والإسلام يؤمن بالمعرفة والعلم، ويثمن على منهج البحث في علم الاقتصاد الذي يرتبط بالسلوك الإنساني، وينصرف إلى طرق الدراسة والتحليل التي تستخدم من خلال الفكر المتتابع والمنتظم عن دراسة موضوع معين بهدف التوصل إلى قانون عام يحكم الموضوع محل الدراسة، ولكن السلوك الإنساني في الإسلام ليس سلوكاً عشوائياً ولا سلوكاً يحكمه التجريب فقط، بل يحكمه العقل والوحي المرشد لهذا العقل.

النظرية الاقتصادية

والاقتصاد الإسلامي كعلم ينشغل بالسلوك الاقتصادي للإنسان في إطار الأصول الشرعية والجوانب العقدية والأخلاقية، فهو يتضمن الأحكام التقريرية (الوضعية)، والتقديرية (المعيارية) معاً، فدراسة الجوانب الواقعية من السلوك الاقتصادي لا تقل أهمية عن دراسة الجوانب المعيارية فيه، والنظرية الاقتصادية الواقعية هي نظرية علمية يتحدد إطارها بملاحظة الواقع وتفسيره، مثل قانون الطلب الذي يعكس العلاقة العكسية بين الكمية المطلوبة والسعر، فهي تستند لمعايير واقعية.

والنظرية الاقتصادية المعيارية لا تعني انفصال النظرية الاقتصادية عن الواقع تماماً، حيث تصبح هذه المثالية مسألة خيالية خارجة عن نطاق اهتمام الاقتصاديين، إنما المقصود بالمفهوم المثالي هو ارتباط النظرية الاقتصادية بعض الأهداف المرغوبة التي يظن صاحب النظرية أنه ينبغي تحقيقها في الواقع، فقد تتضمن النظرية الاقتصادية فرض التوزيع العادل للدخل القومي في المجتمع، بينما أن التوزيع السائد في الواقع غير عادل، وفي مثل هذه الحالة لن يمكن اختبار النظرية الاقتصادية مثلما هي الحال في المفهوم الواقعي للنظرية، حيث يقتصر ذلك فقط على تحقق الهدف المثالي على أرض الواقع، حيث يمكن حينئذ اختبار النظرية وتنتفي منها الصفة المثالية وتصبح واقعية، ومعظم ما يتكلم عنه البعض في نظريات اقتصادية في إطار قيم أخلاقية معينة أو عقائد دينية يدخل في نطاق المفهوم المثالي، حيث لا تخلو النظرية من بعض فروض غير موجودة في الواقع، ومع ذلك يرى أنه ينبغي أو يجب تحقيقها.

إن المفهوم المثالي للنظرية الاقتصادية أو ما يطلق عليه الأحكام التقديرية يقوم على أحكام قيمية معيارية (أي شخصية) تخضع لقيم الإنسان ومعتقداته أو انتمائه الفكري والسياسي والاجتماعي، ويقصر البعض البحث العلمي على الأحكام التقريرية أو الوضعية دون الأحكام التقديرية أو المعيارية، باعتبار الأولى تختص بما هو كائن فعلاً، وأي اختلاف فيها يمكن حسمه باللجوء إلى الحقائق المشاهدة، بينما الثانية تختص بما ينبغي أن يكون، ومن ثم فهي تتضمن أحكاماً شخصية تعكس وجهات نظر الأفراد وميولهم ومعتقداتهم، ومن ثم تعذر حسم أي خلاف بشأن هذه الأحكام.

والواقع أن منهج البحث في العلوم الاجتماعية يختلف عنه في العلوم الطبيعية، والاقتصاد كعلم اجتماعي محوره الإنسان ككل في نطاق الإنتاج والاستهلاك والتوزيع إشباعاً لحاجاته، وهو مجال يختلف عن مجال بحث وأهداف العلوم الطبيعية، وإن كانت جميعها في النهاية تخدم الإنسان، ومن ثم فإن الدراسة العلمية لا تقتصر على مجال الأحكام التقريرية، وإنما تمتد إلى مجال الأحكام التقديرية كذلك.

وعلى ذلك، فإن علم الاقتصاد الإسلامي لا يقف عند دراسة الواقع فقط، بل يتجاوزه إلى دراسته كما ينبغي أن يكون، ثم تحديد الخطوات العلمية والعملية لتعديل الواقع القائم ليصبح هذا الواقع كما ينبغي أن يكون، بمعنى آخر؛ إن مهمته وهدفه هي مهمة وضعية ومعيارية معاً.

والباحثون في الاقتصاد الإسلامي مطالبون بالنظر في الكتاب والسُّنة وأقوال الفقهاء والعلماء في الكتب الشرعية وكتب الفكر الاقتصادي وكتب التاريخ ورؤيتهم للظاهرة الاقتصادية في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والنقود والتجارة الدولية.. إلخ، وكذلك دراسة الواقع من حيث وصفه وتفسيره.

النظرية الاقتصادية الوضعية والإسلامية

وقد عجزت النظريات الاقتصادية الوضعية التي يسعى أهل التغريب لجعلها منهجاً لنا عن حل المشكلات الاقتصادية المعاصرة، وركزت على الماديات وأهملت الروحانيات وحيدت الأخلاق، وسارت في ركب الحياد العلمي للنظرية الاقتصادية الذي تبنته المدرسة التقليدية الجديدة بمناداتها بتجريد الظاهرة الاقتصادية عن غيرها من الظواهر الاجتماعية والأخلاقية، بينما النظرية الاقتصادية الإسلامية تنبع من القيم الإسلامية، وتوازن بين المادة والروح، وهدفها بناء الإنسان الاقتصادي الصالح الذي استخلفه الله لعمارة الكون بحوافز مادية وإيمانية وأخلاقية، لا الإنسان الاقتصادي المادي الذي على أساسه تم إقرار تعظيم الربحية للمنتج وتعظيم المنفعة للمستهلك بحوافز مادية بحتة.

وبناء نظرية اقتصادية إسلامية ينبغي أن يكون في إطار الثوابت، بالاستفادة من دراسة النظريات الاقتصادية الغربية رغم ارتباطها بفلسفات وبيئات مختلفة، ولكن مع ذلك يمكن البناء عليها بما يلائم واقعنا، ودون اصطدام مع أحكام شريعتنا، سواء بمفهوم المخالفة إذا كنا مختلفين تماماً، أو بمفهوم المشابهة في بعض الأحيان إذا كان هناك تشابه، فنحن لا نبدأ من الصفر ولا نهدر القوانين الاقتصادية التي ثبت صحتها ولا تصطدم بشريعتنا، فالمعرفة تراكمية، والتعديل والتطوير للنظريات الاقتصادية المعاصرة لا غبار عليه، لا سيما وأننا نمتلك تراثاً فقهياً عظيماً يمكننا من الربط بين الأصالة والمعاصرة.

وإذا كانت النظرية الوضعية تتطلب اختبار فروضها الاحتمالية بالرجوع إلى الحقائق والمشاهدات التي تؤيد ذلك، فإن النظرية الاقتصادية الإسلامية لا تحتاج إلى مثل هذا الاختبار على أساس أن الثوابت مسلمات في الاقتصاد الإسلامي يوقن بها الباحث يقيناً لا شك فيه، فحينما يقول الله تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: 276) فهذا من المسلمات ولا مجال لاختباره حتى نثبت صحته.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إن النظرية الاقتصادية الإسلامية يمكن أن تحتوي الممارسات المادية بعد تهذيبها وفقاً للمبادئ الإسلامية، فالعقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة، بل العقل والوحي المرشد له، مع أهمية تفسير النتائج المتأتية منها بعناية، ويجب ألا تلتبس بشريعة الإسلام وعصمتها، فالباحثون متفاوتون في المقدرة على الفهم والاستنباط، بل ومتفاوتون في معرفة هذه الأصول الشرعية والإحاطة بها، فالنظرية الاقتصادية الإسلامية وإن استمدت مسلماتها وأطرها العامة من الوحي، فإنها ليست في نفسها وحياً منزلاً، وإنما هي بالضرورة مشتملة على اجتهادات وأفكار وتفسيرات بشرية ضمن مكوناتها الرئيسة، وفي كل ذلك قد يرد الخطأ، وهذا الخطأ لا يمكن أن يمس عصمة الشريعة، فهو مجهود بشري مستنبط من النصوص ويرجع على قائله ومفسره.

الأحد, 09 أغسطس 2020 09:59

التمويل الاجتماعي الإسلامي

2020-08-09_10h02_51.jpgذهب تقرير التمويل الاجتماعي الإسلامي للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة إلى أن التمويل الاجتماعي الإسلامي يضم الزكاة والأوقاف ومؤسسات التمويل الأصغر لخلق فرص عمل للفقراء، وذلك من خلال ثلاثة أنماط من المؤسسات التي تقدم التمويل الإسلامي الأصغر، وهي:

الأولى: مؤسسات تمويل أصغر تستخدم عقوداً تمويلية ربحية، وتسعى إلى تحقيق أرباح متواضعة لضمان استدامة التمويل.

الثانية: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند كذلك إلى عقود تمويلية ربحية.

الثالثة: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند إلى عقود تمويلية غير ربحية، مثل القرض والوكالة والكفالة.

خصائصه:

يتسم التمويل الاجتماعي الإسلامي بخصائص متعددة، من أهمها:

1- أنه تمويل ذات أبعاد اجتماعية، فهو جزء لا ينفصم من طبيعة التمويل ذاته، سواء أكان ربحياً أم غير ربحي.

2- أنه تمويل يتفق وأحكام مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا يعرف للربا والنشاط المحرم سبيلاً، ولا للحيل المذمومة في المعاملات المالية طريقاً.

3- أنه تمويل يهدف إلى التمكين الاقتصادي وتنمية المجتمع وعمارة الكون، فهو منهج عملي لمفهوم الاستخلاف في المال، وما يتطلبه من مسؤولية استخلافية.

4- أنه تمويل متنوع ومتعدد الأساليب التمويلية، حيث ينقسم إلى:

أ- التمويل الاجتماعي الخيري (غير الربحي): وهو قائم على التبرعات والبر والإحسان؛ كالقرض الحسن والصدقات التطوعية والزكاة والوقف.

ب- التمويل الاجتماعي الربحي: وهو قائم على الربحية المتواضعة التي تراعي الجوانب الاجتماعية، وتسعى في الوقت نفسه لضمان استدامة التمويل، وينقسم بدوره إلى:

- التمويل الاجتماعي بالمعاوضة: وهو قائم على المعاوضات كالبيع الآجل وبيع السلم وبيع الاستصناع والتأجير سواء أكان منتهياً بالتمليك أم خدمات، فضلاً عن الوكالة بالاستثمار.

- التمويل الاجتماعي بالمشاركة: وهو قائم على المشاركات كالمشاركة المؤقتة، والمشاركة المتناقصة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والمغارسة.

5- أنه تمويل يقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يعني أن المشروعات عند دراستها تخضع للأولويات الإسلامية من ضروريات وحاجيات وتحسينات؛ مما يحقق تخصيصاً أمثل للموارد، وتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

6- أنه تمويل يعمل على بناء الإنسان من خلال قدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم بناء رجال وسيدات أعمال في المجتمع، والانتقال بالمحتاجين من كونهم اليد السفلى لتكون يدهم عليا، تعطي ولا تأخذ.

أهميته:

تبدو أهمية التمويل الاجتماعي الإسلامي من خلال كونه عبادة يتقرب بها الممول إلى الله عز وجل إذا أخلص له النية فيها بتلبية الحاجات المشروعة للخلق وإعمار الكون، كما أنه قد يكون فرض عين من خلال التمويل التمليكي بالزكاة، أو فرض كفاية من النوعية الأخرى من التمويلات، توفيراً للاحتياجات التمويلية للعباد، لإعانتهم على طاعة الله، وتمكينهم اقتصادياً، ومن ثم تقوية بنيان الدولة الاقتصادي، وإعانتها على تحقيق دورها في سياسة الدنيا وحراسة الدين.

والتمويل الاجتماعي الإسلامي وسيلة من وسائل تحقيق مقاصد الشريعة، باعتبار حفظ المال من المقاصد الشرعية الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) التي ترجع إليها تصرفات العباد، فضلاً عن كون التمويل الاجتماعي الإسلامي يمتد لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل كذلك، بقدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم التمكين الاجتماعي، كما أن التمويل الاجتماعي الربحي إحدى الوسائل المشروعة للكسب، فرغم أن ربحيته متواضعة لاستدامة التمويل، فإن فيه دوراناً للمال وتقليبه، وتسخيراً للموارد الاقتصادية البشرية والمادية، ومن ثم إشاعة الخير والنماء في المجتمع.

يشير تقرير التنمية العربية إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية ما زالت تشكو من صعوبة التمويل المناسب، بالرغم من تعدد الجهات التي تقدم التمويل لهذه المشروعات سواء أكانت داخلية؛ مثل المؤسسات المصرفية، وجمعيات القروض الصغرى، وشركات التأجير التمويلي، وشركات الاستثمار، بالإضافة إلى آليات التمويل من خلال الأسواق التي تستهدف تلك المشروعات في بعض الدول العربية، أم كانت جهات خارجية؛ مثل الحساب الخاص الذي يديره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وتمويل البنك الإسلامي للتنمية، وتمويل المنظمات الدولية.

ومما يؤسف له أن هذا التخبط التمويلي في الدول العربية لم يحقق الحماية لأبنائها من الفقر والبطالة؛ حيث يشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد إلى أن نسب الفقر في الدول العربية وفق خطوط الفقر الوطنية تتراوح بين 4.8% في المغرب، و48.6% في اليمن، كما يشير البنك الدولي إلى أن نسبة البطالة في الدول العربية بلغت نحو 10%، وهو ما يمثل نحو ضعفي معدل البطالة في العالم.

إنه رغم ما تعانيه المجتمعات العربية من فقر وبطالة، فإن التمويل في الجانب الاجتماعي في تلك المجتمعات ما زال متواضعاً، وهذا الأمر يطرح إشكالية تتعلق بالتمويل الاجتماعي الإسلامي ومدى قدرته على المساهمة في التمكين الاقتصادي من خلال تمويل المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة، وقد تعددت تعريفات تلك النوعية من المشروعات وفق رؤية المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بها، «حيث عرفت منظمتا العمل الدولية والعربية المشروعات الصغرى أو متناهية الصغر بأنها المشروعات التي يعمل بها من 1 - 4 عمال، والمشروع الصغير الذي يعمل به من 5 - 19 عاملاً».

ولعل التوجه نحو الشمول المالي الذي تتبناه المؤسسات الدولية والمحلية يفتح المجال بصورة فعالة للاهتمام بالتمكين الاقتصادي؛ حيث إن الشمول المالي يعني: «إمكانية وصول الأفراد، بمن فيهم أصحاب الدخل المنخفض، والشركات، إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرسمية ذات جودة عالية (مدفوعات، تحويلات، ادخار، اقتراض، تأمين.. إلخ)، يتم توفيرها بطريقة مسؤولة ومستدامة من قبل مجموعة متنوعة من مقدمي الخدمات المالية في بيئة قانونية وتنظيمية مناسبة وبكلفة معقولة». 

وفي ظل الحاجة الماسة إلى اتباع أساليب مبتكرة لتحفيز النمو الاقتصادي، يمكن للشمول المالي القيام بدور بالغ الأهمية في خلق فرص عمل والحد من الفقر وتحقيق التنمية بالمفهوم الشامل والمستدام؛ فالأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين تتوافر لديهم فرص الوصول إلى مصادر التمويل الرسمية والحصول على التمويل، يكونون قادرين على إنشاء أنشطة مدرة للدخل ومشروعات جديدة والتوسع في المشروعات القائمة.

وتشير نتائج قاعدة بيانات الشمول المالي، على مستوى الدول العربية، إلى أن متوسط نسبة الذين يمتلكون حساباً في مؤسسة مالية قد ارتفع من 22% عام 2011 إلى 37% عام 2017م، وذلك مقارنة بارتفاع المتوسط العالمي الذي ارتفع من 51% عام 2011 إلى 69% عام 2017م؛ وهذا يعني انخفاض مستوى الشمول المالي في الدول العربية مقارنة بالمتوسط العالمي.

ومن هنا، جاء الشمول المالي على رأس أولويات صناع القرار على مستوى العالم كأولوية اقتصادية وإنمائية؛ نظراً لدوره الكبير في دعم النمو الاقتصادي، وتقليل التفاوت في توزيع الدخل، وتوفير فرص العمل، وزيادة مستويات الرفاه الاقتصادي.

إضافة لما سبق، يساعد الشمول المالي على تحقيق تسعة من الأهداف السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة بحلول عام 2030م، التي على رأسها خفض الفقر، ومكافحة الجوع، وخلق المزيد من فرص العمل.

إن التكامل بين التمويل الاجتماعي الإسلامي والشمول المالي لتحقيق التنمية المستدامة من أبرز ما يميز الاقتصاد الإسلامي الذي يحقق التوازن التنموي الأفقي للجيل القائم، والتوازن التنموي الرأسي بين الجيل الحالي والأجيال اللاحقة قبل أن تعرف الأمم المتحدة مصطلح التنمية المستدامة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: 10).

والتمويل الاجتماعي الإسلامي من أهم الوسائل الفعالة للمساهمة في تحقيق التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، بما يملكه من تنوع في أساليبه، سواء أكان تمويلاً خيرياً أم ذات ربحية، وقد آن الأوان للدول الإسلامية (ومؤسسات العمل الخيري) التركيز على التمويل الاجتماعي الإسلامي بعيداً عن سعر الفائدة المقيت؛ للانتقال بالمحتاجين من الفقر والبطالة إلى الكفاية، ومن أخذ الزكاة إلى إخراجها، ومن الاعتماد على الغير في احتياجاتنا إلى الاعتماد على أنفسنا بتمويل اجتماعي يراعي حاجات المجتمع وأولوياته، ويوفر سلعاً وخدمات تحل محل الواردات، وتعزز الصادرات، وتحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد والعباد.

الصفحة 1 من 10
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top