د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يصادف تاريخ اليوم الذكرى السابعة والثمانين لرحيل شيخ المجاهدين عمر المختار، ففي مثل هذا اليوم في 16 سبتمبر 1931م، أعدم المحتل الإيطالي فارساً عربياً ومجاهداً عظيماً، كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال قدوة ومثلاً ، وخسرت الأمة العربية والإسلامية رمزاً كبيراً في تاريخها النضالي والبطولي، حيث انضم إلى صفوة التاريخ الإسلامي اسماً جديداً ضمن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فهو بنيان أسس على التقوى أصله ثابت وفرعه في السماء ، وشجرة طيبة تؤتي أكلها في كل حين، عاش مباركاً في حياته ومباركاً في مماته.

إنه المجاهد العربي الليبي المسلم عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي، ولد في 20/آب عام 1858م، في منطقة الجبل الأخضر في برقة، في قرية تسمى جنزور، واشتهر في العالم باسم عمر المختار، وقد لقب بالعديد من الألقاب منها (أسد الصحراء) و(شيخ المجاهدين) و(شيخ الشهداء)، ويعتبر عمر المختار قائد السنوسية في ليبيا، عاش حياته من أجل الجهاد ومحاربة الغزاة، أملاً في تحرير أراضي بلاده من الطامعين، واستطاع أن ينحت اسمه في التاريخ حتى أنه يعد من أشهر المقاومين العرب والمسلمين، حيث قاد الجهاد ضد الغزو الإيطالي لليبيا، وقام بقيادة المئات من المعارك ضد الإيطاليين.

تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور ثم سافر إلى الجغبوب، ومكث بها 8 أعوام للدراسة وتحصيل العلم على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية، في مقدمتهم الإمام المهدي السنوسي، قطب الحركة السنوسية، ودرس اللغة العربية، وعلوم الشريعة والحديث، وحفظ القرآن الكريم.

ظهر نبوغه وتميزه مما استدعي اهتمام ورعاية أستاذه (السنوسي)، ثم انخرط المختار في صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية، واستقر لفترة في (قرو) مناضلاً ومقاتلاً، ثم عين شيخًا لزاوية (عين كلك)، ليقضي فترة من حياته معلمًا.

وبعد وفاة الشيخ المهدي السنوسي في 1902، تم استدعاؤه وعين شيخًا لزاوية (القصور)، وعاش حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها، وعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911، وقصفت البارجات الحربية مدن الساحل الليبي، وكان عمر المختار مقيمًا في (جالو) بعد عودته من مدينة (الكفرة)، وبعد علمه بالغزو الإيطالي سارع إلى المجاهدين ونظم صفوفهم، حتي وصل أحمد الشريف السنوسي، المجاهد الليبي، من الكفرة.

وشهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، كانت معارك كر وفر تركز معظمها على مدينة درنة (شمال شرق)، منها معركة (يوم الجمعة) 16 مايو/ أيار 1913، دامت يومين، وانتهت بمقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400 آخرين ، ومعركة (بو شمال) في منطقة عين مارة وفي فبراير عام 1914 معارك (أم شخنب) و (شلظيمة) و(الزويتينة) كان خلالها المختار يتنقل بين جبهات القتال و يقود المعارك، مما اكسبه احترام الجميع بمن فيهم أعدائه.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، وبعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في أكتوبر 1922 وبعد انتصار جبهة إيطاليا، اشتدت الضغوط على إدريس السنوسي، الذي عقد صلحاً مع إيطاليا، وقد غضب عمر المختار وباقي شيوخ القبائل وقادة الحركة عند علمهم بذلك، فقدَّموا إليه وثيقة يبايعونه فيها زعيماً لهم، شريطة أن يكون ذلك للجهاد ضد الطليان فقط. ولم يكن لدى إدريس خيار سوى قبول البيعة، إلا أنَّه شد الرحال إلى مصر مدعياً المرض والحاجة للعلاج، وقد تبيَّن فيما بعد عند زيارة عمر المختار له هناك أنه كان بصحَّة جيدة. لكن بعد رحيل إدريس ومع اندلاع الحرب مجدداً في المنطقة أصبحت مسؤولية القيادة كلّها ملقاةً على عاتق عمر المختار، فأصبح هو زعيم الحركة الجهادية في منطقة الجبل الأخضر، وبات يجمع المال والسلاح ويحرّض القبائل ويترأس الهجمات ضد الطليان في برقة.

استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية وحققوا انتصارات رائعة من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ 28 مارس 1927م، ومعركة أم الشافتير (عقيرة الدم) وقد تكبّد فيها الطليان خسائر جسيمة. وواصل المختار كفاحه ضد المستعمرين الإيطاليين وكبدهم خسائر فادحة في أكثر من ألف معركة خاضها ضدهم في عشرين عاماً، ويذكر أن الإيطاليين فاوضوا عمر المختار وحاولوا إغراءه في مرات عديدة لكنهم فشلوا، فقد كان يقابلهم بجملة واحد هي: "ارحلوا من ليبيا كلها".

وفي النهاية تمكنت القوات الإيطالية من إلقاء القبض عليه، بعد أن وقع في أسرهم ، وذلك في إحدى المعارك في الحادي عشر من أيلول من عام 1931م، وذلك بعد يومين من القتال العنيف.

وانعقدت محكمة صورية في يوم 15 سبتمبر، وقضت بالحكم على شيخ المجاهدين بالإعدام شنقاً، وأُحضر المختار مكبلاً في اليوم التالي 16 سبتمبر في تمام الساعة التاسعة صباحاً، وسار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وأعدم أمام الآلاف من الليبيين بمركز سلوق (جنوب بنغازي) في عام 1931م.

أصبح المختار عند العرب عمومًا والمسلمين خصوصًا مثالاً للقائد الصالح صاحب العقيدة السليمة السويَّة ، وشهيدًا بطلًا بذل نفسه وماله للدفاع عن دينه وبلده ضدّ المحتل الغاصب، فكانت وفاته وقوداً جديداً للثورة التي انتهت بانسحاب الإيطاليين من البلاد عام 1943، وكانت كلماته من أبرز العبارات التي جالت على لسان المقاومين العرب في ثوراتهم الأخيرة ، كالكلمة الأخيرة التي قالها للضابط الإيطالي "الجنرال رودولفو جراتسياني" الذي حقق معه: "نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت.. وهذه ليست النهاية.. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه.. أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".

إنه عمر المختار البطل الذي لم ييأس أو يستسلم، ولم تغره أموال الدنيا آثر أن يبقى الرمز والأصالة، ظل في كبريائه حتى حين عضت السلاسل قدميه ويديه، حيث قال: "إن الظلم يجعل من المظلوم بطلاً، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء"." كن عزيزاً وإياك أن تنحني مهما كان الأمر ضرورياً، فربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرةً أخرى".

وحين أعدمه المستعمر الإيطالي ألهب خيال المبدعين وأضرم نار المقاومة في قلوب الملايين, إنه اللواء الذي يستنهض الوادي صباح مساء في رائعة الشاعر أحمد شوقي، وهو السيف العربي الذي استلّ من غمده ونافح حتى آخر قطرة من دمه, إن بطولة عمر المختار ستبقى أسطورة حقيقية حيّة نابضة في قرائح الشعراء, ومصدر وحي وإلهام في عيون المبدعين ومدرسة كفاح وطريق هداية للأجيال الحرة ، ولن ننسى مقولته الخالدة : "إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".

 

المراجع

- خليفة محمد التليسي، معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911-1931م. الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1983م.

- عصام عبد الفتاح، عمر المختار ورجاله "سيد شهداء القرن العشرين"، دار كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، الشيخ الجليل عمر المختار: نشأته، وأعماله، واستشهاده. المكتبة العصرية، صيدا-لبنان.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، أعلام التصوف السنّي : سيرة المجاهد عمر المختار، إسطنبول، تركيا، دار الروضة، 2017م.

- هاشم يحيى الملاح، "جهاد عمر المختار وتضحيات الجماهير". مجلة البحوث التاريخية، العدد (2)، يوليو 1988م.

 

- المصالحة يجب أن تكون بلسماً لمعالجة الجروح وإزالة الألغام الاجتماعية التي زرعها النظام السابق 

 - البعدان القبلي والجهوي تستثار فيهما النعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل 

 - لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة

 

يتبادر إلى بعض الأذهان أن مشروع المصالحة الوطنية التي نريد هو معالجة لما حدث أثناء ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا، متناسين أن هذه الثورة وما حدث فيها نتاج منطقي للظلم والفساد والاستبداد الذي عشش طوال الأربعة عقود الماضية، ولم يكن وليد اللحظة، ولا يمكن اختزاله في حادث معين أو قضية بعينها.
لقد شوه النظام السابق جهاد الأبطال الذين صنعوا الاستقلال، وشوه نضالاً وحراكاً ثقافياً واجتماعياً كان من أسس هذا الاستقلال، وشوه النظام نخبة ثقافية، وأودعها السجون حقبة السبعينيات، واستولى على أموال الموسرين بحجة تصفية البرجوازية، وصادر الممتلكات الخاصة وحارب الناس في قوت أولادهم، وانبرى يُطلق الأوصاف المقيتة لكل معارضيه، وأدخل البلد في حروب لا طائل من ورائها، ذهب جراءها آلاف الضحايا من أبناء هذا الشعب، وجنى الوطن من ورائها فقداً لعدد كبير من أبنائه بالإضافة إلى قائمة طويلة من اليتامى والمتضررين.
كما أعدم معارضيه على رؤوس الأشهاد، وزج بالآلاف من أبناء الشعب في السجون والمعتقلات ليواجهوا أقذر أساليب الكبت والتعذيب، وشرد آلاف الأسر من ورائهم في الداخل بقانون العقوبات الجماعية الذي هدم بموجبه حتى البيوت، أما من تمكنوا من الهجرة القسرية، فقد قام بملاحقتهم قتلاً وتهديداً ورصداً وتشويهاً، وحارب الناس في قوتهم وسهل سبل الفساد حتى صار الشعار «رزق حكومة»، «واخنب واهرب» و»اللي ما تأخذه، يأخذه غيرك».
ولم تكن هذه الانتهاكات تنفذ من رأس النظام مباشرة، بل استخدم فيها أذرعاً من أبناء الشعب، معتمداً في التغرير على تجاذبات قبلية وجهوية، وأطماع شخصية استجاب لها السذج وضعاف النفوس، ومعتمداً على الضيق في فرص العمل والكسب الذي نتج عن سياساته المتقلبة ونظرياته المزعومة، حتى ألجأ قطاعاً عريضاً من الموظفين والعاطلين والشباب بل وحتى من المتقاعدين والنساء المطلقات إلى العمل ضمن جهاز الأمن الداخلي في كتابة التقارير والوشاية بالمواطنين من أجل لقمة العيش، ليحصد الوطن جراء ذلك جرحاً غائراً بأياديه! فمن وقع عليهم الانتهاك هم من أبنائه، ومن مارس هذا الانتهاك من أبنائه أيضاً، وقد يتذبذب البعض بين الصنفين حيناً من الزمن.

المصالحة الوطنية
إن الانتهاك لدى البعض لم ينته بمجرد موت رأس النظام وهروب أعوانه المقربين وكتائبه، بل كل من مارس الانتهاك بطريق مباشر أو غير مباشر، لا بد أن يقع في دائرة استرداد الحقوق، وليس المقام لمناقشة هذه الرؤية ومدى أحقية هذا الرأي، ولكن يجب التأكيد على أن مشروع المصالحة الوطنية لا بد أن يكون البلسم الذي نعالج به -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- هذه الجروح، ونزيل به الألغام الاجتماعية التي خلفها نظام الظلم والفساد والاستبداد بين أبناء المجتمع الواحد.
إن مشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحو إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى، أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد آخر أو أفراد آخرين.
إننا يجب أن نجرد القضايا من البعد القبلي والجهوي؛ لأنهما بعدان تستثار فيهما الحميات والنعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل والمنطق والإنصاف، يجب أن ينحو مشروع المصالحة إلى تحديد المسؤولية الفردية فيما وقع ويقفل الطريق على كل ما من شأنه أن يخرق النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي.
ما حدث خلال العقود الأربعة الماضية يفوق الوصف، وبعض الجرائم لا يتخيلها العقل السوي وتأباها النفوس المتزنة؛ فما ذنب أطفال صغار يتم حرمانهم من حقوقهم المدنية حتى من لقمة العيش لجرم اقترفه أبوهم أو أحد أفراد أسرتهم، هذا إذا سلمنا بالجرم؟! ما ذنب أسرة يهدم عليها بيتها وتشرد في الشارع بلا مأوى ولا حتى سقف يظلهم لمخالفة اقترفها أحد أبنائهم، هذا إذا سلمنا بالمخالفة؟! كيف يستسيغ المنطق أن يمثل بجثث المعارضين وتنبش قبورهم؟!
ولكن على بشاعة ما حدث وفظاعته، فإن سفينة الأمان في المجتمع يجب ألا تخرق بأيادي العابثين، والمصالحة الوطنية يجب ألا تخول أحداً -كائناً من كان- أن يسترد حقه أو مظلمته بشكل فردي، مهما كان حجم الظلم الذي وقع عليه، بل لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر وترد الحقوق، حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة التي يأخذ فيها كلٌ حقه بيده.
بل إن مشروع المصالحة يجب أن يذهب أبعد من ذلك، بأن يعتبر كل فعل يمارس بذريعة استرداد الحقوق خارج الأطر القانونية، جريمة يعاقب صاحبها مهما كان بشاعة الظلم والانتهاك الذي وقع عليه، وهذا ليس استخفافاً بالانتهاكات ولا تهميشاً للمظلومين، بل حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع أدغال، ولأن ظاهرة استرداد الحقوق بشكل فردي ودون أطر قانونية، إذا فتح بابها، فإن المئات ستسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأعراض والممتلكات بحجة استرداد الحقوق، وحينها يُفقد الأمن الذي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ونقع في عين ما كان يعاب على النظام البائد.

 

(*) كاتب ومؤرخ إسلامي ليبي

الأربعاء, 01 أغسطس 2018 13:12

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع،: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته.

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لابدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل: 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59).

2- الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82). أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى:" مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

 

كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في النظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه "أركان وضمانات الحكم الإسلامي"، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه "نظرية الدولة في الإسلام" وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إلهي. وتقرير المبادئ الدستورية الإلهية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء. وقد جاء في خطبة الصّدِّيق حينما وُلّي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة. فقد نص برنامج أبو بكر الصّدِيق رضي الله عنه على النقاط الآتية:
أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا يشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. فنص الخطاب التاريخي يتضمن أهم شروط قيام الدولة الصالحة التي يلتزم بها إمام المسلمين. وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها:
1. أول حاكم بعد الرسول: إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لا يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطئ ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة.
2. التواضع الكبير: إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمّت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه3.
3. البيان الوزاري للسلطة: إن قول أبي بكر رضي الله عنه: «وُلّيت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معرّض للخطأ والمحاسبة وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يدّعون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية.
4. حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. وبالتالي فإن أبو بكر الصّدِّيق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الصّدِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ، ومن صفته باعتباره رسولاً يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُستمدَّين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم.
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إرادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم7. ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصّدِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات. ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الصّدِّيق الرشيدة في إدارة الحكم.
5. الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم: قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الصّدِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق. إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها.
6. إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك: قال أبو بكر رضي الله عنه: "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل". لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم صلى الله عليه وسلم، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهوى، والشر والخير، وأن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصّدِّيق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته. ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7. العدل والمساواة بين الناس في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله». فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء. كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر.
وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال.
8. إعلان الحرب على الفواحش: قال أبو بكر رضي الله عنه: ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، والصّدِّيق هنا يذكر الأمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا». إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها.

...............................................................................
المراجع:
1. أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص 127.
2. أبو بكر رجل الدولة، ص 73.
3. الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص 150.
4. الأحكام السلطانية للماوردي، ص 201.
5. البداية والنهاية، 6/ 305 ـ 306، إسناده الصحيح.
6. تفسير الرازي، 10/ 141.
7. صحيح الألباني، في ابن ماجه، رقم: 4019.
8. فقه التمكين في القرآن الكريم، ص 455.
9. فقه الشورى والاستشارة، ص 441.
10. نظرية الدولة في الإسلام، ص. ص 176 ـ 187.

إن تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية فريضة شرعية وضرورة دينية، والثورات التي تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية ستحقق أهدافها وتصل إلى مبتغاها، أما الثورات التي تفشل فإنها ستعجز عن الوصول إلى أهدافها.

والمصالحة الوطنية التي ندعو إليها مستمدة من كتاب الله جل جلاله، والسُّنة النبوية، والتجربة التاريخية الإسلامية والإنسانية، فهي من أولويات العمل الوطني، وهي مسؤولية كافة أبناء الشعب، وأساسها العدل والإنصاف القائم على إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم، وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الإحساس بالمواطنة تحقيقًا للسلم والأمن الأهليين.

إن المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي بعد نجاح ثورته الوطنية، ضرورة دينية، وإنسانية، وحضارية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، وعقلانية، لا يستغنى عنها ليبي ولا ليبية من أجل تأكيد التلاحم بين أبناء الشعب، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية، وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة. ولمعالجة الآثار التي تركها النظام الدكتاتوري الاستبدادي، وظروف حرب التحرير من الظلم والجور والانتقام، فيجب على أبناء هذا الشعب شيبًا وشبابًا رجالًا ونساء السعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للوصول إلى الأهداف والمقاصد السامية والقيم الإنسانية الرفيعة التي خرجت من أجلها الشعوب.

يريد الشعب الليبي اليوم بعد ثورته بسبع سنوات الخروج من نفق الظلم ويلملم جراحه، ويبني مستقبله ويعمر بلاده "داراً داراً، شارعاً شارعاً، زنقة زنقة، مدينة مدينة، قرية قرية"، ويريد أن يحافظ على الحريات العامة وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات، والقيم والعادات والتقاليد الليبية الأصيلة.

ويتطلع إلى تحقيق طموحاته في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع وتنافسي كفيل بأن يلبي احتياجات المواطن الليبي الآنية، والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات، وأن يرى مؤسسة قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع الليبي بكافة مؤسساته وأفراده؛ وضمانة جوهرية لاستقراره وحفظ حقوق أفراده، وهذا لا يمكن بدون عدالة ومصالحة وطنية لتجاوز مرحلة الحرب والآثار التي تركتها.

فالله عز وجل قال في محكم كتابه: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}) (الحجرات)، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

وقد كان للملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا (من أجل المصالحة الوطنية) في الزاوية جهود مشكورة وبيان ختامي جميل أصدر فيه المجتمعون من العلماء والحكماء مجموعة من التوصيات، من أهمها:

التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية.

التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.

ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم.

إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية، ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الأهليين، وذلك بالإسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيها وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لإدماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله.

العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الإعلام بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية.

إعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية، والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب.

عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي، كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة.

وهذه الخلاصات والتوصيات مهمة، وتحتاج لتحقيقها ثقافة واسعة في مفهوم العدالة والمصالحة، وتسعفنا التجربة النبوية في فتح مكة، عندما تمكن من أعداء الدعوة الإسلامية الذين اعترضوا على الوحدانية، وكذبوا باليوم الآخر، واعترضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته، واعتبروا القرآن الكريم ضرباً من الشعر.

 

المراجع:

1- علي الصلابي، العدالة والمصالحة الوطنية: ضرورة دينية ودنيوية، إستانبول، دار الروضة.

2- آمال نصير، التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص 123.

3- أحمد شوقي، دليل حول العدالة الانتقالية، ص 45 – 50.

في حديثنا عن مكانة القضاء والقدر وثمراته وآثاره في حياة الإنسان المؤمن، وفي عقله ونفسه ووجدانه وإدراكه، وفي حياته بصفة عامة نجد أن أهم ثمار الإيمان بالقدر وآثاره تتمثل بــ:

8- المؤمن لا يعيش قلقًا بين "لو" و"ليت":

إن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر وخوفه من المستقبل. وإن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل شهوراً وأعواماً آلامها، ويستعيد ذكرياتها القائمة، متحسرًا تارة، متمنيًا أخرى، شعاره: ليتني فعلت،، وليتني تركت، وأني فعلت كذا لكان كذا. ولذا ينصح الأطباء والمرشدون الاجتماعيون، ورجال التربية، ورجال العمل، أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولَّى لا يعود.

قد صور هذا المعنى أحد المحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تصويراً بديعاً لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة.. أصابعهم، فعاد يسألهم: وكم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه، وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة فعلاً. وكذلك الحال مع الماضي: فعندما ينتابكم القلق لأمور حدثت في الماضي، فاعلموا أنكم تمارسون نشر النشارة!

نقل هذا التصوير ديل كارينجي في كتابه "دع القلق وأبدأ الحياة"، كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاً تماماً، كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو: أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو يصيبك بقرحة في المعدة.

9- الخوف والحذر من الله:

فالمؤمن بالقدر على حذر من الله، قال تعالى: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ {99}) (الأعراف)، وقلوب العباد دائمة التقلب والتغير، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، والمؤمن يحذر دائماً أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة والإكثار من الصالحات ومجانبة المعاصي والموبقات، كما يبقى قلب العبد معلقاً بخالقه، يدعوه ويرجوه ويستعينه ويسأله الثبات على الحق، كما يسأله الرشد والسداد.

10- الخلاص من الشرك:

لا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شيء في الكون، وأن إرادته ماضية في خلقه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل المعذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، والإيمان بالقدر مفرق طريق بين التوحيد والشرك، فالمؤمن بالقدر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد ومعبود واحد، ومن لم يؤمن هذا الإيمان فإنه يجعل من دون الله آلهة وأربابًا.

11- الاستقامة:

إن الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببًا في استقامة المسلم وخاصة في معاملته للآخرين، فحين يقصر في حقه أحد أو يسئ إليه، أو يرد إحسانه بالإساءة أو ينال من عرضه بغير حق، تجده يعفو ويصفح، لأنه يعلم أن ذلك مقدر، وهذا إنما يحسن إذا كان في حق نفسه، أما في حق الله فلا يجوز العفو ولا التعلل بالقدر، لأن القدر إنما يحتج به في المصائب لا في المعايب.

والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء لا تبطره النعمة، ولا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله، لا بذكائه وحسن تدبيره؛ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) (النحل: 53)، ولا يكون حاله حال قارون الذي بغى على قومه واستطال عليهم بما أعطاه الله من كنوز وأموال.

12- القضاء على الأمراض التي تعصف بالمجتمعات:

الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، لأنه هو الذي رزقهم وقدر لهم ذلك، وهو يعلم حين يحسد غيره إنما يعترض على المقدور. وهكذا فالمؤمن يسعى لعمل الخير، ويحب للناس ما يحب لنفسه، فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمد الله وشكره على نعمه، وإن لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع، ولم يحقد على غيره ممن نال من الفضل ما لم ينله، لأن الله هو الذي يقسم الأرزاق فيعطي ويمنع وكل ذلك ابتلاء وامتحان منه سبحانه وتعالى لخلقه.

قال ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من أمور الدنيا، لأنه إن كان -أي هذا الرجل- من أهل الجنة، فكيف أحسده على شيء من أمر الدنيا وهو مصيره إلى الجنة، وإن كان -هذا الرجل- من أهل النار فكيف أحسده على شيء من أمور الدنيا، وهو يصير إلى النار.

فالذي يؤمن بالقدر يحمل قلباً نظيفًا طاهرًا من الغل والحقد والحسد والضغينة لإخوانه، لأنه إن نظر إلى أخ من إخوانه ووجده في نعمة فهو يعلم يقينًا أن الذي أنعم عليه بهذا هو الله، فهو يحب لأخيه النعمة ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى الذي رزق أخاه أن يرزقه بما رزق أخاه فهذه كلها أمراض القلب لا تداوى إلا بالإيمان بالله سبحانه وتعالى. والمؤمن بالقدر يعلم بأن الله يعطي ويمنع لحكمه، فإن من العباد من لا ينفعه إلا الغنى، ولو أفقره الله لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمه الله لأفسده ذلك ومن العباد من لا يصلحه إلا المرض ولو صح لأفسده ذلك فلا يوجد شيء في الكون بدون حكمة وبغير حكمة، فالله هو الحكيم الخبير، سواء علمنا الحكمة أم جهلناها، فالله جل وعلا يقدر بحكمة وعلم.

13- الاستعانة بالله:

ومن ثمار الإيمان بالقدر يعلم العبد يقيناً أن الأمر كله بيد الله خلقاً ومشيئة وتقديراً وإيجاداً، فالمستعان على حصول المراد هو الله وحده دون غيره، ولهذا فهو يستعين بالله على حصول مراده، ولأمر ما كانت سورة الفاتحة تقرأ في كل صلاة، بل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، كما جاء في الحديث الشريف وفي هذه السورة الكريمة، قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5}) (الفاتحة)، فإذا استعان بالله وباشر السبب وحصل المقصود فهذا من فضل الله وإن لم يحصل المقصود لم ييأس المسلم فقد يكون في تأخير حصول المطلوب خير لا تعرف وجهه، فالله يعلم ونحن لا نعلم، وما نعلمه من حكمته تعالى شيء قليل للغاية بالنسبة لما لا نعرفه من هذه الحكمة وعليه -أي على المسلم- أن يجدد السعي مستعيناً بالله ولا يعجز عن ذلك ولا يقبل لو إني فعلت كذا كان كذا، فإن هذا الكلام لا يفيد شيئاً وإنما يفتح باباً لعبث الشيطان.

14- الاعتماد على الله وحده:

صاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الأسباب بيده ولكن اعتماده على الله وحده لا على السبب، وهكذا كان حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اختفى صلى الله عليه وسلم في الغار وهذا منه صلى الله عليه وسلم مباشرة لسبب الخلاص من المشركين ولكن ما كان اعتماده في الخلاص من المشركين على هذا السبب ـ ولا على غيره من الأسباب ـ ولكن كان اعتماده على الله وحده، قال تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40).

فثقة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وسكينته وأمله في الخلاص، إنما كان ذلك بسبب تلك المعية الخاصة المتأنية من اعتماده على الله لا بسبب الاختفاء بالغار، وفي معركة بدر بعد أن نظم صلى الله عليه وسلم الجيش وباشر الأسباب المادية للمعركة رجع إلى العريش المنصوب له يدعو ربه ويكثر من الدعاء لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن النصر بيد الله والاعتماد في تحصيله يجب أن يكون على الله لا على الأسباب التي باشرها وإن كان لابد من مباشرتها، وهذا هو التوكل الصحيح الذي هو من ثمرات الإيمان الصحيح بالقدر، ومن ثمرات التوكل كفاية الله (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).

15- الاعتراف بفضل الله:

الإيمان بالقدر يجعل موقف صاحبه عند فعل الحسنات موقفًا صحيحًا سليمًا تترتب عليه طهارة قلبه من أرجاس كثيرة وبالتالي يستقيم سلوكه وتزكوا أخلاقه، وتفصيل ذلك أن صاحب الإيمان بالقدر يشاهد القدر ويستحضره في ذهنه عند فعل الحسنات وعمل الصالحات وهذه المشاهدة تثمر في نفسه الاعتراف بأن ما صدر منه وهو بمحض فضل الله عليه ليس له فيه شيء، وهذا يؤدي بدوره إلى قمع نوازع الكبر والغرور والعجب بنفسه والمن على الناس ونحو ذلك من الأقذار القلبية، لأن هذه الأقذار إنما تكون في الإنسان لاعتقاده أن فيه من معاني الامتياز على غيره ما يدعوه إلى التكبر عليهم والعجب بنفسه والغرور ونحو ذلك، سواء كانت هذه المعاني أعمالاً صالحة أو عبادة أو فعل حسنات أو قوة أو علماً أو سلطاناً أو مالاً أو كثرة اتباع ونحو ذلك، فإذا شاهد القدر عند فعله الحسنات، أو عند حصول شيء مما ذكرنا في يده، وعلم أن ذلك كله من عند الله وحده وما حصل على يديه هو محض فضل الله عليه، زال منه العجب والكبر والغرور والمنة على الله وعلى الناس، وبالتالي تجره هذه المشاهدة وما يترتب عليها إلى حمد الله وشكره وهكذا يفعل المؤمنون.

16- الاستغناء بالخالق عن الخلق:

ومن ثمرات الإيمان بالقدر الاستغناء بالخالق عن المخلوق والحرص على رضا الله وحده ورجاؤه والخوف منه، والتوكل عليه والاستعانة به وتفويض الأمر إليه والانكسار بين يديه وتبليغ رسالات الله بدون وجل ولا تردد ولا خشية من أحد على وجه الأرض (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً {39}) (الأحزاب).

فالسعيد الذي لا يعنيه إلا رضا الله، ولا يعنيه الشر إطلاقًا، لا يلتفت إلى الخلق، لأنه على يقين أن رزقه بيد الخالق، لا بيد الخلق وأن قلوب الخلق لا تقبل إليه بالحب والبغض إلا بتقدير الخالق، فهذا لا يعلق قلبه بالمخلوقين لا بثنائهم، لا ببغضهم، ولا بذمتهم، ولا بحمدهم، بل يعلق قلبه بربهم جل جلاله، فلا يعنيه إلا أن يقول: قال الله: قال رسوله بما يرضي الله سبحانه لا بما يُحصّلُ به رضا الناس، فمن قال لله لا يخشى في الله لومة لائم، بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، أسعده الله في الدنيا والآخرة.

17- الاعتراف بالذنب والمسارعة للمغفرة والتوبة:

وصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يشاهد نفسه عند فعل السيئات وارتكاب المنهيات ولا يحتج بالقدر على عصيانه لأنه لا حجة لأحد فيه، كما بيّنا، وإنما يرجع إلى نفسه ليوبخها من كبوتها حالاً كما ينهض من الوحل، إذا وقع فيه ويعقد العزم على عدم العودة إلى الذنب، ويتوجه إلى الله بالاعتراف بالذنب بانكسار قلب، وبهذا كله علّمنا القرآن وضرب لنا الأمثال وقص علينا موقف أنبيائه الكرام في مثل هذه الأحوال، قال تعالى عن نبيه آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ {23}) (الأعراف)، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص: 16).

في النهاية يمكن القول: إن المؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أن العاقبة للمتقين وإن قدرة الله في ذلك نافذ لا محالة، فلا يدب اليأس إلى قلبه، لا يعرف إليه طريقًا مهما زادت ظلمة الباطل، وعزاؤه في ذلك علو الهمة والقناعة والسكينة والرضا بالواقع والعمل على النهوض به نحو بناء مجتمع سليم وقوي، ويكسب المرء بذلك سعادة الدنيا والآخرة.

 

المراجع:

1- أحمد القطان، شيخ الإسلام ابن تيمية: جهاده ودعوته، ص 101.

2- عبدالرحمن المحمود، الإيمان بالقضاء والقدر، ص 454.

3- علي الصلابي، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت.

4- علي الصلابي، الوسطية في القرآن الكريم، ص 344.

5- عمر الأشقر، القضاء والقدر، ص 112.

6- القرضاوي، الإيمان بالقدر، ص 88.

7- محمد إبراهيم الحمد، الإيمان بالقضاء والقدر، ص 32.

8- محمد حسان، الإيمان بالقدر، ص 250.

9- محمد قطب، ركائز الإيمان، ص 426.

10- مرعي الحنبلي، الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، ص 34.

11- النووي، شرح صحيح مسلم، 6/ 224 - 225.

للإيمان بالقدر ـ كما جاء في القرآن والسنة ـ وكما فهمه علماء الأمة ثمار مباركة وآثار طيبة، في عقلية المسلم ونفسيته، وعلاقته بنفسه وبربه، وبمن حوله، وفي الحياة بصفة عامة، يشهد بها كل لبيب، ويلمسها كل ذي بصر، لما لها من تأثير إيجابي في السلوك الخاص والعام، وفي السلم والحرب، وفي الرخاء والشدة، والنعماء والبأساء، ومن أهم هذه ثمار الإيمان بالقدر:

  1. الإقدام على عظائم الأمور:

الإيمان بالقدر في حياة المؤمن أقوى حافز للعمل الصالح والإقدام على عظائم الأمور بثبات وعزم وثقة ولقد كانت الصورة الصحيحة للإيمان بالقدر في حياة الأجيال الأولى من المسلمين التي صنعت تلك العجائب التي سجلها تاريخهم والتي ثبتت الدعوة في الأرض ونشرتها على نطاق واسع في فترة وجيزة من الزمن لا مثيل لها ـ في قصرها ـ في التاريخ، وهي التي أقامت هذا البناء الشاهق في كل ميدان من ميادين الحياة، نعم، لقد كان من أول ثماره الباهرة ذلك الاستبسال في الجهاد في سبيل الله وفي سبيل نشر الدعوة، فقد كانوا لا يخافون الموت، لأنهم يوقنون بأن الآجال محددة لا تتأخر ولا تتقدم لحظة واحدة ولما كانت هذه العقيدة راسخة في قلوب المؤمنين ثبتوا في القتال وعزموا على مواصلة الجهاد، فجاءت ملاحم تحمل أروع الأمثلة على الثبات والصمود أمام الأعداء مهما كانت قوتهم، ومهما كان عددهم، لقد أيقنوا بقول الله تعالى: "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (التوبة، آية : 51).

وكان الإيمان بالقدر على هذه الصورة هو حافزهم للانسياح في الأرض، سواء لنشر الدعوة، أو طلب الرزق، أو اكتشاف المجهول من الأرض، فكان لهم في كل ميدان نشاط ملحوظ وآثار مشهودة، ففي نشر الدعوة نجد أن الإسلام قد امتد من المحيط غربًا إلى الهند شرقًا في فترة من الزمن لا تتجاوز قرن وهي سرعة لا مثيل لها في التاريخ. وكذلك انتشر اللسان العربي بسرعة تفوق الوصف في انتشار اللغات في الأرض وفي ميدان طلب الرزق تدفقت الثروات على العالم الإسلامي حتى صار المسلمون أغنى أمة في الأرض. وفي ميدان الكشف الجغرافي، كان المسلمون هم الذين ارتادوا البقاع المجهولة ورسموا لها الخرائط الجغرافية الدقيقة التي مكنت "فاسكوا داجاما" و"ماجلان" فيما بعد من القيام برحلاتهما الاستكشافية العالمية. وهكذا امتدت الحياة بجميع صورها شرقًا وغربًا بهذا الدافع الإيماني العميق.

  1. القضاء على الكسل والتواكل:

إن جموع المسلمين قد انحرفت في العصور الأخيرة عن عقيدة القدر بسبب ما يجري في الحياة الدنيا، فقد أصابهم التواكل، وأدى بهم التواكل إلى العجز والكسل والقعود، لقد فهم ـ بعض الناس ـ من معنى أنه لا يحدث في الكون إلا ما يريده الله، أنه لا حاجة للإنسان أن يعمل، فإن قدر الله ماض سواء عمل الإنسان أو لم يعمل، فلا ضرورة للكد في طلب الرزق لأن: مالك سوف يأتيك، ولا ضرورة للنشاط والحركة لأنها في زعمهم ضد التوكل الصحيح، كما فهموا كذلك من معنى التسليم لقدر الله القعود عن تغيير ما أصاب الإنسان من فقر أو مرض أو جهل أو حتى معصية، لأن كل ذلك مقدر من عند الله فلا ينبغي مقاومته إنما ينبغي الاستسلام له. هذا التواكل وهذه السلبية ليست من الإسلام في شيء، وإلا فلو كانت من الإسلام، فكيف غابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن صحبه الكرام الذين تلقوا عنه المفاهيم الصحيحة لهذا الدين؟

  1. الثبات في مواجهة الطغيان:

من ثمار الإيمان بالقدر أيضًا، أنه يهب صاحبه ثباتًا ورسوخًا في مقاومة الباطل ومواجهة الظلم والطغيان، وإنكار المنكر، لا يهاب فرعوناً متألهاً ولا طاغوتاً متجبراً، وذلك أن الناس عادة يخافون على أمرين نفيسين عندهم وهما:

العمر والرزق. فالعمر محتوم، والرزق مقسوم، ولهذا وقف المؤمنون في وجه الطغاة والجبارين، ولم يعبؤوا بجبروتهم ولم يهنوا أمام قوتهم وطغيانهم وفي عصرنا رأينا العلماء والدعاة الشامخين يواجهون المستعمرين، وأذناب المستعمرين من الملوك والرؤساء، لا يبالون بما يصيبهم في سبيل الله.

فالإيمان بالقدر من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيابين ولا وجلين، وكان الواحد منهم يطلب الموت في مظانه، ويرمي بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته، ثمّ تراه يموت على فراشه، فيبكي أن لم يسقط في ميدان النزال شهيدًا، وهو الذي كان يقتحم الأخطار، فهذا خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة وأدرك ذلك بكى وقال: ما من عمل أرجى عندي بعد لا إله إلا الله، من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، بتها وأنا متترس والسماء تنهل عليّ، وأنا انتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد، لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدّر لي إلا أن أموت على فراشي، وقد تصدى خالد لطغيان الفرس والروم معًا.

  1. الصبر عند نزول المصائب:

ومن ثمرات الإيمان بالقدر الصبر عند نزول المصائب، فالمؤمن بالقدر لا يسيطر عليه الجزع، والفزع، ولا يستبد به السخط والهلع، بل يستقبل مصائب الدهر بثبات، كثبات الجبال فقد استقر في أعماقه، قول الله تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" (الحديد، آية : 22 ـ 23).

فالإيمان بالقدر من أعظم الأدوية التي تعين المؤمن على الشدائد والمصائب والبلايا، فهذه ثمرة من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أفراد الأمة الإسلامية هذا الإيمان ويرشدهم ويعلمهم كيف يتعاملوا مع المصائب والشدائد، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت، فقال للرسول: أرجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.

  1. الرضا والقناعة بما قسم الله:

من ثمار الإيمان بالقدر: رضا المؤمن بما قسم الله، وقناعته بما رزق الله، وهذه ثمرات طيبة في نفسية المؤمن وحياته. والرضا والقناعة تتجلى في القلب، فمن الناس من لو أوتي وادياً من ذهب لابتغى ثانياً، ولو أوتي ثانياً لتمنى ثالثاً، ومثله كجهنم يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟

فعلى المؤمن ألا يتطلع إلى ما ليس في وسعه وليس من شأنه ويرضى بما وهب الله له مما لا يستطيع تغييره وفي حدود ما قدر له يجب أن يكون نشاطه وطموحه، وذلك كتمني الشيخ أن يكون له قوة الشباب، وتطلع المرأة الدميمة إلى الحسناء في غيرة وحسد، وطموح البدوي الذي يعيش في أرض فقراء بطبيعتها إلى رفاهية الحياة وأسباب النعيم، وكما حدث في عهد الرسول حين تمنى النساء أن يكن لهن ما للرجال، فأنزل الله: "وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ" (النساء ، آية : 23).

إن الإيمان بالقدر يبعث إلى القناعة وعزة النفس والإجمال في الطلب وترك التكالب على الدنيا والتحرر من رق المخلوقين وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين، وهذا أسمى فلاحه ورأس نجاحه قال الشاعر:

أفادتني القناعة كل عز وهل عز أعز من القناعة

فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعة

  1. العز في طلب الحوائج:

من ثمار الإيمان بالقدر، أن يطلب المؤمن حاجته عند من هي عنده بعزة نفس لا يطأطئ رأسه ولا يذل نفسه ولا يدني ظهره لمخلوق، إن الله تعالى كتب العزة للمؤمن فلا ينبغي له أن يفرط فيها، قال عز وجل: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (المنافقون، آية: 8).

فلا يحل لمؤمن أن يذل نفسه لمخلوق مثله من أجل حاجة عنده، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه ـ عبد الله بن عباس ـ هذه الكلمات العظيمة: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

  1. السكينة: راحة النفس والقلب

من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر السكينة للنفس والقلب، وذلك هدف منشود، فكل من على وجه البسيطة يبتغيها ويبحث عنها، وإنك لتجد عند خواص المسلمين من العلماء العاملين، والعباد القانتين المتبعين، من سكون القلب وطمأنينة النفس ما لا يخطر على بال ولا يدور حول ما يشبهه خيال، فلهم في ذلك الشأن القدح المعلى والنصيب الأوفى، فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يقول: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر.

بل إنك تجد عند عوام المسلمين من سكون القلب وراحة البال، وبرد اليقين ما لا تجده عند كبار الكتاب والمفكرين والأطباء من غير المسلمين، فكم من الأطباء غير المسلمين على سبيل المثال من يعجب، ويذهب به العجب كل مذهب، وذلك إذا كان لديه مريض مسلم واكتشف أنه مصاب بداء خطير ـ كالسرطان ـ مثلًا فترى هذا الطبيب يحتار في كيفية إخبار هذا المريض ومصارحته بعلته، فتجده يقدم رجلًا ويؤخر الأخرى، وتجده يمهد الطريق، ويضع المقدمات، كل ذلك خشية من ردة فعل المريض إزاء هذا الخبر، وما أن يعلمه بمرضه ويخبره بعلته، إلا ويفاجأ بأن هذا المريض يستقبل هذا الخبر بنفس راضية وصدر رحب، وسكينة وهدوء، لقد أدهش كثيرًا من هؤلاء إيمان المسلمين بالقضاء والقدر، فكتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم، مسجلين شهادتهم بقوة عزائم المسلمين، وارتفاع معنوياتهم، وحسن استقبالهم لصعوبات الحياة، فهذه شهادة حق من قوم حرموا الإيمان بالله وبقضائه وقدره.

ومن هؤلاء الكتاب الذين كتبوا في ذلك - الكاتب المشهور "ر. ن. سي. بودلي" مؤلف كتابي "رياح على الصحراء" و"الرسول" وأربعة عشر كتاباً أخرى، والذي أورد رأيه "دبل كارينجي" في كتابه "دع القلق وأبدأ الحياة" في مقالة بعنوان "عشت في جنة الله"

تحدث بودلي عن حياته مع القبائل العربية في صحراء أفريقيا الشمالية، وكيف اكتسب عاداتهم ودرس الإسلام عن كثب، فيقول: كانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي، وأحفلها بالسلام، والاطمئنان والرضا بالحياة، وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، فهم ـ بوصفهم مسلمين ـ يؤمنون بالقضاء والقدر، ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذًا سهلًا هينًا، فهم لا يتعجلون أمرًا، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقًا عل أمر، إنهم يؤمنون بأن "ما قدر يكون" وأن الفرد منهم "لَّن يُصِيبَه إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَه".

وبعد أن استعرض بودلي تجربته مع عرب الصحراء علق بقوله: قد اقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل ـ أن مرض النفوس، والسكيرين الذي يحفل بهم أمريكا، وأوروبا ـ ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساساً لها، إنني لما أعان شيئاً من القلق قط وأنا أعيش في الصحراء، بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة والقناعة والرضا.

أخيرًا ختم كلامه بقوله: وخلاصة القول أنني بعد انقضاء سبعة عشر عاماً على مغادرتي الصحراء ـ ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقبل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير.

مراجع:

  1. أحمد القطان، شيخ الإسلام ابن تيمية: جهاده ودعوته، صـ101.
  2. عبد الرحمن المحمود، الإيمان بالقضاء والقدر، صـ 454.
  3. علي الصلابي، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت.
  4. علي الصلابي، الوسطية في القرآن الكريم، صـ344.
  5. عمر الأشقر، القضاء والقدر، صـ 112.
  6. القرضاوي، الإيمان بالقدر، صـ 88.
  7. محمد إبراهيم الحمد، الإيمان بالقضاء والقدر، صـ32.
  8. محمد حسان، الإيمان بالقدر، صـ 250.
  9. محمد قطب، ركائز الإيمان، صـ 426.
  10. مرعي الحنبلي، الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، صـ34.
  11. النووي، شرح صحيح مسلم، 6/ 224 ـ 225.
  12. ديل كارنيجي، دع القلق وأبدأ الحياة، ص. صـ290، 291.
الخميس, 05 يوليو 2018 11:34

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان .

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته .

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لا بدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء : 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل : 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59) .

  1. الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82) . أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى: " مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.


إن أصل الإيمانِ هو دخول العبد في الإسلام، وبه يكونُ اعتبارُ سائرِ الأعمال، وبصلاحِ ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادُها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنَّ في الجسدِ مضغةٌ إذا صَلَحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ». فكيف يمكننا الأخذ بأسباب قوة الإيمان بالله جل وعلا؟
هذا الأمر عظيمُ النفعِ والحاجةِ، بل الضرورةُ ماسّةٌ إلى معرفته والعناية به معرفًة واتصافًا، وذلك أنّ الإيمانَ هو كمالُ العبدِ، وبه ترتفعُ درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السببُ والطريقُ لكلِّ خيرٍ عاجلٍ وآجل، ولا يحصلُ، ولا يقوى، ولا يتمُّ إلا بمعرفةِ ما منه يُسْتَمَدُّ، وإلى ينبوعه وأسبابه وطُرُقه، والله تعالى قد جعلَ لكلِّ مطلوبٍ سببًا وطريقًا يوصِلُ إليه، والإيمانُ أعظمُ المطالِبِ وأهمُّها وأعمُّها. ويقوى الإيمان بالله بأمور أهمها:
1 ـ فهم أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ للهِ تسعةً وتسعين اسمًا، مئًة إلاّ واحدًا، مَنْ أحصاها دخلَ الجنّة» أيْ مَنْ حفظَها، وفهمَ معانيها، واعتقدها، وتعبَّدَ اللهَ بها دخل الجنّةَ. والجنّةُ لا يدخلُها إلا المؤمنون، فعَلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادّةٍ لحصولِ الإيمان وقوّته وثباته. ومعرفةُ الأسماء الحسنى هي أصلُ الإيمانِ، فكلّما ازداد العبدُ معرفةً بأسماءِ الله وصفاته ازدادَ إيمانه، وقويَ يقينُه. وهذه المعرفةُ النافعةُ تجعلُ المؤمنَ في زيادةٍ في إيمانه، وقوّةٍ في يقينه، وطمأنينة في أحواله.
2 ـ تدبّر آيات القرآن الكريم:
إنَّ المتدبّرَ لا يزالُ يستفيدُ من علوم القرآن ومعارفه ما يزدادُ به إيمانًا، كما قال تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*} [الأنفال :2]. وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية، فهي الشفاءُ لأمراضِ الشبهاتِ والشهواتِ، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشكِّ والشرك، وأمراضِ القلوبِ والنفوسِ، والجوارحِ، والحواسِ، وأمراض السياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة والحضارة، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء :82]، فهو غذاءٌ للروح، وعلاجٌ يشفي النفوسَ من عللِّها، ويكسبُها المناعةَ القويّةَ.
ومن ثمراتِ تدبُّرِ القرآن: أنّه وسيلةٌ لمعرفة ما يريدُ الله منا، وكيفيّةُ عبادَته سبحانه وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا؛ لأنّ القرآن الكريم منهجُ حياةِ أنزله الله عز وجل، وهو أساسُ التشريع الذي يجبُ على العبادِ أن يتدبّروه، ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه.

3 ـ معرفةُ سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشمائله:
فإنَّ مَنْ عرفه حقَّ المعرفةِ لم يَرْتَبْ في صدقه، وصدقِ ما جاء به، قال تعالى: أي: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ*}. وأقسم الله سبحانه وتعالى بكمال هذا الرسولِ، وعظمةِ أخلاقه، وأنّه أكملُ مخلوقٍ قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ*وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ*وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ*} [القلم :1 ـ 4]، فهو صلى الله عليه وسلم أكبرُ داعٍ للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائِله الجميلةِ، وأقوالِهِ الصادقةِ النافعةِ، وأفعالِهِ الرشيدةِ، فهو الإمامُ الأعظمُ، والقدوةُ الأكملُ.
4 ـ التفكّرُ في الكونِ والنظرُ في الأنفسِ:
إنَّ التفكُّرَ في الكونِ، وفي خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ من المخلوقاتِ المتنوّعةِ، والنظرَ في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يُقوِّي الإيمانَ، لما في هذه الموجوداتِ من عظمةِ الخَلْق الدّالِ على قدرة خالِقها وعظمته، وما فيها مِنَ الحُسْنِ والانتظام والإحكام الذي يحيِّرُ الألبابَ، الدالَّ على سَعَةِ علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصنافِ المنافع والنعمِ الكثيرة التي لا تعدُّ ولا تحصى، الدالة على سَعَةِ رحمة الله وجودِه وبره، وذلك كلُّه يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره، وإخلاص الدِّين له، وهذا هو روحُ الإيمان وسرُّه.
5 ـ الإكثارُ مِنْ ذكرِ الله والدُّعاء الذي هو روح العبادة للإنسان المسلم:
إن ذكرَ الله يغرسُ شجرةَ الإيمانِ في القلب، ويغذّيها وينمّيها، وكلّما ازدادَ العبدُ ذكرًا للهِ، قوي إيمانُه، كما أنَّ الإيمانَ يدعو إلى كثرةِ الذكر، فمن أحبَّ الله أكثرَ مِنْ ذكرِه، ومحبّةُ اللهِ هي الإيمانُ، بل هي روحُه.
وللذكرِ آثارٌ نافعةٌ في حياة المسلمين الدنيوية والأخروية منها:
أ ـ الحياة الطيبة الحقيقية:
فالحياة هي حياةُ الروحِ المتغذّية بالوحي الإلهي، المتعلِّق قلبُ صاحبها بذكر الله، وهي التي وصفَها الله بالحياةِ الطيبة بقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*} [النحل :97]
ب ـ القّوةُ في الأبدانِ وإحياءَ المعاش والجهاد:
إنّ الذكرَ يعطي الذاكرَ قوّةً حتى إنّه ليفعلُ مع الذكر ما لم يكن يظنُّ فعلَه بدونه، وشاهِدُ ذلك موقفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة وعلي رضي الله عنهما، لما سألته خادمًا، وشكت إليه ما تقاسيـه من الطحـن والسعي والخدمة، فعلمَّهما أنْ يسبِّحَا كلَّ ليلةٍ إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبِّرا أربعًا وثلاثين، وقال لهما: «فهذا خيرٌ لكما من خادمٍ»، فقيل: إنَّ مَنْ داومَ على ذلك وجدَ قوّة في يومه مغنيةٌ عن خادمٍ.
ج ـ رقَّةُ القلبِ وخشوعُه:
إنَّ ذكرَ اللهِ يوجِبُ خشوعَ القلب وصلاحَه ورِقَّتَه، ويذهِبُ الغفلةَ عنه، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *} [الرعد :28].
ه ـ تكثيرُ الشهودِ يومَ القيامة:
فكلُ معالمِ الأرضِ تأتي شاهدةً للذاكرين يومَ تحدِّثُ الأرض أخبارها، فالجبالُ والقِفارُ تتباهى وتستبشِرُ بمن يذكرُ الله عزّ وجلّ عليها، قال ابن مسعود: إنَّ الجبلَ لينادِي الجبلَ باسمه، يا فلان! هل مرَ بكَ اليومَ أحدٌ يذكرُ الله عزّ وجلّ؟ فإذا قال: نعم استبشرَ.
6 ـ معرفة محاسن الدين:
من الأسبابِ المقوّية للإيمانِ معرفةُ محاسنِ الدين، فإنَّ الدينَ الإسلاميَّ كلُّه محاسنُ، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأصدقُها وأنفعُها، وأخلاقهُ أحمدُ الأخلاقِ وأجملُها، وأعمالُه وأحكامُه أحسنُ الأحكامِ وأعدلُها، وبهذا النظرِ الجليلِ يزيِّنُ اللهُ الإيمانَ في قلبِ العبدِ، ويحبّبه إليه، كما امتنّ به على خيار خلقه بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات :7]. فيكونُ الإيمانُ في القلبِ أعظمَ المحبوباتِ، وأجملَ الأشياءِ، وبهذا يذوقُ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ، ويجدُها في قلبه، فيتجمَّلُ الباطنُ بأصولِ الإيمانِ وحقائقه، وتتجمّل الجوارحُ بأعمالِ الإيمانِ، وفي الدعاء المأثور: «اللهمّ زيّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هداةً مهتدين»، وهو ما تبعه جعفر بن أبي طالب حين ناظره وفد كفار قريش في حضرة النجاشي ملك الحبشة، وكشف أمامه عيوب الجاهلية والضلال ومحاسن الدين الجديد وعظمتها.
7 ـ التحقُّق من مقامِ الإحسان في عبادة الله، والإحسانُ إلى خلقه:
إنه يجتهدُ أن يعبدَ الله كأنّه يشاهده ويراه، فيجتهدُ في إكمالِ العملِ وإتقانه، ولا يزالُ العبد يجاهِدُ نفسه ليتحقّق بهذا المقام العالي، حتى يقوِّمَ إيمانَه ويقينَه ويصلُ في ذلك إلى حقِّ اليقين الذي هو أعلى مراتبِ اليقين، فيذوقَ حلاوةَ الطاعاتِ، ويجدَ ثمرةَ المعاملاتِ، وهذا هو الإيمانُ الكامِلُ.
وكذلك الإحسانُ إلى الخلقِ بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع هو من الإيمان، ومن دواعي الإيمان، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسنَ إلى عبادِ اللهِ، وأوصلَ إليهم من برّه، أحسنَ الله إليه أنواعًا من الإحسانِ، ومن أفضلها: أن يقوّيَ إيمانه ورغبتَه في فعل الخير، والتقرّب إلى ربه، وإخلاص العمل له، وبذلك يتحقّق العبدُ بالنصح لله ولعباده، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل :90].
8 ـ الدعوة إلى الله:
إن من دواعي الإيمان وأسبابه الدعوةُ إلى اللهِ وإلى دينه، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنّ طريقَ الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده من أكبر مقوّمات الإيمان. وصاحبُ الدعوة لابدَّ أن يسعى لنشر هذه الدعوة، ويقيمَ الأدلّة والبراهينَ على تحقيقها، ويأتيَ الأمور من أبوابها، ويتوسّلَ إلى الأمورِ من طرقها، وهذه الأمورُ من طرق الإيمان وأبوابه. وإنّ الجزاءَ من جنسِ العمل، فكما سعى إلى تكميلِ العبادِ ونصحِهم وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بّد أن يجازيه الله من جنس عمله، ويؤيّده بنورٍ منه وروحٍ وقوةٍ وإيمانٍ وحُسنِ التوكُّل عليه، فإنَّ الإيمانَ وحُسْنَ التوكل على الله يحصلُ به النصرُ على الأعداء، وعلى شياطينِ الإنس وشياطين الجن، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*} [فصلت :33 ـ 35].
9 ـ توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان:
من أهمِّ موادّ الإيمان ومقوياته توطينُ النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان من شُعَبِ الكفر والفسوق والعصيان. فكما أنّه لا بدّ في الإيمان من فعلِ جميعِ الأسباب المقوّيةِ المنمّية له، فلا بدَّ مع ذلك من دفعِ الموانعِ والعوائق، وهي الابتعاد عن المعاصي، والتوبةُ ممّا يقع منها، وحفظُ الجوارح كلِّها من المحرّمات، لرغبةُ في الخير ومحبته، والسعي فيه ـ وإن استولت عليه النفس الإمارةُ بالسوء، ووقع في فتن الشبهات أو الشهوات أو كليهما، انطبق عليه هذا المثل، وهو قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *} [البقرة :266].
10 ـ معرفة حقيقةِ الدُّنيا واعتبارُها ممراً للآخرة:
إن من مقوِّيات الإيمانِ معرفةُ حقيقةِ الدنيا، وأنّها مهما طالتْ فهي إلى زوالٍ، وأنّ متاعَها مهما عَظُمَ، فإنّه قليلٌ حقيرٌ، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*} [يونس:24]. وأخبرنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا*} [الكهف :45].

إنّ هذه الحقيقةَ التي أشارت إليها الآيات الكريمة عكست أسباب قوة الإيمان بالله تبارك وتعالى. وبينت حقيقة الحياة الدنيا بكلِّ متاعها وزينتِها، وما تشتهيه النفسُ منها. وإنَّ كلَّ ذلك بالنسبة لنعيم الآخرة شيءٌ قليلٌ وزائلٌ. هكذا فهم المسلمون القرآن والإيمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبصّرهم، ويذكّرهم بدورهم ورسالتِهم في الأرض، ومكانتِهم عند الله، فانطلقوا عاملين بالليل والنهار بكلِّ ما في وسعهم وما في طاقتهم دون فتور أو توانٍ أو ممل، ودون خـوفٍ من أحـدٍ إلا الله، ودونَ طمعٍ في مغنـم أو جـاه، إلا أداء هـذا الـدور وهذه الرسـالـة لتحقيق هذه الغـايـة في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة.

مراجع المقال:
1. ابن قيم الجوزي، الأمثال القرآنية، 1 / 418.
2. السعدي، شجرة الإيمان، ص 39.
3. سيد سعيد، حقيقة الولاء والبراء، ص 1560.
4. صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، ص52.
5. صحيح مسلم، كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، 1599.
6. علي الصلابي، الإيمان بالله جل جلاله، دار ابن كثير، بيروت، ص. ص 176 – 190.
7. علي الصلابي، السيرة النبوية، دار ابن كثير، بيروت، 1 / 361.
8. محمود الدوسري، هجر القرآن العظيم، ص 567.
9. مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، ص 216.
10. مجدي الهلالي، الإيمان أولاً فكيف نبدأ به، ص 119.

الثلاثاء, 05 يونيو 2018 15:51

دروس وعبر من فتح مكة

إنَّ حركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا، وخروجه في الغزوات تعلِّمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب، سواءً كانت تلك الأسباب مادِّيَّة أو معنويَّةً، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه صلى الله عليه وسلم ، فعندما قرَّر صلى الله عليه وسلم السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتَّى لا يصل الخبر إلى قريش، فتعد العدَّة لمجابهته، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه.

ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءها بني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل، والسِّلاح، والرِّجال، وهجم بنو بكرٍ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولمَّا لجأت خُزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن متجهِّزةً للقتال، لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم، عندئذٍ خرج عمرو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين من خُزاعة، حتَّى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس، فقال:

يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أَبِيْنَا وأَبِيْهِ الأَتْلَدَا

قَدْ كُنْتُم وُلْداً، وَكُنَّا وَالِدا ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يدا

فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا

فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

فِيْ فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبِدَا إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا

ونقَضُوا مِيْثَاقَك المُؤَكَّدا وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا

هُمْ بَـيَّـتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّدَا وقَتَلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب!» ولمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ».

شرع النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب الآتية لفتح مكة ولتحقيق مبدأ المباغتة:

1- أنَّه كتم أمره حتَّى على أقرب النَّاس إليه:

فقد أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بمبدأ السِّرِّيَّة المطلقة، والكتمان الشَّديد حتَّى عن أقرب النَّاس إليه، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية، ولا اتِّجاه حركته، ولا العدوِّ الَّذي ينوي قتاله، بدليل أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً، وكانت أحياناً تصمت، وكلا الأمرين يدلاَّن على أنَّها لم تعلم شيئاً عن مقاصده صلى الله عليه وسلم

ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ، فتتناقلها الألسن حتَّى تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ.

2- أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم:

بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال، وذلك لإسدال السِّتار على نياته الحقيقيَّة، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لمَّا همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم، لِيَظُنَّ الظَّانُّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توجَّه إلى تلك النَّاحية، فمضوا، ولم يلقوا جمعاً، فانصرفوا حتَّى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه إلى مكَّة، فأخذوا على (بيبن) حتَّى لقُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام، الَّتي من شأنها صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تُحقِّق أهدافها، وتَسْلَم من كيد أعدائها.

3- أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:

بثَّ صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة، وخارجها؛ حتَّى لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب(1)، فكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيماً بهم، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه يُتَحفَّظ به، ويُسأل عنه، أو ناحية مكَّة.

إنَّ جَمْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين، وقد استفاد الرَّسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحدِّ الآخر باتباعه السِّرِّيَّة، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة.

4- دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:

وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم، وأبصارهم فلا يَرَوننا إلا بغتةً، ولا يسمعون بنا إلا فجأة». [البيهقي في الدلائل (5/11)](2).

وهذا شأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لربِّ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد.

5- إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش:

عندما أكمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليهم، ولكنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أطلع نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرِّسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً، والزُّبير، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة، وهدَّدوها أن يفتِّشوها إن لم تُخرِج الكتاب؛ فسلَّمته لهم، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إنِّي كنت امرأً مُلصَقاً في قريشٍ ـ يقول: كنت حليفاً ـ ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ يحمون بها أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنَّه قد صدقكم».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ، فلم ينظر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب، وإن كانت كبيرةً، وإنَّما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكاملـةً، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة، والجهاد، والعلم، والتَّربية، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علميّاً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟!

دخولٌ خاشعٌ متواضعٌ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ:

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ، وهو واضعٌ رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتَّى إنَّ ذقنه ليكاد يَمَسُّ واسطة الرَّحل. ودخل وهو يقرأ سورة الفتح. مستشعراً نعمة الفتح، وغفران الذُّنوب، وإفاضة النَّصر العزيز(3)، وعندما دخل مكَّة فاتحاً ـ وهي قلبُ جزيرة العرب، ومركزُها الرُّوحيُّ، والسِّياسيُّ ـ رفعَ كلَّ شعارٍ من شعائر العدل والمساواة، والتَّواضع، والخضوع، فأردف أسامة بن زيدٍ، وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريشٍ، وهم كثير.

الهوامش

(1) الأنقاب: جمع نقب ، وهو كالعريف على القوم.

(2) انظر: البداية والنِّهاية (4/282)، ومحمَّد صلى الله عليه وسلم (غزوة فتح مكة)، لمحمَّد رضا.

(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النَّبوي في المدينة ، ص 396.

الصفحة 1 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top