د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 09 مايو 2019 15:12

علمتني الصحوة الإسلامية

علمتني الصحوة الإسلامية ولست من روادها، ولكنني من تلاميذها، معاني وقيم ومبادئ سامية ترسم طريق الإنسان في مسيرة الحياة وتدله على عالم الخلود والآخرة:

علمتني الصحوة الإسلامية بأن الانتماء للإسلام العظيم شرف ونعمة من الله عز وجل تستحق الشكر والحمد والثناء، قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (فصلت: الآية 33). 

علمتني الصحوة الإسلامية أن أعيش هذه الحياة بطاعة الله تعالى والعيش مع القرآن الكريم والاقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأهمية أن يكون لك رسالة وهدف سامٍ في الوجود.

علمتني الصحوة الإسلامية أن هذه الأمة العظيمة جاهدت وناضلت وكافحت حتى حررت ديارها وبلدانها من الاستعمار البغيض، وقدمت تضحيات كبيرة حتى وصلت إلى مبتغاها.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الجهود العظيمة التي قام بها دعاة الإسلام في القرنين الماضيين (الفترة الحديثة) على امتداد بقاع العالم من الهند إلى المغرب الأقصى وإندونيسيا وبلاد الغرب والشرق، بأن وسطية الدعوة الإسلامية التي تبنوها أعلت من قيمة الدين الحنيف وعظمة الرسالة التي هي سبيل سعادة الإنسان المسلم في كل زمان ومكان، وبدت أهمية الجهود والمشاق التي تحملها دعاة الإسلام طوال تلك المرحلة، من خلال فهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإظهار الحق ومحاربة الأباطيل، وبأن السلسلة الذهبية للدعاة إلى الله تعالى من عهد النبوة إلى الصحابة والتابعين وأتباع التابعين إلى القرنين الماضيين من أمثال محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن علي السنوسي وعبد الكريم الخطابي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفعاني ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس إلى محمد بشير الإبراهيمي، بدت حلقات متواصلة وجهود تراكمية في مراحل الصحوة الإسلامية.

علمتني الصحوة الإسلامية أهمية العلم والمعرفة وأن الحضارة الإسلامية أعظم حضارة عرفتها الإنسانية وإشعاعاتها في المعمورة لا تنكسر ومنها الصروح العلمية العالية مثل جامعات القرويين والزيتونة والأزهر الشريف ومدارس الشام والعراق والمدينة المنورة ومكة المكرمة. كما علمتني أن أعظم حضارة إنسانية هي الحضارة الإسلامية والتي ظهرت في كتابات: شكيب أرسلان وسعيد النورسي ومصطفى السباعي وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب وعصام العطار وعبد الكريم زيدان ومحفوظ النحناح وراشد الغنوشي والقرضاوي وغيرهم بالعشرات.

علمتني الصحوة الإسلامية أن المدارس الفكرية الإسلامية تتكامل وتتعاون وتتضامن وبأن خلاف التنوع هو نعمة وليس نقمة، ولذلك أحببت في الله تعالى: الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني والشيخ حسن البنا وسيد قطب والقرضاوي وفتحي يكن، وعبد الحميد بن باديس وبشير الإبراهيمي، وعلماء الجزائر الأفذاذ ممن ناضلوا وكافحوا ضد الاستعمار، والشيخ الطاهر بن عاشور والثعالبي والغنوشي، وأحمد الشريف السنوسي وعمر المختار والطاهر الزاوي وسليمان الباروني، وعبد الكريم الخطابي والكتاني وماء العينين، وأبو الحسن الندوي وولي الدين الدلهوي والمباركفوري وأبو الأعلى المودودي رحمة الله على الأحياء والأموات جميعاً.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن معاني الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والأخوة الإنسانية والإسلامية والمشاعر النبيلة نحو بني الإنسان والحرص على إيصال رسالات الله لهم في أي مكان.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن قيمة الإنسان هي في مستوى علاقته بالله وتحقيقه العبودية لله وطاعته ومحاربة الظلم والتصدي للجهل وإعانة الملهوف ومساعدة الناس بكل إنسانية ولطف ابتغاء مرضاة الله.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن نضال الشعوب وجهادها وكفاحها ضد الاستبداد والدكتاتورية والغزاة وعبادة لله إذا أخلص العبد نيته لله.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الحياة تتطور وتتقديم في عالم الأفكار والوسائل والاجتهادات البشرية وتبقى الثوابت في العقيدة والقيم والأخلاق والمبادئ التي جاءت في القرآن الكريم.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الشهود الحضاري للإسلام قادم، وبأن تحرير فلسطين حتمي كما حررها صلاح الدين الأيوبي بعد جهود تراكمية شارك فيها الكثير من الأبطال مثل نور الدين زنكي والقاضي الفاضل وغيرهم.

علمتني الصحوة الإسلامية أهمية المصالحة بين الشعوب وحكامها وأن ذلك هو مقصد إسلامي كبير وقيمة إنسانية رفيعة، وأهمية وجود قاعدة دستورية بين الحاكم والمحكوم تعطي للشعب حقه، وكذلك للحاكم وقف بيعة تراضي واختيار شوريّ.

علمتني الصحوة الإسلامية أن التعايش بين الديانات الكبرى هدي نبوي كريم وأن الثقافة الدستورية راسخة في حضارتنا العظيمة ووثيقة المدينة المنورة خير دليل على ذلك.

علمتني الصحوة الإسلامية أن التعاون بين بني الإنسان بالخير مقصد إسلامي وهدي محمدي كريم ومنهج راشدي سار عليه الخلفاء الراشدين في الدولتين الصديقية والعُمرية ومن جاء بعدهم.

علمتني الصحوة الإسلامية أن قيمة الوفاء لأولئك الذين بذلوا الغالي والثمين في تبليغ رسالات الإسلام في أرجاء المعمورة.

علمتني الصحوة الإسلامية فنوف المعارف وفقه الحضارة الإسلامية وأساليب الدعوة من خلال روادها أمثال العلماء المصلحين والدعاة والأستاذة الكبار: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا ومحمد الغزالي وعبد الكريم زيدان ومحمد أحمد الراشد وحسن الترابي وجمال الدين القاسمي ومصطفى السباعي وعثمان بن فوده ووهبي الزُحيلي ومحمد سعيد رمضان البوطي وعصام البشير وعمر الأشقر ومحمد أحمد جيلي ومحمد بحيري ومبارك رحمة وياسين عبد العزيز وعبد المجيد الزنداني والديلمي والكشك ومحمد متولي الشعراوي وأكرم ضياء العمري وأحمد نوفل ومحمد راتب النابلسي وعبد الرزاق قسوم وعوض القرني وسفر الحوالي وعماد الدين خليل وعلي القرداغي ومحمد الحسن ولد الددو وأحمد الريسوني وعبد المجيد النجار وآخرون.

علمتني الصحوة الإسلامية أن المستقبل للشعوب التي تسعى لنيل حقوقها وكرامتها.

علمتني الصحوة الإسلامية أن إرادة الشعوب تنتصر على إرادة الطغاة والمستبدين.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وما بعدها مرهون بالعمل الصالح في الدنيا ابتغاء مرضاة الله "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" (ص: 28).

الصحوة الإسلامية شرف يتسامى وغرس رباني يُأتي ثماره في كل حين بإذن ربه.

المصدر: الجزيرة نت 

يُعدُّ شيخ الإسلام البخاري إمام الحفاظ وأكبرهم، وأبرز الفقهاء وأقدرهم، هو من أهم علماء الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل عند أهل السُّنة والجماعة في التاريخ الإسلامي، فيما يصنف كتابه صحيح البخاري الذي جمع فيه الأحاديث النبوية واحداً من أعظم مصادر الأثر النبوي الشريف.

حياته

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ولد في شوال عام 194 ه الموافق 810م في مدينة بخارى التي نسب إليها وهي إحدى مدن أوزبكستان الحالية، وقد مات والده وهو صغير، فتربى يتيماً في حجر أمه التي أحسنت تربيته وكان لها دور في شحذ همته وحبه للعلم.

سافر البخاري إلى مكة المكرمة في سن الـــ16 بصحبة أمه وأخيه أحمد لأداء فريضة الحج، وتخلف عنهما للاستزادة من المعارف حيث بقي هناك لستة أعوام وبدأ جمع الأحاديث، وبعدها سافر بين البلدان لهذا الهدف، من بغداد إلى الكوفة ودمشق ومصر وخراسان وغيرها، وكان يحفظ ويجتهد في طلب المزيد والتدوين، وروي أنه لا يكتب الحديث إلا بعد أن يكون قد توضأ وصلى ركعتين.

توفي البخاري في الأول من شوال 256هـ الموافق 869 م عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر ودفن بإحدى قرى سمرقند، وكان قد وصلها بعد أن طرده حاكم بخارى من المدينة؛ لأنه رفض أن يذهب لتعليم أبنائه دون العامة، وقال قولته: "أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس".

علمه وشيوخه

أصيب الإمام في صغره بمرض في عينيه حتى كاد يفقد بصره ولكنه تعالج منه، وعادت إليه عافيته، وكان رأساً في العلم، ورأساً في الورع والعبادة، يتمتع بالذكاء والنجابة والذاكرة القوية، وهي إحدى الصفات التي ساعدته لاحقاً في جمع الأحاديث النبوية.

حفظ البخاري القرآن الكريم وتلقى العلوم الأساسية في الدين وقد حفظ آلاف الأحاديث وهو لا يزال غلاماً، وقد ساعدته أجواء بخارى التي كانت في ذلك العصر مركزاً من مراكز العلم، فكان يرتاد حلقات العلماء و رجال الدين.

التقى البخاري بعدد كبير من الشيوخ والعلماء، حتى بلغوا أكثر من ألف رجل، وذلك في رحلاته الكثيرة وتطوافه الواسع في الأقاليم، قال البخاري: «كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث».

وقد اهتمّ العلماء بذكر شيوخ البخاري فسمّاهم بعض العلماء ورتّبهم على الأقطار كالذهبي في سير أعلام النبلاء، ورتّبهم بعضهم حسب الطبقة كالحافظ ابن حجر في هدي الساري، ورتّبهم بعضهم حسب عدد الروايات، ورتّبهم بعضهم على حروف المعجم. قال الإمام النووي: «هذا الباب واسع جدًا لا يمكن استقصاؤه، فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد، ليستدل بذلك على اتساع رحلته، وكثرة روايته، وعظم عنايته».

- أما شيوخه الذين أكثر عنهم جداً في الصحيح، ولهم عنده أكثر من مائة رواية: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد فاقت رواياته عنه الثلاثمائة رواية، علي بن عبد الله المديني فاقت مروياته المائتين، أبو اليمان الحكم بن نافع، موسى بن إسماعيل التبوذكي، عبد الله بن محمد المسندي، أبو نعيم الفضل بن دكين، محمد بن بشار المعروف ببندار، قتيبة بن سعيد، سلمان بن حرب، أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، محمد بن المثنى .

- أما المتوسطون الذين لهم دون المائة رواية وأكثر من خمسين: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عبد الله بن الزبير الحميدي، إبراهيم بن موسى، إبراهيم بن المنذر، محمد بن يوسف الفريابي، محمد بن كثير، حفص بن عمر .

- ومن أهم شيوخه الذين بلغوا رتبة الإمامة في العلم والدين : الإمام أحمد بن حنبل وإن لم يرو عنه في الصحيح، وإسحاق بن راهويه روى عنه نحو الثلاثين رواية، وأحمد بن صالح المصري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم .

ولعل أعظمهم تأثيراً في نفس الإمام البخاري وشخصيته، وأجلهم مرتبة عنده هو الإمام علي بن المديني رحمه الله، حيث قال البخاري فيه: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني".

منهجه في الكتاب والشبهات حوله والرد عليها

كان منهج البخاري في كتابة الحديث صارماً، يستقصي من الرواة والأسانيد، وأصبح علماً في هذا الباب في حسن التصانيف والتدقيق، وتعدُّ قصة تأليفه لكتابه (الجامع الصحيح) الذي يعد أول كتاب صنف في الحديث الصحيح المجرد، دليلاً عظيماً على الهمة والذكاء والإخلاص، وقد استغرق هذا العمل 16 عاماً في رحلات شاقة بين البلدان.

ولم يتعجل إخراج الكتاب إذ بذل فيه الكثير من المراجعة والتنقيح والاستقصاء حتى خرج بالصورة النهائية له ليضم 7275 حديثاً اختارها البخاري من بين 600 ألف حديث كانت قد وصلته، حيث عمل على تدقيق الروايات ووضع شروطاً لقبول رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرا لمن يروي عنه، وأن يكون قد سمع الحديث منه، إلى جانب: الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.

إن البخاري في صحيحه لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، بل هو يروي عن شيوخ ثقات، في أعلى درجات الحفظ والضبط والأمانة عن مثلهم إلى أن يصل إلى الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقل عدد بين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الرواة.

وقد عقد الإمام ابن حجر في مقدمته لشرح (صحيح البخاري)، فصلاً خاصاً أورد فيه الأحاديث التي انتقدها الإمام الحافظ الدار قطني وغيره من النقاد على صحيح البخاري حديثاً حديثاً على سياق الكتاب، وأجاب عنها، وبلغ عدد هذه الأحاديث مئة وعشرة أحاديث، وقال: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها واردٌ من جهة أخرى"، وذكر عن الإمام أبي عمر بن الصلاح: "أن المواضع المتنازع في صحتها لم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب". وجل انتقادات الدار قطني فنيّة غامضة على غير أهل الاختصاص في الحديث النبوي، وتنقسم إلى ستة أقسام، كما بين ابن حجر، وهي:

الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.

الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.

الثالث: ما تفرد بعض الرواة في زيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها.

الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة.

الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحاً، ومنه ما لا يؤثر.

السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح.

ثم قال المؤلف قبل الشروع في استعراض الأحاديث المئة وعشرة واحداً واحداً: "فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد حررتها وحققتها، وقسمتها، وفصّلتها. لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر".

وختم الحافظ ابن حجر هذا الفصل بقوله: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطّلعون على خفايا الطرق، وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف"، "فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عَظُم مقدار هذا المُصنَّف (يعني: صحيح البخاري) في نفسه، وجلّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم، وليسا سواءً: من يدفع بالصدر فلا يأمن دعوى العصبية، ومن يدفع بيد الإنصاف على القواعد المرضية والضوابط المرعية".

مكانة الإمام البخاري وكتابه والردّ على نقاده

لقد كان البخاري محلَّ قبولِ وثناء عامة الأئمة عبر التاريخ، فقد قال أحمد بن حنبل: "ما أخرجتْ خراسان مثلَ محمد بن إسماعيل البخاري"، وأفاض الحافظ الخطيب البغدادي في بيان مكانة البخاري في حواضر الإسلام: البصريين والحجازيين والكوفيين والبغداديين وأهل الريّ وخراسان، وقال الإمامان النووي والطوفي: "تلقيب البخاري ومسلم بإمامَي المحدّثين هو باعتبار ما كانا عليه من الورع والزهد والجد والاجتهاد في تخريج الصحيح حتى ائتم بهما في التصحيح كلُّ من بعدهما". وقال الحافظ الترمذي: «لم أر أحداً بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل».

ولا يوجد كتاب لدى المسلمين، نال الحظوة والسمعة والشهرة عند جمهور الفقهاء والشيوخ كصحيح البخاري، ونال بنفس القدر والقسط من التبجيل والتكريم والتعظيم، فهو أصح كتاب بعد القرآن (فيما يخص نصوص الشرع)، وقد انعقد إجماع الأمة على أن التراجم التي وضعها البخاري تدل عن فهم عميق ونظر دقيق في معاني النصوص، فهو محل اتفاق بين عامة العلماء عبر القرون بعد أن أصبح البخاري محل قَبول منهم على كثرة دراسته والكتابة عنه أو عن جانب منه، وقد أقر بهذا أئمة كالإمام أحمد بن حنبل، والحافظ النسائي وحكى الاتفاق عليه أئمة كابن الصلاح والنووي والطوفي وآخرين. وقد رَوَى عن البخاري عددٌ كبير من تلامذته كمسلم وأبي زُرعة الرازي، والترمذي وابن خزيمة وخلق كثير.

هذه هي مكانة صحيح البخاري لدى علماء الأمة الإسلامية وشيوخها وفقهائها، وهذا غيض من فيض ما قيل في هذا الإمام العلم، فليعلم كل ناقد له عن أي عظيم يتكلم. ونختم هذا البحث بما قاله ابن تيمية: "جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرَّجها وكان الصواب فيها مع من نازعه.. ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها".

ونحن نعلم خطورة التقليل من شأن الإمام البخاري وجامعه الصحيح، وعدم إعطائهما حقّهما، ولا نعني بذلك عدم النقد العلمي المنصف النزيه إذا جاء من أهله، إذ شتان بين ناقد بصير باحث عن الحقيقة يصدر في نقده عن علم، وأدب، وناقد يبخس الناس أشياءهم بدافع الجهل أو الهوى.

 

__________

 المراجع

1- الترمذي، سنن الترمذي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1996م، (9/ 232).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المملكة السعودية، (1/256).

3- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379ه، (1/ 479).

4- شمس الدين الذهبي تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1419هـ- 1998م (2/428).

5- شمس الدين الذهبي سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405 هـ - 1985م، (12 /467).

6- ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، مصر، ط1، 1417 – 1997م، (14/527)

7- ابن مفلح، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، مكتبة الرشد، السعودية، ط1، 1410هـ - 1990م، (2/ 230 - 377).

8- النووي، تهذيب الأسماء واللغات، دار الكتب العلمية، بيروت، (1/71).

 

من خصائص القرآن الكريم: الإعجاز، فهو المعجزة الكبرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، التي لم يتحدَّ زعماء العرب وصناديد الباطل بغيرها، برغم ما ظهر على يديه من معجزات لا تحصى. فأين تتجلى المعجزة الكبرى للقرآن الكريم؟

أولاً: تعريف المعجزة وشروطها:

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مصطلح المعجزة، إنما ظهر هذا المصطلح في وقت متأخر بعض الشيء عندما دوّنت العلوم ومنها علم العقائد، في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، لذا نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كلمة "الآية" في صدر إعطاء الدلائل للرسل عليهم الصلاة والسلام لمحاجة الأقوام، يقول تعالى:" وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَيُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 109).

كما استعمل القرآن الكريم تارة لفظة "البينة" كما في قوله:" قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً" (الأعراف، آية: 73). والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية.

وتارة يستخدم القرآن لفظة "البرهان" قال تعال:" فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (القصص، آية: 32). والبرهان مبين للحجة وهو أوكد للدلالة ويقتضي الصدق لا محالة.

كما يأتي التعبير عن المعجزة أحياناً بالسلطان، قال تعالى: "تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" (ابراهيم، آية: 10).

ولعل اختيارهم لهذا المصطلح بدلاً من الآية والكلمات الأخرى لإزالة الدلالة المشتركة في الآية من القرآن الكريم كما في قوله تعالى:" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ ِشَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة، آية: 106).

وبين الآية بمعنى العلامة البارزة الدالة على وجود الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته كما في قوله تعالى:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ" (آل عمران، آية: 190).

وبين الآية بمعنى البناء العالي، كما في قوله تعالى: "أَتَبْنُونَ بِكُلّ ِرِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ" (الشعراء، آية: 128). وكذلك الخروج من الدلالات المشتركة في الكلمات الأخرى.

1ـ تعريف المعجزة:

أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة يظهره الله على يد رسله. فالمعجزة أمر خارق للسنة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون ولا تخضع للأسباب والمسببات ولا يمكن لأحد أن يصل إليها عن طريق الجهد الشخصي والكسب الذاتي، وإنما هو هبة من الله سبحانه وتعالى يختار نوعها وزمانها ليبرهن بها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه بالرسالة.

والسحر والأعمال الدقيقة التي يمارسها بعض أهل الرياضات البدنية أو الروحية لا يدخل تحت اسم الخارق لأن لكل من تلك الأمور أساليب يمكن لأي إنسان أن يتعلمها ويتقنها ويمارسها، إذا اتبع الأسباب والأساليب المؤدية إلى نتائجها أمكنه بواسطة الجهد الشخصي والمران والممارسة أن يتوصل إلى تلك النتائج، أما الأمور الخارقة فلا تدخل تحت طاقة البشر، ليست لها أسباب تؤدي إليها.

2ـ شروط المعجزة:

ومن خلال التعريف السابق للمعجزة نستطيع أن نتلمس شروطها:

أ ـ أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: مثل عدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعدم إغراق الماء لموسى عليه السلام وقومه، وعدم سيلانه عليهم، ومثل القرآن الكريم.

ب ـ أن يكون الخارق من صنع الله وإنجازه، قال تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِي َبِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" (غافر، آية: 78).

ج ـ سلامتها من المعارضة.

د ـ أن تقع على مقتضى قول من يدّعيها.

ه ـ التحدي بها.

و ـ أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله عز وجل.

ز ـ تأخر الأمر المعجز عن دعوى الرسالة.

وقد توافرت هذه الشروط في إعجاز القرآن الكريم.

ثانياً: القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى:

لما زعم المشركون أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن، قال الله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" (الطور، آية: 33 ــ 35).

ــــ ثم تحداهم بعشر سور:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ــ 14).

ــــ ثم تحداهم بسورة واحدة: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة، آية: 23 ـ 24).

ــ وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، آية: 38).

فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، سجل على الخلق جميعاً العجز إلى يوم القيامة بقوله تعالى: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 18).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".

إن معجزات الأنبيـاء تتماثل مـن حيث إنهـا حسية ومخصوصة بزمنها، أو بمـن حضرها، أو منقرضة بانقراض من شاهدها، أما معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم الذي لم يعط أحد مثله، وهو أفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة، واستمرار تحديه في أسلوبه وبلاغته ومعانيه وأخباره، وعجز الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار، مع اعتناء معارضيه بمعارضته فلم ولم يقدروا، فعمَّ نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد إلى آخر الدهر، ولذلك فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً.

هذا شرح للحديث على وجه الإجمال، وأما أسباب اختصاص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بهذه المعجزة الظاهرة، فلثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه، وأظهر آياته:

1 ـ إن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر من ناس دهره، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه، بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر، فصارت معجزاته ـ وإن اختلفت ـ متشاكلة المعاني، مختلفة العلل.

2 ـ إن المعجزة في كل يوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وأفهامهم، والعرب أصح الناس أفهاماً وأحدَّهم أذهاناً، فخصوا من معجزات القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم.

3 ـ وهذه المعجزة جمعت بين الدليل لما فيه من الإعجاز وغيره من وجوه الدلالة وبين المدلول بما فيه من بيان الإيمان وأدلته، وبيان الأحكام الشرعية والقصص والأمثال، والوعد والوعيد وغير ذلك من علومه التي لا تنحصر، ثم جعل مع حفظه وتلاوته من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى.. ولهذا توفرت الدواعي على حفظه على مر الدهور والعصور، ففي كل قرن ترى من حفظته ما يفوق العد والاحصاء، ويستنفذ نجوم السماء ومثل ذلك لم يتفق لغيره من الكتب الإلهية المقدسة.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً" آية من آيات نبوته، كما قال النووي: فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا في زمن قلة من المسلمين، ثم إن الله تعالى فتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة وسائر نعمه التي لا تحصى.

المراجع:

  • د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجِزَةُ الخَالِدَةُ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، ، دار المعرفة، ص.ص (7-9).
  • د. يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، دار الشروق ط. الثالثة، ص: 32.
  • الاصفهاني، الراغب الاصفهاني، المفردات في غريب القرآن، المكتبة التوفيقية للطبع والنشر والتوزيع، 1906، ص: 45.
  • مصطفي مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، دار المسلم للنشر والتوزيع،2011، ص: 14. ص: 18.
  • ابن غشيان، ثامر بن ناصر بن فهد، رسالة خاتم النبيين محمد: ضرورتها، وطرائق إثباتها، ولوازمها، مكتبة الرشد ناشرون، 2005 ، ص: 155.
  • النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ ( 2 / 188).
الأحد, 03 فبراير 2019 10:08

معجزة إلهية أذهلت الملحدين

 وصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر إلى اكتشاف يدل على وجود حاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين، ويتحرك بينهما، ويسميه علماء البحار «الجبهة»، تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين، وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على الخصائص التي قدرها الله له ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠﴾ (الرحمن)، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.

وقد تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز، فقد استقرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار، التي أعلنت في عام 1361هـ/ 1942م عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، وبعد عام 1962م عُرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر، فيحدث الاختلاط بين البحار المالحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز.

وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار المالحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية، التي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسماً واحداً، فإن هناك فروقاً كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة، وتظهر بألوان مختلفة منعاً لاختلافها في درجة الحرارة.

وفي دراسة ميدانية للمقارنة بين مياه خليج عُمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووجود البرزخ الحاجز بينهما، وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة، اشترك فيها المئات من الباحثين واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة.

الحاجز بين بحرين في كتاب الله عزَّ وجل:

- قال تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢﴾ (الرحمن).

- وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ 

بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١﴾ (النمل).

في كل من الآيتين رقم (19 - 22) من سورة "الرحمن"، والآية رقم (61) من سورة "النمل"، تفسر لفظة "البحرين" التي جاءت مطلقة في الحالتين بالبحرين المالحين، وذلك للمبررات التالية:

أ- أن لفظة "البحر" في اللغة تطلق على كل من البحر المالح والبحر العذب (أي النهر)، ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل على البحر المالح فقط، وإذا قيدت فإنها تدل على ما قيدت به، وقد جاءت لفظة البحرين مطلقة في الحالتين المذكورتين.

ب- أورد القرآن الكريم لفظة "البحر" بالإطلاق في 39 موضعاً، منها 33 بالإفراد، و3 بالتثنية، و3 أخرى بصيغة الجمع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢﴾ (إبراهيم).

وفي المقابل نلاحظ أن القرآن الكريم أورد لفظة "البحر" بالتقييد المحدد مرتين فقط بصيغة التثنية:

يقول فيها الله تعالى: ﴿۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣﴾ (الفرقان)، والآية الكريمة تشير إلى ثلاثة أنواع من المياه:

- مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة.

- مياه البحار وهي شديدة الملوحة.

- مياه في منطقة المصب وهي مزيج من الملوحة والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين البحر والنهر.

لا تختلط الكتل المائية الثلاثة (ماء النهر وماء البحر وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية أن معظم الكائنات التي تعيش في البحر أو النهر أو المصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها وتموت إذا خرجت منها.

ومنطقة المصب منطقة محجوزة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر أو النهر؛ لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الأسموزي، وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية قد زودتنا بصورة باهرة تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، ولقد وصف القرآن الكريم منطقة اللقاء بين الكتل المائية الثلاثة بأدق وصف وأدل لفظ وأوجز عبارة تضمنت تحديد العلاقة بين الكتل المائية الثلاثة وكائناتها الحية التي تعيش فيها.

- وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ

حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢﴾ (فاطر).

جـ- في وصف لفظة "البحرين" المطلقة جاء في سورة الرحمن قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢﴾ (الرحمن)، وكل من اللؤلؤ والمرجان لا يحيا إلا في الماء المالح، وإن كانت بعض أصداف اللؤلؤ قد استزرعت صناعياً في الماء العذاب، وعلى ذلك فإن جمع اللؤلؤ والمرجان معاً في الآية رقم (22) من سورة "الرحمن" يؤكد أن المقصود بالبحرين هنا هما: البحر المالح، والبحر المالح، وهو أمر أكبر إعجازاً من التقاء النهر العذب بالبحر المالح، على أهمية ذلك العظمى، وضرورته القصوى لاستقامة الحياة على سطح الأرض، وعلى ما فيه من إعجاز في الخلق يعجز البيان عن تصويره.

د- الإشارة القرآنية الكريمة إلى تعظيم الفاصل بين البحرين العذب والمالح بكل من البرزخ والحجر المحجور، وذلك لوجود الدلتا ومقدماتها وما حولها من حواجز ترسبية بالإضافة إلى الماء الوسطي بين العذب والمالح (الماء المويلح أي قليل الملوحة) على حواف الماء العذب عند التقاء الماءين ووجود الشحنات الكهربية المتشابهة والمتنافرة في أيونات الأملاح المذابة في الماء.

وفي المقابل، فإن الإشارة القرآنية إلى الفاصل بين البحرين -بغير تخصيص- بتعبير البرزخ فقط أو الحاجز فقط، وهو الحاجز بين الماء الوسطي بين ماءين مختلفين في صفاتهما الطبيعية والكيميائية، كالبحرين المالحين المختلفين أفقياً أو رأسياً؛ وذلك لأن مثل هذا الحاجز يمنع تحرك الكائنات البحرية من كتلة مائية إلى كتلة مائية أخرى مجاورة إلا إذا تباينت الصفات بينهما تبايناً صارخاً، فهو لا يحجز الكائنات البحرية حجزاً كاملاً، كما أنه يصعب إدراكه على غير المتخصصين حتى في زمن التقدم العلمي الذي نعيشه.

هـ- ثبت أن التنوع بين كتل الماء المتجاورة أفقياً ورأسياً بين البحار المتجاورة، وفي داخل البحر الواحد من البحار العميقة والمحيطات ضرورة من ضروريات التنوع البيئي في البحار الذي لولاه لتقلصت الحياة البحرية تقلصاً شديداً.

إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمن يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدل على مصدره الإلهي، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦﴾ (الفرقان)، وفي رسالة جديدة للملحدين مفادها أنَّ الضبط الدقيق والإتقان في خلق الكون والأرض هو دليل وجود متقن لذلك وهو الله الخالق البارع رب هذا الكون ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ (السجدة: 7)، كما تدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحي إليه وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَ لَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣﴾ (فصلت).

___________

المراجع:

1- د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، بيروت، 2013م، ص 109: 111.

2- عبدالمجيد بن عزيز الزنداني، بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، دار الإيمان، القاهرة، الطبعة الأولى، ص 72 : 75. ص 146 : 155.

3- د. زغلول النجار، مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، دار المعرفة، بيروت. لبنان، الطبعة الأولى، 2009م، ص 206.

كانت القسطنطينيَّة قبل فتحها عقبةً كبيرةً في وجه انتشار الإِسلام في أوربا، ولذلك فإِنَّ سقوطها يعني: فتح الإِسلام لدخول أوربا بقوَّةٍ وسلامٍ لمعتنقيه أكثر من ذي قبل. ويعتبر فتح القسطنطينيَّة من أهمِّ أحداث التَّاريخ العالميِّ، وخصوصاً تاريخ أوربا، وعلاقتها بالإِسلام؛ حتَّى عدَّه المؤرِّخون الأوربيُّون، ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى، وبداية العصور الحديثة.

وقد قام السُّلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإِعادة تحصينها، واتَّخذها عاصمةً للدَّولة العثمانيَّة، وأطلق عليها لقب إِسلام بول؛ أي: مدينة الإِسلام.

ولقد تأثَّر الغرب النَّصرانيُّ بنبأ هذا الفتح، وانتاب النَّصارى شعورٌ بالفزع، والألم، والخزي، وتجسَّم لهم خطر جيوش الإِسلام القادمة من إستانبول، وبذل الشُّعراء، والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد، وبراكين الغضب في نفوس النَّصارى ضدَّ المسلمين، وعقد الأمراء، والملوك اجتماعاتٍ طويلةً، ومستمرَّةً، وتنادى النَّصارى إِلى نبذ الخلافات، والحزازات، وكان البابا نيقولا الخامس أشدَّ النَّاس تأثُّراً بنبأ سقوط القسطنطينيَّة، وعمل جهده، وصرف وقته في توحيد الدُّول الإيطاليَّة، وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عقد في روما، أعلنت فيه الدُّول المشتركة عن عزمها على التَّعاون فيما بينها، وتوجيه جميع جهودها، وقوَّتها ضدَّ العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتمَّ إِلا أنَّ الموت عاجل البابا بسبب الصَّدمة العنيفة النَّاشئة عن سقوط القسطنطينيَّة في يد العثمانيين، والَّتي تسبَّبت في همِّه، وحزنه، فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م.

وتحمَّس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا، والتهب حماساً، وحميَّةً واستنفر ملوك النَّصارى إِلى قتال المسلمين، وحذا حذوه البارونات، والفرسان، والمتحمِّسون، والمتعصِّبون للنَّصرانيَّة، وتحوَّلت فكرة قتال المسلمين إِلى عقيدةٍ مقدَّسةٍ تدفعهم لغزو بلادهم، وتزعَّمت البابويةُ في روما حروبَ النَّصارى ضدَّ المسلمين، وكان السُّلطان محمَّد الفاتح بالمرصاد لكلِّ تحرُّكات النَّصارى، وخطَّط، ونفَّذ ما رآه مناسباً لتقوية دولته، وتدمير أعدائه، واضطَّر النَّصارى الَّذين كانوا يجاورون السُّلطان محمَّداً، أو يتاخمون حدوده في أماسيا، وبلاد المورة، وطرابزون، وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقيَّ، فتظاهروا بالفرح، وبعثوا وفودهم إِلى السُّلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم.

وحاول البابا بيوس الثَّاني بكلِّ ما أوتي من مقدرةٍ خطابيَّةٍ، وحنكةٍ سياسيَّةٍ تأجيج الحقد الصَّليبيَّ في نفوس النَّصارى شعوباً، وملوكاً، قادةً، وجنوداً، واستعدَّت بعض الدُّول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيِّين، ولمَّا حان وقت النَّفير اعتذرت دول أوربا بسبب متاعبها الدَّاخلية، فلقد أنهكت حرب المئة عام إِنكلترا، وفرنسا، كما أنَّ بريطانيا كانت منهمكةً في مشاغلها الدُّستوريَّة، وحروبها الأهليَّة، وأمَّا إسبانيا فهي مشغولةٌ بالقضاء على مسلمي الأندلس، وأمَّا الجمهوريات الإِيطاليَّة فكانت تهتمُّ بتوطيد علاقاتها بالدَّولة العثمانيَّة مكرهةً، وحبَّاً في المال، فكانت تهتمُّ بعلاقتها مع الدَّولة العثمانيَّة.

وانتهى مشروع الحملة الصَّليبية بموت زعيمها البابا، وأصبحت المجر، والبندقيَّة تواجه الدَّولة العثمانيَّة لوحدهما؛ أمَّا البندقيَّة، فعقدت معاهدةً صداقةً، وحسن جوارٍ مع العثمانيِّين رعايةً لمصالحها، وأمَّا المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانيَّة، واستطاع العثمانيُّون أن يضمُّوا إِلى دولتهم بلاد الصِّرب، واليونان، والأفلاق، والقرم، والجزر الرَّئيسيَّة في الأرخبيل. وقد تمَّ ذلك في فترةٍ قصيرة، حيث داهمهم السُّلطان الفاتح، وشتَّت شملهم، وأخذهم أخذاً عظيماً.

وحاول البابا (بيوس الثاني) بكلِّ ما أوتي من مهارةٍ، وقدرةٍ سياسيَّةٍ تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين: حاول أوَّلاً أن يقنع الأتراك باعتناق الدِّين النَّصرانيِّ، ولم يقم بإِرسال بعثات تبشيريَّة لذلك الغرض، وإِنَّما اقتصر على إِرسال خطابٍ إِلى السُّلطان محمَّد الفاتح يطلب منه أن يعضد النَّصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين، وكلوفيس، ووعده بأنَّه سيكفر عنه خطاياه إِن هو اعتنق النَّصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته، واحتضانه، ومنحه صكَّاً بدخول الجنَّة. ولما فشل البابا في خطَّته هذه لجأ إِلى الخطَّة الثَّانية خطَّة التَّهديد، والوعيد، واستعمال القوَّة، وكانت نتائج هذه الخطَّة الثَّانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصَّليبيَّة، والقضاء على الحملة الَّتي قادها هونياد المجري.

وأمَّا آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإِسلاميِّ؛ فنقول: لقد عمَّ الفرح، والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا، وأفريقيا، فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد، وأمل الأجيال، ولقد تطلَّعت له طويلاً، وها قد تحقَّق، وأرسل السُّلطان محمَّد الفاتح رسائل إِلى حكَّام الدِّيار الإِسلاميَّة في مصر، والحجاز، وبلاد فارس، والهند، وغيرها، يخبرهم بهذا النَّصر الإِسلاميِّ العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشُّكر، وزُيِّنت المنازل، والحوانيت، وعلِّقت على الجدران، والحوائط الأعلام، والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

يقول ابن إِياس صاحب كتاب «بدائع الزُّهور» في هذه الواقعة: «فلمَّا بلغ ذلك، ووصل وفد الفاتح؛ دُقَّت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزِّينة، ثمَّ إِنَّ السُّلطان عيَّن برسباي أمير آخور ثاني رسولاً إِلى ابن عثمان يهنِّئه بهذا الفتح».

وندع المؤرِّخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور النَّاس، وحالهم في القاهرة عندما وصل إِليها وفد الفاتح، ومعهم الهدايا، وأسيران من عظماء الرُّوم، قال: «قلت: ولله الحمد والمنَّة على هذا الفتح العظيم، وجاء القاصد المذكور، ومعه أسيران من عظماء إستانبول، وطلع بهما إِلى السُّلطان (سلطان مصر إِينال) وهما من أهل القسطنطينيَّة، وهي الكنيسة العظيمة بإستانبول، فسرَّ السُّلطان، والنَّاس قاطبةً بهذا الفتح العظيم، ودُقَّت البشائر لذلك، وزُيِّنت القاهرة بسبب ذلك أيَّاماً، ثمَّ طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران إِلى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوَّال بعد أن اجتاز القاصد المذكور، ورفقته شوارع القاهرة، وقد احتفل النَّاس بزينة الحوانيت، والأماكن، وأمعنوا في ذلك إِلى الغاية، وعمل السُّلطان الخدمة بالحوش السُّلطاني من قلعة الجبل...»

وهذا الَّذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال النَّاس، وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينيَّة ما هو إِلا صورةً لنظائر لها قامت في البلاد الإِسلاميَّة الأخرى. وقد بعث السُّلطان محمَّد الفاتح برسائل الفتح إِلى سلطان مصر، وشاه إِيران، وشريف مكَّة، وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرَّسائل إِلى الأمراء المسيحيِّين المجاورين له في المورة، والأفلاق، والمجر، والبوسنة، وصربيا، وألبانيا، وإِلى جميع أطراف مملكته.

_______

المراجع:

1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص. ص (94-96).

2- يلماز أوزنتونا، تاريخ الدولة العثمانيَّة، ترجمه إِلى العربيَّة عدنان محمود سلمان، د. محمود الأنصاري، المجلَّد الأوَّل، منشورات مؤسَّسة فيصل للتَّمويل، تركيا، إِستانبول 1988م.ص (384).

3- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (164).

4- جمال الدِّين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي، النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للتَّأليف والنَّشر، 1391هـ/1971م. ص.ص (16-71).

خير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين القرآن الكريم الذي يحوي إشارات في كل العلوم

بعض الإشارات القرآنية كانت جديدة على المخاطبين بالقرآن أول مرة لا يعرفون أسرارها 

ليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق فبعضها فرضيات وأخرى مازالت في طور النظرية 

انكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها القرآن للبشر جيلاً بعد جيل جانب من جوانب استمرارية الرسالة



 

حمَلتْ آيات الإعجاز في القرآن الكريم معانيَ كثيرة دالة على حقيقة الوحدانية لله عز وجل، وسمو رسالة الإسلام ودورها في سعادة وخير الإنسانية جمعاء، ولكن واقع الحال الذي تعيشه الأمة جعل الانحرافات والقال والقيل في عقيدة دين الإسلام تكثر لدى ضعاف النفوس وأصحاب الهوى وأتباع السلطان، فكثر التنطع والتكفير والتحريف من جهة، والإلحاد وقول الباطل وتشتيت العقائد لدى البعض من جهة أخرى.
فلماذا ظهر الإلحاد؟ وكيف اختلطت الأفكار والعقائد على أصحابها في زماننا؟ وكيف تمثلت قيم العبودية والوحدانية والربوبية لله سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم؟


تعريف الإلحاد:
الإلحاد: العُدُول عن الاستقامة والانحراف عنها، وأَلْحَدْتُ: مَارَيْتُ وجَادَلْتُ، وفي قوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) (الحج: 25)؛ أَي انحرافاً بظلم، وقد أَلْحَد في الحَرَمِ: تَرَكَ القَصْدَ فيما أُمِرَ به ومالَ إلى الظلم، وألحد في الحرم: أشرك بالله تعالى، وقيل: الإلحاد فيه: الشك في الله، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء، ولاحد فلان فلاناً: اعوج كل منهما على صاحبه ومالا عن القصد، والملتحد: الملتجأ والملجأ، أي لأن اللاجئ يميل إليه، قال تعالى: (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً {22}) (الجن)، قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذِكْرُه: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم، واختلف أهل التفسير في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به، وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه، عن ابن عباس، قوله: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {25}) يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم، وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة، وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهياً عنه من الفعل».
أما الإلحاد اصطلاحاً فهو إنكار وجود الإله الخالق، أو إنكار تصرفه في مخلوقاته.


القرآن سلاح ضد الإلحاد:
وخير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين هو القرآن الكريم، فهو المعجزة الخالدة، ومع أن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، ولا كتاب فيزياء أو فلك أو كيمياء أو أحياء، ولكنه مع ذلك يحوي إشارات في كل تلك العلوم، وموضع هذه الإشارات في كتاب الله هو تعريف الناس بقدرة ربهم التي لا تحد وبآيات قدرته في هذا الكون، ليعرفوا أنه لا إله غيره، ولا مدبر غيره، ولا رازق غيره، ولا مهيمن غيره، فيعبدوه وحده بلا شريك ويتبعوا ما أنزل إليهم.


وبعض هذه الوصايا القرآنية كان معلوماً مشاهداً بالنسبة للمخاطبين بها؛ فكان ذكرها لهم، وتذكيرهم بها، مقصوداً به لإزالة الغشاوة التي تغشى على بصائرهم فتجعلهم لا يدركون الدلالة الواضحة التي يجب أن تستمد منها، وهي أنه ما دام الله هو الذي يقدر، وهو على كل شيء قدير، ولا أحد يقدر قدرته، ولا يدبر تدبيره، ولا يهيمن هيمنته؛ فالعبادة ينبغي أن توجه إليه وحده دون الآلهة المزعومة التي لا تخلق، ولا تقدر، ولا تدبر، ولا تهيمن، ولكن بعض هذه الإشارات كانت جديدة على أولئك المخاطبين بالقرآن أول مرة، لا يعرفون أسرارها أو تفصيلاتها، وقال لهم الله في كتابه المنزل: إنهم سيعرفونها ذات يوم، وفي قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53)، وقوله عز وجل: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {93}‏) (النمل)، وقوله تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ {88}‏) (ص).


أما الذين آمنوا فقد أخذوا هذه الإشارات بالتسليم وإن كانوا لا يعرفون كل شيء عنها، ما دامت من عند ربهم الذي آمنوا به وصدقوه، وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) (البقرة: 26)، وفي قوله سبحانه وتعالى: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) (آل عمران: 7)، ولكن أجيالاً وراء أجيال كانت تتعرف رويداً رويداً على بعض أسرار هذه الوصايا الإيمانية، فتزيدها المعرفة إيماناً، وإن كانوا مؤمنين مصدقين من قبل.


الإشارات القرآنية.. والعصر الحديث:
وفي عصرنا الحديث هذا الذي اتسعت فيه دائرة العلوم وانكشف فيه كثير من أسرار الكون، تبينت للناس حقائق كثيرة تتعلق بالإشارات القرآنية لم تكن معلومة من قبل، فازداد الناس تعلقاً بتلك الإشارات، وقامت بشأنها أبحاث متخصصة يقوم بها علماء مسلمون في شتى فروع المعرفة، وقامت دعوة تهدف إلى الإكثار من هذه الأبحاث، من أجل إقناع غير المسلمين بالإسلام عن طريق إثبات صدق القرآن، وأنه وحي منزل من عند الله تبارك وتعالى، إذ لم تكن المعلومات الواردة فيه معروفة للبشرية كلها من قبل، فيستحيل أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن من عند نفسه كما يزعم المستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام، وهذا دليل في ذاته.


وقد أسلم على هداه بعض الناس بالفعل، ولكن هناك في هذا الاتجاه محاذير، فبعض الناس تدفعهم الحماسة فيتلقفون كل نظرية علمية أو مقولة غربية يظنون فيها تأييداً أو إثباتاً لإشارة من الإشارات الواردة في القرآن، فيسارعون إلى تبنيها، ويفسرون الآيات القرآنية على هداها، وليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق، فبعضها لا يزيد على فرضيات، وبعضها ما زال في طور النظرية لم يصل إلى حد أن يصبح حقيقة علمية، فإذا ربطنا تفسيرنا للآيات القرآنية ببعض هذه الفرضيات، ثم تبين بعد حين من الوقت أنها لم تكن صحيحة، فإننا نقع من حيث لا ندري في الغلطة التي وقعت فيها الكنيسة بالعصور الوسطى، إذ تبنت أفكاراً علمية كانت سائدة يومئذ ففسرت بها ما جاء في التوراة والإنجيل من إشارات كونية، فلما تقدم العلم وتبين خطأ هذه النظريات كفر الناس بالتوراة والإنجيل، وكذبوا كل ما كان فيهما مما بقي على أصله المنزل، ومما حرف، ومما أسيء تأويله، فجعلوها كلها أكاذيب.


دلائل الإعجاز:
والقرآن غني بدلائل الإعجاز فيه، سواء الإعجاز البياني الذي تحدى الله به البشر جميعاً، والبلغاء في أولهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، أو بألوان الإعجاز الأخرى، ولا يحتاج أن نلتمس له أسانيد من النظريات المتداولة اليوم، التي قد يظهر بطلانها غداً ولكن لا بأس أن نأخذ الحقائق التي ثبتت صحتها، التي نجدها متوافقة مع ما جاء في المنهج القرآني، أو مفسرة له، ونتخذها دليلاً يضاف إلى الأدلة القائمة من قبل على أن هذا القرآن وحي رباني وهداية للناس أجمعين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على ألا نتعسف في ربط تفسير الآيات بكل شاردة وواردة بما يسمى علماً، كما حاول بعضهم أن يفسر قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً {14}) (نوح)، بما يتفق مع نظرية التطور، بينما أصحاب النظرية ذاتهم يتشككون اليوم في صدقها، وينحون في تفسير الحياة على الأرض منحى غير منحى «دارون».


إن الله عز وجل ميز القرآن الكريم الذي يحمل كلمته الأخيرة للبشرية كافة بخصائص لا توجد في غيره، فقد كانت الرسالات السابقة محدودة بأقوام، ومحدودة بزمن معين ينتهي بإرسال رسول جديد، بينما هذه الرسالة كانت للبشر كافة، وللزمن كله من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكانت الكتب المنزلة السابقة تحوي احتياجات الأقوام الذين تنزل عليهم في الزمن المحدد في علم الله، أما القرآن، فقد أنزل الله فيه ما تحتاج إليه البشرية كلها، وفي الزمن القادم كله، فلا عجب أن يختلف عن الكتب السابقة في مبناه ومحتوياته، وإن كان مصدقاً لما فيها، ولكن مهيمناً عليها، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: 48).
والإعجاز العلمي كان واحداً من جوانب التميز التي تفرد بها، وانكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها للبشر جيلاً بعد جيل هو جانب من جوانب استمرارية الرسالة التي نزل بها الكتاب، فهو ليس لجيل واحد تنتهي مهمته بعدها، أو تنقطع صلة الأجيال به، بل هو لكل الناس في كل جيل، يهديهم إلى ربهم، ويوجههم إلى الخير وإلى الحق، ويربيهم على المنهج القويم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.

 

المراجع:
1- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة لحد.
2- تاج العروس من جواهر القاموس، مادة لحد.
3- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 18/ 595 وما بعدها.
4- علي محمد الصلابي، المعجِزَةُ الخَالِدَةُ.. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، ص 14-16.


إن علم التاريخ ليس مجرد تسجيل للوقائع والأحداث بصورة مجردة، إنما تتدخل به الانتماءات الأيديولوجية والفكرية والمنهجية لكل كاتب، ولعل أبرز مثال على هذه التدخلات من الناحية السلبية هو ما فعله المؤرخون بتاريخ الدولة العثمانية. فعند التمعن في تاريخ الدولة العثمانية والأوصاف التي اعتمدها الكتاب في كتابة هذا التاريخ نجد أنهم قد انقسموا إلى فريقين، الأول وهو الأغلب لأنه يمثل المستشرقين الغربيين واليهود والقوميين والعلمانيين الحاقدين على الحكم العثماني، استخدم أساليب العداء والطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة لأمة الإسلام، أما الفريق الثاني عبَّرَ عن انتمائه للأمة والدولة العثمانية كجزء من الحكومات التي صانت بيضة الإسلام لعهود طويلة.
إذًا، اختلفت الأقلام التي كتبت في التاريخ العثماني بين القراءة المعادية والقراءة الانتمائية، وهذه الروايات التاريخية ليست وليدة الصراع الغربي – الإسلامي في العصور الوسطى أو عصر نشوء القوميات في القرن التاسع عشر فقط، بل اتسعت في مرحلة الصراع المملوكي – العثماني – الصفوي – الصليبي، وقد حفلت تلك الروايات بالتوجس والعداء، وعلى هذا كان التصور الغربي والعربي سلبي تجاه الحكم العثماني.
فمنذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، حذر شيخ المؤرخين العرب عبد الرحمن بن خلدون السلطان المملوكي برقوق من عواقب قبول التحالف مع العثمانيين، مرددًا قولته المشهورة: "لا تخشوا على ملك مصر إلا من أولا عثمان". وكذلك مؤرخون عرب ومسلمون حملوا نفس التصور. ووحده المؤرخ ابن تغري بردي المثقف بحسه العالي، الذي دعا الى تحالف عثماني مملوكي ضد المغول بقيادة تيمورلنك، غير أنه في ظل حال الالتباس والتوجس، تم تجاهل رأيه، مما أدى في النهاية الى تحقيق نبوءته، فاجتاح المغول أراضي المماليك والعثمانيين في الشام والأناضول كلها.
أما بالنسبة لآراء الكتاب الأوروبيين من الحكم العثماني، فقد كانت محكومة بمواقف بلادهم من التقدم العثماني في أوروبا، خصوصًا بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) بيدهم، وحولها العثمانيون إلى عاصمة للإسلام (إسلام بول)، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد ضد العثمانيين، خاصة الرهبان والبابوات وزعماء الإقطاع الذين أخذوا يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والدسائس ضد المسلمين في خطاباتهم وكتابتهم، ووصفوهم بالبرابرة والكفرة والوحوش والرعاة. سيما بعد أن حاول العثمانيون السير لضم روما الى حظيرة الدولة الإسلامية، وأرادوا بلوغ ديار الأندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح.
ومع بداية عصر النهضة في أوروبا، لم يستطع وجدان المجتمع الأوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة تجاه العالم الإسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للانتقام من المسلمين، واستحواذ خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه في الاسلام وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبيرًا.
كما تأثر كثير من مؤرخين العرب بالاتجاهات الأوروبية المادية، ولذلك أسندوا كل ماهو مضيء في تاريخ بلادهم إلى بداية الاحتكاك بهذه الحضارة البعيدة كل البعد عن المنهج الرباني، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث من وصول الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب. واحتضنت القوى الأوروبية الاتجاه المناهض للخلافة الإسلامية، وقامت بدعم المفكرين في مصر والشام إلى تأصيل الإطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورج زيدان وأديب إسحاق وسليم نقاش وفرح انطوان وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، وكان أغلب هؤلاء من حملة التيار التغريبي المسيء لتاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.
وقد شارك بعض المؤرخين السلفيين في المشرق العربي في الهجوم على الدولة العثمانية مدفوعين إلى ذلك بالرصيد العدائي الذي خلّفه دور الخلافة العثمانية ضد الدعوة السلفية في عديد من مراحلها بسبب مؤامرات الدول الغربية الاستعمارية التي دفعت السلاطين العثمانيين للصدام بالقوة الإسلامية في نجد قلب الدعوة السلفية، وكذلك لمساندة الخلافة للاتجاه الصوفي، فضلًا عن أن دولة الخلافة في سنواتها الأخيرة سيطر عليها دعاة الطورانية التركية الذين ابتعدوا بها عن الالتزام بالمنهج الإسلامي الذي تميزت به الدولة العثمانية لفترات طويلة، وشجع كافة المسلمين للارتباط بها وتأييدها والوقوف معها.
وأما المؤرخون الماركسيون فقد شنوا حربًا لاهوادة فيها على الدولة العثمانية، واعتبروا فترة حكمها تكريسًا لسيادة النظام الإقطاعي الذي هيمن على تاريخ العصور الوسطى السابقة، وأن العثمانيين لم يُحدثوا أي تطور في وسائل أو قوى الإنتاج، وأن التاريخ الحديث يبدأ بظهور الطبقة البورجوازية ثم الرأسمالية التي أسهمت في إحداث تغيير في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في بداية القرن التاسع عشر، والتقوا في ذلك مع المؤرخين الأوربيين من أصحاب الاتجاه الليبرالي وكذلك مع أصحاب المنظور القومي، ممن نادوا بنزعات محلية مدعومة من الماسونية العالمية كأصحاب مشروع وحدة وادي النيل بين مصر والسودان، ودعاة الاتجاهات المحدودة كأتباع الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام..الخ.
لقد غلبت على الدراسات المذكورة طابع الحقد الأعمى، بعيدة كل البعد عن الموضوعية، وأدى ذلك الى ظهور رد فعل إسلامي للرد على الاتهامات والشبهات التي وجهت للدولة العثمانية، ولعل من أهمها تلك الكتابة المستفيضة التي قام بها الدكتور عبد العزيز الشناوي في ثلاث مجلدات ضخمة تحت عنوان "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها". ومن الجهود المشكورة في هذا الميدان ما قام به الباحث المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية الأستاذ محمد حرب الذي كتب للأمة الإسلامية كتب قيمة مثل "العثمانيون في التاريخ والحضارة" و"السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وقاهر الروم" و"السلطان عبد الحميد آخر السلاطين العثمانيين الكبار". ومن الأعمال القيمة في تاريخ الدولة العثمانية ماقدمه الدكتور موفق بني المرجة كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد" أو الخلافة الإسلامية، واستطاع هذا الكتاب أن يبين كثيرًا من الحقائق المدعومة بالوثائق والحجج الدامغة، وغير ذلك من الكتاب المعاصرين.
وقد اعتمد مؤرخون منصفون على إعادة كتابة التاريخ العثماني، ومنهم كتاب أتراك وعرب وغربيون، على المخطوطات والوثائق، وعلى سجلات المحاكم الشرعية، وحجج الأوقاف والدفاتر المالية، وسجلات المواني، وسجلات الروزنامة، والعقود التجارية المحفوظة كلها. ولجميع تلك المصادر التاريخية أهمية قصوى فهي تسجل التاريخ العربي اليومي تحت الحكم العثماني. وفضلًا عن ذلك تم الاعتماد على وثائق الأرشيف العثماني بإسطنبول، الذي احتوى على آلاف الوثائق الخاصة بالولايات العثمانية الشرقية والغربية.
وعلى هذا، فقد وصف مؤرخون عرب معاصرون القراءات المتعددة للتاريخ العثماني بأوصاف منصفة وحيادية، فقد قال الباحث المصري محمد عفيفي: "إن صورة الدولة العثمانية تتغير من فترة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، فصورتهم في مصر تختلف عن صورتهم في الشام". وكذلك الباحث السوري صقر أبو فخر إذ قال: "ليست الدولة العثمانية شريرة، بل كانت دولة عظيمة بلا ريب. ولم ينظر إليها العرب أنها دولة استعمارية، بل اعتبروها دولتهم، وكانوا يسمّون أبناءهم بأسماء مثل "تركي" و"تركية" و"دولت" وغيرها. لكنها مثل أي دولة عظيمة أخرى، مرّت بأطوار من الصعود والهبوط، أو التقدّم والانحطاط، أو التشدّد واللين، أو العدل والاستبداد. لذلك، تخضع دراسة التاريخ العثماني لتلك المتناقضات".
في نهاية المطاف يمكننا القول: نجحت الدراسات التاريخية الحديثة في إزالـة الغـبـار عـن حـقـيـقـة الـواقـع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة العثمانية، مما ساهم في إعادة النظر، بل ودحض فكرة تخلف الشعوب والأمم الخاضعة للحكم العثماني. وغالبية الكتاب ترى أن العثمانيين حكموا المنطقة العربية أربعة قرون، فيها سنوات نهضة وسنوات انتكاسة. وشارك في الدولة العثمانية أجناس متعددة ولغات مختلفة بما فيها العرب الذين شاركوا في الحضارة والسياسة في تلك الفترة. كما أن الصورة القاتمة التي رسمها بعض المؤرخين للحقبة العثمانية خاطئة. فالدولة العثمانية تميزت بالتسامح الديني والثقافي، وكانت الملاذ الآمن والبلد الحضاري لكل الفارين من الاضطهاد الديني والقهر السياسي في أوروبا والممالك الأخرى في العالم آنذاك.

المراجع:
1. ثروت البطاوي، الحقبة العثمانية في بلاد العرب.. فتح مبين أم غزو أثيم، رصيف 22، 28 أبريل 2017.
2. زكريا بيومي، قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين: التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي.
3. صقر أبو فخر، الدولة العثمانية.. التاريخ والتزوير والاختلاف، العربي الجديد، 30 ديسمبر 2017.
4. علي الصلابي، الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار الروضة، إستانبول.
5. عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية: دولة إسلامية مفترى عليها.
6. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة.
7. حاتم الطحاوي، البحث العربي في تاريخ العثمانيين، 7 أغسطس 2014.

 

عهد محمد الأول "جلبي" وابنه مراد الثاني (1413-1455م):

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.


بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ. صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها، وقد ولد السُّلطان محمَّد الأول عام (781هـ/1379م) وتولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة والده بايزيد، وعرف في التَّاريخ «بمحمَّد جلبي».


اشترك أثناء حكمه في 24 حرباً، وأصيب بأربعين جرحاً. واستطاع أن يقضي على الحرب الأهليَّة بسبب ما أوتي من الحزم، والكياسة، وبعد النَّظر، وتغلَّب على إخوته واحداً واحداً حتَّى خلص له الأمر، وتفرَّد بالسُّلطان، وقضى سني حكمه الثَّمانية في إِعادة بناء الدَّولة، وتوطيد أركانها، ويعتبره بعض المؤرخين المؤسِّس الثَّاني للدَّولة العثمانيَّة.
كان السلطان محمَّد الأوَّل محباً للشِّعر، والأدب، والفنون، وقيل: هو أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ أرسل الهدية السَّنويَّة إِلى أمير مكَّة الَّتي يطلق عليها اسم الصُّرَّة، وهي عبارة على قدرٍ معيَّنٍ من النقود يرسل إِلى الأمير لتوزيعه على فقراء مكَّة، والمدينة.
وقد أحبَّ الشَّعبُ العثمانيُّ السُّلطانَ محمَّداً الأوَّل، وأطلقوا عليه لقب: بهلوان «ومعناها: البطل» وذلك بسبب نشاطه الجم، وشجاعته، كما أنَّ له أعماله العظيمة.


وفاته وخليفته:
بعد أن بذل السُّلطان محمَّد الأوَّل قصارى جهده في محو آثار الفتن، فاجأه الموت في سنة 824هـ/1421م في مدينة أدرنة، وأسلم روحه لخالقه، وعمره 43 سنةً.
وخوفاً من حصول ما لا تُحمد عقباه لو عُلم موت السُّلطان محمَّد الأوَّل، اتَّفق وزيراه إِبراهيم، وبايزيد على إِخفاء موته على الجند حتَّى يصل ابنه مراد الثَّاني، فأشاعا: أنَّ السُّلطان مريضٌ، وأرسلا لابنه، فحضر بعد واحد وأربعين يوماً، وتسلَّم مقاليد الحكم. عام (824هـ/1421م) وكان عمره لا يزيد على ثماني عشرة سنةً، وكان محبَّاً للجهاد في سبيل الله، والدَّعوة إِلى الإِسلام في ربوع أوروبا.
كان معروفاً لدى جميع رعيَّته بالتَّقوى، والعدالة، والشَّفقة، استطاع السُّلطان مراد أن يقضي على حركات التَّمرُّد الدَّاخليَّة الَّتي قام بها عمُّه مصطفى، والَّتي كانت تُدعم من قبل أعداء الدَّولة العثمانيَّة، وكان السُّلطان مراد يوجِّه الضَّربات الموجعة لحركات التَّمرُّد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثمانيِّ في تلك الدِّيار، واتَّجه الجيش العثمانيُّ نحو الشَّمال لإِخضاع إقليم ولاشيا، وفرض عليه جزيةً سنويَّةً، واضطرَّ ملك الصِّرب الجديد «ستيف لازار ميتش» إِلى الخضوع للعثمانيِّين والدُّخول تحت حكمهم، وجدَّد ولاءه للسُّلطان، واتَّجه جيشٌ عثمانيٌّ نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان.


ولم يلبث السُّلطان أن واصل جهاده الدَّعويَّ، وقام بالقضاء على العوائق في كلٍّ من ألبانيا، والمجر.
واستطاع العثمانيُّون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركَّزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أمَّا شمالي ألبانيا، فقد خاض العثمانيُّون فيه جهاداً مريراً، وتمكَّن الألبانيُّون الشَّماليُّون من القضاء على جيشين عثمانيِّين في جبال ألبانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيَّتين متعاقبتين، كان يقودهما السُّلطان مراد بنفسه، وتكبَّد العثمانيُّون خسائر فادحةً أثناء عمليَّة الانسحاب، ووقفت الدُّول النَّصرانية خلف الألبان لدعمهم ضدَّ العثمانيِّين، وخصوصاً من حكومة البندقيَّة، الَّتي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الإقليم الهامِّ بشاطئيه، وموانئه البحريَّة الَّتي تربط البندقيَّة بحوض البحر المتوسط، والعالم الخارجي، وأنَّهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحرٍ مغلقٍ هو بحر الأدرياتيك. وهكذا لم يشهد السُّلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا.


وأمَّا ما يتعلَّق بجبهة المجر؛ فقد استطاع العثمانيُّون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريِّين، ويأسروا منهم سبعين ألف جنديٍّ، وأن يستولوا على بعض المواقع، ثمَّ تقدَّم لفتح بلغراد عاصمة الصِّرب، ولكنه أخفق في محاولته، وسرعان ما تكوَّن حلف صليبيٌّ كبير باركه البابا، واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوربا كليَّةً، وشمل الحلف البابوية، والمجر، وبولندا، والصِّرب، وبلاد الأفلاق، وجنوة، والبندقية، والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ودوقية برجنديا، وانضمَّت إِلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان، والتّشيك. وأُعطيت قيادة قوات الحلف الصَّليبيِّ إِلى قائدٍ مجريٍّ قديرٍ هو: يوحنَّا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوَّات الصَّليبيَّة البرِّيَّة، وزحف جنوباً، واجتاز الدَّانوب، وأوقع بالعثمانيِّين هزيمتين فادحتين عام (846هـ/1442م) واضطرَّ العثمانيُّون إِلى طلب الصُّلح، وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في «سيزجادن» وذلك في شهر يوليو عام (848هـ/1444م) تنازل فيها عن الصِّرب، واعترف «بجورج برانكوفيتش» أميراً عليها. كما تنازل السُّلطان مراد عن الأفلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته «محمود شلبي» الَّذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانيَّة، بمبلغ 60 ألف دوقية. وقد حُرِّرت هذه المعاهدة باللُّغتين العثمانيَّة، والمجريَّة، وأقسم «لاديسلاسي» ملك المجر على الإِنجيل، كما أقسم السُّلطان مراد بالقرآن على أن تراعى شروط المعاهدة بذمَّةٍ، وشرفٍ.


وحين فرغ مراد من عقد الهدنة مع أعدائه الأوربيِّين، عاد إِلى الأناضول، وفجع بموت ابنه الأمير علاء، واشتدَّ حزنه عليه، وزهد في الدُّنيا، والملك، ونزل عن السَّلطنة لابنه محمَّد، وكان إِذ ذاك في الرَّابعة عشرة من عمره، ولصغر سنِّه أحاطه والده ببعض أهل الرَّأي والنَّظر من رجال دولته، ثمَّ ذهب إِلى مغنيسيا في آسيا الصُّغرى ليقضي بقيَّة حياته في عزلةٍ، وطمأنينةٍ، ويتفرَّغ في هذه الخلوة إِلى عبادة الله، ولم يستمتع السُّلطان طويلاً بهذه الخلوة، والعبادة حيث قام الكاردينال سيزاريني وبعض أعوانه بالدَّعوة إِلى نقض العهود مع العثمانيِّين.


لقد نقض النَّصارى عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة «فارنا» البلغاريَّة الواقعة على ساحل البحر الأسود، والَّتي كانت قد تحرَّرت على أيدي المسلمين.
وعندما تحرَّك النَّصارى بعث رجال الدَّولة إِلى السُّلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر، وخرج السُّلطان المجاهد من خلوته ليقود جيوش العثمانيِّين ضدَّ الخطر الصَّليبي.
وأسرع السُّلطان مراد في السير، فوصل وارنه في نفس اليوم الَّذي وصل فيه الصَّليبيُّون، وفي اليوم التَّالي نشبت المعركة بين الجيشين النَّصرانيِّ، والإِسلاميِّ، وكانت عنيفةً حاميةً، وقد وضع السُّلطان مراد المعاهدة الَّتي نقضها أعداؤها على رأس رمح ليشهدهم، ويشهد السَّماء والأرض على الغدر، والعدوان، وليزيد حماس جنده.


واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركةٌ رهيبةٌ كاد يكون فيها النَّصر للنَّصارى نتيجة حميَّتهم الدِّينيَّة، وحماسهم، إِلا أنَّ تلك الحميَّة، والحماس الزَّائد اصطدم بالرُّوح الجهاديَّة لدى العثمانيِّين، والتقى الملك «لاديسلاس» ناقض العهود مع السُّلطان مراد الوفي بالعهود وجهاً لوجه، واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبةٌ تمكَّن السلطان المسلم من قتل الملك المجريِّ النَّصرانيِّ، فقد عاجله بضربةٍ قويَّةٍ من رمحه أسقطته من على ظهر جواده، فأسرع بعض المجاهدين، وحزُّوا رأسه، ورفعوه على رمحٍ مهلِّلين مكبِّرين، وفرحين، وصاح أحد المجاهدين في العدِّو: «أيُّها الكفَّار! هذا رأس ملككم».


وكان لذلك المنظر أثرٌ شديدٌ على جموع النَّصارى، فاستحوذ عليهم الفزع، والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملةً قويَّةً بدَّدت شملهم، وهزموهم شرَّ هزيمةٍ، وولَّى النَّصارى مدبرين، يدفع بعضهم بعضاً، ولم يطارد السُّلطان مراد عدوَّه، واكتفى بهذا الحدِّ من النَّصر، وإِنَّه لنصرٌ عظيم.
كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر (852هـ/1448م) واستمرَّت المعركة ثلاثة أيام، وانتهت بفوز ساحق للعثمانيِّين. وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدُّول التي تستطيع النهوض بعملياتٍ حربيَّةٍ هجوميَّة ضدَّ العثمانيِّين.


ولم تفارق السُّلطان مراداً زهادته في الدُّنيا، والملك، فنزل عن العرش مرَّةً أخرى لابنه محمَّد، وعاد إلى عزلته في مغنيسيا كما يعود الأسد المنتصر إِلى عرينه. ثم رجع مرة أخرى إلى الحكم بعد تمرد الانكشارية وبقي على العرش العثمانيِّ إِلى آخر يومٍ في حياته، وقد قضاها في الغزو، والفتح. ثم تولى بعده السُّلطان محمَّد الثَّاني (الفاتح) (833 - 886هـ/1429 - 1481م)، ويعتبر السُّلطان العثماني السَّابع في سلسلة آل عثمان يلقَّب بالفاتح، وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزَّةً للمسلمين. تولَّى حكم الدَّولة العثمانيَّة بعد وفاة والده في 16 محرم عام 855هـ الموافق 18 فبراير عام 1451م، وكان عمره آنذاك 22 سنة، ولقد امتاز السُّلطان محمَّد الفاتح بشخصيَّةٍ فذَّةٍ، جمعت بين القوَّة، والعدل، كما أنَّه فاق أقرانه منذ حداثته في كثيرٍ من العلوم الَّتي كان يتلقَّاها في مدرسة الأمراء، وخاصَّةً معرفته لكثيرٍ من لغات عصره، وميله الشَّديد لدراسة كتب التَّاريخ، ممَّا ساعده فيما بعد على إِبراز شخصيته في الإِدارة، وميادين القتال، حتَّى إنَّه اشتهر أخيراً في التَّاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينيَّة، وسنتناول عهده وفتحه القسطنطينية في مقال لاحق إن شاء الله.


المراجع:
1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص (57-67).
2- د. إِسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م. ص (46-47).
3- د. سالم الرَّشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ. ص(37)، ص(45).
4- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (152).
5- د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م. ص (38)، ص(33)، ص، (41).
6- السَّلاطين العثمانيُّون، كتاب مصوَّر، طبع في تونس.، ص (41).
7- عبد السَّلام عبد العزيز فهمي، السُّلطان محمَّد الفاتح، فاتح القسطنطينيَّة، وقاهر الرُّوم، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الرَّابعة، 1407هـ/1987م، ص (22).

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».

ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَلَمّ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.
7- تفسير النَّسفي (3/249).
8- تفسير ابن كثير (3/405).
9- سنن التِّرمذي (4/601)

الأربعاء, 12 ديسمبر 2018 16:17

بايزيد الأول.. السلطان الصاعقة

بايزيد الأول ( 791 -805هـ/1389 -1402م )

بعد استشهاد السُّلطان مراد خان تولَّى الحكم ابنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، وكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، ولذلك أطلق عليه لقب «الصَّاعقة».
أولاً: سياسته مع الصِّرب:
شرع بايزيد في إقامة علاقاتٍ ودِّيَّة مع الصِّرب، مع أنَّهم كانوا السَّبب في قيام تحالفٍ بلقانيٍّ ضدَّ الدولة العثمانيَّة، وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتِّخاذ دولة الصِّرب كحاجزٍ بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتِّخاذ حليفٍ له في سياسته العسكريَّة النَّشطة الَّتي استهدفت الإِمارات السَّلجوقيَّة التُّركيَّة الإِسلاميَّة في آسيا الصُّغرى، لذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصِّرب ابنا الملك (لازار) الَّذي قتل في معركة قوصوة، وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصِّرب، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وأن يدينا له بالولاء، ويقدِّما له جزيةً، وعدداً معيَّناً من الجنود يشتركون في فرقةٍ خاصَّةٍ بهم في حروبه وتزوَّج ابنة الملك لازار.
ثانياً: إخضاع بلغاريا للسِّيادة العثمانيَّة:
بعد أن تمَّ التَّفاهم مع الصِّرب، وجَّه بايزيد ضربةً خاطفةً في عام (797هـ/1393م) إِلى بلغاريا، فاستولى عليها، وأخضع سكَّانها، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السِّياسيَّ، وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدَّولة العثمانيَّة صدىً هائلٌ في أوربا، وانتشر الرُّعب، والفزع، والخوف في أنحاءها، وتحرَّكت القوى المسيحيَّة الصَّليبيَّة للقضاء على الوجود العثمانيِّ في البلقان.
ثالثاً: التَّكتُّل المسيحي الغربي ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة:
قام سيجسموند ملك المجر، والبابا بونيفاس التَّاسع بالدَّعوة لتكتُّلٍ أوربيٍّ صليبيٍّ مسيحيٍّ ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة، وكان ذلك التَّكتُّل من أكبر التكتُّلات الَّتي واجهتها الدَّولة العثمانيَّة في القرن الرَّابع عشر، من حيث عدد الدُّول الَّتي اشتركت فيه، ثمَّ أسهمت فيه بالسِّلاح، والعتاد، والأموال، والقوَّات، وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصَّليبيَّة 120000 مقاتل من مختلف الجنسيَّات (ألمانيا، وفرنسا، وإِنجلترا، واسكتلندا، وسويسرا، ولوكسمبرج، والأراضي المنخفضة الجنوبيَّة وبعض الإمارات الإِيطاليَّة).
وتحرَّكت الحملة عام (800هـ/1396م) إِلى المجر، ولكنَّ زعماءها، وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتَّى يبدأ العثمانيُّون الهجوم، ولكنَّ قوَّاد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدَّانوب حتَّى وصلوا إِلى نيكوبوليس شمال البلقان، وبدأوا في حصارها، وتغلَّبوا في أوَّل الأمر على القوَّات العثمانيَّة، إِلا أَنَّ بايزيد ظهر فجأة، ومعه حوالي مئة ألف جنديٍّ، وهو عددٌ يقلُّ قليلاً عن التكتُّل الأوربيِّ الصَّليبيِّ، ولكنَّه يتفوَّق عليهم نظاماً، وسلاحاً، فانهزم معظم النَّصارى، ولاذوا بالفرار والهروب، وقُتل، وأُسر عددٌ من قادتهم.
وخرج العثمانيوُّن من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرةٍ وفيرةٍ، واستولوا على ذخائر العدوِّ. وفي نشوة النَّصر، والظَّفر قال السلطان بايزيد: إِنَّه سيفتح إيطاليا، ويطعم حصانه الشَّعير في مذبح القديس بطرس بروما.
رابعاً: حصار القسطنطينية:
استطاع بايزيد قبل معركة نيكوبوليس أن يشدِّد النَّكير على الإمبراطورية البيزنطيَّة، وأن يفرض على الإمبراطور أن يعيِّن قاضياً في القسطنطينيَّة للفصل في شؤون المسلمين، وما لبث أن حاصر العاصمة البيزنطيَّة، وقبل الإمبراطور إِيجاد محكمة إِسلاميَّة، وبناء مسجدٍ، وتخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية الإِسلاميَّة، كما تنازل لبايزيد عن نصف حيِّ غلطة، الَّذي وضعت فيه حاميةٌ عثمانيَّةٌ قوامها 6000 جندي، وزيدت الجزية المفروضة على الدَّولة البيزنطيَّة، وفرضت الخزانة العثمانيَّة رسوماً على الكروم، ومزارع الخضراوات الواقعة خارج المدينة. وأخذت المآذن تنقل الأذان إِلى العاصمة البيزنطيَّة.
وبعد الانتصار العظيم الَّذي حقَّقه العثمانيُّون في معركة نيكوبوليس ثبَّت العثمانيُّون إقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف، والرُّعب بين الشُّعوب البلقانيَّة، وخضعت البوسنة وبلغاريا إِلى الدَّولة العثمانيَّة، والحقُّ: أنَّ الاستيلاء على القسطنطينية كان هدفاً رئيسياً في البرنامج الجهادي للسُّلطان بايزيد الأوَّل.
ولذلك فقد تحرَّك على رأس جيوشه، وضرب حصاراً محكماً حول العاصمة البيزنطيَّة، وضغط عليها ضغطاً لا هوادة فيه، واستمرَّ الحصار حتَّى أشرفت المدينة في نهايتها على السُّقوط ـ بينما كانت أوربا تنتظر سقوط العاصمة العتيدة بين يومٍ وآخر؛ إِذ السُّلطان ينصرف عن فتح القسطنطينيَّة لظهور خطرٍ جديدٍ على الدَّولة العثمانيّة.
خامساً: الصِّدام بين تيمورلنك وبايزيد:
ينتمي تيمورلنك إِلى الأسر النَّبيلة في بلاد ما وراء النَّهر، وفي عام 1369م جلس على عرش خراسان، وقاعدته سمرقند. واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».
• وكانت هناك عوامل، وأسباب ساهمت في إِيجاد صراعٍ بين تيمورلنك، وبايزيد، منها:
1 ـ لجوء أمراء العراق الَّذين استولى تيمور على بلادهم إِلى بايزيد، كما لجأ إِلى تيمور بعض أمراء آسيا الصُّغرى، وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرِّضون من استجاروا به على شنِّ الحرب ضدَّ الطَّرف الآخر.
2 ـ تشجيع النَّصارى لتيمورلنك، ودفعه للقضاء على بايزيد.
وكان الزَّعيمان تيمورلنك، وبايزيد يسعى كلٌّ منهما لتوسيع دولته.
سادساً: انهيار الدولة الوليدة:
تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهد لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
وكانت الهزيمة بسبب اندفاع، وعجلة بايزيد، فلم يحسن اختيار المكان الَّذي نزل فيه بجيشه، الَّذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتلٍ، بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمئة ألفٍ، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلَّة الماء، وكان الوقت صيفاً شديد القيظ، ولم يكد يلتقي الجيشان في أنقرة حتَّى فرَّ الجنود التَّتار، الَّذين كانوا في جيش بايزيد، وجنود الإِمارات الآسيوية الَّتي فتحها منذ عهدٍ قريبٍ، وانضمُّوا إلى جيش تيمورلنك، ولم يُجْدِ السُّلطان العثماني بعد ذلك ما أظهره هو وبقيَّة جيشه من الشَّجاعة، والاستماتة في القتال.
لقد فرحت الدُّول النَّصرانيَّة في الغرب بنصر تيمورلنك، وهزَّها الطَّرب لمصرع بايزيد، وما آلت إِليه دولته من التفكُّك، والانحلال، وبعث ملوك إِنجلترا، وفرنسا، وقشتالة، وإِمبراطور القسطنطينية إِلى تيمورلنك يهنئونه على ما أحرزه من النصر العظيم، والظفر المجيد، واعتقدت أوربا: أنَّها تخلَّصت إِلى الأبد من الخطر العثمانيِّ الَّذي طالما روَّعها، وهدَّدها.
واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على أزنيق، وبروسة، وغيرها من المدن والحصون، ثمَّ دك أسوار أزمير، وخلَّصها من قبضة فرسان رودس (فرسان القدِّيس يوحنَّا) محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الإِسلاميِّ، الذي اتَّهمه بأنَّه وجَّه ضربةً شديدةً إِلى الإِسلام بقضائه على الدَّولة العثمانيَّة، وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القدِّيس يوحنَّا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد.
سابعاً: الحروب الدَّاخليَّة:
لقد تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ في الدَّولة بين أبناء بايزيد على العرش، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
وبعد عامٍ ارتحل تيمورلنك بجيشه بعد أن أحرقَ الأخضر، واليابس، وترك وراءه البلاد على أسوأ حالٍ من الدَّمار، والخراب، والفوضى.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وإِلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top