د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 03 فبراير 2019 10:08

معجزة إلهية أذهلت الملحدين

 وصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر إلى اكتشاف يدل على وجود حاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين، ويتحرك بينهما، ويسميه علماء البحار «الجبهة»، تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين، وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على الخصائص التي قدرها الله له ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠﴾ (الرحمن)، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.

وقد تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز، فقد استقرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار، التي أعلنت في عام 1361هـ/ 1942م عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، وبعد عام 1962م عُرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر، فيحدث الاختلاط بين البحار المالحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز.

وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار المالحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية، التي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسماً واحداً، فإن هناك فروقاً كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة، وتظهر بألوان مختلفة منعاً لاختلافها في درجة الحرارة.

وفي دراسة ميدانية للمقارنة بين مياه خليج عُمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووجود البرزخ الحاجز بينهما، وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة، اشترك فيها المئات من الباحثين واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة.

الحاجز بين بحرين في كتاب الله عزَّ وجل:

- قال تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢﴾ (الرحمن).

- وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ 

بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١﴾ (النمل).

في كل من الآيتين رقم (19 - 22) من سورة "الرحمن"، والآية رقم (61) من سورة "النمل"، تفسر لفظة "البحرين" التي جاءت مطلقة في الحالتين بالبحرين المالحين، وذلك للمبررات التالية:

أ- أن لفظة "البحر" في اللغة تطلق على كل من البحر المالح والبحر العذب (أي النهر)، ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل على البحر المالح فقط، وإذا قيدت فإنها تدل على ما قيدت به، وقد جاءت لفظة البحرين مطلقة في الحالتين المذكورتين.

ب- أورد القرآن الكريم لفظة "البحر" بالإطلاق في 39 موضعاً، منها 33 بالإفراد، و3 بالتثنية، و3 أخرى بصيغة الجمع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢﴾ (إبراهيم).

وفي المقابل نلاحظ أن القرآن الكريم أورد لفظة "البحر" بالتقييد المحدد مرتين فقط بصيغة التثنية:

يقول فيها الله تعالى: ﴿۞وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣﴾ (الفرقان)، والآية الكريمة تشير إلى ثلاثة أنواع من المياه:

- مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة.

- مياه البحار وهي شديدة الملوحة.

- مياه في منطقة المصب وهي مزيج من الملوحة والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين البحر والنهر.

لا تختلط الكتل المائية الثلاثة (ماء النهر وماء البحر وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية أن معظم الكائنات التي تعيش في البحر أو النهر أو المصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها وتموت إذا خرجت منها.

ومنطقة المصب منطقة محجوزة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر أو النهر؛ لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الأسموزي، وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية قد زودتنا بصورة باهرة تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، ولقد وصف القرآن الكريم منطقة اللقاء بين الكتل المائية الثلاثة بأدق وصف وأدل لفظ وأوجز عبارة تضمنت تحديد العلاقة بين الكتل المائية الثلاثة وكائناتها الحية التي تعيش فيها.

- وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ

حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢﴾ (فاطر).

جـ- في وصف لفظة "البحرين" المطلقة جاء في سورة الرحمن قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢﴾ (الرحمن)، وكل من اللؤلؤ والمرجان لا يحيا إلا في الماء المالح، وإن كانت بعض أصداف اللؤلؤ قد استزرعت صناعياً في الماء العذاب، وعلى ذلك فإن جمع اللؤلؤ والمرجان معاً في الآية رقم (22) من سورة "الرحمن" يؤكد أن المقصود بالبحرين هنا هما: البحر المالح، والبحر المالح، وهو أمر أكبر إعجازاً من التقاء النهر العذب بالبحر المالح، على أهمية ذلك العظمى، وضرورته القصوى لاستقامة الحياة على سطح الأرض، وعلى ما فيه من إعجاز في الخلق يعجز البيان عن تصويره.

د- الإشارة القرآنية الكريمة إلى تعظيم الفاصل بين البحرين العذب والمالح بكل من البرزخ والحجر المحجور، وذلك لوجود الدلتا ومقدماتها وما حولها من حواجز ترسبية بالإضافة إلى الماء الوسطي بين العذب والمالح (الماء المويلح أي قليل الملوحة) على حواف الماء العذب عند التقاء الماءين ووجود الشحنات الكهربية المتشابهة والمتنافرة في أيونات الأملاح المذابة في الماء.

وفي المقابل، فإن الإشارة القرآنية إلى الفاصل بين البحرين -بغير تخصيص- بتعبير البرزخ فقط أو الحاجز فقط، وهو الحاجز بين الماء الوسطي بين ماءين مختلفين في صفاتهما الطبيعية والكيميائية، كالبحرين المالحين المختلفين أفقياً أو رأسياً؛ وذلك لأن مثل هذا الحاجز يمنع تحرك الكائنات البحرية من كتلة مائية إلى كتلة مائية أخرى مجاورة إلا إذا تباينت الصفات بينهما تبايناً صارخاً، فهو لا يحجز الكائنات البحرية حجزاً كاملاً، كما أنه يصعب إدراكه على غير المتخصصين حتى في زمن التقدم العلمي الذي نعيشه.

هـ- ثبت أن التنوع بين كتل الماء المتجاورة أفقياً ورأسياً بين البحار المتجاورة، وفي داخل البحر الواحد من البحار العميقة والمحيطات ضرورة من ضروريات التنوع البيئي في البحار الذي لولاه لتقلصت الحياة البحرية تقلصاً شديداً.

إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمن يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدل على مصدره الإلهي، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦﴾ (الفرقان)، وفي رسالة جديدة للملحدين مفادها أنَّ الضبط الدقيق والإتقان في خلق الكون والأرض هو دليل وجود متقن لذلك وهو الله الخالق البارع رب هذا الكون ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ (السجدة: 7)، كما تدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحي إليه وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَ لَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣﴾ (فصلت).

___________

المراجع:

1- د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، بيروت، 2013م، ص 109: 111.

2- عبدالمجيد بن عزيز الزنداني، بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، دار الإيمان، القاهرة، الطبعة الأولى، ص 72 : 75. ص 146 : 155.

3- د. زغلول النجار، مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، دار المعرفة، بيروت. لبنان، الطبعة الأولى، 2009م، ص 206.

كانت القسطنطينيَّة قبل فتحها عقبةً كبيرةً في وجه انتشار الإِسلام في أوربا، ولذلك فإِنَّ سقوطها يعني: فتح الإِسلام لدخول أوربا بقوَّةٍ وسلامٍ لمعتنقيه أكثر من ذي قبل. ويعتبر فتح القسطنطينيَّة من أهمِّ أحداث التَّاريخ العالميِّ، وخصوصاً تاريخ أوربا، وعلاقتها بالإِسلام؛ حتَّى عدَّه المؤرِّخون الأوربيُّون، ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى، وبداية العصور الحديثة.

وقد قام السُّلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإِعادة تحصينها، واتَّخذها عاصمةً للدَّولة العثمانيَّة، وأطلق عليها لقب إِسلام بول؛ أي: مدينة الإِسلام.

ولقد تأثَّر الغرب النَّصرانيُّ بنبأ هذا الفتح، وانتاب النَّصارى شعورٌ بالفزع، والألم، والخزي، وتجسَّم لهم خطر جيوش الإِسلام القادمة من إستانبول، وبذل الشُّعراء، والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد، وبراكين الغضب في نفوس النَّصارى ضدَّ المسلمين، وعقد الأمراء، والملوك اجتماعاتٍ طويلةً، ومستمرَّةً، وتنادى النَّصارى إِلى نبذ الخلافات، والحزازات، وكان البابا نيقولا الخامس أشدَّ النَّاس تأثُّراً بنبأ سقوط القسطنطينيَّة، وعمل جهده، وصرف وقته في توحيد الدُّول الإيطاليَّة، وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عقد في روما، أعلنت فيه الدُّول المشتركة عن عزمها على التَّعاون فيما بينها، وتوجيه جميع جهودها، وقوَّتها ضدَّ العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتمَّ إِلا أنَّ الموت عاجل البابا بسبب الصَّدمة العنيفة النَّاشئة عن سقوط القسطنطينيَّة في يد العثمانيين، والَّتي تسبَّبت في همِّه، وحزنه، فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م.

وتحمَّس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا، والتهب حماساً، وحميَّةً واستنفر ملوك النَّصارى إِلى قتال المسلمين، وحذا حذوه البارونات، والفرسان، والمتحمِّسون، والمتعصِّبون للنَّصرانيَّة، وتحوَّلت فكرة قتال المسلمين إِلى عقيدةٍ مقدَّسةٍ تدفعهم لغزو بلادهم، وتزعَّمت البابويةُ في روما حروبَ النَّصارى ضدَّ المسلمين، وكان السُّلطان محمَّد الفاتح بالمرصاد لكلِّ تحرُّكات النَّصارى، وخطَّط، ونفَّذ ما رآه مناسباً لتقوية دولته، وتدمير أعدائه، واضطَّر النَّصارى الَّذين كانوا يجاورون السُّلطان محمَّداً، أو يتاخمون حدوده في أماسيا، وبلاد المورة، وطرابزون، وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقيَّ، فتظاهروا بالفرح، وبعثوا وفودهم إِلى السُّلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم.

وحاول البابا بيوس الثَّاني بكلِّ ما أوتي من مقدرةٍ خطابيَّةٍ، وحنكةٍ سياسيَّةٍ تأجيج الحقد الصَّليبيَّ في نفوس النَّصارى شعوباً، وملوكاً، قادةً، وجنوداً، واستعدَّت بعض الدُّول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيِّين، ولمَّا حان وقت النَّفير اعتذرت دول أوربا بسبب متاعبها الدَّاخلية، فلقد أنهكت حرب المئة عام إِنكلترا، وفرنسا، كما أنَّ بريطانيا كانت منهمكةً في مشاغلها الدُّستوريَّة، وحروبها الأهليَّة، وأمَّا إسبانيا فهي مشغولةٌ بالقضاء على مسلمي الأندلس، وأمَّا الجمهوريات الإِيطاليَّة فكانت تهتمُّ بتوطيد علاقاتها بالدَّولة العثمانيَّة مكرهةً، وحبَّاً في المال، فكانت تهتمُّ بعلاقتها مع الدَّولة العثمانيَّة.

وانتهى مشروع الحملة الصَّليبية بموت زعيمها البابا، وأصبحت المجر، والبندقيَّة تواجه الدَّولة العثمانيَّة لوحدهما؛ أمَّا البندقيَّة، فعقدت معاهدةً صداقةً، وحسن جوارٍ مع العثمانيِّين رعايةً لمصالحها، وأمَّا المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانيَّة، واستطاع العثمانيُّون أن يضمُّوا إِلى دولتهم بلاد الصِّرب، واليونان، والأفلاق، والقرم، والجزر الرَّئيسيَّة في الأرخبيل. وقد تمَّ ذلك في فترةٍ قصيرة، حيث داهمهم السُّلطان الفاتح، وشتَّت شملهم، وأخذهم أخذاً عظيماً.

وحاول البابا (بيوس الثاني) بكلِّ ما أوتي من مهارةٍ، وقدرةٍ سياسيَّةٍ تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين: حاول أوَّلاً أن يقنع الأتراك باعتناق الدِّين النَّصرانيِّ، ولم يقم بإِرسال بعثات تبشيريَّة لذلك الغرض، وإِنَّما اقتصر على إِرسال خطابٍ إِلى السُّلطان محمَّد الفاتح يطلب منه أن يعضد النَّصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين، وكلوفيس، ووعده بأنَّه سيكفر عنه خطاياه إِن هو اعتنق النَّصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته، واحتضانه، ومنحه صكَّاً بدخول الجنَّة. ولما فشل البابا في خطَّته هذه لجأ إِلى الخطَّة الثَّانية خطَّة التَّهديد، والوعيد، واستعمال القوَّة، وكانت نتائج هذه الخطَّة الثَّانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصَّليبيَّة، والقضاء على الحملة الَّتي قادها هونياد المجري.

وأمَّا آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإِسلاميِّ؛ فنقول: لقد عمَّ الفرح، والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا، وأفريقيا، فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد، وأمل الأجيال، ولقد تطلَّعت له طويلاً، وها قد تحقَّق، وأرسل السُّلطان محمَّد الفاتح رسائل إِلى حكَّام الدِّيار الإِسلاميَّة في مصر، والحجاز، وبلاد فارس، والهند، وغيرها، يخبرهم بهذا النَّصر الإِسلاميِّ العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشُّكر، وزُيِّنت المنازل، والحوانيت، وعلِّقت على الجدران، والحوائط الأعلام، والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

يقول ابن إِياس صاحب كتاب «بدائع الزُّهور» في هذه الواقعة: «فلمَّا بلغ ذلك، ووصل وفد الفاتح؛ دُقَّت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزِّينة، ثمَّ إِنَّ السُّلطان عيَّن برسباي أمير آخور ثاني رسولاً إِلى ابن عثمان يهنِّئه بهذا الفتح».

وندع المؤرِّخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور النَّاس، وحالهم في القاهرة عندما وصل إِليها وفد الفاتح، ومعهم الهدايا، وأسيران من عظماء الرُّوم، قال: «قلت: ولله الحمد والمنَّة على هذا الفتح العظيم، وجاء القاصد المذكور، ومعه أسيران من عظماء إستانبول، وطلع بهما إِلى السُّلطان (سلطان مصر إِينال) وهما من أهل القسطنطينيَّة، وهي الكنيسة العظيمة بإستانبول، فسرَّ السُّلطان، والنَّاس قاطبةً بهذا الفتح العظيم، ودُقَّت البشائر لذلك، وزُيِّنت القاهرة بسبب ذلك أيَّاماً، ثمَّ طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران إِلى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوَّال بعد أن اجتاز القاصد المذكور، ورفقته شوارع القاهرة، وقد احتفل النَّاس بزينة الحوانيت، والأماكن، وأمعنوا في ذلك إِلى الغاية، وعمل السُّلطان الخدمة بالحوش السُّلطاني من قلعة الجبل...»

وهذا الَّذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال النَّاس، وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينيَّة ما هو إِلا صورةً لنظائر لها قامت في البلاد الإِسلاميَّة الأخرى. وقد بعث السُّلطان محمَّد الفاتح برسائل الفتح إِلى سلطان مصر، وشاه إِيران، وشريف مكَّة، وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرَّسائل إِلى الأمراء المسيحيِّين المجاورين له في المورة، والأفلاق، والمجر، والبوسنة، وصربيا، وألبانيا، وإِلى جميع أطراف مملكته.

_______

المراجع:

1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص. ص (94-96).

2- يلماز أوزنتونا، تاريخ الدولة العثمانيَّة، ترجمه إِلى العربيَّة عدنان محمود سلمان، د. محمود الأنصاري، المجلَّد الأوَّل، منشورات مؤسَّسة فيصل للتَّمويل، تركيا، إِستانبول 1988م.ص (384).

3- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (164).

4- جمال الدِّين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي، النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للتَّأليف والنَّشر، 1391هـ/1971م. ص.ص (16-71).

خير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين القرآن الكريم الذي يحوي إشارات في كل العلوم

بعض الإشارات القرآنية كانت جديدة على المخاطبين بالقرآن أول مرة لا يعرفون أسرارها 

ليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق فبعضها فرضيات وأخرى مازالت في طور النظرية 

انكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها القرآن للبشر جيلاً بعد جيل جانب من جوانب استمرارية الرسالة



 

حمَلتْ آيات الإعجاز في القرآن الكريم معانيَ كثيرة دالة على حقيقة الوحدانية لله عز وجل، وسمو رسالة الإسلام ودورها في سعادة وخير الإنسانية جمعاء، ولكن واقع الحال الذي تعيشه الأمة جعل الانحرافات والقال والقيل في عقيدة دين الإسلام تكثر لدى ضعاف النفوس وأصحاب الهوى وأتباع السلطان، فكثر التنطع والتكفير والتحريف من جهة، والإلحاد وقول الباطل وتشتيت العقائد لدى البعض من جهة أخرى.
فلماذا ظهر الإلحاد؟ وكيف اختلطت الأفكار والعقائد على أصحابها في زماننا؟ وكيف تمثلت قيم العبودية والوحدانية والربوبية لله سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم؟


تعريف الإلحاد:
الإلحاد: العُدُول عن الاستقامة والانحراف عنها، وأَلْحَدْتُ: مَارَيْتُ وجَادَلْتُ، وفي قوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) (الحج: 25)؛ أَي انحرافاً بظلم، وقد أَلْحَد في الحَرَمِ: تَرَكَ القَصْدَ فيما أُمِرَ به ومالَ إلى الظلم، وألحد في الحرم: أشرك بالله تعالى، وقيل: الإلحاد فيه: الشك في الله، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء، ولاحد فلان فلاناً: اعوج كل منهما على صاحبه ومالا عن القصد، والملتحد: الملتجأ والملجأ، أي لأن اللاجئ يميل إليه، قال تعالى: (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً {22}) (الجن)، قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذِكْرُه: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم، واختلف أهل التفسير في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به، وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه، عن ابن عباس، قوله: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {25}) يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم، وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة، وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهياً عنه من الفعل».
أما الإلحاد اصطلاحاً فهو إنكار وجود الإله الخالق، أو إنكار تصرفه في مخلوقاته.


القرآن سلاح ضد الإلحاد:
وخير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين هو القرآن الكريم، فهو المعجزة الخالدة، ومع أن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، ولا كتاب فيزياء أو فلك أو كيمياء أو أحياء، ولكنه مع ذلك يحوي إشارات في كل تلك العلوم، وموضع هذه الإشارات في كتاب الله هو تعريف الناس بقدرة ربهم التي لا تحد وبآيات قدرته في هذا الكون، ليعرفوا أنه لا إله غيره، ولا مدبر غيره، ولا رازق غيره، ولا مهيمن غيره، فيعبدوه وحده بلا شريك ويتبعوا ما أنزل إليهم.


وبعض هذه الوصايا القرآنية كان معلوماً مشاهداً بالنسبة للمخاطبين بها؛ فكان ذكرها لهم، وتذكيرهم بها، مقصوداً به لإزالة الغشاوة التي تغشى على بصائرهم فتجعلهم لا يدركون الدلالة الواضحة التي يجب أن تستمد منها، وهي أنه ما دام الله هو الذي يقدر، وهو على كل شيء قدير، ولا أحد يقدر قدرته، ولا يدبر تدبيره، ولا يهيمن هيمنته؛ فالعبادة ينبغي أن توجه إليه وحده دون الآلهة المزعومة التي لا تخلق، ولا تقدر، ولا تدبر، ولا تهيمن، ولكن بعض هذه الإشارات كانت جديدة على أولئك المخاطبين بالقرآن أول مرة، لا يعرفون أسرارها أو تفصيلاتها، وقال لهم الله في كتابه المنزل: إنهم سيعرفونها ذات يوم، وفي قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53)، وقوله عز وجل: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {93}‏) (النمل)، وقوله تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ {88}‏) (ص).


أما الذين آمنوا فقد أخذوا هذه الإشارات بالتسليم وإن كانوا لا يعرفون كل شيء عنها، ما دامت من عند ربهم الذي آمنوا به وصدقوه، وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) (البقرة: 26)، وفي قوله سبحانه وتعالى: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) (آل عمران: 7)، ولكن أجيالاً وراء أجيال كانت تتعرف رويداً رويداً على بعض أسرار هذه الوصايا الإيمانية، فتزيدها المعرفة إيماناً، وإن كانوا مؤمنين مصدقين من قبل.


الإشارات القرآنية.. والعصر الحديث:
وفي عصرنا الحديث هذا الذي اتسعت فيه دائرة العلوم وانكشف فيه كثير من أسرار الكون، تبينت للناس حقائق كثيرة تتعلق بالإشارات القرآنية لم تكن معلومة من قبل، فازداد الناس تعلقاً بتلك الإشارات، وقامت بشأنها أبحاث متخصصة يقوم بها علماء مسلمون في شتى فروع المعرفة، وقامت دعوة تهدف إلى الإكثار من هذه الأبحاث، من أجل إقناع غير المسلمين بالإسلام عن طريق إثبات صدق القرآن، وأنه وحي منزل من عند الله تبارك وتعالى، إذ لم تكن المعلومات الواردة فيه معروفة للبشرية كلها من قبل، فيستحيل أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن من عند نفسه كما يزعم المستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام، وهذا دليل في ذاته.


وقد أسلم على هداه بعض الناس بالفعل، ولكن هناك في هذا الاتجاه محاذير، فبعض الناس تدفعهم الحماسة فيتلقفون كل نظرية علمية أو مقولة غربية يظنون فيها تأييداً أو إثباتاً لإشارة من الإشارات الواردة في القرآن، فيسارعون إلى تبنيها، ويفسرون الآيات القرآنية على هداها، وليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق، فبعضها لا يزيد على فرضيات، وبعضها ما زال في طور النظرية لم يصل إلى حد أن يصبح حقيقة علمية، فإذا ربطنا تفسيرنا للآيات القرآنية ببعض هذه الفرضيات، ثم تبين بعد حين من الوقت أنها لم تكن صحيحة، فإننا نقع من حيث لا ندري في الغلطة التي وقعت فيها الكنيسة بالعصور الوسطى، إذ تبنت أفكاراً علمية كانت سائدة يومئذ ففسرت بها ما جاء في التوراة والإنجيل من إشارات كونية، فلما تقدم العلم وتبين خطأ هذه النظريات كفر الناس بالتوراة والإنجيل، وكذبوا كل ما كان فيهما مما بقي على أصله المنزل، ومما حرف، ومما أسيء تأويله، فجعلوها كلها أكاذيب.


دلائل الإعجاز:
والقرآن غني بدلائل الإعجاز فيه، سواء الإعجاز البياني الذي تحدى الله به البشر جميعاً، والبلغاء في أولهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، أو بألوان الإعجاز الأخرى، ولا يحتاج أن نلتمس له أسانيد من النظريات المتداولة اليوم، التي قد يظهر بطلانها غداً ولكن لا بأس أن نأخذ الحقائق التي ثبتت صحتها، التي نجدها متوافقة مع ما جاء في المنهج القرآني، أو مفسرة له، ونتخذها دليلاً يضاف إلى الأدلة القائمة من قبل على أن هذا القرآن وحي رباني وهداية للناس أجمعين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على ألا نتعسف في ربط تفسير الآيات بكل شاردة وواردة بما يسمى علماً، كما حاول بعضهم أن يفسر قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً {14}) (نوح)، بما يتفق مع نظرية التطور، بينما أصحاب النظرية ذاتهم يتشككون اليوم في صدقها، وينحون في تفسير الحياة على الأرض منحى غير منحى «دارون».


إن الله عز وجل ميز القرآن الكريم الذي يحمل كلمته الأخيرة للبشرية كافة بخصائص لا توجد في غيره، فقد كانت الرسالات السابقة محدودة بأقوام، ومحدودة بزمن معين ينتهي بإرسال رسول جديد، بينما هذه الرسالة كانت للبشر كافة، وللزمن كله من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكانت الكتب المنزلة السابقة تحوي احتياجات الأقوام الذين تنزل عليهم في الزمن المحدد في علم الله، أما القرآن، فقد أنزل الله فيه ما تحتاج إليه البشرية كلها، وفي الزمن القادم كله، فلا عجب أن يختلف عن الكتب السابقة في مبناه ومحتوياته، وإن كان مصدقاً لما فيها، ولكن مهيمناً عليها، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: 48).
والإعجاز العلمي كان واحداً من جوانب التميز التي تفرد بها، وانكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها للبشر جيلاً بعد جيل هو جانب من جوانب استمرارية الرسالة التي نزل بها الكتاب، فهو ليس لجيل واحد تنتهي مهمته بعدها، أو تنقطع صلة الأجيال به، بل هو لكل الناس في كل جيل، يهديهم إلى ربهم، ويوجههم إلى الخير وإلى الحق، ويربيهم على المنهج القويم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.

 

المراجع:
1- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة لحد.
2- تاج العروس من جواهر القاموس، مادة لحد.
3- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 18/ 595 وما بعدها.
4- علي محمد الصلابي، المعجِزَةُ الخَالِدَةُ.. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، ص 14-16.


إن علم التاريخ ليس مجرد تسجيل للوقائع والأحداث بصورة مجردة، إنما تتدخل به الانتماءات الأيديولوجية والفكرية والمنهجية لكل كاتب، ولعل أبرز مثال على هذه التدخلات من الناحية السلبية هو ما فعله المؤرخون بتاريخ الدولة العثمانية. فعند التمعن في تاريخ الدولة العثمانية والأوصاف التي اعتمدها الكتاب في كتابة هذا التاريخ نجد أنهم قد انقسموا إلى فريقين، الأول وهو الأغلب لأنه يمثل المستشرقين الغربيين واليهود والقوميين والعلمانيين الحاقدين على الحكم العثماني، استخدم أساليب العداء والطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة لأمة الإسلام، أما الفريق الثاني عبَّرَ عن انتمائه للأمة والدولة العثمانية كجزء من الحكومات التي صانت بيضة الإسلام لعهود طويلة.
إذًا، اختلفت الأقلام التي كتبت في التاريخ العثماني بين القراءة المعادية والقراءة الانتمائية، وهذه الروايات التاريخية ليست وليدة الصراع الغربي – الإسلامي في العصور الوسطى أو عصر نشوء القوميات في القرن التاسع عشر فقط، بل اتسعت في مرحلة الصراع المملوكي – العثماني – الصفوي – الصليبي، وقد حفلت تلك الروايات بالتوجس والعداء، وعلى هذا كان التصور الغربي والعربي سلبي تجاه الحكم العثماني.
فمنذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، حذر شيخ المؤرخين العرب عبد الرحمن بن خلدون السلطان المملوكي برقوق من عواقب قبول التحالف مع العثمانيين، مرددًا قولته المشهورة: "لا تخشوا على ملك مصر إلا من أولا عثمان". وكذلك مؤرخون عرب ومسلمون حملوا نفس التصور. ووحده المؤرخ ابن تغري بردي المثقف بحسه العالي، الذي دعا الى تحالف عثماني مملوكي ضد المغول بقيادة تيمورلنك، غير أنه في ظل حال الالتباس والتوجس، تم تجاهل رأيه، مما أدى في النهاية الى تحقيق نبوءته، فاجتاح المغول أراضي المماليك والعثمانيين في الشام والأناضول كلها.
أما بالنسبة لآراء الكتاب الأوروبيين من الحكم العثماني، فقد كانت محكومة بمواقف بلادهم من التقدم العثماني في أوروبا، خصوصًا بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) بيدهم، وحولها العثمانيون إلى عاصمة للإسلام (إسلام بول)، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد ضد العثمانيين، خاصة الرهبان والبابوات وزعماء الإقطاع الذين أخذوا يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والدسائس ضد المسلمين في خطاباتهم وكتابتهم، ووصفوهم بالبرابرة والكفرة والوحوش والرعاة. سيما بعد أن حاول العثمانيون السير لضم روما الى حظيرة الدولة الإسلامية، وأرادوا بلوغ ديار الأندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح.
ومع بداية عصر النهضة في أوروبا، لم يستطع وجدان المجتمع الأوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة تجاه العالم الإسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للانتقام من المسلمين، واستحواذ خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه في الاسلام وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبيرًا.
كما تأثر كثير من مؤرخين العرب بالاتجاهات الأوروبية المادية، ولذلك أسندوا كل ماهو مضيء في تاريخ بلادهم إلى بداية الاحتكاك بهذه الحضارة البعيدة كل البعد عن المنهج الرباني، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث من وصول الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب. واحتضنت القوى الأوروبية الاتجاه المناهض للخلافة الإسلامية، وقامت بدعم المفكرين في مصر والشام إلى تأصيل الإطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورج زيدان وأديب إسحاق وسليم نقاش وفرح انطوان وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، وكان أغلب هؤلاء من حملة التيار التغريبي المسيء لتاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.
وقد شارك بعض المؤرخين السلفيين في المشرق العربي في الهجوم على الدولة العثمانية مدفوعين إلى ذلك بالرصيد العدائي الذي خلّفه دور الخلافة العثمانية ضد الدعوة السلفية في عديد من مراحلها بسبب مؤامرات الدول الغربية الاستعمارية التي دفعت السلاطين العثمانيين للصدام بالقوة الإسلامية في نجد قلب الدعوة السلفية، وكذلك لمساندة الخلافة للاتجاه الصوفي، فضلًا عن أن دولة الخلافة في سنواتها الأخيرة سيطر عليها دعاة الطورانية التركية الذين ابتعدوا بها عن الالتزام بالمنهج الإسلامي الذي تميزت به الدولة العثمانية لفترات طويلة، وشجع كافة المسلمين للارتباط بها وتأييدها والوقوف معها.
وأما المؤرخون الماركسيون فقد شنوا حربًا لاهوادة فيها على الدولة العثمانية، واعتبروا فترة حكمها تكريسًا لسيادة النظام الإقطاعي الذي هيمن على تاريخ العصور الوسطى السابقة، وأن العثمانيين لم يُحدثوا أي تطور في وسائل أو قوى الإنتاج، وأن التاريخ الحديث يبدأ بظهور الطبقة البورجوازية ثم الرأسمالية التي أسهمت في إحداث تغيير في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في بداية القرن التاسع عشر، والتقوا في ذلك مع المؤرخين الأوربيين من أصحاب الاتجاه الليبرالي وكذلك مع أصحاب المنظور القومي، ممن نادوا بنزعات محلية مدعومة من الماسونية العالمية كأصحاب مشروع وحدة وادي النيل بين مصر والسودان، ودعاة الاتجاهات المحدودة كأتباع الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام..الخ.
لقد غلبت على الدراسات المذكورة طابع الحقد الأعمى، بعيدة كل البعد عن الموضوعية، وأدى ذلك الى ظهور رد فعل إسلامي للرد على الاتهامات والشبهات التي وجهت للدولة العثمانية، ولعل من أهمها تلك الكتابة المستفيضة التي قام بها الدكتور عبد العزيز الشناوي في ثلاث مجلدات ضخمة تحت عنوان "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها". ومن الجهود المشكورة في هذا الميدان ما قام به الباحث المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية الأستاذ محمد حرب الذي كتب للأمة الإسلامية كتب قيمة مثل "العثمانيون في التاريخ والحضارة" و"السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وقاهر الروم" و"السلطان عبد الحميد آخر السلاطين العثمانيين الكبار". ومن الأعمال القيمة في تاريخ الدولة العثمانية ماقدمه الدكتور موفق بني المرجة كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد" أو الخلافة الإسلامية، واستطاع هذا الكتاب أن يبين كثيرًا من الحقائق المدعومة بالوثائق والحجج الدامغة، وغير ذلك من الكتاب المعاصرين.
وقد اعتمد مؤرخون منصفون على إعادة كتابة التاريخ العثماني، ومنهم كتاب أتراك وعرب وغربيون، على المخطوطات والوثائق، وعلى سجلات المحاكم الشرعية، وحجج الأوقاف والدفاتر المالية، وسجلات المواني، وسجلات الروزنامة، والعقود التجارية المحفوظة كلها. ولجميع تلك المصادر التاريخية أهمية قصوى فهي تسجل التاريخ العربي اليومي تحت الحكم العثماني. وفضلًا عن ذلك تم الاعتماد على وثائق الأرشيف العثماني بإسطنبول، الذي احتوى على آلاف الوثائق الخاصة بالولايات العثمانية الشرقية والغربية.
وعلى هذا، فقد وصف مؤرخون عرب معاصرون القراءات المتعددة للتاريخ العثماني بأوصاف منصفة وحيادية، فقد قال الباحث المصري محمد عفيفي: "إن صورة الدولة العثمانية تتغير من فترة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، فصورتهم في مصر تختلف عن صورتهم في الشام". وكذلك الباحث السوري صقر أبو فخر إذ قال: "ليست الدولة العثمانية شريرة، بل كانت دولة عظيمة بلا ريب. ولم ينظر إليها العرب أنها دولة استعمارية، بل اعتبروها دولتهم، وكانوا يسمّون أبناءهم بأسماء مثل "تركي" و"تركية" و"دولت" وغيرها. لكنها مثل أي دولة عظيمة أخرى، مرّت بأطوار من الصعود والهبوط، أو التقدّم والانحطاط، أو التشدّد واللين، أو العدل والاستبداد. لذلك، تخضع دراسة التاريخ العثماني لتلك المتناقضات".
في نهاية المطاف يمكننا القول: نجحت الدراسات التاريخية الحديثة في إزالـة الغـبـار عـن حـقـيـقـة الـواقـع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة العثمانية، مما ساهم في إعادة النظر، بل ودحض فكرة تخلف الشعوب والأمم الخاضعة للحكم العثماني. وغالبية الكتاب ترى أن العثمانيين حكموا المنطقة العربية أربعة قرون، فيها سنوات نهضة وسنوات انتكاسة. وشارك في الدولة العثمانية أجناس متعددة ولغات مختلفة بما فيها العرب الذين شاركوا في الحضارة والسياسة في تلك الفترة. كما أن الصورة القاتمة التي رسمها بعض المؤرخين للحقبة العثمانية خاطئة. فالدولة العثمانية تميزت بالتسامح الديني والثقافي، وكانت الملاذ الآمن والبلد الحضاري لكل الفارين من الاضطهاد الديني والقهر السياسي في أوروبا والممالك الأخرى في العالم آنذاك.

المراجع:
1. ثروت البطاوي، الحقبة العثمانية في بلاد العرب.. فتح مبين أم غزو أثيم، رصيف 22، 28 أبريل 2017.
2. زكريا بيومي، قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين: التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي.
3. صقر أبو فخر، الدولة العثمانية.. التاريخ والتزوير والاختلاف، العربي الجديد، 30 ديسمبر 2017.
4. علي الصلابي، الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار الروضة، إستانبول.
5. عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية: دولة إسلامية مفترى عليها.
6. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة.
7. حاتم الطحاوي، البحث العربي في تاريخ العثمانيين، 7 أغسطس 2014.

 

عهد محمد الأول "جلبي" وابنه مراد الثاني (1413-1455م):

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.


بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ. صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها، وقد ولد السُّلطان محمَّد الأول عام (781هـ/1379م) وتولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة والده بايزيد، وعرف في التَّاريخ «بمحمَّد جلبي».


اشترك أثناء حكمه في 24 حرباً، وأصيب بأربعين جرحاً. واستطاع أن يقضي على الحرب الأهليَّة بسبب ما أوتي من الحزم، والكياسة، وبعد النَّظر، وتغلَّب على إخوته واحداً واحداً حتَّى خلص له الأمر، وتفرَّد بالسُّلطان، وقضى سني حكمه الثَّمانية في إِعادة بناء الدَّولة، وتوطيد أركانها، ويعتبره بعض المؤرخين المؤسِّس الثَّاني للدَّولة العثمانيَّة.
كان السلطان محمَّد الأوَّل محباً للشِّعر، والأدب، والفنون، وقيل: هو أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ أرسل الهدية السَّنويَّة إِلى أمير مكَّة الَّتي يطلق عليها اسم الصُّرَّة، وهي عبارة على قدرٍ معيَّنٍ من النقود يرسل إِلى الأمير لتوزيعه على فقراء مكَّة، والمدينة.
وقد أحبَّ الشَّعبُ العثمانيُّ السُّلطانَ محمَّداً الأوَّل، وأطلقوا عليه لقب: بهلوان «ومعناها: البطل» وذلك بسبب نشاطه الجم، وشجاعته، كما أنَّ له أعماله العظيمة.


وفاته وخليفته:
بعد أن بذل السُّلطان محمَّد الأوَّل قصارى جهده في محو آثار الفتن، فاجأه الموت في سنة 824هـ/1421م في مدينة أدرنة، وأسلم روحه لخالقه، وعمره 43 سنةً.
وخوفاً من حصول ما لا تُحمد عقباه لو عُلم موت السُّلطان محمَّد الأوَّل، اتَّفق وزيراه إِبراهيم، وبايزيد على إِخفاء موته على الجند حتَّى يصل ابنه مراد الثَّاني، فأشاعا: أنَّ السُّلطان مريضٌ، وأرسلا لابنه، فحضر بعد واحد وأربعين يوماً، وتسلَّم مقاليد الحكم. عام (824هـ/1421م) وكان عمره لا يزيد على ثماني عشرة سنةً، وكان محبَّاً للجهاد في سبيل الله، والدَّعوة إِلى الإِسلام في ربوع أوروبا.
كان معروفاً لدى جميع رعيَّته بالتَّقوى، والعدالة، والشَّفقة، استطاع السُّلطان مراد أن يقضي على حركات التَّمرُّد الدَّاخليَّة الَّتي قام بها عمُّه مصطفى، والَّتي كانت تُدعم من قبل أعداء الدَّولة العثمانيَّة، وكان السُّلطان مراد يوجِّه الضَّربات الموجعة لحركات التَّمرُّد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثمانيِّ في تلك الدِّيار، واتَّجه الجيش العثمانيُّ نحو الشَّمال لإِخضاع إقليم ولاشيا، وفرض عليه جزيةً سنويَّةً، واضطرَّ ملك الصِّرب الجديد «ستيف لازار ميتش» إِلى الخضوع للعثمانيِّين والدُّخول تحت حكمهم، وجدَّد ولاءه للسُّلطان، واتَّجه جيشٌ عثمانيٌّ نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان.


ولم يلبث السُّلطان أن واصل جهاده الدَّعويَّ، وقام بالقضاء على العوائق في كلٍّ من ألبانيا، والمجر.
واستطاع العثمانيُّون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركَّزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أمَّا شمالي ألبانيا، فقد خاض العثمانيُّون فيه جهاداً مريراً، وتمكَّن الألبانيُّون الشَّماليُّون من القضاء على جيشين عثمانيِّين في جبال ألبانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيَّتين متعاقبتين، كان يقودهما السُّلطان مراد بنفسه، وتكبَّد العثمانيُّون خسائر فادحةً أثناء عمليَّة الانسحاب، ووقفت الدُّول النَّصرانية خلف الألبان لدعمهم ضدَّ العثمانيِّين، وخصوصاً من حكومة البندقيَّة، الَّتي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الإقليم الهامِّ بشاطئيه، وموانئه البحريَّة الَّتي تربط البندقيَّة بحوض البحر المتوسط، والعالم الخارجي، وأنَّهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحرٍ مغلقٍ هو بحر الأدرياتيك. وهكذا لم يشهد السُّلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا.


وأمَّا ما يتعلَّق بجبهة المجر؛ فقد استطاع العثمانيُّون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريِّين، ويأسروا منهم سبعين ألف جنديٍّ، وأن يستولوا على بعض المواقع، ثمَّ تقدَّم لفتح بلغراد عاصمة الصِّرب، ولكنه أخفق في محاولته، وسرعان ما تكوَّن حلف صليبيٌّ كبير باركه البابا، واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوربا كليَّةً، وشمل الحلف البابوية، والمجر، وبولندا، والصِّرب، وبلاد الأفلاق، وجنوة، والبندقية، والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ودوقية برجنديا، وانضمَّت إِلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان، والتّشيك. وأُعطيت قيادة قوات الحلف الصَّليبيِّ إِلى قائدٍ مجريٍّ قديرٍ هو: يوحنَّا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوَّات الصَّليبيَّة البرِّيَّة، وزحف جنوباً، واجتاز الدَّانوب، وأوقع بالعثمانيِّين هزيمتين فادحتين عام (846هـ/1442م) واضطرَّ العثمانيُّون إِلى طلب الصُّلح، وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في «سيزجادن» وذلك في شهر يوليو عام (848هـ/1444م) تنازل فيها عن الصِّرب، واعترف «بجورج برانكوفيتش» أميراً عليها. كما تنازل السُّلطان مراد عن الأفلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته «محمود شلبي» الَّذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانيَّة، بمبلغ 60 ألف دوقية. وقد حُرِّرت هذه المعاهدة باللُّغتين العثمانيَّة، والمجريَّة، وأقسم «لاديسلاسي» ملك المجر على الإِنجيل، كما أقسم السُّلطان مراد بالقرآن على أن تراعى شروط المعاهدة بذمَّةٍ، وشرفٍ.


وحين فرغ مراد من عقد الهدنة مع أعدائه الأوربيِّين، عاد إِلى الأناضول، وفجع بموت ابنه الأمير علاء، واشتدَّ حزنه عليه، وزهد في الدُّنيا، والملك، ونزل عن السَّلطنة لابنه محمَّد، وكان إِذ ذاك في الرَّابعة عشرة من عمره، ولصغر سنِّه أحاطه والده ببعض أهل الرَّأي والنَّظر من رجال دولته، ثمَّ ذهب إِلى مغنيسيا في آسيا الصُّغرى ليقضي بقيَّة حياته في عزلةٍ، وطمأنينةٍ، ويتفرَّغ في هذه الخلوة إِلى عبادة الله، ولم يستمتع السُّلطان طويلاً بهذه الخلوة، والعبادة حيث قام الكاردينال سيزاريني وبعض أعوانه بالدَّعوة إِلى نقض العهود مع العثمانيِّين.


لقد نقض النَّصارى عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة «فارنا» البلغاريَّة الواقعة على ساحل البحر الأسود، والَّتي كانت قد تحرَّرت على أيدي المسلمين.
وعندما تحرَّك النَّصارى بعث رجال الدَّولة إِلى السُّلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر، وخرج السُّلطان المجاهد من خلوته ليقود جيوش العثمانيِّين ضدَّ الخطر الصَّليبي.
وأسرع السُّلطان مراد في السير، فوصل وارنه في نفس اليوم الَّذي وصل فيه الصَّليبيُّون، وفي اليوم التَّالي نشبت المعركة بين الجيشين النَّصرانيِّ، والإِسلاميِّ، وكانت عنيفةً حاميةً، وقد وضع السُّلطان مراد المعاهدة الَّتي نقضها أعداؤها على رأس رمح ليشهدهم، ويشهد السَّماء والأرض على الغدر، والعدوان، وليزيد حماس جنده.


واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركةٌ رهيبةٌ كاد يكون فيها النَّصر للنَّصارى نتيجة حميَّتهم الدِّينيَّة، وحماسهم، إِلا أنَّ تلك الحميَّة، والحماس الزَّائد اصطدم بالرُّوح الجهاديَّة لدى العثمانيِّين، والتقى الملك «لاديسلاس» ناقض العهود مع السُّلطان مراد الوفي بالعهود وجهاً لوجه، واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبةٌ تمكَّن السلطان المسلم من قتل الملك المجريِّ النَّصرانيِّ، فقد عاجله بضربةٍ قويَّةٍ من رمحه أسقطته من على ظهر جواده، فأسرع بعض المجاهدين، وحزُّوا رأسه، ورفعوه على رمحٍ مهلِّلين مكبِّرين، وفرحين، وصاح أحد المجاهدين في العدِّو: «أيُّها الكفَّار! هذا رأس ملككم».


وكان لذلك المنظر أثرٌ شديدٌ على جموع النَّصارى، فاستحوذ عليهم الفزع، والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملةً قويَّةً بدَّدت شملهم، وهزموهم شرَّ هزيمةٍ، وولَّى النَّصارى مدبرين، يدفع بعضهم بعضاً، ولم يطارد السُّلطان مراد عدوَّه، واكتفى بهذا الحدِّ من النَّصر، وإِنَّه لنصرٌ عظيم.
كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر (852هـ/1448م) واستمرَّت المعركة ثلاثة أيام، وانتهت بفوز ساحق للعثمانيِّين. وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدُّول التي تستطيع النهوض بعملياتٍ حربيَّةٍ هجوميَّة ضدَّ العثمانيِّين.


ولم تفارق السُّلطان مراداً زهادته في الدُّنيا، والملك، فنزل عن العرش مرَّةً أخرى لابنه محمَّد، وعاد إلى عزلته في مغنيسيا كما يعود الأسد المنتصر إِلى عرينه. ثم رجع مرة أخرى إلى الحكم بعد تمرد الانكشارية وبقي على العرش العثمانيِّ إِلى آخر يومٍ في حياته، وقد قضاها في الغزو، والفتح. ثم تولى بعده السُّلطان محمَّد الثَّاني (الفاتح) (833 - 886هـ/1429 - 1481م)، ويعتبر السُّلطان العثماني السَّابع في سلسلة آل عثمان يلقَّب بالفاتح، وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزَّةً للمسلمين. تولَّى حكم الدَّولة العثمانيَّة بعد وفاة والده في 16 محرم عام 855هـ الموافق 18 فبراير عام 1451م، وكان عمره آنذاك 22 سنة، ولقد امتاز السُّلطان محمَّد الفاتح بشخصيَّةٍ فذَّةٍ، جمعت بين القوَّة، والعدل، كما أنَّه فاق أقرانه منذ حداثته في كثيرٍ من العلوم الَّتي كان يتلقَّاها في مدرسة الأمراء، وخاصَّةً معرفته لكثيرٍ من لغات عصره، وميله الشَّديد لدراسة كتب التَّاريخ، ممَّا ساعده فيما بعد على إِبراز شخصيته في الإِدارة، وميادين القتال، حتَّى إنَّه اشتهر أخيراً في التَّاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينيَّة، وسنتناول عهده وفتحه القسطنطينية في مقال لاحق إن شاء الله.


المراجع:
1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص (57-67).
2- د. إِسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م. ص (46-47).
3- د. سالم الرَّشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ. ص(37)، ص(45).
4- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (152).
5- د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م. ص (38)، ص(33)، ص، (41).
6- السَّلاطين العثمانيُّون، كتاب مصوَّر، طبع في تونس.، ص (41).
7- عبد السَّلام عبد العزيز فهمي، السُّلطان محمَّد الفاتح، فاتح القسطنطينيَّة، وقاهر الرُّوم، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الرَّابعة، 1407هـ/1987م، ص (22).

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».

ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَلَمّ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.
7- تفسير النَّسفي (3/249).
8- تفسير ابن كثير (3/405).
9- سنن التِّرمذي (4/601)

الأربعاء, 12 ديسمبر 2018 16:17

بايزيد الأول.. السلطان الصاعقة

بايزيد الأول ( 791 -805هـ/1389 -1402م )

بعد استشهاد السُّلطان مراد خان تولَّى الحكم ابنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، وكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، ولذلك أطلق عليه لقب «الصَّاعقة».
أولاً: سياسته مع الصِّرب:
شرع بايزيد في إقامة علاقاتٍ ودِّيَّة مع الصِّرب، مع أنَّهم كانوا السَّبب في قيام تحالفٍ بلقانيٍّ ضدَّ الدولة العثمانيَّة، وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتِّخاذ دولة الصِّرب كحاجزٍ بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتِّخاذ حليفٍ له في سياسته العسكريَّة النَّشطة الَّتي استهدفت الإِمارات السَّلجوقيَّة التُّركيَّة الإِسلاميَّة في آسيا الصُّغرى، لذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصِّرب ابنا الملك (لازار) الَّذي قتل في معركة قوصوة، وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصِّرب، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وأن يدينا له بالولاء، ويقدِّما له جزيةً، وعدداً معيَّناً من الجنود يشتركون في فرقةٍ خاصَّةٍ بهم في حروبه وتزوَّج ابنة الملك لازار.
ثانياً: إخضاع بلغاريا للسِّيادة العثمانيَّة:
بعد أن تمَّ التَّفاهم مع الصِّرب، وجَّه بايزيد ضربةً خاطفةً في عام (797هـ/1393م) إِلى بلغاريا، فاستولى عليها، وأخضع سكَّانها، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السِّياسيَّ، وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدَّولة العثمانيَّة صدىً هائلٌ في أوربا، وانتشر الرُّعب، والفزع، والخوف في أنحاءها، وتحرَّكت القوى المسيحيَّة الصَّليبيَّة للقضاء على الوجود العثمانيِّ في البلقان.
ثالثاً: التَّكتُّل المسيحي الغربي ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة:
قام سيجسموند ملك المجر، والبابا بونيفاس التَّاسع بالدَّعوة لتكتُّلٍ أوربيٍّ صليبيٍّ مسيحيٍّ ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة، وكان ذلك التَّكتُّل من أكبر التكتُّلات الَّتي واجهتها الدَّولة العثمانيَّة في القرن الرَّابع عشر، من حيث عدد الدُّول الَّتي اشتركت فيه، ثمَّ أسهمت فيه بالسِّلاح، والعتاد، والأموال، والقوَّات، وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصَّليبيَّة 120000 مقاتل من مختلف الجنسيَّات (ألمانيا، وفرنسا، وإِنجلترا، واسكتلندا، وسويسرا، ولوكسمبرج، والأراضي المنخفضة الجنوبيَّة وبعض الإمارات الإِيطاليَّة).
وتحرَّكت الحملة عام (800هـ/1396م) إِلى المجر، ولكنَّ زعماءها، وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتَّى يبدأ العثمانيُّون الهجوم، ولكنَّ قوَّاد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدَّانوب حتَّى وصلوا إِلى نيكوبوليس شمال البلقان، وبدأوا في حصارها، وتغلَّبوا في أوَّل الأمر على القوَّات العثمانيَّة، إِلا أَنَّ بايزيد ظهر فجأة، ومعه حوالي مئة ألف جنديٍّ، وهو عددٌ يقلُّ قليلاً عن التكتُّل الأوربيِّ الصَّليبيِّ، ولكنَّه يتفوَّق عليهم نظاماً، وسلاحاً، فانهزم معظم النَّصارى، ولاذوا بالفرار والهروب، وقُتل، وأُسر عددٌ من قادتهم.
وخرج العثمانيوُّن من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرةٍ وفيرةٍ، واستولوا على ذخائر العدوِّ. وفي نشوة النَّصر، والظَّفر قال السلطان بايزيد: إِنَّه سيفتح إيطاليا، ويطعم حصانه الشَّعير في مذبح القديس بطرس بروما.
رابعاً: حصار القسطنطينية:
استطاع بايزيد قبل معركة نيكوبوليس أن يشدِّد النَّكير على الإمبراطورية البيزنطيَّة، وأن يفرض على الإمبراطور أن يعيِّن قاضياً في القسطنطينيَّة للفصل في شؤون المسلمين، وما لبث أن حاصر العاصمة البيزنطيَّة، وقبل الإمبراطور إِيجاد محكمة إِسلاميَّة، وبناء مسجدٍ، وتخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية الإِسلاميَّة، كما تنازل لبايزيد عن نصف حيِّ غلطة، الَّذي وضعت فيه حاميةٌ عثمانيَّةٌ قوامها 6000 جندي، وزيدت الجزية المفروضة على الدَّولة البيزنطيَّة، وفرضت الخزانة العثمانيَّة رسوماً على الكروم، ومزارع الخضراوات الواقعة خارج المدينة. وأخذت المآذن تنقل الأذان إِلى العاصمة البيزنطيَّة.
وبعد الانتصار العظيم الَّذي حقَّقه العثمانيُّون في معركة نيكوبوليس ثبَّت العثمانيُّون إقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف، والرُّعب بين الشُّعوب البلقانيَّة، وخضعت البوسنة وبلغاريا إِلى الدَّولة العثمانيَّة، والحقُّ: أنَّ الاستيلاء على القسطنطينية كان هدفاً رئيسياً في البرنامج الجهادي للسُّلطان بايزيد الأوَّل.
ولذلك فقد تحرَّك على رأس جيوشه، وضرب حصاراً محكماً حول العاصمة البيزنطيَّة، وضغط عليها ضغطاً لا هوادة فيه، واستمرَّ الحصار حتَّى أشرفت المدينة في نهايتها على السُّقوط ـ بينما كانت أوربا تنتظر سقوط العاصمة العتيدة بين يومٍ وآخر؛ إِذ السُّلطان ينصرف عن فتح القسطنطينيَّة لظهور خطرٍ جديدٍ على الدَّولة العثمانيّة.
خامساً: الصِّدام بين تيمورلنك وبايزيد:
ينتمي تيمورلنك إِلى الأسر النَّبيلة في بلاد ما وراء النَّهر، وفي عام 1369م جلس على عرش خراسان، وقاعدته سمرقند. واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».
• وكانت هناك عوامل، وأسباب ساهمت في إِيجاد صراعٍ بين تيمورلنك، وبايزيد، منها:
1 ـ لجوء أمراء العراق الَّذين استولى تيمور على بلادهم إِلى بايزيد، كما لجأ إِلى تيمور بعض أمراء آسيا الصُّغرى، وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرِّضون من استجاروا به على شنِّ الحرب ضدَّ الطَّرف الآخر.
2 ـ تشجيع النَّصارى لتيمورلنك، ودفعه للقضاء على بايزيد.
وكان الزَّعيمان تيمورلنك، وبايزيد يسعى كلٌّ منهما لتوسيع دولته.
سادساً: انهيار الدولة الوليدة:
تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهد لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
وكانت الهزيمة بسبب اندفاع، وعجلة بايزيد، فلم يحسن اختيار المكان الَّذي نزل فيه بجيشه، الَّذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتلٍ، بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمئة ألفٍ، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلَّة الماء، وكان الوقت صيفاً شديد القيظ، ولم يكد يلتقي الجيشان في أنقرة حتَّى فرَّ الجنود التَّتار، الَّذين كانوا في جيش بايزيد، وجنود الإِمارات الآسيوية الَّتي فتحها منذ عهدٍ قريبٍ، وانضمُّوا إلى جيش تيمورلنك، ولم يُجْدِ السُّلطان العثماني بعد ذلك ما أظهره هو وبقيَّة جيشه من الشَّجاعة، والاستماتة في القتال.
لقد فرحت الدُّول النَّصرانيَّة في الغرب بنصر تيمورلنك، وهزَّها الطَّرب لمصرع بايزيد، وما آلت إِليه دولته من التفكُّك، والانحلال، وبعث ملوك إِنجلترا، وفرنسا، وقشتالة، وإِمبراطور القسطنطينية إِلى تيمورلنك يهنئونه على ما أحرزه من النصر العظيم، والظفر المجيد، واعتقدت أوربا: أنَّها تخلَّصت إِلى الأبد من الخطر العثمانيِّ الَّذي طالما روَّعها، وهدَّدها.
واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على أزنيق، وبروسة، وغيرها من المدن والحصون، ثمَّ دك أسوار أزمير، وخلَّصها من قبضة فرسان رودس (فرسان القدِّيس يوحنَّا) محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الإِسلاميِّ، الذي اتَّهمه بأنَّه وجَّه ضربةً شديدةً إِلى الإِسلام بقضائه على الدَّولة العثمانيَّة، وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القدِّيس يوحنَّا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد.
سابعاً: الحروب الدَّاخليَّة:
لقد تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ في الدَّولة بين أبناء بايزيد على العرش، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
وبعد عامٍ ارتحل تيمورلنك بجيشه بعد أن أحرقَ الأخضر، واليابس، وترك وراءه البلاد على أسوأ حالٍ من الدَّمار، والخراب، والفوضى.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وإِلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.

السبت, 17 نوفمبر 2018 21:12

هكذا بنوا الدولة العثمانية

السُّلطان أورخان بن عثمان
726 -761هـ/1327 -1360م

ورث حكم السلطان الغازي عثمان الأول، بعد وفاته ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم، والفتوحات. وفي عام 727هـ الموافق 1327م سقطت في يده نيقو ميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصُّغرى قرب مدينة إستانبول، وهي مدينة أزميت الحاليَّة، فأنشأ بها أوَّل جامعة عثمانيَّة، وعهد بإِدارتها إِلى داود القيصري أحد العلماء العثمانيين، الَّذين درسوا في مصر، واهتمَّ ببناء الجيش على أسسٍ عصريَّةٍ، وجعله جيشاً نظاميَّاً.

وحرص السُّلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية، ووَضْع خطةٍ استراتيجيَّةٍ تستهدف محاصرة العاصمة البيزنطيَّة من الغرب، والشَّرق في آنٍ واحدٍ، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده «سليمان» لعبور مضيق «الدَّردنيل» والاستيلاء على بعض المواقع في النَّاحية الغربيَّة.
وفي عام (758هـ) اجتاز سليمان مضيق «الدَّردنيل» ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإِسلام، ولما أدركوا الضفَّة الغربيَّة، استولوا على الزَّوارق الرُّوميَّة الرَّاسية هناك، وعادوا بها إِلى الضِّفة الشَّرقية، إِذ لم يكن للعثمانيِّين أسطولٌ حينذاك، حيث لا تزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفَّة الشَّرقية أمر «سليمان» جنوده أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إِلى الشَّاطئ الأوروبيِّ حيث فتحوا ميناء قلعة «ترنب» و «غاليبولي» الَّتي فيها قلعة «جنا قلعة» و «أبسالا» و «رودستو» وكلُّها تقع على مضيق «الدَّردنيل» من الجنوب إِلى الشَّمال، وبهذا خطا هذا السُّلطان خطوةً كبيرةً استفاد منها مَنْ جاء بعده في فتح «القسطنطينيَّة».

 

أوَّلاً: تأسيس الجيش الجديد (يني تشري):
إِنَّ من أهمِّ الأعمال الَّتي ترتبط بحياة السُّلطان أورخان تأسيسه للجيش الإِسلاميِّ، وحرصه على إِدخال نظامٍ خاصٍّ للجيش، فقسمه إِلى وحدات تتكوَّن كلُّ وحدةٍ من عشرة أشخاص، أو مئة شخصٍ، أو ألف شخصٍ، وخصَّص خمس الغنائم للإِنفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لا يجتمع إِلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصَّة، يتمُّ تدريبه فيها.
كما أنَّه أضاف جيشاً آخر عرف بالإِنكشارية شكَّله من المسلمين الجدد الَّذين ازداد عددهم بعد اتِّساع رقعة الدَّولة، وانتصاراتهم الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعدادٍ كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإِسلام، ثمَّ انضمامهم إِلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإِسلام، فبعد أن يعتنقوا الإِسلام ويتمَّ تربيتهم تربيةً إِسلاميَّةً فكريَّاً، وحربيَّاً يعيَّنون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء، والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حبِّ الجهاد، والذَّود عن الدِّين والشَّوق إِلى نصرته، أو الشَّهادة في سبيله، وأصبح شعارهم (غازياً أو شهيداً) عندما يذهبون إِلى ساحة الوغى.
ولقد زعم معظم المؤرِّخين الأجانب: أنَّ جيش الإِنكشارية تكوَّن من انتزاع أطفال النَّصارى من بين أهاليهم، ويجبرونهم على اعتناق الإِسلام بموجب نظامٍ، أو قانونٍ زعموا: أنَّه كان يدعى بنظام (الدَّفشرية)، وزعموا: أنَّ هذا النِّظام كان يستند إِلى ضريبةٍ إِسلاميَّةٍ شرعيَّةٍ أطلقوا عليها اسم «ضريبة الغلمان» وأسموها أحياناً «ضريبة الأبناء» وهي ضريبةٌ زعموا: أنَّها تبيح للمسلمين العثمانيِّين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كلِّ مدينةٍ، أو قريةٍ نصرانيَّة باعتبارهم خمس الغنائم الَّتي هي حصَّة بيت مال المسلمين، ومن هؤلاء المؤرِّخين الأجانب الَّذين افتروا على الحقيقة: كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب.
إِنَّ الحقيقة تقول: إِنَّ نظام الدَّثرمة المزعوم ليس سوى كذبةٍ دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان، ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيِّين قاطبةً، فلم يكن نظام الدَّثرمة إِلا اهتماماً من الدَّولة العثمانية بالمشرَّدين من الأطفال النَّصارى الَّذين تركتهم الحروب المستمرَّة أيتاماً، أو مشرَّدين، فالإِسلام الَّذي تدين الدَّولة العثمانيَّة به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمَّى بضريبة الغلمان الَّتي نسبها المغرضون من المؤرِّخين الأجانب إِليها.
لقد كانت أعدادٌ هائلةٌ من الأطفال فقدوا آباءهم، وأمَّهاتهم بسبب الحروب، والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيُّون إِلى احتضان أولئك الأطفال الَّذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم، وأمَّهاتهم، وحرصوا على تأمين مستقبلٍ كريمٍ لهم، وهل من مستقبلٍ كريمٍ، وأمينٍ إِلا في الإِسلام، أفإِن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشرَّدون التَّائهون الإِسلام، انبرى المفترون يزعمون: أنَّ المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمَّهاتهم، ويكرهونهم على الإِسلام؟!
الحقيقة تقول: كلُّ من ذكر ضريبة الغلمان، أو أخذهم بالقوَّة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليلٌ إِلا كتب المستشرقين، كالمؤرِّخ النَّصرانيِّ سوموفيل، أو بروكلمان، وهؤلاء لا يُطمأنُّ إِليهم في كتابة التَّاريخ الإِسلامي، ولا إِلى نواياهم تجاه الإِسلام، وتاريخ الإِسلام.
إِنَّ حقيقة الجيش الجديد الَّذي أنشأه أورخان بن عثمان هو تشكيل جيشٍ نظاميٍّ يكون دائم الاستعداد والتَّواجد قريباً منه في حالة الحرب، أو السِّلم على حدٍّ سواءٍ، فَشُكِّل من فرسان عشيرته، ومن مجاهدي النَّفير الَّذين كانوا يسارعون لإِجابة داعي الجهاد، ومن أمراء الرُّوم، وعساكرهم الَّذين دخل الإِسلام في قلوبهم، وحسن إِسلامهم.
وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر، وسطها هلال، وتحت الهلال صورةٌ لسيفٍ أطلقوا عليه اسم «ذو الفقار» تيمُّناً بسيف الإِمام عليٍّ، رضي الله عنه.
لقد كان علاء الدِّين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة، وكان عالماً في الشَّريعة ومشهوراً بالزُّهد، والتَّصوُّف الصَّحيح.
وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد، ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيِّين، الَّذين أسلموا، وحسن إِسلامهم، فضمَّهم إِلى الجيش، واهتمَّ اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربيةً إِسلاميَّة جهاديَّةً.
ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضمُّ آلافاً من المجاهدين في سبيل الله.
وخلاصة القول: إِنَّ السُّلطان أورخان لم ينتزع غلاماً نصرانيَّاً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانيَّاً واحداً على اعتناق الإِسلام، وأنَّ كل ما زعمه بروكلمان، وجب، وجيبونز كذبٌ، واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإِسلاميِّ.
إِنَّ مقتضيات الأمانة العلميَّة، والأخوَّة الإِسلاميَّة تضع في عنق كلِّ مسلم غيور، وخاصَّةً العلماء، والمثقَّفين، والمفكِّرين، والمؤرِّخين، والمدرِّسين، والباحثين، والإِعلاميِّين أمانة نسف هذه الفرية، ودحض هذه الشُّبهة الَّتي أُلصقت بالعثمانيِّين، وأصبحت كأنَّها حقيقةٌ لا تقبل النقاش، والمراجعة، والحوار.

 

ثانيًا: سياسة أورخان الدَّاخليَّة والخارجيَّة:
كانت غزوات أورخان منصبَّةً على الرُّوم، ولكن حدث في سنة (736هـ - 1336م) أن توفي أمير قره سي ـ وهي إِحدى الإِمارات الَّتي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الرُّوم، واختلف ولداه من بعده، وتنازعا الإِمارة، واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخَّل في النِّزاع، وانتهى بالاستيلاء على الإِمارة، وقد كان مما تهدف إِليه الدَّولة العثمانيَّة النَّاشئة أن ترث دولة سلاجقة الرُّوم في آسيا الصغرى، وترث ما كانت تملكه، واستمرَّ الصِّراع لذلك بينها وبين الإِمارات الأخرى حتَّى أيَّام الفاتح، حيث تمَّ إِخضاع آسيا الصُّغرى برمَّتها لسلطانه.
واهتمَّ أورخان بتوطيد أركان دولته، فعمد إِلى الأعمال الإِصلاحيَّة، والعمرانيَّة، ونظَّم شؤون الإِدارة، وقوَّى الجيش، وبنى المساجد، وأنشأ المعاهد العلميَّة وأشرف عليها خيرة العلماء، والمعلِّمين، وكانوا يحظون بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في الدَّولة، وكانت كلُّ قريةٍ بها مدارسها، وكلُّ مدينةٍ بها كلِّيتها الَّتي تعلم النَّحو، والتَّراكيب اللُّغوية، والمنطق، والميتافزيقا، وفقه اللُّغة، وعلم الإِبداع اللُّغوي، والبلاغة، والهندسة، والفلك وبالطَّبع تحفيظ القرآن، وتدريس علومه، والسُّنة، والفقه، والعقائد.
وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إِمارة «قره سي» عشرين سنةً دون أن يقوم بأيِّ حروب، بل قضاها في صقل النُّظم المدنيَّة، والعسكريَّة الَّتي أوجدتها الدَّولة، وفي تعزيز الأمن الدَّاخلي، وبناء المساجد، ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامَّة الشَّاسعة، ممَّا يشهد بعظمة أورخان، وتقواه، وحكمته، وبعد نظره، فإِنَّه لم يشنَّ الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسُّع، وإِنَّما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي الَّتي يتاح له ضمُّها، وحرص على طبع كلِّ أرضٍ جديدةٍ بطابع الدَّولة المدنيِّ، والعسكريِّ، والتَّربويِّ، والثَّقافيِّ، وبذلك تصبح جزءاً لا يتجزَّأ من أملاكهم؛ بحيث أصبحت أملاك الدَّولة في آسيا الصُّغرى متماثلةً، ومستقرَّةً.
وهذا يدلُّ على فهم، واستيعاب أورخان لسنَّة التدرُّج في بناء الدُّول، وإقامة الحضارة، وإِحياء الشُّعوب.
وفي عام 1358م أصاب زلزالٌ مدينة تراقيا، فانهارت أسوار غاليبولي، وهجرها أهلها ممَّا سهل على العثمانيِّين دخولها. وقد احتجَّ الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى ـ وكان ردُّ أورخان: إنَّ العناية الإِلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قوَّاته! وما لبثت غاليبولي أن أصبحت أوَّل قاعدة عثمانيَّة في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى الَّتي تُوِّجت في النهاية بالاستيلاء على كلِّ شبه جزيرة البلقان.
وحين انفرد حنَّا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة؛ أقرَّ كلَّ فتوح أورخان في أوربا في مقابل تعهد السُّلطان بتسهيل وصول الطَّعام، والمؤن إِلى القسطنطينيَّة، وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدَّعوة إِلى الإِسلام، ومنع تمكُّن النَّصارى من طرد العثمانيِّين من أوربا.

 

ثالثاً: العوامل الَّتي ساعدت السُّلطان أورخان في تحقيق أهدافه:
1ـ المرحليَّة الَّتي سار عليها أورخان، واسْتِفادتُه من جهود والده عثمان، ووجود الإِمكانيَّات المادِّيَّة، والمعنويَّة الَّتي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطيَّة في الأناضول، وتدعيم سلطتهم فيها. ولقد تميَّزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة، والحاسمة في توسيع دولته، ومدِّ حدودها، ولم ينتبه العالَم المسيحيُّ إِلى خطورة الدَّولة العثمانيَّة إِلا بعد أن عبروا البحر، واستولوا على غاليبولي.
2ـ كان العثمانيُّون ـ يتميَّزون ـ في المواجهة الحربيَّة الَّتي تمَّت بينهم وبين الشُّعوب البلقانيَّة ـ بوحدة الصَّفِّ، ووحدة الهدف، ووحدة المذهب الدِّينيِّ، وهو المذهب السُّنِّيُّ.
3ـ وصول الدَّولة البيزنطيَّة إِلى حالةٍ من الإِعياء الشَّديد، وكان المجتمع البيزنطيُّ قد أصابه تفكُّكٌ سياسيٌّ، وانحلالٌ دينيٌّ واجتماعيٌّ، فسهَّل على العثمانيِّين ضمَّ أقاليم هذه الدَّولة.
4ـ ضعف الجبهة المسيحيَّة نتيجةً لعدم الثِّقة بين السُّلطات الحاكمة في الدَّولة البيزنطيَّة، وبلغاريا، وبلاد الصِّرب، والمجر، ولذلك تعذَّر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السِّياسيَّة، والعسكريَّة للوقوف في جبهةٍ واحدةٍ ضدَّ العثمانيِّين.
5ـ الخلاف الدِّيني بين روما والقسطنطينيَّة؛ أي: بين الكاثوليك، والأرثوذكس، الذي استحكمت حلقاته، وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.
6ـ ظهور النِّظام العسكري الجديد على أسسٍ عقديَّةٍ، ومنهجيَّةٍ تربويَّةٍ، وأهدافٍ ربَّانيَّةٍ، وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيِّين.

 

المراجع:
1. أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التَّاريخ العثماني، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
2. إسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3. جمال عبد الهادي وآخرون، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
4. زيادة أبو غنيمة، جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيِّين، دار الفرقان، الطَّبعة الأولى 1403 ـ 1983م.
5. سالم الرشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
6. عبد اللطيف دهيش، قيام الدَّولة العثمانيَّة، الطَّبعة الثَّانية، 1416هـ/1995م، مطبعة النَّهضة الحديثة، مكَّة المكرَّمة.
7. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م.
8. محمد حرب، العثمانيُّون في التَّاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الأولى 1409هـ/1989م.

 

استقطبت الدراما التاريخية التركية وخاصة المسلسل التاريخي الأخير "قيامة أرطغرل" أنظار المتابعين حول نشأة الدولة التركية العثمانية في الأناضول، ومهما تداخلت الدراما ومبالغاتها مع المشاهد التاريخية الحقيقية ولكنها تعكس صورة وتعطي فكرة عامة عن بدايات نشوء دولة آل عثمان التي حكمت العالم الإسلامي قرونًا طويلة من الزمن.

لقد قَدِمَ العثمانيون الأتراك من بلاد الشرق وهم من أصول مغولية، أيّ من أبناء البشرة الصفراء إذا جاز التعبير، ودائمًا يحدث خلط كثير بين أصول هؤلاء الأقوام وموطنهم في الأناضول، وقبل قيام دولتهم في الأناضول دخل متطوعون ومماليك كثر منهم في الجيوش الإسلامية في العصر الأموي والعباسي والأيوبي، وتقلدوا أرفع المراتب العسكرية حتى وصلوا للسلطة فيما بعد، وشكلوا دولًا حكمت بلاد المسلمين سواء كانت الزنكية أو المملوكية أم السلجوقية وآخرها الدولة العثمانية.

1- نشأة العثمانيين وأصولهم:

ينتسب العثمانيون إلى قبيلة تركمانية كانت تعيش في كردستان وتزاول حرفة الرعي في القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي، واتصف الأتراك بأنهم قبائل بدوية امتهنت الحرب والفروسية والغزو في وقت مبكر، وقد كان هؤلاء من أشد المقاتلين صلابة وأكثرهم شدة في الحرب، ومنهم الفرسان الذين لا يشق لهم غبار، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان جد عثمان غازي هاجر مع قبيلته من كردستان إلى بلاد الأناضول في عام (617هـ - 1220م)، فاستقر في مدينة أخلاط في شرقي الأناضول.

بعد وفاة سليمان شاه، غرقًا في نهر الفرات أثناء عبوره، خلفه ابنه الأوسط أرطغرل (628هـ - 1230م)، الذي واصل تحركه نحو الشمال الغربي من الأناضول، وكان معه حوالي 100 أسرة وأكثر من 400 فارس، وحين كان أرطغرل والد عثمان فارًّا بعشيرته التي لم يتجاوز تعدادها 400 عائلة، من ويلات الهجمة المغولية، فإذا به يسمع عن بُعد جلبة وضوضاء، فلما دنا منها وجد قتالًا حاميًا بين مسلمين ونصارى، وكانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن تقدم بكل حماس وثبات لنجدة إخوانه في الدين والعقيدة، فكان ذلك التقدم سببًا في نصر المسلمين على النصارى.

وبعد انتهاء المعركة، قدَّر السلطان السلجوقي في قونية هذا الموقف لأرطغرل ومقاتليه، فأقطعهم أرضًا "سوغوت" على الحدود الغربية للأناضول بجوار الثغور مع الروم البيزنطيين ولقبه أمير القبائل التركية في تلك النواحي، وفتح السلاجقة بذلك الطريق لأرطغرل وأبنائه للتوسع على حساب الروم، وكسب السلاجقة بذلك حليفًا قويًا ومشاركًا في الجهاد ضد الروم، وقد قامت بين هذه الدولة الناشئة وبين سلاجقة الروم علاقة حميمية نتيجة وجود عدو مشترك لهم في العقيدة والدين، وقد استمرت هذه العلاقة طيلة حياة أرطغرل، حتى إذا توفي سنة (699هـ/ 1299م) خلفه من بعده في الحكم ابنه عثمان؛ الذي سار على سياسة أبيه السابقة في التوسع في أراضي الروم والتعاون مع السلاجقة في حروبهم وتحالفاتهم وتنسيق العلاقات معهم.

2- عثمان مؤسس الدولة العثمانية:

ولد عثمان بن أرطغرل في عام 656ه - 1258م، وإليه تنسب الدولة العثمانية، وتزامنت ولادته مع الغزو المغولي لبغداد بقيادة هولاكو، وقد كان غزو عاصمة الخلافة العباسية من الأحداث العظيمة، والمصائب الجسيمة.

ولا يستعجل أهل الحق وعد الله عز وجل لهم بالنصر والتمكين، فلا بد من مراعاة السنن الشرعية، والسنن الكونية، ولا بد من الصبر على دين الله عز وجل: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد :4]. والله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه، وأتى به شيئاً فشيئاً، بالتدرج أو دفعة واحدة، وبدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وعندما نتأمل في سيرة عثمان غازي الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصه، كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات:

الشجاعة، والحكمة، والإخلاص، والصبر، والجاذبية الإيمانية، وعدله، والوفاء، والتجرد لله في فتوحاته، ولقد كانت شخصية عثمان متزنة وخلابة، بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاً لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة، وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكانة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، وقد كانت رعاية الله له عظيمة، ولذلك فتح الله له باب التوفيق، وحقق له ما تطلع إليه من أهداف وغاية سامية، لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة إلى الله؛ فقد فتح الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم إلى الحق، والإيمان بالله تعالى، وكان حريصاً على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياً لأهل الكفران.

3- الدستور الذي سار عليه العثمانيون:

كانت حياة الأمير عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، جهادًا ودعوة في سبيل الله، وكان علماء الدين يحيطون بالأمير، ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة، ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت، وكانت تلك الوصية ذات دلالة حضارية ومنهجية شرعية، سارت عليها الدولة العثمانية واتخذها خلفاؤه دستورًا فيما بعد، يقول عثمان في وصيته لابنه:

أ- يا بني، إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين.

ب- إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً.

جـ- يا بني، أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم وأكثر من تبجيلهم.

د- اعلم يا بني أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنقك.

هـ- يا بني، أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود.

و- ولا يغرنك الشيطان بجندك ومالك.

ز- وإن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق فتحدث مرضاة الله عز وجل.

حـ- من انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الأعظم يوم المحشر.

ط- يا بني، لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا وبالإسلام نموت.

هذه الوصية الخالدة هي التي نهضت بها دولة آل عثمان وسار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم، وترك عثمان الأول الدولة العثمانية، وكانت مساحتها 16 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذًا على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم حاضرتين بيزنطيتين في ذلك الزمان؛ وهما أزنيق، وبورصة.

 

مراجع المقال:

1- أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان، ص 405 – 409.

2- أخبار الأمراء والملوك السلاجقة، تحقيق: محمد نور الدين، ص. ص 2 – 4.

3- بارتولد، تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد العيد، ص 106.

4- عبد اللطيف دهيش، قيام الدولة العثمانية، ص 8.

5- علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار ابن كثير، بيروت.

6- محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي، ص. ص 12 - 13.

7- مراد الشوابكي، من هم العثمانيون، 1 مارس 2015، رابط: https://bit.ly/2JuRzfG

 


رسمت خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه معالم الدولة الإسلامية الأولى ودستورها الرشيد بعد وفاة النبي الكريم (ص). فقد خشي جموع الصحابة ورجالات الأمة الكبار والمسلمين على مسيرة الدعوة وتماسك المجتمع الإسلامي، لكن الجواب أتى من خليفة رسول الله الصديق (ر). فقد بدت في خطبته سمات ومعالم طريق دولة الخلافة في عباراته: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»1. فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي وتوطيد دعائم الحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولًا، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل 2. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل3، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُبل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو مالًا، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل4. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، آية: 8).
لقد كان الصّدِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، لأن العدل في نظره دعوة عملية للإسلام والسلام، فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى5. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ..... فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها6.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء7.
كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس 8.
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرّقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير9، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها ... إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُؤمِّن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة10.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر11.
وبناء على ما سبق رفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض 12. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال13 .فكيف إن كانت دولة مسلمة وعادلة بآن معًا؟ هنا تتحقق عزة وقوة ورخاء ساكنيها جميعًا.

- المراجع:
1- البداية والنهاية (6/ 305).
2- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 455.
3- تفسير الرازي (10/ 141).
4- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 459.
5- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 128.
6- المصدر نفسه، ص: 128.
7- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 461.
8- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
9- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
10- أبو بكر رجل الدولة، ص: 48.
11- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 130.
12- المصدر نفسه، ص: 130.
13- المصدر نفسه، ص: 130.

الصفحة 1 من 8
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top